سًيًدِتّيً
2.71K subscribers
9.25K photos
473 videos
126 files
1.23K links
قناة سيدتي كل ما يهم المرأة
كل مايهم المرأة العصرية والفتاة العربية .
@Sayidati
Download Telegram
*هَلْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ فِي طَلاقِ أُمِّ زَرْعٍ*

عِنْدَمَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ، نَسْمَعُ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الزَّوْجَةِ الأُولَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ أَفْسَدَتْ عَلَى الأُولَى حَيَاتَهَا، أَوْ أَنَّهَا خَرَّبَتْ بَيْتَ الأُولَى، بَلْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ (لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَرِّبَ بَيْتَ الأُولَى) دَارِجَةً عَلَى لِسَانِ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَقَدَّمُ لِلزَّوَاجِ مِنْهُنَّ رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ.

فَمَا مَدَى صِحَّةِ هَذِهِ العِبَارَةِ؟
أَوَّلًا: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ سَبَبًا لِخَرَابِ البُيُوتِ، وَلَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ.
فَتَشْرِيعُ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ، وَأَيُّ اعْتِرَاضٍ أَوْ طَعْنٍ عَلَى مَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ، وَطَعْنٌ فِي شَرْعِهِ المَبْنِيِّ عَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
ثَانِيًا: اشْتَرَطَ اللَّهُ العَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَإِضَافَةُ أَيِّ شَرْطٍ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ اتِّهَامٌ لِشَرْعِ اللَّهِ بِالنَّقْصِ، وَهَذَا طَعْنٌ صَرِيحٌ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَفِي حُكْمِهِ.
ثَالِثًا: التَّطْبِيقُ الخَاطِئُ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ لِمَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ، وَإِخْلَالُهُمْ بِالعَدْلِ، لَا يُجِيزُ لَنَا الطَّعْنَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، فَتَقْصِيرُ الرِّجَالِ فِي العَدْلِ مِثْلُ تَقْصِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي الِالْتِزَامِ بِشَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمُورٍ أُخْرَى.
فَزَوَاجُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ فِي فَسَادِ بَيْتِهِ إِذَا فَسَدَ.
فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي فَسَادِ البُيُوتِ فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟ وَمَنِ المُتَسَبِّبُ فِي ذَلِكَ، أَهُوَ الرَّجُلُ أَمِ المَرْأَةُ؟
وَمَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِقِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ؟
لَعَلَّنَا نُجِيبُ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ مِنْ خِلَالِ التَّأَمُّلِ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا أَبُو زَرْعٍ.

