سًيًدِتّيً
2.59K subscribers
9.29K photos
492 videos
128 files
1.24K links
قناة سيدتي كل ما يهم المرأة
كل مايهم المرأة العصرية والفتاة العربية .
@Sayidati
Download Telegram
*أُمُّ زَرْعٍ وَجَمَالُ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ*

مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي تَنَالُهَا المَرْأَةُ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ، أَنْ تَحْظَى بِعَائِلَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، عَاقِلَةٍ، تَحُوطُهُمُ المَحَبَّةُ، وَالتَّسَامُحُ، وَجَمِيلُ الأَخْلَاقِ، بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنِ المَشَاكِلِ؛ لَا مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ، وَلَا مِنَ الأَبْنَاءِ، وَلَا مِنَ الخَدَمِ.
وَقَدْ حَظِيَتْ أُمُّ زَرْعٍ بِهَذَا كُلِّهِ. وَهِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِتَفَاصِيلِهِ فَقَالَتْ:
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
هَذِهِ هِيَ البِيئَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِأُمِّ زَرْعٍ، وَلَكِنَّ هَذَا الكَلَامَ العَرَبِيَّ الفَصِيحَ الَّذِي وَصَفَتْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ أَفْرَادَ هَذِهِ البِيئَةِ يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ لِيَتَّضِحَ لَنَا جَمَالُ هَذِهِ البِيئَةِ، وَمَدَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ، لِنَتَسَاءَلَ بَعْدَهَا:
كَيْفَ فَقَدَتْ هَذَا النَّعِيمَ؟
وَهَلْ تَسَبَّبَتْ فِي فَقْدِهِ بِسُوءِ تَصَرُّفَاتِهَا؟

وَقَبْلَ الإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نُبَيِّنُ جَمَالَ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْهَا أُمُّ زَرْعٍ.
أَوَّلًا: أُمُّ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ زَرْعٍ:
عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
مَدَحَتْ أُمُّ زَوْجِهَا بِأَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: مَدَحَتْهَا فِي نَفْسِهَا بِأَنَّ عُكُومَهَا رَدَاحٌ.
وَالعُكُومُ لَهَا مَعْنَيَانِ؛ المَعْنَى الأَوَّلُ: هِيَ مَا يُشْبِهُ الخَزَائِنَ أَوِ الحَقَائِبَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الأَمْتِعَةُ، وَوَصَفَتْهَا بِأَنَّهَا ثَقِيلَةٌ مُمتَلِئَةٌ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((العُكُومُ: الأَحْمَالُ وَالأَعْدَالُ الَّتِي فِيهَا الأَوْعِيَةُ مِنْ صُنُوفِ الأَطْعِمَةِ وَالمَتَاعِ، وَاحِدُهَا عُكْمٌ. وَقَوْلُهَا: رَدَاحٌ. تَقُولُ: هِيَ عِظَامٌ كَثِيرَةُ الحَشْوِ)). (غريب الحديث 2/ 191)
المَعْنَى الثَّانِي: يَعْنِي أَرْدَافَ المَرْأَةِ، وَيُسَمَّى كِفْلًا. فَالمَعْنَى أَنَّ أَرْدَافَهَا عَظِيمَةٌ، وَمِنْ عِظَمِهَا أَنَّهَا تَتَثَنَّى مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْمِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى بِالعُكُومِ وَرَدَاحَتِهَا عَنْ كَفَلِهَا وَعِظَمِهِ، كَمَا قَالُوا: جَارِيَةٌ رَدَاحٌ، أَيْ عَظِيمَةُ الكَفَلِ، وَجَعَلَ لِلكَفَلِ عُكُومًا وَهُوَ جَمْعٌ؛ لِعِظَمِهِ، كَأَنَّ كُلَّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ عُكْمٌ)). (بغية الرائد ص252)
وَكِلَا المَعْنَيَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ أُمَّ أَبِي زَرْعٍ كَانَتْ تَعِيشُ عِيشَةَ الأَغْنِيَاءِ المُنَعَّمِينَ حَتَّى أَصْبَحَ عِنْدَهَا خَزَائِنُ لِأَمْتِعَتِهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا، وَهِيَ قَدْ أَصَابَتْ مِنَ الطَّعَامِ مَا تَرَكَ أَثَرَهُ عَلَى جَسَدِهَا مِنَ الشَّحْمِ وَالنَّعِيمِ وَنَضَارَةِ الجِسْمِ.

