قد تأخذنا الحياة بعيدًا، وتستغرقنا مشاغلها، وتُلهينا مطالبها حتى تضعف صلتنا بالله، ويقلّ نصيب قلوبنا من الذكر والمناجاة. ثم يقدّر الله لنا من الأحداث ما يوقظ أرواحنا من غفلتها، ويذكّرنا بضعفنا وحاجتنا إليه، ويعيد ترتيب ما اختلّ في نفوسنا من الأولويات.
وكم من شدّةٍ كانت سببًا في عودة عبدٍ إلى ربّه، وكم من بابٍ أُغلق في وجه إنسان ففتح له باب الدعاء، وكم من أمرٍ فاته فوجد في فواته فرصة لمراجعة نفسه، واستدراك ما ضيّعه من عمره.
ومن رحمة الله بعبده أن يجعل بعض ما يمرّ به من أقدار سببًا لهدايته، وتزكية قلبه، وتذكيره بأن الحياة الدنيا مهما اتّسعت فهي عابرة، وأن الآخرة هي دار القرار.
وحين يستقرّ هذا المعنى في القلب، يتعلّم الإنسان أن يحمد الله في أحواله كلها؛ يحمده على العطاء، ويصبر على المنع، ويشكره في الفرح، ويرجو رحمته في الحزن، ويوقن أن تدبير الله قائم على علمٍ وحكمةٍ قد تخفى عليه وجوههما.
قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فالحمد لله على جميل تدبيره، وعلى ما أعطى وما منع، وعلى ما كشف لنا من حكمته وما استأثر بعلمه منها.
الحمد لله أنه ربّنا، ووليّ أمرنا، وجابر كسرنا، ومُلمْلِم شعث قلوبنا، وملجؤنا حين تضيق بنا السبل، ووجهتنا حين تتفرّق بنا الطرق.
والحمد لله أن لنا ربًّا نعود إليه كلما ابتعدنا، وندعوه كلما عجزنا، ونرجو رحمته كلما أثقلتنا ذنوبنا؛ فما أعظم نعمة أن يكون الله هو الملاذ الذي لا ينقطع عنه الرجاء.
وكم من شدّةٍ كانت سببًا في عودة عبدٍ إلى ربّه، وكم من بابٍ أُغلق في وجه إنسان ففتح له باب الدعاء، وكم من أمرٍ فاته فوجد في فواته فرصة لمراجعة نفسه، واستدراك ما ضيّعه من عمره.
ومن رحمة الله بعبده أن يجعل بعض ما يمرّ به من أقدار سببًا لهدايته، وتزكية قلبه، وتذكيره بأن الحياة الدنيا مهما اتّسعت فهي عابرة، وأن الآخرة هي دار القرار.
وحين يستقرّ هذا المعنى في القلب، يتعلّم الإنسان أن يحمد الله في أحواله كلها؛ يحمده على العطاء، ويصبر على المنع، ويشكره في الفرح، ويرجو رحمته في الحزن، ويوقن أن تدبير الله قائم على علمٍ وحكمةٍ قد تخفى عليه وجوههما.
قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فالحمد لله على جميل تدبيره، وعلى ما أعطى وما منع، وعلى ما كشف لنا من حكمته وما استأثر بعلمه منها.
الحمد لله أنه ربّنا، ووليّ أمرنا، وجابر كسرنا، ومُلمْلِم شعث قلوبنا، وملجؤنا حين تضيق بنا السبل، ووجهتنا حين تتفرّق بنا الطرق.
والحمد لله أن لنا ربًّا نعود إليه كلما ابتعدنا، وندعوه كلما عجزنا، ونرجو رحمته كلما أثقلتنا ذنوبنا؛ فما أعظم نعمة أن يكون الله هو الملاذ الذي لا ينقطع عنه الرجاء.
❤24👌1
تكسير الثبات وزعزعة التوبة
تعهّد إبليس بكل استكبارٍ بتحقيق وعده الذي وجّهه لله تعالى مع سبق الإصرار والترصّد، ومن ثمّ فإنّه ليس ذاك العدوّ الذي تثنيه الخسارة أو تتعبه الانتكاسة، أنسيتَ وعده حين قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16].