أَوَّلًا: كَيْفَ عَلِمَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ وَشَكْلِ نُهُودِ المَرْأَةِ؟:
وَصَفَتْ أُمُّ زَرْعٍ شَكْلَ نُهُودِ المَرْأَةِ وَشَبَّهَتْهُمَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، وَجَزْمًا لَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ مُتَعَرِّيَةً حَتَّى يَرَى أَبُو زَرْعٍ ذَلِكَ مِنْهَا.
فَكَيْفَ عَرَفَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ صَدْرِهَا؟
لَابُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ لِبَاسًا يُفَصِّلُ جَسَدَهَا، وَإِلَّا لَمَا عُرِفَ حَجْمُ نُهُودِهَا.
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ الإِسْلَامُ عَلَى المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ جَسَدِ المَرْأَةِ يفْتِنُ الرَّجُلَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ المُفَصِّلِ لِلْجَسَدِ، وَالَّتِي مِنْهَا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ ‌كَاسِيَاتٌ ‌عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (رواه مسلم)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَمَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ بِالِاسْمِ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ إِذْ لَا تَسْتُرُهُنَّ تِلْكَ الثِّيَابُ)). (الاستذكار 8/ 307)
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَثْبَتَ لَهُنَّ الكِسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ العَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 8/ 2491)
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يُرِيدُ كَاسِيَةً بِالثِّيَابِ الوَاصِفَةِ لِأَجْسَامِهِنَّ لِغَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ)). (شرح صحيح البخاري 3/ 116)
فَالمَلَابِسُ الَّتِي تَصِفُ جِسْمَ المَرْأَةِ وَمَفَاتِنَهَا تُخْرِجُهَا كَأَنَّهَا عَارِيَةٌ، فَيَعْلَمُ الرَّجُلُ كُلَّ تَفَاصِيلِ جَسَدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي مَنْعِ المَرْأَةِ مِنْ لُبْسِ مَا يَصِفُ جِسْمَهَا، حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا ‌غِلالَةً، إِنِّي أَخَافُ أَنْ ‌تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا)). (رواه أحمد)
قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالمُرَادُ أَنَّ القُبْطِيَّةَ بِرِقَّتِهَا تَلْصَقُ بِالجِسْمِ، فَتُبَيِّنُ حَجْمَ الثَّدْيَيْنِ، وَالرَّادِفَتَيْنِ، وَمَا يَشْتَدُّ مِنْ لَحْمِ العَضُدَيْنِ وَالفَخِذَيْنِ، فَيَعْرِفُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا مَقَادِيرَ هَذِهِ الأَعْضَاءِ، حَتَّى تَكُونَ كَالظَّاهِرَةِ لِلَحْظِهِ، وَالمُمْكِنَةِ لِلَمْسِهِ، فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ المَحَالِّ كَالوَاصِفَةِ لِمَا خَلْفَهَا، وَالمُخْبِرَةِ عَمَّا اسْتَتَرَ بِهَا؛ وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ العِبَارَاتِ عَنْ هَذَا المَعْنَى، وَلِهَذَا الغَرَضِ رَمَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: إِيَّاكُمْ وَلُبْسَ القُبَاطِيِّ؛ فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ تَشِفْ تَصِفْ)). (السمو الروحي ص66)
وَقَالَ أَحْمَدُ السَّاعَاتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((المَعْنَى أَنَّ ثَوْبَ المَرْأَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا أَيْ غَلِيظًا ضَيِّقًا يَصِفُ تَقَاسِيمَ جِسْمِ المَرْأَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَشَرَتِهَا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَالمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ المَرْأَةِ الظَّاهِرُ أَمَامَ النَّاسِ وَاسِعًا كَثِيفًا لَا يَصِفُ جِسْمًا وَلَا بَشَرَةً)). (الفتح الرباني 17/ 301)
فَهَذِهِ المَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ عَارِيَةً عَلَى الحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا لَبِسَتْ مَلَابِسَ غَطَّتْ بِهَا جِلْدَهَا، وَلَكِنْ لَمْ تُخْفِ حَجْمَ جَسَدِهَا وَمَفَاتِنَهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَبُو زَرْعٍ بَعْضَ هَذِهِ المَفَاتِنِ فُتِنَ بِهَا وَتَزَوَّجَهَا.
فَهَلْ تَقْبَلُ المَرْأَةُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ، وَهِيَ أَنَّ فَسَادَ البُيُوتِ سَبَبُهُ النِّسَاءُ المُتَبَرِّجَاتُ، الكَاسِيَاتُ العَارِيَاتُ، المَائِلَاتُ المُمِيلَاتُ، وَلَيْسَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟!

