من النوازع الرديئة في النفوس التطلع لما خفي عليهم من جواذب الدنيا، فإنه يتزين في نفوسهم بفعل الوهم والخيال الفاسد فوق ما هو عليه بدرجات واسعة.
وهذا له مثالات كثيرة، فالزوجة تعتقد غالباً أن زوج صديقتها أو قريبتها أروع وأكثر ذوقاً وحناناً وخلقاً وكرماً…الخ، وكذلك الزوج يقع في توهمه مثل ذلك عن زوجات أصدقائه أو أقربائه.
ويزداد الوهم تعمقاً إذا سمع أو سمعت من الحكايات ما يقوي ذلك الوهم، أو رأى ورأت ما يشي به، ولو تحقق هذا الوهم فصار علماً فإن ما يخفى من المنغصات ما يزّيف تلك الخيالات، أو يوهن بريقها. ومثل ذلك في العمل، فيظن أن عمل الانسان الآخر أحسن وأكثر امتيازات مادية ومعنوية، وقل ما هو قريب من ذلك في أكثر ما يحصل بين الناس من التنافس على النفوذ والسلطة والمال والنساء. وقد ذكر ابن الجوزي من ذلك عجباً، فيقول ما حاصله:"لو قارب الرجل نساء بغداد كلهن، ثم رأى امرأة قدمت من خراسان، لطمع بها، لظنه أن عندها ما ليس عند الأخريات!"، وعلى هذا فقسْ. وكان مارسيل بانيول إذا أراد أن يطري جمال امرأة يقول:" إنها جميلة مثل زوجات الآخرين!". ولاحظ ذلك من قال:
ليت النقاب على النساء محرمٌ
كي لا تغرّ قبيحة إنسانا !
وعلة التوهم ميل التخيل لموافقة الطبع، والانسان دوماً يطمع بالمزيد في متع الدنيا، وطبيعة الحياة لا تتيح ذلك لكل أحد فيلجأ للتعويض الذهني بالخيالات والتوهمات.
وأقبح ما يتولد عن ذلك الوهم=جحد النعمة والكفر بها، والحسد، والجري خلف السراب، وألوان من المفاسد الأخرى.
وترياق ذلك كله في قوله ﷻ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى*وَأْمرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
د.عبدالله الوهيبي
وهذا له مثالات كثيرة، فالزوجة تعتقد غالباً أن زوج صديقتها أو قريبتها أروع وأكثر ذوقاً وحناناً وخلقاً وكرماً…الخ، وكذلك الزوج يقع في توهمه مثل ذلك عن زوجات أصدقائه أو أقربائه.
ويزداد الوهم تعمقاً إذا سمع أو سمعت من الحكايات ما يقوي ذلك الوهم، أو رأى ورأت ما يشي به، ولو تحقق هذا الوهم فصار علماً فإن ما يخفى من المنغصات ما يزّيف تلك الخيالات، أو يوهن بريقها. ومثل ذلك في العمل، فيظن أن عمل الانسان الآخر أحسن وأكثر امتيازات مادية ومعنوية، وقل ما هو قريب من ذلك في أكثر ما يحصل بين الناس من التنافس على النفوذ والسلطة والمال والنساء. وقد ذكر ابن الجوزي من ذلك عجباً، فيقول ما حاصله:"لو قارب الرجل نساء بغداد كلهن، ثم رأى امرأة قدمت من خراسان، لطمع بها، لظنه أن عندها ما ليس عند الأخريات!"، وعلى هذا فقسْ. وكان مارسيل بانيول إذا أراد أن يطري جمال امرأة يقول:" إنها جميلة مثل زوجات الآخرين!". ولاحظ ذلك من قال:
ليت النقاب على النساء محرمٌ
كي لا تغرّ قبيحة إنسانا !
وعلة التوهم ميل التخيل لموافقة الطبع، والانسان دوماً يطمع بالمزيد في متع الدنيا، وطبيعة الحياة لا تتيح ذلك لكل أحد فيلجأ للتعويض الذهني بالخيالات والتوهمات.
وأقبح ما يتولد عن ذلك الوهم=جحد النعمة والكفر بها، والحسد، والجري خلف السراب، وألوان من المفاسد الأخرى.
وترياق ذلك كله في قوله ﷻ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى*وَأْمرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
د.عبدالله الوهيبي
كُن باباً يدخل منه الخير
فـ إن لم تستطع ...
فـ نافذة ينفذ منها الضوء
فـ إن لم تستطع ...
فـ جداراً يسند رؤوس المُتعبين...
🍃
ـــــــــــــــــــ🍃🌼🍃ــــــــــــــــــ
فـ إن لم تستطع ...
فـ نافذة ينفذ منها الضوء
فـ إن لم تستطع ...
فـ جداراً يسند رؤوس المُتعبين...