إنَّ توبة أحدنا لا توقف إبليس، بل تزيده غيظاً وحقداً، وتزيدُ من همته في ردّنا على أعقابنا، فتجده يحيط بك من كل جانب، ويحاول الظهور من كل ثغرةٍ وباب، يريد سحبك لعهدك السابق، وذنبك الذي هجرت، فإذ به يكفّ عن تزيين الذنب مستبدلاً ذلك بتشويه هجرانه، بإيقاع العيوب والخطوب في توبتك، ويزيّن ذلك كلّه بهيئة ملائكيّةٍ جداً، على شكل وخزات ضميرٍ تُريك ذنبك من زاوية أخرى لا تتعرض للذّته وشهوتك إليه، فقد بات الوقت متأخراً الآن على هذه الحيل إن كانت التوبة صادقةً حقيقيّة!
إلا أنّ باب الضمير هذا يبدو مقنعاً أكثر فيجعلك تبدأ بالتساؤل، ما حال رفقة السوء الآن، ألن يؤثر فيهم هجراني المفاجئ لهم؟ ماذا عن تلك الفتاة ألن يَكسِر قلبها إغلاقي لمنافذ الحديث معها؟ ألم أكن شريكاً في الذنب؟ ..إلخ.
سيندفع إبليس ليجعلك تنسى عواقب الاستمرار في الذنب، وسيعظّم صعوبة تركه في نظرك بشتّى الطرق، وسيستطيع تبرير عودتك للذنب أو استمرارك مراراً وتكراراً…
سيسوّغ إبليس السرقة بحالك المعدم، وسيهوّن نهب المال العام بفساد الحكومات، ولا ننسى تلك الحيلة التي تجدي نفعاً مع كلِّ الذنوب؛ “انظر كيف يفعل الجميع ذلك”، وكأنه ينسى أنّ الله في عليائه يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103].
من مقال: "هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟" بقلم إسلام الجراح
https://bit.ly/3hHzjxO
#من_الأرشيف
تعهّد إبليس بكل استكبارٍ بتحقيق وعده الذي وجّهه لله تعالى مع سبق الإصرار والترصّد، ومن ثمّ فإنّه ليس ذاك العدوّ الذي تثنيه الخسارة أو تتعبه الانتكاسة، أنسيتَ وعده حين قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16].
إنَّ توبة أحدنا لا توقف إبليس، بل تزيده غيظاً وحقداً، وتزيدُ من همته في ردّنا على أعقابنا، فتجده يحيط بك من كل جانب، ويحاول الظهور من كل ثغرةٍ وباب، يريد سحبك لعهدك السابق، وذنبك الذي هجرت، فإذ به يكفّ عن تزيين الذنب مستبدلاً ذلك بتشويه هجرانه، بإيقاع العيوب والخطوب في توبتك، ويزيّن ذلك كلّه بهيئة ملائكيّةٍ جداً، على شكل وخزات ضميرٍ تُريك ذنبك من زاوية أخرى لا تتعرض للذّته وشهوتك إليه، فقد بات الوقت متأخراً الآن على هذه الحيل إن كانت التوبة صادقةً حقيقيّة!
إلا أنّ باب الضمير هذا يبدو مقنعاً أكثر فيجعلك تبدأ بالتساؤل، ما حال رفقة السوء الآن، ألن يؤثر فيهم هجراني المفاجئ لهم؟ ماذا عن تلك الفتاة ألن يَكسِر قلبها إغلاقي لمنافذ الحديث معها؟ ألم أكن شريكاً في الذنب؟ ..إلخ.
سيندفع إبليس ليجعلك تنسى عواقب الاستمرار في الذنب، وسيعظّم صعوبة تركه في نظرك بشتّى الطرق، وسيستطيع تبرير عودتك للذنب أو استمرارك مراراً وتكراراً…
سيسوّغ إبليس السرقة بحالك المعدم، وسيهوّن نهب المال العام بفساد الحكومات، ولا ننسى تلك الحيلة التي تجدي نفعاً مع كلِّ الذنوب؛ “انظر كيف يفعل الجميع ذلك”، وكأنه ينسى أنّ الله في عليائه يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103].
من مقال: "هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟" بقلم إسلام الجراح
https://bit.ly/3hHzjxO
#من_الأرشيف
السبيل
هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟ • السبيل
سنكشف في هذا المقال بعضًا من وجوه إبليس المختلفة متلبّساً بجرمه، وسنحاول تحليل بعض أشكال تحايلاته علّنا ألّا نسقط في وحلها مرةً أخرى.