لِمَاذَا تَسْكُتُ المَرْأَةُ عَنِ التَّبَرُّجِ وَلَا تُنْكِرُ عَلَى المُتَبَرِّجَاتِ، وَلَا تُعَادِيهِنَّ كَمَا تُعَادِي مَنْ تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ثَانِيَةً؟!
هَلْ تَسْتَطِيعُ المَرْأَةُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا لِهَذَا الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ حُرْمَةُ لُبْسِ مَا يُفَصِّلُ بَدَنَهَا، أَنْ تَجْعَلَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ شَهْرَ رَمَضَانَ انْطِلَاقَةً لِتُغَيِّرَ لِبْسَهَا طَاعَةً لِلَّهِ؟
هَلْ أَدْرَكَتِ المَرْأَةُ أَنَّ الرَّجُلَ يُفْتَنُ بِجَسَدِهَا مِنْ شَكْلِهِ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ يَرَهُ عَارِيًا؟
بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ يُفْتَنُ الرَّجُلُ بِتَخَيُّلِ شَكْلِ المَرْأَةِ إِذَا وُصِفَتْ لَهُ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((‌لا ‌تُبَاشِرُ ‌الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يُعْجِبَ الزَّوْجَ الوَصْفُ المَذْكُورُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيقِ الوَاصِفَةِ أَوِ الِافْتِتَانِ بِالمَوْصُوفَةِ)). (فتح الباري 9/ 338)
إِذَا كَانَ هَذَا فِي الوَصْفِ، وَالرُّؤْيَةِ فِي الخَيَالِ، فَكَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ الرَّجُلِ إِذَا رَأَى بِعَيْنِهِ؟!
ثَانِيًا: هَلْ أَخْطَأَ أَبُو زَرْعٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي رَأَى مَحَاسِنَهَا؟
هَذِهِ القِصَّةُ وَالحَادِثَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَكُونَ هَمُّ الرَّجُلِ هُوَ شَكْل المَرْأَةِ وَحُسْنهَا وَجَمَالهَا.
مَعَ إِنَّ أَبَا زَرْعٍ كَانَتْ عِنْدَهُ أَسْبَابٌ أُخْرَى غَيْرُ الشَّكْلِ، مِثْلُ نَجَابَةِ الأَوْلَادِ، وَنَشَاطِ المَرْأَةِ وَقِيَامِهَا بِالأَعْمَالِ المَنُوطَةِ بِهَا.
وَلَكِنَّ العَتْبَ عَلَى الرَّجُلِ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي شَكْلِ المَرْأَةِ وَحُسْنِهَا، عَلَى حِسَابِ دِينِهَا وَأَخْلَاقِهَا.

وَمَعَ ذَلِكَ أَنْ يُقْدِمَ الرَّجُلُ عَلَى الزَّوَاجِ مِنِ امْرَأَةٍ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي الزِّنَا.
فَلَمْ يُخْطِئْ أَبُو زَرْعٍ عِنْدَمَا تَزَوَّجَ هَذِهِ المَرْأَةَ، بَلْ قَدْ أَحْسَنَ إِلَى نَفْسِهِ بِمَنْعِهَا مِنَ الوُقُوعِ فِي الزِّنَا.
لَقَدْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْهَا، وَلَكِنْ هَلْ كَانَتِ السَّبَبَ فِي طَلَاقِ أُمِّ زَرْعٍ؟

وَالسُّؤَالُ لِلْمُسْلِمَاتِ اليَوْمَ:
هَلْ تَرْضَى المَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ؟
وَهَلْ غَضَبُهَا مِنْ زَوَاجِهِ مِثْلُ غَضَبِهَا مِنْ وُقُوعِهِ فِي الزِّنَا مَعَ النِّسَاءِ؟

نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
20 رمضان 1447هـ
*هَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا؟*

إِنَّ اخْتِصَارَ أُمِّ زَرْعٍ لِقِصَّةِ طَلَاقِهَا جَعَلَ البَعْضَ يَبْحَثُ عَنِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ لِلطَّلَاقِ.

لِمَاذَا لَمْ يَقْتَنِعْ مَنْ تَأَمَّلَ الحَدِيثَ أَنَّ سَبَبَ الطَّلَاقِ هُوَ فَقَطْ مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ بِاخْتِصَارٍ؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَطَلَّقَهَا؟!

لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:
مِنْهَا: أَنَّ العَرَبَ عُرِفَ عَنْهُمْ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبُو زَرْعٍ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْقُصُهُ المَالُ، وَلَا إِمْكَانَاتُ الزَّوَاجِ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُهُ يَلْجَأُ إِلَى الطَّلَاقِ مُبَاشَرَةً؟!

وَمِنْهَا: أَنَّنَا عَرَفْنَا أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ أَنْ تُخْفِيَ بَعْضَ الحَقَائِقِ عِنْدَمَا تُرِيدُ أَنْ تُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهَا، بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الحَقَائِقِ أَوْ كِتْمَانِهَا عَلَى الأَقَلِّ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْنَا فِي حَلْقَةٍ سَابِقَةٍ نَمَاذِجُ مِنْ ذَلِكَ.

فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِطَلَاقِهَا؟
أَوَّلًا: أُمُّ زَرْعٍ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ فِطْرِيَّةٌ فِي المَرْأَةِ؛ فَالمَرْأَةُ تُحِبُّ التَّفَرُّدَ بِالزَّوْجِ، وَنَارُ الغَيْرَةِ تَغْلِي فِي قَلْبِهَا لَمَّا تَعْلَمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا.

هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ عَنْ كَرَاهِيَةِ حُكْمِ اللَّهِ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ، فَهِيَ لَا تَأْثَمُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ تَكْرَهُ حُكْمَ اللَّهِ فَهَذِهِ قَدْ يَؤُولُ بِهَا الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهَا وَتَدْخُلَ النَّارَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ: لَا يُرِيدُونَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾)). (تفسير ابن كثير 6/ 652)
فَلَا غَرَابَةَ أَنْ تَكْرَهَ أُمُّ زَرْعٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا.
ثَانِيًا: المُتَوَقَّعُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى زَوَاجِهِ، وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ تَخْتَلِفُ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى أُخْرَى بِحَسَبِ إِيمَانِ المَرْأَةِ، وَتَعَلُّقِهَا، وَشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لِزَوْجِهَا.

وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ لَهَا عِدَّةُ صُوَرٍ:
مِنْهَا: الرَّفْضُ التَّامُّ لِلْمَوْضُوعِ، وَهَذَا قَدْ يَجُرُّهَا إِلَى إِمَّا المُطَالَبَةِ بِطَلَاقِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِطَلَاقِهَا هِيَ.

وَمِنْهَا: الحُزْنُ الشَّدِيدُ وَعَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ، وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ.
وَمِنْهَا: الحُزْنُ وَالأَلَمُ، مَعَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، ثُمَّ السَّعْيُ فِي تَهْدِئَةِ النَّفْسِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ.
وَغَيْرُهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.

فَالصُّورَةُ الأُولَى: مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تَسْأَلُ ‌طَلاقَ ‌أُخْتِهَا، لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فِيهِ النَّهْيُ لِلمَرْأَةِ وَالتَّغْلِيظُ عَلَيْهَا أَلَّا تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَلْتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا)). (شرح صحيح البخاري 7/ 273)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 220)

فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الثَّانِيَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ تَرْجِعَ لَهُ، أَوْ تَبْقَى مَعَهُ.
كَذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((‌أَيُّمَا ‌امْرَأَةٍ ‌سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)). (رواه أبو داود)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَفِيهِ أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي تَرْهِيبِ المَرْأَةِ مِنْ طَلَبِ طَلَاقِ زَوْجِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ)). (فتح الباري 9/ 402)
وَزَوَاجُ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا يُبِيحُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبِيحَةِ لِلطَّلَاقِ.
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِين رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَلَوْ ثَارَتِ الأُولَى عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الزَّوْجَةَ الأُولَى لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ التَّزَوُّجَ، فَلَا تُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَقَّ لَهَا – أَيْضًا – أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ إِنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجَةَ الجَدِيدَةَ)).
(الشرح الممتع 13/ 128)
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ الرَّاجِحِيُّ: ((وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ المَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا)). (توفيق الرب المنعم 7/ 117)

وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ، فَهَذَا وَصْفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالرَّجُلُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا حَتَّى يُقَالَ خَانَ الأَمَانَةَ، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ العِبَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنَ الغَرْبِ العِلْمَانِيِّ، وَرَوَّجْنَاهَا فِي الأَفْلَامِ وَالمُسَلْسَلَاتِ حَتَّى تَشَرَّبَتْهَا بَعْضُ القُلُوبِ المَرِيضَةِ.

فَمَا رَدَّةُ الفِعْلِ الَّتِي نَتَوَقَّعُهَا مِنْ أُمِّ زَرْعٍ، وَأَدَّتْ إِلَى طَلَاقِهَا؟
أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ لِرَدَّةِ الفِعْلِ فَلَا نَتَوَقَّعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا طَلَاقٌ.
تَبْقَى الصُّورَةُ الأُولَى لِرَدَّةِ الفِعْلِ، فَهَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ أَبِي زَرْعٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ إِلْحَاحِهَا عَلَيْهِ؟
جَاءَ فِي مُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ العَرَابِيِّ، وَمُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا سَبَبُ طَلَاقِهَا:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((أمَا تَرْضَينَ أنْ أكُونَ لَك كَأبي زَرْعِ لأمِّ زَرْعٍ؟)). قَالَتْ: وَكَانَ رَجُلًا يُكْنَى أبَا زَرْعٍ وامْرأتُهُ أمُّ زَرْعٍ فَكَانَ يُحْسِنْ إليْهَا فَتَقُولُ: أَحْسَنَ إِلَيَّ أَبُو زَرْعٍ، وَكَسَانِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَطْعَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَكْرَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الكَلَامِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ حَتَّى طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّ زَرْعٍ رَجُلًا فَأَكْرَمَهَا أَيْضًا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَكْرَمَنِي وَأَعْطَانِي، وَنَحْوَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وَتَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَلَوْ جُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا مَلَأَ أَصْغَرَ وِعَاءٍ لِأَبِي زَرْعٍ.

فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ فِي إِسْنَادِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِهَا فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ طَلَاقِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا، وَهُوَ إِلْحَاحُهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ.
وَهَذَا الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
21 رمضان 1447هـ
*هَلْ أُمُّ زَرْعٍ كَانَتْ شَاكِرَةً لِزَوْجِهَا؟*

مِنْ أَخْطَرِ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى المَرْأَةِ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ: جُحُودُ الإِحْسَانِ، وَعَدَمُ الشُّكْرِ، وَالتَّبَرُّمُ مِنْ أَوْضَاعِهَا المَعِيشِيَّةِ.
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الأَخْلَاقِ، وَمَا ارْتَضَاهَا رَبُّنَا لِزَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
قَالَ تَعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ، فَيَذْهَبْنَ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُنَّ عِنْدَهُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا، وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ ضِيقِ الحَالِ، وَلَهُنَّ عِنْدَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الثَّوَابُ الجَزِيلُ، فَاخْتَرْنَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ، اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الآخِرَةِ)). (تفسير ابن كثير 3/479)
فَرَبَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي هُنَّ فِيهَا، وَمَنَعَهُنَّ مِنَ التَّشَكِّي مِنْ ضِيقِ العَيْشِ، لِيَكُنَّ قُدْوَةً لِنِسَاءِ العَالَمِينَ.

وَلَمْ يَرْضَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ غَيْرَ شَاكِرَةٍ لِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ بِتَطْلِيقِهَا.
جَاءَ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عليه السلام، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: ‌هَلْ ‌جَاءَكُمْ ‌مِنْ ‌أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عليه السلام، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ)).
فَلَمْ تَكُنْ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ الأُولَى شَاكِرَةً، فَأَمَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بِتَطْلِيقِهَا.
وَعَدَمُ شُكْرِ نِعْمَةِ الزَّوْجِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ المَرْأَةِ النَّارَ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ)).
قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، ‌لَوْ ‌أَحْسَنْتَ ‌إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)).
(رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الكُفْرُ هَاهُنَا هُوَ كُفْرُ الإِحْسَانِ، وَكُفْرُ نِعْمَةِ العَشِيرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، وَتَسَخُّطُ حَالِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِشُكْرِ النِّعَمِ، وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ الزَّوْجِ هُوَ مِنْ بَابِ شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَضَّلَ بِهَا العَشِيرُ أَهْلَهُ، فَهِيَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ)).
(شرح صحيح البخاري 1/ 88)

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَنْظُرُ اللَّهُ تبارك وتعالى إِلَى امْرَأَةٍ ‌لا ‌تَشْكَرُ ‌لِزَوْجِهَا وَهِيَ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ)). (رواه البزار)

وَهَذِهِ الخَصْلَةُ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ يَكْرَهُهَا الرَّجُلُ جِدًّا، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ مَحَبَّةُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ شُكْرِهَا لَهُ، أَوْ تَبَرُّمِهَا مِنْ وَضْعِهِ المَعِيشِيِّ.
فَهَلْ كَانَتْ أُمُّ زَرْعٍ قَلِيلَةَ الشُّكْرِ لِزَوْجِهَا؟