🍃
ـــــــــــــــــــ🍃🌼🍃ــــــــــــــــــ
ملاحظة حول مفهوم "المسؤولية" في العلاقات الزوجية والاسرية
(١-٢)
عند التأمل التاريخي يبدو أن حجم التغيرات في أنماط العلاقات والمعيشة أعمق مما قد يُظن، كنت أتحدث مع صديق حول إشكاليات الطلاق، وقلت له أني أتفهّم أسباب الطلاق أكثر بكثير من السابق، وبغض النظر عن تعقيدات ملف مؤرق عالمياً كالطلاق (أقترح مراجعة مقال مهم بعنوان "لماذا يكرهون الطلاق؟ قراءة في التغيرات الحداثية" للمراكبي، منشور في موقع إضاءات)، فإنه من المجدي ملاحظة التغيرات الداخلة على صيغة العلاقات الزوجية والأسرية لرصد تأثيراتها.
من التغيرات في ظني نوع "المسؤولية" وحجمها وطبيعتها في العلاقة الزوجية والأسرية الحديثة، وأحصر حديثي هنا بالمجتمعات المحافظة، وفي الخليج تحديداً.
قبل جيلين -على الأكثر- كانت المسؤولية في إنشاء واستدامة العلاقة الأسرية أقل كلفة وأسهل على الرجل، وأنا هنا لا أتحدث عن المسؤولية المالية أو تكاليف السكن والمعيشة، وإنما عن المسؤولية الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فالرجل يتزوج في العادة ويسكن في بيت أهله، أو في محيط قريب له، أو في محيط بعيد، وهذا المحيط البعيد عن أهله هو الآخر محيط مترابط وقوي الصلات، وعلاقات الجيرة فيه أشبه بعلاقات القرابة، فالرجل إذا سكن مع أهله (فيما يعرف بالأسرة الممتدة) إلى جوار تمتّعه بتكاليف معيشة أقل، هو في الحال نفسه ليس مسؤولاً بصفة مركزية عن إدارة شؤون بيته، بمعنى أنه غير مكلّف بإدراة وتنظيم الجدول اليومي، ولا هو أيضاً ملزم بملء وقت زوجته وأولاده وترفيههم وتربيتهم بصورة دائمة، بل هذه مسؤولية مشتركة، ومتفرقة داخل النسيج المترابط، حتى أنه ربما لا يتسنى له الخلوة بزوجته إلا وقت النوم فقط (فكّر في الأثر النفسي والعاطفي لذلك)، لانشغالها بمتابعة الأعمال مع زوجات الإخوة في أمور المعيشة المتعددة. وحتى في حال غياب الزوج الطويل والقصير تكون الأسرة الممتدة حاضنة للزوجة والأبناء إذا تعذر انتقال الزوجة لأهلها مثلاً. ومن جهة أخرى لاحظ طبيعة وقت الفراغ، في الأسرة القديمة لم يكن وقت الفراغ منظماً، ولا هو يتطلب استعداداً خاصاً، بل الفراغ يتخلل أعمال اليوم، وهو يخضع للرغبة الشخصية في كثير من الأحوال، أتحدث هنا عن مدة ما قبل نشوء الدولة وطغيان الوظائف العامة وأشكال العمل الحكومي والخاص، ثم حصل انتقال ضخم في هذا الشأن. فالأسرة الممتدة تآكلت لصالح "الأسرة النواة" أي الأسرة المكونة من الزوجين والأطفال فقط، مع الاستقلال الكامل في المسكن، وفي أحيان كثيرة البعد المكاني عن الأقارب من الدرجة الأولى، وهنا تنشأ مسؤولية مضاعفة، فالزوج مطالب بالإنفاق وتهيئة المعيشة، وهذا يتطلب منه ربما الارتباط بعمل شاق أو أكثر، ثم وهو الأهم هنا هو مكلف بإدارة الوقت في البيت، مع الأخذ في الاعتبار أن البيت في كثير من الأحيان شقة ضيقة، ولا يمكن تجاهل تأثير الحيز المكاني وأنماط التكوين المعماري التي تفرض احتكاك دائم وتقلص من فرص الامتداد الحركي والبصري على صيغة العلاقة الزوجية والأسرية، فهنا الزوج مطالب اجتماعياً بالتمتع بطاقة نفسية وعاطفية كبيرة، لإدارة هذا الوضع باستيعاب وبث المشاعر والحب لزوجته وأولاده والسعي للترفيه عنهم إما بالخروج لأماكن معينة أو بجلب وسائل ترفيهية للبيت، كما أنه في حال اضطراره للبعد عن البيت سيكون الحمل مضاعفاً من الناحية النفسية للتعويض. ويرافق ذلك تزايد أوقات الفراغ في الأسرة الحديثة، تزايداً يفاقم من مسؤولية الزوج أيضاً. وهكذا ترى أنه لا يمكن مقارنة الزمن المعاصر في نوع المسؤولية الأسرية بالزمن ما قبل الحديث للأسباب المذكورة، وبالعموم إذا جمعت هذه الأسباب كالاستقلال التام مع تزايد وقت الفراغ وارتفاع تكلف المعيشة وغيرها من الأمور المهمة والتي لايكفي المكان لشرحها كالمبالغة في تكريس مفهوم الحب "الرومانتيكي" كعنصر مركزي في العلاقة الزوجية والأسرية، ربما تعيد التفكير بطريقة أخرى في إشكاليات متضخمة كالطلاق وغيرها.