❤8👌2👍1
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
ما أعظمها من بشارة، وما أكرمه من وعد! فقد ذكر الله العفو والإصلاح، ثم جعل أجر صاحبهما عليه سبحانه، دون أن يحدّد له مقدارًا في الآية، ليبقى القلب متطلّعًا إلى سعة فضله وعظيم كرمه.
وما أشدّ حاجة الإنسان إلى استحضار هذا الوعد حين يتعرّض للأذى، وتشتدّ في نفسه الرغبة في الانتصار، ويجد أن العفو أثقل على قلبه من المطالبة بحقه.
ففي تلك اللحظة يتجلّى معنى الإيمان؛ إذ يستطيع الإنسان أن يتجاوز ألمه، ويضبط غضبه، ويختار العفو حين يكون فيه إصلاح، راجيًا ما عند الله من الأجر.
تأمّل كيف جمع الله بين العفو والإصلاح؛ فالعفو الذي يُرجى به الأجر العظيم هو العفو الذي تتحقّق به المصلحة، وتُصلح به النفوس والعلاقات، ويُدفع به الشر، دون أن يكون سببًا في تمادي الظالم أو ضياع الحقوق.
فما أجمل أن يستحضر المؤمن، وهو يتجاوز إساءةً أو يصفح عن زلّة، أن ما تركه ابتغاء مرضاة الله محفوظٌ عند ربٍّ لا يضيع لديه عمل صالح.
وقد قال سبحانه في وصف المتقين: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] فاجتمع للعافين رجاء الأجر، وشرف محبة الله، وراحة القلب من أثقال الخصومة حين يكون الصفح سبيلًا إلى الخير.
وإذا كان الله الكريم قد تكفّل بأجر العفو والإصلاح، فما أعظم ما يرجوه العبد من فضله! وما أهون ما يتنازل عنه ابتغاء مرضاته، إذا قاسه بما عند الله من الجزاء.
اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، ونفوسًا كريمة، وحكمةً نعرف بها مواضع العفو والإصلاح، واجعلنا من عبادك الذين يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس ابتغاء وجهك.
ما أعظمها من بشارة، وما أكرمه من وعد! فقد ذكر الله العفو والإصلاح، ثم جعل أجر صاحبهما عليه سبحانه، دون أن يحدّد له مقدارًا في الآية، ليبقى القلب متطلّعًا إلى سعة فضله وعظيم كرمه.
وما أشدّ حاجة الإنسان إلى استحضار هذا الوعد حين يتعرّض للأذى، وتشتدّ في نفسه الرغبة في الانتصار، ويجد أن العفو أثقل على قلبه من المطالبة بحقه.
ففي تلك اللحظة يتجلّى معنى الإيمان؛ إذ يستطيع الإنسان أن يتجاوز ألمه، ويضبط غضبه، ويختار العفو حين يكون فيه إصلاح، راجيًا ما عند الله من الأجر.
تأمّل كيف جمع الله بين العفو والإصلاح؛ فالعفو الذي يُرجى به الأجر العظيم هو العفو الذي تتحقّق به المصلحة، وتُصلح به النفوس والعلاقات، ويُدفع به الشر، دون أن يكون سببًا في تمادي الظالم أو ضياع الحقوق.
فما أجمل أن يستحضر المؤمن، وهو يتجاوز إساءةً أو يصفح عن زلّة، أن ما تركه ابتغاء مرضاة الله محفوظٌ عند ربٍّ لا يضيع لديه عمل صالح.
وقد قال سبحانه في وصف المتقين: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] فاجتمع للعافين رجاء الأجر، وشرف محبة الله، وراحة القلب من أثقال الخصومة حين يكون الصفح سبيلًا إلى الخير.
وإذا كان الله الكريم قد تكفّل بأجر العفو والإصلاح، فما أعظم ما يرجوه العبد من فضله! وما أهون ما يتنازل عنه ابتغاء مرضاته، إذا قاسه بما عند الله من الجزاء.
اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، ونفوسًا كريمة، وحكمةً نعرف بها مواضع العفو والإصلاح، واجعلنا من عبادك الذين يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس ابتغاء وجهك.