الثَّانِي: مَدَحَتْ بَيْتَهَا، وَوَصَفَتْهُ بِالسَّعَةِ فِي خَيْرَاتِهِ وَفِنَائِهِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَكَنَّى بِسَعَةِ البَيْتِ وَفَسْحَةِ الفِنَاءِ عَنْ كَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَرَغَدِ عَيْشِهِ، وَالبِرِّ بِنَازِلِهِ، كَمَا كَنَّوْا بِالرَّحْبِ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: مَرْحَبًا، وَقَالُوا: فُلَانٌ رَحْبُ المَنْزِلِ، وَلَا يُرِيدُونَ سَعَةَ قَطْرِهِ، بَلْ كَثْرَةَ خَيْرِهِ، وَوُفُورَ بِرِّهِ)). (بغية الرائد ص252)
وَلَكِنْ لِمَاذَا مَدَحَتْ أُمَّ زَوْجِهَا
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَأَشَارَتْ بِوَصْفِ وَالِدَةِ زَوْجِهَا إِلَى أَنَّ زَوْجَهَا كَثِيرُ البِرِّ لِأُمِّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَطْعَنْ فِي السِّنِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ وَالِدَةٌ تُوصَفُ بِمِثْلِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 270)
فَهَذَا مَدْحٌ لِزَوْجِهَا وَلِأُمِّهِ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَتْ أُمُّ زَوْجِهَا صَغِيرَةَ السِّنِّ، وَلَمْ تَحْدُثْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ زَرْعٍ مَشَاكِلُ تَتَعَلَّقُ بِالغَيْرَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَهَذَا نَعِيمٌ كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ مُنَافِسَةٍ لَهَا عَلَى قَلْبِ هَذَا الشَّابِّ الكَرِيمِ أَبِي زَرْعٍ.

ثَانِيًا: ابْنُ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهُ أُمُّ زَرْعٍ:
مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ.
مَدَحَتْهُ بِنَحَافَةِ الجِسْمِ، الَّذِي يَكْفِيهِ المَكَانُ الضَّيِّقُ، مِثْلُ عُودِ الحَصِيرِ، وَيَكْفِيهِ القَلِيلُ مِنَ الطَّعَامِ، فَهُوَ لَيْسَ بِأَكُولٍ، يُتْعِبُهَا فِي طَلَبِ الطَّعَامِ وَكَثْرَتِهِ وَتَنَوُّعِهِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((كَنَّتْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَضْجَعَهُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ فِي الضِّيقِ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا سُلَّتْ مِنَ الحَصِيرِ فَبَقِيَ مَكَانُهَا فَارِغًا بَيْنَ أَخَوَاتِهَا، وَهُوَ مِمَّا يَتَمَادَحُ بِهِ رِجَالُ العَرَبِ)). (بغية الرائد ص255)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَكَذَا قَوْلُهَا: يُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَا عِنْدَهَا بِالأَكْلِ فَضْلًا عَنِ الأَخْذِ، بَلْ لَوْ طَعِمَ عِنْدَهَا لَاقْتَنَعَ بِاليَسِيرِ الَّذِي يَسُدُّ الرَّمَقَ مِنَ المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ)). (فتح الباري 9/ 270)
وَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُهُ مَعَ ابْنِ أَبِي زَرْعٍ.

ثَالِثًا: بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ زَرْعٍ:
طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
مَدَحَتْهَا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
الأَوَّلُ: طَاعَتُهَا لِوَالِدَيْهَا، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ مَا يُسْعِدُ المَرْأَةَ أَنْ تَكُونَ ابْنَتُهَا مُطِيعَةً لَهَا؛ لِأَنَّ البِنْتَ عَادَةً تُنَافِسُ أُمَّهَا عَلَى قَلْبِ الأَبِ، وَكَثِيرًا مَا تَحْصُلُ المَشَاكِلُ بَيْنَ البِنْتِ وَأُمِّهَا بِسَبَبِ العِنَادِ وَالغَيْرَةِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَيْ: أَنَّهَا بَارَّةٌ بِهِمَا، غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ رَأْيِهِمَا؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِفَّتِهَا وَعَقْلِهَا)). (بغية الرائد ص269)