بِالنَّظَرِ إِلَى مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا الثَّانِي، يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَشِفَّ مِنْهُ هَلْ هِيَ شَاكِرَةٌ لِزَوْجِهَا أَمْ لَا.
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ:
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا هَذَا: كَثْرَةَ مَا أَعْطَاهَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَرُوحُ إِلَى مَنْزِلِهَا، مِنْ إِبِلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ، وَعَبِيدٍ، وَدَوَابٍّ، وَأَنَّهُ أَعْطَاهَا أَصْنَافًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الفَرْدِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى ثَنَّاهُ وَضَعَّفَهُ؛ إِحْسَانًا إِلَيْهَا، وَتَكَرُّمًا عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ صَاحِبُ صَيْدٍ وَقَنْصٍ، يَرُوحُ بِهَا مَثْنَى مَثْنَى، وَيُضِيفُهَا إِلَى مَا اكْتَسَبَ وَاقْتَنَى)). (بغية الرائد ص299)
ثمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ بِالسُّؤْدُدِ فِي ذَاتِهِ، وَالسَّعَةِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ حَرْبٍ وَرُكُوبٍ، وَبِالإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالتَّفَضُّلِ عَلَى أَهْلِهَا.
ثُمَّ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهَا مَوْقِعَ أَبِي زَرْعٍ، وَأَنَّ كَثِيرَهُ دُونَ قَلِيلِ أَبِي زَرْعٍ، فَكَيْفَ بِكَثِيرِهِ؟
وَأَنَّ حَالَ هَذَا الآخَرِ عِنْدَهَا مَعِيبٌ إِذَا أَضَافَتْهُ إِلَى حَالِ أَبِي زَرْعٍ، مَعَ إِسَاءَةِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا أَخِيرًا فِي تَطْلِيقِهِ إِيَّاهَا، وَالِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَلَكِنْ حُبُّهَا لَهُ بَغَّضَ إِلَيْهَا النَّاسَ بَعْدَهُ)). (بغية الرائد ص294)
وحُبُّ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا لَا يَعْنِي أَنَّهَا شَاكِرَةٌ لَهُ، فَتَعَلُّقُ المَرْأَةِ بِالرَّجُلِ لَهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعَ تَعَلُّقِهَا بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةَ الخُلُقِ مَعَهُ، وَخَاصَّةً فِي مَسْأَلَةِ جُحُودِ الإِحْسَانِ.
وَالأَخْلَاقُ الحَسَنَةُ فِي الإِنْسَانِ تَظْهَرُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَمِيعِ، كَمَا أَنَّ الأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ تَظْهَرُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَمِيعِ.
فَأُمُّ زَرْعٍ لَمْ تَشْكُرْ لِزَوْجِهَا الثَّانِي مَعَ مَا قَدَّمَ لَهَا مِنْ خَيْرَاتٍ، بَلِ اسْتَصْغَرَتْهُ، فَهَلْ نَتَصَوَّرُ أَنَّهَا كَانَتْ شَكُورَةً لِزَوْجِهَا الأَوَّلِ؟!

وَالنِّعَمُ لَا تَدُومُ إِلَّا مَعَ الشُّكْرِ، فَلَمْ تَشْكُرْ نِعْمَةَ الزَّوْجِ الأَوَّلِ فَزَالَتْ عَنْهَا، وَلَوْ شَكَرَتْ لَدَامَتْ لَهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
[إبراهيم: 7]
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[النساء: 147]
وَالرَّجُلُ العَاقِلُ، إِذَا كَانَ بِمِثْلِ صِفَاتِ أَبِي زَرْعٍ، لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّلَاعُبُ بِالطَّلَاقِ، وَخَاصَّةً مَعَ امْرَأَةٍ عَاشَ مَعَهَا وَأَنْجَبَ مِنْهَا.
وَإِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ عَاقِلٌ مِثْلُ أَبِي زَرْعٍ، فَالمُتَوَقَّعُ أَنَّهُ طَلَّقَ لأَمْرٍ كَبِيرٍ فِي نَفْسِهِ لَمْ يُبِحْ بِهِ.

وَهَذَا طَبْعُ الرِّجَالِ؛ قِلَّةُ الشَّكْوَى مِنْ مَشَاكِلِ الزَّوْجَاتِ، بِخِلَافِ المَرْأَةِ فَإِنَّهَا سُرْعَانَ مَا تَشْتَكِي زَوْجَهَا مَعَ أَوَّلِ خِلَافٍ يَحْصُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.


نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
22 رمضان 1447هـ