❤20👍1👌1
من أعجب ما في سورة الماعون أنها تكشف في آيات قليلة عن أصول عظيمة في صلاح الإنسان وفساده، فتجمع بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وتبيّن كيف يمكن أن يختلّ الدين حين ينفصل ظاهر العمل عن حقيقته ومقصده.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5–7].
ويمكن أن نتلمّس في هذه الآيات أربعة معانٍ جامعة:
فأصل أعمال الجوارح الصلاة؛ فهي أعظم العبادات العملية، وأظهر علامات الصلة بالله، وقد ذمّت الآيات من يغفل عن حقّها ويضيّع شأنها.
وأصل أعمال القلوب الإخلاص؛ فهو الروح التي تمنح العبادة معناها، وتجعل العمل متوجّهًا إلى الله، بعيدًا عن طلب المنزلة في أعين الناس.
ومن أخطر أمراض القلوب الرياء؛ إذ يتحوّل العمل الذي يُراد به وجه الله إلى وسيلة لطلب ثناء الخلق، فيفسد القصد، ويضيع من ثواب العمل بقدر ما يخالطه من رياء.
ومن مظاهر فساد أعمال الجوارح منع المعروف؛ فقد ختمت الآيات بذمّ الذين يمنعون الماعون، وهو ما فسّره المفسرون بما يتداوله الناس من المنافع والمعونة، وقيل فيه غير ذلك. وفيه إشارة إلى أن فساد التدين قد يظهر في قسوة التعامل مع الناس، والبخل بما ينفعهم.
وعليه، ترسم الآيات صورة متكاملة، فتظهر لنا الصلاة التي يُفرَّط في حقّها، والقلوب التي يفسدها الرياء، والأيدي الممتنعة عن بذل الخير.
واللافت أن السورة تربط بين العبادة والسلوك الاجتماعي؛ فصدق الصلة بالله ينبغي أن يظهر أثره في الإخلاص له، والرحمة بعباده، والإحسان إليهم.
وهنا نتأكد أن صلاح الإنسان يبدأ من قلبه، ويظهر في عبادته، وتكتمل آثاره في معاملته للناس.
فما أحوجنا إلى أن نراجع أنفسنا في هذه المعاني الثلاثة: كيف نصلّي؟ ولمن نعمل؟ وماذا نقدّم من الخير للآخرين؟
فمن أعظم الخسارة أن يعتني الإنسان بصورة عبادته، ويغفل عن إخلاص قلبه، ثم لا يظهر أثر تلك العبادة في رحمته بالناس وإحسانه إليهم.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 5–7].
ويمكن أن نتلمّس في هذه الآيات أربعة معانٍ جامعة:
فأصل أعمال الجوارح الصلاة؛ فهي أعظم العبادات العملية، وأظهر علامات الصلة بالله، وقد ذمّت الآيات من يغفل عن حقّها ويضيّع شأنها.
وأصل أعمال القلوب الإخلاص؛ فهو الروح التي تمنح العبادة معناها، وتجعل العمل متوجّهًا إلى الله، بعيدًا عن طلب المنزلة في أعين الناس.
ومن أخطر أمراض القلوب الرياء؛ إذ يتحوّل العمل الذي يُراد به وجه الله إلى وسيلة لطلب ثناء الخلق، فيفسد القصد، ويضيع من ثواب العمل بقدر ما يخالطه من رياء.
ومن مظاهر فساد أعمال الجوارح منع المعروف؛ فقد ختمت الآيات بذمّ الذين يمنعون الماعون، وهو ما فسّره المفسرون بما يتداوله الناس من المنافع والمعونة، وقيل فيه غير ذلك. وفيه إشارة إلى أن فساد التدين قد يظهر في قسوة التعامل مع الناس، والبخل بما ينفعهم.
وعليه، ترسم الآيات صورة متكاملة، فتظهر لنا الصلاة التي يُفرَّط في حقّها، والقلوب التي يفسدها الرياء، والأيدي الممتنعة عن بذل الخير.
واللافت أن السورة تربط بين العبادة والسلوك الاجتماعي؛ فصدق الصلة بالله ينبغي أن يظهر أثره في الإخلاص له، والرحمة بعباده، والإحسان إليهم.
وهنا نتأكد أن صلاح الإنسان يبدأ من قلبه، ويظهر في عبادته، وتكتمل آثاره في معاملته للناس.