(١-٢)
عند التأمل التاريخي يبدو أن حجم التغيرات في أنماط العلاقات والمعيشة أعمق مما قد يُظن، كنت أتحدث مع صديق حول إشكاليات الطلاق، وقلت له أني أتفهّم أسباب الطلاق أكثر بكثير من السابق، وبغض النظر عن تعقيدات ملف مؤرق عالمياً كالطلاق (أقترح مراجعة مقال مهم بعنوان "لماذا يكرهون الطلاق؟ قراءة في التغيرات الحداثية" للمراكبي، منشور في موقع إضاءات)، فإنه من المجدي ملاحظة التغيرات الداخلة على صيغة العلاقات الزوجية والأسرية لرصد تأثيراتها.
من التغيرات في ظني نوع "المسؤولية" وحجمها وطبيعتها في العلاقة الزوجية والأسرية الحديثة، وأحصر حديثي هنا بالمجتمعات المحافظة، وفي الخليج تحديداً.
قبل جيلين -على الأكثر- كانت المسؤولية في إنشاء واستدامة العلاقة الأسرية أقل كلفة وأسهل على الرجل، وأنا هنا لا أتحدث عن المسؤولية المالية أو تكاليف السكن والمعيشة، وإنما عن المسؤولية الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فالرجل يتزوج في العادة ويسكن في بيت أهله، أو في محيط قريب له، أو في محيط بعيد، وهذا المحيط البعيد عن أهله هو الآخر محيط مترابط وقوي الصلات، وعلاقات الجيرة فيه أشبه بعلاقات القرابة، فالرجل إذا سكن مع أهله (فيما يعرف بالأسرة الممتدة) إلى جوار تمتّعه بتكاليف معيشة أقل، هو في الحال نفسه ليس مسؤولاً بصفة مركزية عن إدارة شؤون بيته، بمعنى أنه غير مكلّف بإدراة وتنظيم الجدول اليومي، ولا هو أيضاً ملزم بملء وقت زوجته وأولاده وترفيههم وتربيتهم بصورة دائمة، بل هذه مسؤولية مشتركة، ومتفرقة داخل النسيج المترابط، حتى أنه ربما لا يتسنى له الخلوة بزوجته إلا وقت النوم فقط (فكّر في الأثر النفسي والعاطفي لذلك)، لانشغالها بمتابعة الأعمال مع زوجات الإخوة في أمور المعيشة المتعددة. وحتى في حال غياب الزوج الطويل والقصير تكون الأسرة الممتدة حاضنة للزوجة والأبناء إذا تعذر انتقال الزوجة لأهلها مثلاً. ومن جهة أخرى لاحظ طبيعة وقت الفراغ، في الأسرة القديمة لم يكن وقت الفراغ منظماً، ولا هو يتطلب استعداداً خاصاً، بل الفراغ يتخلل أعمال اليوم، وهو يخضع للرغبة الشخصية في كثير من الأحوال، أتحدث هنا عن مدة ما قبل نشوء الدولة وطغيان الوظائف العامة وأشكال العمل الحكومي والخاص، ثم حصل انتقال ضخم في هذا الشأن. فالأسرة الممتدة تآكلت لصالح "الأسرة النواة" أي الأسرة المكونة من الزوجين والأطفال فقط، مع الاستقلال الكامل في المسكن، وفي أحيان كثيرة البعد المكاني عن الأقارب من الدرجة الأولى، وهنا تنشأ مسؤولية مضاعفة، فالزوج مطالب بالإنفاق وتهيئة المعيشة، وهذا يتطلب منه ربما الارتباط بعمل شاق أو أكثر، ثم وهو الأهم هنا هو مكلف بإدارة الوقت في البيت، مع الأخذ في الاعتبار أن البيت في كثير من الأحيان شقة ضيقة، ولا يمكن تجاهل تأثير الحيز المكاني وأنماط التكوين المعماري التي تفرض احتكاك دائم وتقلص من فرص الامتداد الحركي والبصري على صيغة العلاقة الزوجية والأسرية، فهنا الزوج مطالب اجتماعياً بالتمتع بطاقة نفسية وعاطفية كبيرة، لإدارة هذا الوضع باستيعاب وبث المشاعر والحب لزوجته وأولاده والسعي للترفيه عنهم إما بالخروج لأماكن معينة أو بجلب وسائل ترفيهية للبيت، كما أنه في حال اضطراره للبعد عن البيت سيكون الحمل مضاعفاً من الناحية النفسية للتعويض. ويرافق ذلك تزايد أوقات الفراغ في الأسرة الحديثة، تزايداً يفاقم من مسؤولية الزوج أيضاً. وهكذا ترى أنه لا يمكن مقارنة الزمن المعاصر في نوع المسؤولية الأسرية بالزمن ما قبل الحديث للأسباب المذكورة، وبالعموم إذا جمعت هذه الأسباب كالاستقلال التام مع تزايد وقت الفراغ وارتفاع تكلف المعيشة وغيرها من الأمور المهمة والتي لايكفي المكان لشرحها كالمبالغة في تكريس مفهوم الحب "الرومانتيكي" كعنصر مركزي في العلاقة الزوجية والأسرية، ربما تعيد التفكير بطريقة أخرى في إشكاليات متضخمة كالطلاق وغيرها.