الثَّانِي: مَدَحَتْ جَمَالَ جِسْمِهَا، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهَا بِأَنَّهَا مُمتَلِئَةُ الجِسْمِ، كَثِيرَةُ اللَّحْمِ، وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِامْتِلَاءِ كِسَائِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ إِلَّا لِعِظَمِ جِسْمِهَا، وَكَمَالِ شَخْصِهَا، وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا، وَنِعْمَةِ جِسْمِهَا، وَهَذَا مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ النِّسَاءُ، وَيُذْمَمْنَ بِضِدِّهِ)). (بغية الرائد ص261)
الثَّالِثُ: بِأَنَّ قَرِينَاتِهَا يَغَرْنَ مِنْهَا لِمَا تَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الجَمَالِ وَحُسْنِ الأَخْلَاقِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((ثُمَّ أَكَّدَتِ الثَّنَاءَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا خَيْرُ نِسَائِهَا، أَيْ: نِسَاءِ وَقْتِهَا أَوْ قَوْمِهَا، وَأَنَّهَا لِتَمَامِ حُسْنِهَا، وَتَشَابُهِ خَلْقِهَا فِي الكَمَالِ وَخُلُقِهَا: غَيْظُ جَارَتِهَا، أَيْ: ضَرَّتِهَا أَوْ مُجَاوِرَتِهَا، وَأَنَّ مَا تَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ يَغِيظُهَا وَتَغَارُ لَهُ، وَتَحَارُ مِنْهُ)). (بغية الرائد ص266)
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي مَدْحِ أُمِّ زَرْعٍ لِعَائِلَتِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا رَكَّزَتْ عَلَى المَظْهَرِ الجَمَالِيِّ لِلْجَسَدِ، وَلَا غَرَابَةَ؛ فَنِسَاءُ الجَاهِلِيَّةِ أَقْصَى مَا عِنْدَهُنَّ هُوَ الِاهْتِمَامُ بِالجَسَدِ، أَمَّا عَقْلُ المَرْأَةِ وَقَلْبُهَا فَهَذَا عِنْدَ مَنْ تَمَسَّكَ بِتَعَالِيمِ الإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَحَتَّى المُسْلِمَاتُ اليَوْمَ انْشَغَلْنَ بِصِنَاعَةِ الجَسَدِ عَلَى الطَّرِيقَةِ وَالمَقَايِيسِ الأُورُبِّيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ.
أَسْأَلُ اللَّهَ لَهُنَّ الهِدَايَةَ، وَالتَّوْفِيقَ.

رَابِعًا: خَادِمَةُ أَبِي زَرْعٍ:
مَدَحَتْهَا بِثَلَاثِ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ تَتَمَنَّاهَا كُلُّ امْرَأَةٍ فِي خَادِمَتِهَا، فَقَالَتْ:
لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهَا بِالأَمَانَةِ عَلَى السِّرِّ وَالمَالِ، وَالقِيَامِ بِمَصَالِحِ خِدْمَتِهِم، وَالنُّصْحِ لَهُمْ، وَأَنَّهَا لَا تُفْشِي لَهُمْ حَدِيثًا وَلَا تُبَذِّرُ لَهُمْ طَعَامًا، وَلَا تَخُونُ فِيهِ، وَلَا تَنْقُلُهُ إِلَى غَيْرِهِم، وَلَا تُفْسِدُهُ وَتُضَيِّعُهُ، وَلَا تُدْخِلُ بَيْنَهُمُ الضَّغَائِنَ، وَلَا تُهْمِلُ أَمْرَ خِدْمَتِهِم وَصَلَاحِ مَنْزِلِهِم)). (بغية الرائد ص276)
فَهَذِهِ خَادِمَةٌ حَاصِلَةٌ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّقْيِيمِ فِي عَمَلِ البَيْتِ.
هَذَا جُزْءٌ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُ فِيهِ أُمُّ زَرْعٍ، وَتَتَمَنَّاهُ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي حَيَاتِهَا.

فَكَيْفَ خَسِرَتْ هَذَا النَّعِيمَ؟
وَهَلْ فِعْلًا السَّبَبُ كَمَا ذَكَرَتْ فِي نِهَايَةِ حَدِيثِهَا: خَرَجَ فَنَظَرَ فَطَلَّقَ؟!
أَمْ أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى أَخْفَتْهَا كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ لِلطَّلَاقِ؟!

نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
18 رمضان 1447هـ
*هَلْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ فِي طَلاقِ أُمِّ زَرْعٍ*

عِنْدَمَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ، نَسْمَعُ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الزَّوْجَةِ الأُولَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ أَفْسَدَتْ عَلَى الأُولَى حَيَاتَهَا، أَوْ أَنَّهَا خَرَّبَتْ بَيْتَ الأُولَى، بَلْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ (لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَرِّبَ بَيْتَ الأُولَى) دَارِجَةً عَلَى لِسَانِ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَقَدَّمُ لِلزَّوَاجِ مِنْهُنَّ رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ.

فَمَا مَدَى صِحَّةِ هَذِهِ العِبَارَةِ؟
أَوَّلًا: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ سَبَبًا لِخَرَابِ البُيُوتِ، وَلَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ.
فَتَشْرِيعُ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ، وَأَيُّ اعْتِرَاضٍ أَوْ طَعْنٍ عَلَى مَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ، وَطَعْنٌ فِي شَرْعِهِ المَبْنِيِّ عَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
ثَانِيًا: اشْتَرَطَ اللَّهُ العَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَإِضَافَةُ أَيِّ شَرْطٍ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ اتِّهَامٌ لِشَرْعِ اللَّهِ بِالنَّقْصِ، وَهَذَا طَعْنٌ صَرِيحٌ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَفِي حُكْمِهِ.
ثَالِثًا: التَّطْبِيقُ الخَاطِئُ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ لِمَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ، وَإِخْلَالُهُمْ بِالعَدْلِ، لَا يُجِيزُ لَنَا الطَّعْنَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، فَتَقْصِيرُ الرِّجَالِ فِي العَدْلِ مِثْلُ تَقْصِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي الِالْتِزَامِ بِشَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمُورٍ أُخْرَى.
فَزَوَاجُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ فِي فَسَادِ بَيْتِهِ إِذَا فَسَدَ.
فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي فَسَادِ البُيُوتِ فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟ وَمَنِ المُتَسَبِّبُ فِي ذَلِكَ، أَهُوَ الرَّجُلُ أَمِ المَرْأَةُ؟
وَمَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِقِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ؟
لَعَلَّنَا نُجِيبُ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ مِنْ خِلَالِ التَّأَمُّلِ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا أَبُو زَرْعٍ.