فما أحوجنا إلى أن نراجع أنفسنا في هذه المعاني الثلاثة: كيف نصلّي؟ ولمن نعمل؟ وماذا نقدّم من الخير للآخرين؟
فمن أعظم الخسارة أن يعتني الإنسان بصورة عبادته، ويغفل عن إخلاص قلبه، ثم لا يظهر أثر تلك العبادة في رحمته بالناس وإحسانه إليهم.
❤25👌2
أُلقي إبراهيم عليه السلام في النار، وابتُلي أيوب عليه السلام في جسده وأهله وماله، وذاق يوسف عليه السلام عواقب الحسد والضغينة، ومرارة الفراق وظلمة السجن، ومكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ويصبر على تكذيبهم وإعراضهم.
انظر إلى هؤلاء.. إنهم من صفوة خلق الله، ومن أحبّ عباده إليه، ومع ذلك جرت عليهم من صنوف البلاء والشدائد ما تعجز عن احتماله عامة النفوس، وفي سيرتهم درس عظيم يعيد ترتيب نظرتنا إلى الحياة؛ فالقرب من الله لا يعني السلامة من الابتلاء، ومحبة الله لعبده لا تستلزم أن تكون حياته خالية من الألم والمشقة، وقد سُئل النبي ﷺ: أيّ الناس أشدّ بلاءً؟ فقال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) [أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].
قد يكون البلاء سببًا في رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، وتزكية النفوس، وتعميق معاني الصبر والتوكل والافتقار إلى الله، والعجيب أن القرآن حين يقصّ علينا محن الأنبياء، يعلّمنا كيف واجهوا الشدائد بالإيمان، وكيف ثبتوا حين اضطربت الأسباب، وكيف بقيت قلوبهم معلّقة بالله في أشدّ اللحظات، فإبراهيم وجد النجاة في النار، وأيوب أدركته الرحمة بعد الضرّ، ويوسف خرج من السجن إلى التمكين، ونوح نجّاه الله ومن آمن معه بعد طول الصبر..
وهذا يعلّمنا أن البلاء مهما اشتدّ، فإن عاقبته لا تُقاس بما نراه في الآن واللحظة التي نعاين فيها نزول البلاد، وأن تدبير الله لعباده أوسع من حدود إدراكهم، ومن أعظم ما يسكّن قلب المؤمن حين تنزل به الشدائد أن يتذكّر أن الدنيا دار ابتلاء، وأن أعظم الناس منزلة عند الله لم يكونوا أكثرهم راحة فيها.
وهذا كله يخبرك، أنه إذا ضاقت بك الحياة، ألا تجعل شدّة البلاء مقياسًا لبعدك عن الله؛ وأن تنظر إلى ما يفتحه لك من أبواب الصبر والدعاء والرجوع إليه، فأحسن الظنّ بربك، فإن كرامة العبد عند الله أعظم من أن تُقاس بما أُعطي من الدنيا أو مُنع منها، قال رسول الله ﷺ: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء) [أخرجه الترمذي]، وما أهون الدنيا حين نعرف حقيقتها، وما أعظم ما عند الله حين نوقن أن وراء الصبر أجرًا، ووراء الشدة حكمة، وأن ما أعدّه الله لعباده الصالحين خيرٌ وأبقى.
انظر إلى هؤلاء.. إنهم من صفوة خلق الله، ومن أحبّ عباده إليه، ومع ذلك جرت عليهم من صنوف البلاء والشدائد ما تعجز عن احتماله عامة النفوس، وفي سيرتهم درس عظيم يعيد ترتيب نظرتنا إلى الحياة؛ فالقرب من الله لا يعني السلامة من الابتلاء، ومحبة الله لعبده لا تستلزم أن تكون حياته خالية من الألم والمشقة، وقد سُئل النبي ﷺ: أيّ الناس أشدّ بلاءً؟ فقال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) [أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].
قد يكون البلاء سببًا في رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، وتزكية النفوس، وتعميق معاني الصبر والتوكل والافتقار إلى الله، والعجيب أن القرآن حين يقصّ علينا محن الأنبياء، يعلّمنا كيف واجهوا الشدائد بالإيمان، وكيف ثبتوا حين اضطربت الأسباب، وكيف بقيت قلوبهم معلّقة بالله في أشدّ اللحظات، فإبراهيم وجد النجاة في النار، وأيوب أدركته الرحمة بعد الضرّ، ويوسف خرج من السجن إلى التمكين، ونوح نجّاه الله ومن آمن معه بعد طول الصبر..