ملاحظة حول مفهوم "المسؤولية" في العلاقات الزوجية والاسرية
(٢-٢)
وبطبيعة الحال أن التغير طال مسؤولية المرأة أيضاً. فدخول الفتاة المبكر لمجال "المسؤولية" بمعنى ضرورة تحملها لجزء من المتطلبات الاجتماعية، وأعمال البيت المختلفة الشاقة، وفي الرعي والفلاحة وغيرها، يحسّن من تطبّعها على أنماط المعيشة المتوقعة في حال زواجها. فالزواج في مرحلة عمرية مبكرة (طبعاً كلمة "مبكرة" تفترض ضمناً وقتاً طبيعياً محدداً للزواج، وتزعم أن ما قبل هذا الوقت يعد زيجة مبكرة، وهو مجرد تواضع اجتماعي مفتعل ومتغير بحسب الظروف) فيكون بناء الفتاة نفسياً وعاطفياً واجتماعياً منذ تطور وعيها المبكر بالعالم في ضمن نطاق اجتماعي وسياق علاقات معين، وهذا يقوي من قدرات الفتاة على التأقلم مع دورها الاجتماعي الجديد ومتطلباته.
وقبل ذلك، هذا الارتباط المبكر يجعل العلاقة الأسرية والزوجية تؤطر طبيعة أهدافها ومبررات وجودها في وعيها القصدي والضمني. وهكذا تجد الفتاة نفسها في إطار علاقة زوجية وأسرية أكثر استقراراً. أضف إلى ذلك ماسبقت الإشارة من تفتّت المسؤولية في النسيج الاجتماعي للأسرة الممتدة…الخ.
وأشير أيضاً للتسامح مع ظاهرتي الطلاق والتعدد -وبغض النظر عن مدى هذا التسامح- إلا أنه وبدون شك يساعد على تخفيف مسؤولية المرأة بحيث أنها لا تكون مضطرة في أحيان متعددة إلى القبول بعلاقة مؤذية وقاسية رهبة من المضاعفات الاجتماعية لتلك الظواهر.
أيضاً لا ينبغي تجاهل دور "الإماء" والرقيق في القيام بدور الخدمة وما شابه، وهذا يجعل من المرأة في الطبقات الوسطى وما فوقها تتمتع بمسؤولية خدمية و"إدارية" محدودة. ولا يمكن مقارنة ذلك بظاهرة الخدم الحديثة، لفروق الانتماء الاجتماعي وطبيعة الولاء، والاختلافات الثقافية والدينية، وشكل العلاقة القانونية، فضلاً عن الأدوار الحميمية التي تتاح للأَمَة في العلاقة مع السيّد. ويمكن القول أن هذه العلاقة بالإماء والخدم في الزمن القديم كانت مؤثرة في نظر الفقهاء، فكلامهم في سائر المذاهب عن حدود خدمة الزوجة لزوجها مثلاً كان يستحضر انتشار الإماء بصورة طبيعية، وربما هذا يفسّر لنا أحد أسباب الجدل المعاصر في هذه المسائل، أقصد الخدمة وما إليها.
أما "المسؤولية" في الأسرة الآن، فالأمر يبدو أكثر صعوبة، فالفتاة تتزوج بعد أن اكتمل نموها الجسدي والعقلي والنفسي بعيداً عن المناخ السابق بصورة شبه جذرية، وأصبح لها طموحاتها وأهدافها الخاصة والمستقلة (وهذا مؤثر جداً في تعقيد فرصة الحصول على الرجل الملائم من جهة، كما أنه يغيّر من خريطة أولويات الفتاة لصالح صعودها الاجتماعي فردياً، عبر تكثير الشهادات والإنجازات الذاتية على حساب الزوج والأولاد، والإعلام والمزاج العام يدفع بهذا الاتجاه) فتدخل الفتاة لعالم جديد، وهي مطالبة بتقديم الدعم النفسي والعاطفي لزوجها وأولادها، ومحاولة استدامة الحضور في قلب الزوج عبر أساليب عديدة قد تستنزف من طاقتها النفسية. وفوق ذلك هي أحياناً مضطرة للمشاركة في الدعم المالي للأسرة بواسطة وظيفة مرهقة. كما أن الطلاق والتعدد يمثل لها كارثة كاملة الأركان، إلى درجة أن ترفض الزواج خشية الطلاق.