أَوَّلًا: كَيْفَ عَلِمَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ وَشَكْلِ نُهُودِ المَرْأَةِ؟:
وَصَفَتْ أُمُّ زَرْعٍ شَكْلَ نُهُودِ المَرْأَةِ وَشَبَّهَتْهُمَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، وَجَزْمًا لَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ مُتَعَرِّيَةً حَتَّى يَرَى أَبُو زَرْعٍ ذَلِكَ مِنْهَا.
فَكَيْفَ عَرَفَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ صَدْرِهَا؟
لَابُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ لِبَاسًا يُفَصِّلُ جَسَدَهَا، وَإِلَّا لَمَا عُرِفَ حَجْمُ نُهُودِهَا.
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ الإِسْلَامُ عَلَى المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ جَسَدِ المَرْأَةِ يفْتِنُ الرَّجُلَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ المُفَصِّلِ لِلْجَسَدِ، وَالَّتِي مِنْهَا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ ‌كَاسِيَاتٌ ‌عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (رواه مسلم)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَمَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ بِالِاسْمِ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ إِذْ لَا تَسْتُرُهُنَّ تِلْكَ الثِّيَابُ)). (الاستذكار 8/ 307)
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَثْبَتَ لَهُنَّ الكِسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ العَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 8/ 2491)
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يُرِيدُ كَاسِيَةً بِالثِّيَابِ الوَاصِفَةِ لِأَجْسَامِهِنَّ لِغَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ)). (شرح صحيح البخاري 3/ 116)
فَالمَلَابِسُ الَّتِي تَصِفُ جِسْمَ المَرْأَةِ وَمَفَاتِنَهَا تُخْرِجُهَا كَأَنَّهَا عَارِيَةٌ، فَيَعْلَمُ الرَّجُلُ كُلَّ تَفَاصِيلِ جَسَدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي مَنْعِ المَرْأَةِ مِنْ لُبْسِ مَا يَصِفُ جِسْمَهَا، حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا ‌غِلالَةً، إِنِّي أَخَافُ أَنْ ‌تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا)). (رواه أحمد)
قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالمُرَادُ أَنَّ القُبْطِيَّةَ بِرِقَّتِهَا تَلْصَقُ بِالجِسْمِ، فَتُبَيِّنُ حَجْمَ الثَّدْيَيْنِ، وَالرَّادِفَتَيْنِ، وَمَا يَشْتَدُّ مِنْ لَحْمِ العَضُدَيْنِ وَالفَخِذَيْنِ، فَيَعْرِفُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا مَقَادِيرَ هَذِهِ الأَعْضَاءِ، حَتَّى تَكُونَ كَالظَّاهِرَةِ لِلَحْظِهِ، وَالمُمْكِنَةِ لِلَمْسِهِ، فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ المَحَالِّ كَالوَاصِفَةِ لِمَا خَلْفَهَا، وَالمُخْبِرَةِ عَمَّا اسْتَتَرَ بِهَا؛ وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ العِبَارَاتِ عَنْ هَذَا المَعْنَى، وَلِهَذَا الغَرَضِ رَمَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: إِيَّاكُمْ وَلُبْسَ القُبَاطِيِّ؛ فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ تَشِفْ تَصِفْ)). (السمو الروحي ص66)
وَقَالَ أَحْمَدُ السَّاعَاتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((المَعْنَى أَنَّ ثَوْبَ المَرْأَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا أَيْ غَلِيظًا ضَيِّقًا يَصِفُ تَقَاسِيمَ جِسْمِ المَرْأَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَشَرَتِهَا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَالمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ المَرْأَةِ الظَّاهِرُ أَمَامَ النَّاسِ وَاسِعًا كَثِيفًا لَا يَصِفُ جِسْمًا وَلَا بَشَرَةً)). (الفتح الرباني 17/ 301)
فَهَذِهِ المَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ عَارِيَةً عَلَى الحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا لَبِسَتْ مَلَابِسَ غَطَّتْ بِهَا جِلْدَهَا، وَلَكِنْ لَمْ تُخْفِ حَجْمَ جَسَدِهَا وَمَفَاتِنَهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَبُو زَرْعٍ بَعْضَ هَذِهِ المَفَاتِنِ فُتِنَ بِهَا وَتَزَوَّجَهَا.
فَهَلْ تَقْبَلُ المَرْأَةُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ، وَهِيَ أَنَّ فَسَادَ البُيُوتِ سَبَبُهُ النِّسَاءُ المُتَبَرِّجَاتُ، الكَاسِيَاتُ العَارِيَاتُ، المَائِلَاتُ المُمِيلَاتُ، وَلَيْسَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟!

لِمَاذَا تَسْكُتُ المَرْأَةُ عَنِ التَّبَرُّجِ وَلَا تُنْكِرُ عَلَى المُتَبَرِّجَاتِ، وَلَا تُعَادِيهِنَّ كَمَا تُعَادِي مَنْ تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ثَانِيَةً؟!
هَلْ تَسْتَطِيعُ المَرْأَةُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا لِهَذَا الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ حُرْمَةُ لُبْسِ مَا يُفَصِّلُ بَدَنَهَا، أَنْ تَجْعَلَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ شَهْرَ رَمَضَانَ انْطِلَاقَةً لِتُغَيِّرَ لِبْسَهَا طَاعَةً لِلَّهِ؟
هَلْ أَدْرَكَتِ المَرْأَةُ أَنَّ الرَّجُلَ يُفْتَنُ بِجَسَدِهَا مِنْ شَكْلِهِ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ يَرَهُ عَارِيًا؟
بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ يُفْتَنُ الرَّجُلُ بِتَخَيُّلِ شَكْلِ المَرْأَةِ إِذَا وُصِفَتْ لَهُ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((‌لا ‌تُبَاشِرُ ‌الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يُعْجِبَ الزَّوْجَ الوَصْفُ المَذْكُورُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيقِ الوَاصِفَةِ أَوِ الِافْتِتَانِ بِالمَوْصُوفَةِ)). (فتح الباري 9/ 338)
إِذَا كَانَ هَذَا فِي الوَصْفِ، وَالرُّؤْيَةِ فِي الخَيَالِ، فَكَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ الرَّجُلِ إِذَا رَأَى بِعَيْنِهِ؟!
ثَانِيًا: هَلْ أَخْطَأَ أَبُو زَرْعٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي رَأَى مَحَاسِنَهَا؟
هَذِهِ القِصَّةُ وَالحَادِثَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَكُونَ هَمُّ الرَّجُلِ هُوَ شَكْل المَرْأَةِ وَحُسْنهَا وَجَمَالهَا.
مَعَ إِنَّ أَبَا زَرْعٍ كَانَتْ عِنْدَهُ أَسْبَابٌ أُخْرَى غَيْرُ الشَّكْلِ، مِثْلُ نَجَابَةِ الأَوْلَادِ، وَنَشَاطِ المَرْأَةِ وَقِيَامِهَا بِالأَعْمَالِ المَنُوطَةِ بِهَا.
وَلَكِنَّ العَتْبَ عَلَى الرَّجُلِ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي شَكْلِ المَرْأَةِ وَحُسْنِهَا، عَلَى حِسَابِ دِينِهَا وَأَخْلَاقِهَا.