وهذا يعلّمنا أن البلاء مهما اشتدّ، فإن عاقبته لا تُقاس بما نراه في الآن واللحظة التي نعاين فيها نزول البلاد، وأن تدبير الله لعباده أوسع من حدود إدراكهم، ومن أعظم ما يسكّن قلب المؤمن حين تنزل به الشدائد أن يتذكّر أن الدنيا دار ابتلاء، وأن أعظم الناس منزلة عند الله لم يكونوا أكثرهم راحة فيها.
وهذا كله يخبرك، أنه إذا ضاقت بك الحياة، ألا تجعل شدّة البلاء مقياسًا لبعدك عن الله؛ وأن تنظر إلى ما يفتحه لك من أبواب الصبر والدعاء والرجوع إليه، فأحسن الظنّ بربك، فإن كرامة العبد عند الله أعظم من أن تُقاس بما أُعطي من الدنيا أو مُنع منها، قال رسول الله ﷺ: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء) [أخرجه الترمذي]، وما أهون الدنيا حين نعرف حقيقتها، وما أعظم ما عند الله حين نوقن أن وراء الصبر أجرًا، ووراء الشدة حكمة، وأن ما أعدّه الله لعباده الصالحين خيرٌ وأبقى.
❤27👌3👍1
من أعظم المعاني التي يقررها القرآن الكريم أن أرزاق العباد ومصالحهم لا تنحصر فيما يملكه الناس من أسباب، وأن ما بأيدي الخلق مهما اتّسع يبقى محدودًا أمام خزائن الله التي لا تنفد.
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7].
جاءت هذه الآية في سياق كشف موقف المنافقين الذين أرادوا استخدام التضييق الاقتصادي وسيلةً لتفريق المؤمنين عن رسول الله ﷺ، ظنًّا منهم أن التحكم في أسباب الإنفاق يمنحهم القدرة على التحكم في ولاء الناس ومواقفهم.
فجاء الردّ الإلهي حاسمًا: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وفي هذا الردّ نقلٌ للنظر من محدودية ما يملكه البشر إلى سعة ملك الله، ومن الأسباب الظاهرة التي يستطيع الناس منعها إلى القدرة الإلهية التي تتجاوز تلك الأسباب جميعًا.
فكل باب يُغلقه الناس يبقى بابًا واحدًا من أبواب الأسباب، أما خزائن الله فلا يملك أحد إغلاقها أو التحكم فيها.
وحين يمتنع إنسان عن المساعدة، أو تُرفض حاجة، أو تتعسّر معاملة، أو تضيق فرص الرزق، فإن المؤمن يستحضر أن ما بأيدي الناس جزء محدود من ملك الله، وأن انقطاع سببٍ لا يعني انقطاع الرزق، وتعذّر طريقٍ لا يستلزم استحالة الوصول إلى الغاية.
وتكشف الآية أيضًا عن خطأ عميق في تقدير المنافقين؛ فقد ظنّوا أن امتلاك وسائل الإنفاق يمنحهم سلطانًا على مصائر المؤمنين، وغاب عنهم أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما يُنفق ويُمنع.
ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ إشارةً إلى قصور فهمهم لحقيقة الرزق والتدبير، ووقوف نظرهم عند الأسباب المادية المباشرة.
وهذا المعنى يؤسس لتوازن بالغ الأهمية في حياة المؤمن؛ فهو يسعى في طلب الرزق، ويأخذ بالأسباب، ويطرق الأبواب المشروعة، لكنه لا يجعل ثقته بالله مرهونةً باستجابة الناس أو نجاح وسيلة بعينها.
فالتوكّل الحقيقي يجمع بين بذل الجهد واليقين بأن النتائج بيد الله، وأن قدرته أوسع من الوسائل التي يعرفها الإنسان، وأن ما تعذّر اليوم قد ييسّره الله من طريق لم يكن في الحسبان.
ومن أعظم ثمرات هذا اليقين أن يتحرّر القلب من المبالغة في الخوف من منع الناس، أو التعلّق بعطائهم، أو الاعتقاد بأن مستقبل الإنسان مرهون بإرادة أحد منهم.