وإذا تأملت هذه الأمور بصورة مختلفة ستجد أن كثيراً من الأطروحات حيال الملفات الأسرية تتسم بالفقر التحليلي والسذاجة والشعبوية الضارة، لاسيما تلك الخطابات التي تعقد مقارنات فجة بين أزمنة متغيرّة، لاسيما الصادرة عن أناس لا زالوا غير قادرين ذهنياً وثقافياً على إدراك طبيعة التحولات الكثيفة.
د.عبدالله الوهيبي
(٢-٢)
وبطبيعة الحال أن التغير طال مسؤولية المرأة أيضاً. فدخول الفتاة المبكر لمجال "المسؤولية" بمعنى ضرورة تحملها لجزء من المتطلبات الاجتماعية، وأعمال البيت المختلفة الشاقة، وفي الرعي والفلاحة وغيرها، يحسّن من تطبّعها على أنماط المعيشة المتوقعة في حال زواجها. فالزواج في مرحلة عمرية مبكرة (طبعاً كلمة "مبكرة" تفترض ضمناً وقتاً طبيعياً محدداً للزواج، وتزعم أن ما قبل هذا الوقت يعد زيجة مبكرة، وهو مجرد تواضع اجتماعي مفتعل ومتغير بحسب الظروف) فيكون بناء الفتاة نفسياً وعاطفياً واجتماعياً منذ تطور وعيها المبكر بالعالم في ضمن نطاق اجتماعي وسياق علاقات معين، وهذا يقوي من قدرات الفتاة على التأقلم مع دورها الاجتماعي الجديد ومتطلباته.
وقبل ذلك، هذا الارتباط المبكر يجعل العلاقة الأسرية والزوجية تؤطر طبيعة أهدافها ومبررات وجودها في وعيها القصدي والضمني. وهكذا تجد الفتاة نفسها في إطار علاقة زوجية وأسرية أكثر استقراراً. أضف إلى ذلك ماسبقت الإشارة من تفتّت المسؤولية في النسيج الاجتماعي للأسرة الممتدة…الخ.
وأشير أيضاً للتسامح مع ظاهرتي الطلاق والتعدد -وبغض النظر عن مدى هذا التسامح- إلا أنه وبدون شك يساعد على تخفيف مسؤولية المرأة بحيث أنها لا تكون مضطرة في أحيان متعددة إلى القبول بعلاقة مؤذية وقاسية رهبة من المضاعفات الاجتماعية لتلك الظواهر.
أيضاً لا ينبغي تجاهل دور "الإماء" والرقيق في القيام بدور الخدمة وما شابه، وهذا يجعل من المرأة في الطبقات الوسطى وما فوقها تتمتع بمسؤولية خدمية و"إدارية" محدودة. ولا يمكن مقارنة ذلك بظاهرة الخدم الحديثة، لفروق الانتماء الاجتماعي وطبيعة الولاء، والاختلافات الثقافية والدينية، وشكل العلاقة القانونية، فضلاً عن الأدوار الحميمية التي تتاح للأَمَة في العلاقة مع السيّد. ويمكن القول أن هذه العلاقة بالإماء والخدم في الزمن القديم كانت مؤثرة في نظر الفقهاء، فكلامهم في سائر المذاهب عن حدود خدمة الزوجة لزوجها مثلاً كان يستحضر انتشار الإماء بصورة طبيعية، وربما هذا يفسّر لنا أحد أسباب الجدل المعاصر في هذه المسائل، أقصد الخدمة وما إليها.
أما "المسؤولية" في الأسرة الآن، فالأمر يبدو أكثر صعوبة، فالفتاة تتزوج بعد أن اكتمل نموها الجسدي والعقلي والنفسي بعيداً عن المناخ السابق بصورة شبه جذرية، وأصبح لها طموحاتها وأهدافها الخاصة والمستقلة (وهذا مؤثر جداً في تعقيد فرصة الحصول على الرجل الملائم من جهة، كما أنه يغيّر من خريطة أولويات الفتاة لصالح صعودها الاجتماعي فردياً، عبر تكثير الشهادات والإنجازات الذاتية على حساب الزوج والأولاد، والإعلام والمزاج العام يدفع بهذا الاتجاه) فتدخل الفتاة لعالم جديد، وهي مطالبة بتقديم الدعم النفسي والعاطفي لزوجها وأولادها، ومحاولة استدامة الحضور في قلب الزوج عبر أساليب عديدة قد تستنزف من طاقتها النفسية. وفوق ذلك هي أحياناً مضطرة للمشاركة في الدعم المالي للأسرة بواسطة وظيفة مرهقة. كما أن الطلاق والتعدد يمثل لها كارثة كاملة الأركان، إلى درجة أن ترفض الزواج خشية الطلاق.
وإذا تأملت هذه الأمور بصورة مختلفة ستجد أن كثيراً من الأطروحات حيال الملفات الأسرية تتسم بالفقر التحليلي والسذاجة والشعبوية الضارة، لاسيما تلك الخطابات التي تعقد مقارنات فجة بين أزمنة متغيرّة، لاسيما الصادرة عن أناس لا زالوا غير قادرين ذهنياً وثقافياً على إدراك طبيعة التحولات الكثيفة.