وَمَعَ ذَلِكَ أَنْ يُقْدِمَ الرَّجُلُ عَلَى الزَّوَاجِ مِنِ امْرَأَةٍ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي الزِّنَا.
فَلَمْ يُخْطِئْ أَبُو زَرْعٍ عِنْدَمَا تَزَوَّجَ هَذِهِ المَرْأَةَ، بَلْ قَدْ أَحْسَنَ إِلَى نَفْسِهِ بِمَنْعِهَا مِنَ الوُقُوعِ فِي الزِّنَا.
لَقَدْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْهَا، وَلَكِنْ هَلْ كَانَتِ السَّبَبَ فِي طَلَاقِ أُمِّ زَرْعٍ؟

وَالسُّؤَالُ لِلْمُسْلِمَاتِ اليَوْمَ:
هَلْ تَرْضَى المَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ؟
وَهَلْ غَضَبُهَا مِنْ زَوَاجِهِ مِثْلُ غَضَبِهَا مِنْ وُقُوعِهِ فِي الزِّنَا مَعَ النِّسَاءِ؟

نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
20 رمضان 1447هـ
*هَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا؟*

إِنَّ اخْتِصَارَ أُمِّ زَرْعٍ لِقِصَّةِ طَلَاقِهَا جَعَلَ البَعْضَ يَبْحَثُ عَنِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ لِلطَّلَاقِ.

لِمَاذَا لَمْ يَقْتَنِعْ مَنْ تَأَمَّلَ الحَدِيثَ أَنَّ سَبَبَ الطَّلَاقِ هُوَ فَقَطْ مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ بِاخْتِصَارٍ؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَطَلَّقَهَا؟!

لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:
مِنْهَا: أَنَّ العَرَبَ عُرِفَ عَنْهُمْ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبُو زَرْعٍ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْقُصُهُ المَالُ، وَلَا إِمْكَانَاتُ الزَّوَاجِ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُهُ يَلْجَأُ إِلَى الطَّلَاقِ مُبَاشَرَةً؟!

وَمِنْهَا: أَنَّنَا عَرَفْنَا أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ أَنْ تُخْفِيَ بَعْضَ الحَقَائِقِ عِنْدَمَا تُرِيدُ أَنْ تُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهَا، بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الحَقَائِقِ أَوْ كِتْمَانِهَا عَلَى الأَقَلِّ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْنَا فِي حَلْقَةٍ سَابِقَةٍ نَمَاذِجُ مِنْ ذَلِكَ.

فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِطَلَاقِهَا؟
أَوَّلًا: أُمُّ زَرْعٍ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ فِطْرِيَّةٌ فِي المَرْأَةِ؛ فَالمَرْأَةُ تُحِبُّ التَّفَرُّدَ بِالزَّوْجِ، وَنَارُ الغَيْرَةِ تَغْلِي فِي قَلْبِهَا لَمَّا تَعْلَمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا.

هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ عَنْ كَرَاهِيَةِ حُكْمِ اللَّهِ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ، فَهِيَ لَا تَأْثَمُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ تَكْرَهُ حُكْمَ اللَّهِ فَهَذِهِ قَدْ يَؤُولُ بِهَا الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهَا وَتَدْخُلَ النَّارَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ: لَا يُرِيدُونَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾)). (تفسير ابن كثير 6/ 652)
فَلَا غَرَابَةَ أَنْ تَكْرَهَ أُمُّ زَرْعٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا.
ثَانِيًا: المُتَوَقَّعُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى زَوَاجِهِ، وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ تَخْتَلِفُ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى أُخْرَى بِحَسَبِ إِيمَانِ المَرْأَةِ، وَتَعَلُّقِهَا، وَشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لِزَوْجِهَا.

وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ لَهَا عِدَّةُ صُوَرٍ:
مِنْهَا: الرَّفْضُ التَّامُّ لِلْمَوْضُوعِ، وَهَذَا قَدْ يَجُرُّهَا إِلَى إِمَّا المُطَالَبَةِ بِطَلَاقِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِطَلَاقِهَا هِيَ.

وَمِنْهَا: الحُزْنُ الشَّدِيدُ وَعَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ، وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ.
وَمِنْهَا: الحُزْنُ وَالأَلَمُ، مَعَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، ثُمَّ السَّعْيُ فِي تَهْدِئَةِ النَّفْسِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ.
وَغَيْرُهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

فَالصُّورَةُ الأُولَى: مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تَسْأَلُ ‌طَلاقَ ‌أُخْتِهَا، لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فِيهِ النَّهْيُ لِلمَرْأَةِ وَالتَّغْلِيظُ عَلَيْهَا أَلَّا تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَلْتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا)). (شرح صحيح البخاري 7/ 273)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 220)

فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الثَّانِيَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ تَرْجِعَ لَهُ، أَوْ تَبْقَى مَعَهُ.
كَذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((‌أَيُّمَا ‌امْرَأَةٍ ‌سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)). (رواه أبو داود)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَفِيهِ أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي تَرْهِيبِ المَرْأَةِ مِنْ طَلَبِ طَلَاقِ زَوْجِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ)). (فتح الباري 9/ 402)
وَزَوَاجُ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا يُبِيحُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبِيحَةِ لِلطَّلَاقِ.
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِين رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَلَوْ ثَارَتِ الأُولَى عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الزَّوْجَةَ الأُولَى لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ التَّزَوُّجَ، فَلَا تُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَقَّ لَهَا – أَيْضًا – أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ إِنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجَةَ الجَدِيدَةَ)).
(الشرح الممتع 13/ 128)
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ الرَّاجِحِيُّ: ((وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ المَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا)). (توفيق الرب المنعم 7/ 117)

وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ، فَهَذَا وَصْفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالرَّجُلُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا حَتَّى يُقَالَ خَانَ الأَمَانَةَ، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ العِبَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنَ الغَرْبِ العِلْمَانِيِّ، وَرَوَّجْنَاهَا فِي الأَفْلَامِ وَالمُسَلْسَلَاتِ حَتَّى تَشَرَّبَتْهَا بَعْضُ القُلُوبِ المَرِيضَةِ.

فَمَا رَدَّةُ الفِعْلِ الَّتِي نَتَوَقَّعُهَا مِنْ أُمِّ زَرْعٍ، وَأَدَّتْ إِلَى طَلَاقِهَا؟
أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ لِرَدَّةِ الفِعْلِ فَلَا نَتَوَقَّعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا طَلَاقٌ.
تَبْقَى الصُّورَةُ الأُولَى لِرَدَّةِ الفِعْلِ، فَهَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ أَبِي زَرْعٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ إِلْحَاحِهَا عَلَيْهِ؟
جَاءَ فِي مُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ العَرَابِيِّ، وَمُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا سَبَبُ طَلَاقِهَا:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((أمَا تَرْضَينَ أنْ أكُونَ لَك كَأبي زَرْعِ لأمِّ زَرْعٍ؟)). قَالَتْ: وَكَانَ رَجُلًا يُكْنَى أبَا زَرْعٍ وامْرأتُهُ أمُّ زَرْعٍ فَكَانَ يُحْسِنْ إليْهَا فَتَقُولُ: أَحْسَنَ إِلَيَّ أَبُو زَرْعٍ، وَكَسَانِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَطْعَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَكْرَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الكَلَامِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ حَتَّى طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّ زَرْعٍ رَجُلًا فَأَكْرَمَهَا أَيْضًا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَكْرَمَنِي وَأَعْطَانِي، وَنَحْوَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وَتَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَلَوْ جُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا مَلَأَ أَصْغَرَ وِعَاءٍ لِأَبِي زَرْعٍ.

فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ فِي إِسْنَادِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِهَا فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ طَلَاقِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا، وَهُوَ إِلْحَاحُهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ.
وَهَذَا الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
21 رمضان 1447هـ