إن استحضار قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالأسباب؛ فيبذل جهده دون أن يستعبد قلبه لها، ويرجو فضل الله دون أن يحدّده بما يراه ممكنًا في واقعه.
اللهم أغننا بفضلك، وارزقنا حسن التوكّل عليك، واجعل ثقتنا بما عندك أعظم من تعلّقنا بما في أيدي خلقك.
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7].
جاءت هذه الآية في سياق كشف موقف المنافقين الذين أرادوا استخدام التضييق الاقتصادي وسيلةً لتفريق المؤمنين عن رسول الله ﷺ، ظنًّا منهم أن التحكم في أسباب الإنفاق يمنحهم القدرة على التحكم في ولاء الناس ومواقفهم.
فجاء الردّ الإلهي حاسمًا: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وفي هذا الردّ نقلٌ للنظر من محدودية ما يملكه البشر إلى سعة ملك الله، ومن الأسباب الظاهرة التي يستطيع الناس منعها إلى القدرة الإلهية التي تتجاوز تلك الأسباب جميعًا.
فكل باب يُغلقه الناس يبقى بابًا واحدًا من أبواب الأسباب، أما خزائن الله فلا يملك أحد إغلاقها أو التحكم فيها.
وحين يمتنع إنسان عن المساعدة، أو تُرفض حاجة، أو تتعسّر معاملة، أو تضيق فرص الرزق، فإن المؤمن يستحضر أن ما بأيدي الناس جزء محدود من ملك الله، وأن انقطاع سببٍ لا يعني انقطاع الرزق، وتعذّر طريقٍ لا يستلزم استحالة الوصول إلى الغاية.
وتكشف الآية أيضًا عن خطأ عميق في تقدير المنافقين؛ فقد ظنّوا أن امتلاك وسائل الإنفاق يمنحهم سلطانًا على مصائر المؤمنين، وغاب عنهم أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما يُنفق ويُمنع.
ولهذا ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ إشارةً إلى قصور فهمهم لحقيقة الرزق والتدبير، ووقوف نظرهم عند الأسباب المادية المباشرة.
وهذا المعنى يؤسس لتوازن بالغ الأهمية في حياة المؤمن؛ فهو يسعى في طلب الرزق، ويأخذ بالأسباب، ويطرق الأبواب المشروعة، لكنه لا يجعل ثقته بالله مرهونةً باستجابة الناس أو نجاح وسيلة بعينها.
فالتوكّل الحقيقي يجمع بين بذل الجهد واليقين بأن النتائج بيد الله، وأن قدرته أوسع من الوسائل التي يعرفها الإنسان، وأن ما تعذّر اليوم قد ييسّره الله من طريق لم يكن في الحسبان.
ومن أعظم ثمرات هذا اليقين أن يتحرّر القلب من المبالغة في الخوف من منع الناس، أو التعلّق بعطائهم، أو الاعتقاد بأن مستقبل الإنسان مرهون بإرادة أحد منهم.
إن استحضار قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالأسباب؛ فيبذل جهده دون أن يستعبد قلبه لها، ويرجو فضل الله دون أن يحدّده بما يراه ممكنًا في واقعه.
اللهم أغننا بفضلك، وارزقنا حسن التوكّل عليك، واجعل ثقتنا بما عندك أعظم من تعلّقنا بما في أيدي خلقك.
❤19👌1
الهالوين: عيد للترفيه والرعب أم بوابة للشياطين.