د.عبدالله الوهيبي
تدهشني الفتاة التي تحب التجمّل في كل شيء ،التي تحرص على الأناقة في أدق تفاصيلها ، ثم إذا خرجت أسدلت عبائتها السوداء على زينتها فلا يُرى منها شيء ،حتى طلاء أظافرها( المناكير )تُخفيها بالقفازين أو بين أكمام عبائتها .. للهِ ما أطيب مقامها عند الله!
اللهم رِضاك عن أخواتنا المحتشمات.
اللهم رِضاك عن أخواتنا المحتشمات.
نجلس إلى صديق، نتوق للقائه، ونود أن نتكلم، ونبحث عن أذن ودودة ومتواضعة، ونجدها في ذلك الصديق، ونحبه. لو تأملت في صديقك أو صديقتك، الذي تطمئن له ولا كلفة بينكما، ستجد أنه في كثير من الأحيان مستمعاً جيداً، ولهذا السبب وجد طريقه إلى قلبك. لا أذكر أين قرأت عن عمق الصداقة التي يتصادف فيها إثنان: أحدهما متحدث جيد، والثاني مستمع رائع. هذه علاقة حميمة، ومرشحة للدوام. تحكي الزوجة لزوجها حكايات طويلة، وقصيرة، تافهة وعظيمة، مشاكل، وطرائف، وآراء، وأحلام، وتعتبر النساء أن الظفر بزوج يتقن الاستماع منّة ربانية كبيرة. تتصل الفتاة أو تحادث مستشاراً أو طبيباً أو شيخاً ساعة أو ساعات عن مشكلتها، ثم لا تأبه كثيراً بجواب الطرف الآخر، ولا بنصائحه، ربما تدري أو لا تدري أن مشكلتها خفّت أو انحلت حين وجدت أذناً مصغية، وربما قلباً مفتوحاً. في محاضرة يطلب أشخاص التعليق أو السؤال، ثم يتحدثون، ولا ينتظرون جواباً، كانوا يرغبون باستهداف هذه الآذان المنصتة في المكان، ربما لم يجدوا آذاناً غيرها. ويدفع الناس في بلاد كثيرة مبالغ طائلة للأطباء النفسيين لكي يجدوا من يستمع إليهم.
وقد وصف محمود شاكر صديقه الأثير يحيى حقي بأنه"أحسن الناس استماعًا، ومن الصفات العظيمة أن يحسن الرجل الاستماع"، وكأنه يشير لأهم سبب وطد علاقتهما الممتدة والعميقة.
ويصف العالم النفسي كارل روجرز ت 1987 العلاج النفسي بأنه "طريقة لمعالجة القصور في التواصل"، ويعتقد روجرز أن الاستماع النشط نادر الحدوث في حياتنا، ويقول:"يظل الاستماع واحد من أشد القوى فاعلية لأجل التغيير عرفتها حتى الآن!".
لماذا لدينا كل هذه الرغبة بإنصات الآخرين لنا؟ أن ينصت لك شخص ما يعني أنك تقول شيئاً مهماً. المنصت يشعرك بقيمتك، بوجودك، وكينونتك. لدينا ما نقوله لهذا العالم، لدينا مشاعر، أفكار، آراء، احتجاج، إعجاب، أسئلة، ملاحظات، لابد أن تخرج من قلوبنا بأي طريقة إلى أحد ما. هي الرغبة الدفينة في التعبير، وفي الشعور بالذات، وفي اختبار اللغة. لا أحد يرضى بالتهميش، والنبذ، والإهمال. نحن مسكونون بإتخاذ موقف إزاء الأشياء، هذا شيء فطري، ولابد أن نعبّر عن هذا الموقف. الأم تهدد طفلها إن لم يرتدع عن فعل سيء أنها سوف تمتنع عن محادثته، وينتفض الطفل عادة ضد هذه العقوبة المهينة، من علّمه أن الأذن المغلقة عقوبة وإهانة؟
د.عبدالله الوهيبي
وقد وصف محمود شاكر صديقه الأثير يحيى حقي بأنه"أحسن الناس استماعًا، ومن الصفات العظيمة أن يحسن الرجل الاستماع"، وكأنه يشير لأهم سبب وطد علاقتهما الممتدة والعميقة.
ويصف العالم النفسي كارل روجرز ت 1987 العلاج النفسي بأنه "طريقة لمعالجة القصور في التواصل"، ويعتقد روجرز أن الاستماع النشط نادر الحدوث في حياتنا، ويقول:"يظل الاستماع واحد من أشد القوى فاعلية لأجل التغيير عرفتها حتى الآن!".
لماذا لدينا كل هذه الرغبة بإنصات الآخرين لنا؟ أن ينصت لك شخص ما يعني أنك تقول شيئاً مهماً. المنصت يشعرك بقيمتك، بوجودك، وكينونتك. لدينا ما نقوله لهذا العالم، لدينا مشاعر، أفكار، آراء، احتجاج، إعجاب، أسئلة، ملاحظات، لابد أن تخرج من قلوبنا بأي طريقة إلى أحد ما. هي الرغبة الدفينة في التعبير، وفي الشعور بالذات، وفي اختبار اللغة. لا أحد يرضى بالتهميش، والنبذ، والإهمال. نحن مسكونون بإتخاذ موقف إزاء الأشياء، هذا شيء فطري، ولابد أن نعبّر عن هذا الموقف. الأم تهدد طفلها إن لم يرتدع عن فعل سيء أنها سوف تمتنع عن محادثته، وينتفض الطفل عادة ضد هذه العقوبة المهينة، من علّمه أن الأذن المغلقة عقوبة وإهانة؟
د.عبدالله الوهيبي
Audio
أربعون ثمرة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
مدخل في بيان كتاب (جلاء الأفهام) لابن القيم
مدخل في بيان كتاب (جلاء الأفهام) لابن القيم
Audio
أربعون ثمرة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
من عرف معنى الصلاة على النبي صلى الله.. ازداد له معرفة؟
من عرف معنى الصلاة على النبي صلى الله.. ازداد له معرفة؟
Audio
أربعون ثمرة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
ما معنى (اللهم)؟
ولم كانت (الميم) مشددة؟
ما معنى (اللهم)؟
ولم كانت (الميم) مشددة؟
Audio
أربعون ثمرة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
المواضع التي يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم!
المواضع التي يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم!
يشرع #يوم_الجمعة:
🌿الاغتسال..
🌿التطيب بأطيب ما يجد..
🌿السواك..
🌿لبس أحسن الثياب..
🌿التبكير إلى الصلاة..
🌿الاشتغال بالصلاة والذكر والتلاوة حتى دخول الإمام..
🌿الإنصات للخطبة وجوبا..
🌿قراءة سورة الكهف..
🌿كثرة الصلاة على النبي ﷺ..
🌿اغتنام ساعة الإجابة بالدعاء..
♦️قال اﻟﺸﺎفعي_ رحمه الله_:
ﺃﺣﺐّ ﻛﺜﺮﺓ اﻟﺼﻼﺓ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ. ﻭﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻟﻴﻠﺘﻬﺎ ﺃﺷﺪ اﺳﺘﺤﺒﺎﺑﺎ.. ﻭﺃﺣﺐ ﻗﺮاءﺓ اﻟﻜﻬﻒ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻳﻮﻣﻬﺎ ﻟﻤﺎ ﺟﺎء ﻓﻴﻬﺎ.
📗 كتاب الأم ٢٣٩/١
يشرع #يوم_الجمعة:
🌿الاغتسال..
🌿التطيب بأطيب ما يجد..
🌿السواك..
🌿لبس أحسن الثياب..
🌿التبكير إلى الصلاة..
🌿الاشتغال بالصلاة والذكر والتلاوة حتى دخول الإمام..
🌿الإنصات للخطبة وجوبا..
🌿قراءة سورة الكهف..
🌿كثرة الصلاة على النبي ﷺ..
🌿اغتنام ساعة الإجابة بالدعاء..
♦️قال اﻟﺸﺎفعي_ رحمه الله_:
ﺃﺣﺐّ ﻛﺜﺮﺓ اﻟﺼﻼﺓ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ. ﻭﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻟﻴﻠﺘﻬﺎ ﺃﺷﺪ اﺳﺘﺤﺒﺎﺑﺎ.. ﻭﺃﺣﺐ ﻗﺮاءﺓ اﻟﻜﻬﻒ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻳﻮﻣﻬﺎ ﻟﻤﺎ ﺟﺎء ﻓﻴﻬﺎ.
📗 كتاب الأم ٢٣٩/١
[ هل أنت عبدُ العبادة أم عبدُ الله؟ ]
نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أمر يخفى على كثير من أهل العبادة والطاعة والاستقامة والعلم، قال- رحمه الله- :
"مقصود القرآن: أن يكون اللهُ هو المعبود الذي هو منتهى المحبة والتعظيم، وأن يكون هو المستعان الذي هو منتهى التوكل والمسألة.
ثم من الشرك الخفيّ في هذا الباب: إشراكُ الإنسان بعبادته واستعانته؛ إذ الشرك بهوى نفسه وقوَّته ظاهر.
ولكن أخفى منه: أنّ العابد قد يطمئن قلبُه إلى نوعٍ من العبادة ويسكن إليه، بحيث تبْقى تلك العبادة والحال التي لقلْبِه هي مطلوبه ومراده، دون أن يكون الله هو المعبود المراد بها، وهذا عبدُ العبادةِ لا عبدُ الله". [مجموعة رسائل ومسائل متنوعة (1/60)].
فإياك أن تكون عبدَ عبادةٍ من العبادات تركن إليها ولا تكاد تفارقها، لكونها ملائمة لك، وموافقة لهواك، وقد يكون غيرها من العبادات أعظم وأفضل عند الله منها.
وتجد بعض الناس يميل إلى العلم ويلتذّ به ويجعله مطلوبه ومراده، وبعضهم يميل إلى الدعوة إلى الله ويلتذّ بها ويجعلها مطلوبه ومراده، وبعضهم يميل إلى نوع من العبادات كالصوم والعمرة والذكر باللسان ويلتذّ به ويجعله مطلوبه ومراده، ويغيب عنهم ضرورةُ وأهمّيّةُ ووجوبُ أنْ يكون الله هو المعبود المراد بكلّ علْم وعمل، وعبادةٍ وسلوكٍ وحال.
وهؤلاء يُحرمون كمالَ التوفيق، وتمامَ الإنعام والبركة، مع كثرة علْمهم أو عمَلِهم.
والعبدُ المؤمنُ الصادقُ الخالصُ مِن هوى نفْسِه يكون عبدًا محضًا لله، لا يميل لعبادةٍ معيّنة تهواها نفسُه، بل ميلُه لها لكونها محبوبة لربّه، ولا يلتزمها دون غيرها، بل متى كانت العبادةُ أفضل - زمانًا أو مكانًا أو حالًا - أتى بها وأرْغم نفسه عليها.
وقد ذكر ابن القيّم- رحمه الله- أنّ من الناس من يتقيَّد بعبادة معينة لا يتعبّد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظَّفر بالمطلوب الأعلى، مصْدُودون عنه، قد قيَّدَتهم العوائدُ عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتُهم منها أبعد منزل.
وذكر أنّ المؤمنين الصادقين لا يتقيَّدون بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيُعرَفون به دون غيره من الأعمال، فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيّدة، وأما العبودية المطلقة: فلا يُعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيبٌ لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهلِ عبوديةٍ نصيبٌ يضرب معهم بسهم.
مدارج السالكين (4/ ٣٤- 37).
نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أمر يخفى على كثير من أهل العبادة والطاعة والاستقامة والعلم، قال- رحمه الله- :
"مقصود القرآن: أن يكون اللهُ هو المعبود الذي هو منتهى المحبة والتعظيم، وأن يكون هو المستعان الذي هو منتهى التوكل والمسألة.
ثم من الشرك الخفيّ في هذا الباب: إشراكُ الإنسان بعبادته واستعانته؛ إذ الشرك بهوى نفسه وقوَّته ظاهر.
ولكن أخفى منه: أنّ العابد قد يطمئن قلبُه إلى نوعٍ من العبادة ويسكن إليه، بحيث تبْقى تلك العبادة والحال التي لقلْبِه هي مطلوبه ومراده، دون أن يكون الله هو المعبود المراد بها، وهذا عبدُ العبادةِ لا عبدُ الله". [مجموعة رسائل ومسائل متنوعة (1/60)].
فإياك أن تكون عبدَ عبادةٍ من العبادات تركن إليها ولا تكاد تفارقها، لكونها ملائمة لك، وموافقة لهواك، وقد يكون غيرها من العبادات أعظم وأفضل عند الله منها.
وتجد بعض الناس يميل إلى العلم ويلتذّ به ويجعله مطلوبه ومراده، وبعضهم يميل إلى الدعوة إلى الله ويلتذّ بها ويجعلها مطلوبه ومراده، وبعضهم يميل إلى نوع من العبادات كالصوم والعمرة والذكر باللسان ويلتذّ به ويجعله مطلوبه ومراده، ويغيب عنهم ضرورةُ وأهمّيّةُ ووجوبُ أنْ يكون الله هو المعبود المراد بكلّ علْم وعمل، وعبادةٍ وسلوكٍ وحال.
وهؤلاء يُحرمون كمالَ التوفيق، وتمامَ الإنعام والبركة، مع كثرة علْمهم أو عمَلِهم.
والعبدُ المؤمنُ الصادقُ الخالصُ مِن هوى نفْسِه يكون عبدًا محضًا لله، لا يميل لعبادةٍ معيّنة تهواها نفسُه، بل ميلُه لها لكونها محبوبة لربّه، ولا يلتزمها دون غيرها، بل متى كانت العبادةُ أفضل - زمانًا أو مكانًا أو حالًا - أتى بها وأرْغم نفسه عليها.
وقد ذكر ابن القيّم- رحمه الله- أنّ من الناس من يتقيَّد بعبادة معينة لا يتعبّد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره، وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظَّفر بالمطلوب الأعلى، مصْدُودون عنه، قد قيَّدَتهم العوائدُ عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتُهم منها أبعد منزل.
وذكر أنّ المؤمنين الصادقين لا يتقيَّدون بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيُعرَفون به دون غيره من الأعمال، فإن هذا آفة في العبودية، وهي عبودية مقيّدة، وأما العبودية المطلقة: فلا يُعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيبٌ لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهلِ عبوديةٍ نصيبٌ يضرب معهم بسهم.
مدارج السالكين (4/ ٣٤- 37).