في 31 أكتوبر من كل عام يحتفل الملايين حول العالم بعيد الهالوين، وتنتشر فيه مشاهد الرعب والخوف. في هذه الحلقة نتعرف على أصل الهالوين في بريطانيا وأيرلندا وهو يوم "سامهين"، وكيف كان بوابة للشياطين إلى عالمهم، وكيف أقحمته الكنيسة الكاثوليكية في تقاليدها تحت مسمى عيد جميع القديسين والشهداء، وكيف صار مهرجانًا احتفاليًا ترفيهيًا اليوم؟ ونسأل أيضًا: هل يجوز للمسلمين الاحتفال به؟
https://youtu.be/jcHhdfYLeN0?si=gHuYJTBeVPzYn54X
في 31 أكتوبر من كل عام يحتفل الملايين حول العالم بعيد الهالوين، وتنتشر فيه مشاهد الرعب والخوف. في هذه الحلقة نتعرف على أصل الهالوين في بريطانيا وأيرلندا وهو يوم "سامهين"، وكيف كان بوابة للشياطين إلى عالمهم، وكيف أقحمته الكنيسة الكاثوليكية في تقاليدها تحت مسمى عيد جميع القديسين والشهداء، وكيف صار مهرجانًا احتفاليًا ترفيهيًا اليوم؟ ونسأل أيضًا: هل يجوز للمسلمين الاحتفال به؟
https://youtu.be/jcHhdfYLeN0?si=gHuYJTBeVPzYn54X
❤15👍4👎1
من الأخطاء التي تتكرر في كل عصر أن ينظر الإنسان إلى زمنه بعين النقص، وإلى الأزمنة الماضية بعين الكمال، حتى يظن أن العلم قد انقضى برجاله، وأن الفضل قد ذهب بأهله، وأن الأجيال اللاحقة لم يعد فيها من يستحق الاقتداء.
وقد عبّر يحيى بن أكثم عن شيء من هذا المعنى حين قال: "كان في الناس رؤساء، كان سفيان الثوري رأسًا في الحديث، وأبو حنيفة رأسًا في القياس، والكسائي رأسًا في القرّاء، فلم يبق اليوم رأس في فنّ من الفنون".
وقد عقّب الإمام الذهبي بعد قرون على هذا القول في سير أعلام النبلاء، وشرع يذكر أعلامًا تعاقبوا في مختلف العلوم؛ فذكر عبد الرحمن بن مهدي في الحديث، والشافعي في الفقه، وأبا عبيدة معمر بن المثنى في اللغة، ومعروفًا الكرخي في الزهد، ثم ذكر من جاء بعدهم، كأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، والسري السقطي، واستمرّ في تعداد الأئمة حتى بلغ علماء عصره، ثم ختم بقوله: "ففي الناس بقايا خير، ولله الحمد".
وهذه العبارة تحمل معنى عظيمًا في النظر إلى التاريخ والناس؛ فذهاب الكبار لا يعني انقطاع الفضل، وغياب الأعلام لا يستلزم خلوّ الزمان من أهل العلم والصلاح.
إن الله يهيّئ في كل عصر من يحمل العلم، ويجدّد معانيه، ويحفظ أصوله، وينفع الناس به، وإن تفاوتت مراتب العلماء، واختلفت أحوال الأزمنة.
وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" [متفق عليه].
ومن هنا ينبغي أن يتحرّر طالب العلم من النظرة التي تحصر الخير في الماضي، وأن يجمع بين معرفة فضل السابقين، والإنصاف لأهل العلم في زمانه، والبحث عن أصحاب الرسوخ والأمانة والاستقامة.
ففي كل جيل من يستحق أن يُؤخذ عنه، ومن يفتح الله على يديه أبوابًا من المعرفة والنفع، وإن لم تبلغ شهرته الآفاق، أو تتجه إليه أنظار الناس.
ومن أعظم ما يعين الإنسان على الانتفاع بالعلم أن يطلبه بصدق، ويتحرّى أهله، ويتواضع للحق حيث وجده؛ فإن من صدق في طلب الهداية، وبذل أسبابها، رُجي له أن يوفّقه الله إلى من يدلّه عليها.
لا يحملنّك فسادٌ تراه، أو نقصٌ تشهده، على الظنّ أن الخير قد انقطع؛ فما زال في الناس علمٌ يُنتفع به، وقلوبٌ صادقة، ونفوسٌ صالحة، وأهل فضل قد تخفى منازلهم على كثير من الناس.
وكما قال الإمام الذهبي "لم يزل في الناس بقيّة، ولله الحمد"
وقد عبّر يحيى بن أكثم عن شيء من هذا المعنى حين قال: "كان في الناس رؤساء، كان سفيان الثوري رأسًا في الحديث، وأبو حنيفة رأسًا في القياس، والكسائي رأسًا في القرّاء، فلم يبق اليوم رأس في فنّ من الفنون".
وقد عقّب الإمام الذهبي بعد قرون على هذا القول في سير أعلام النبلاء، وشرع يذكر أعلامًا تعاقبوا في مختلف العلوم؛ فذكر عبد الرحمن بن مهدي في الحديث، والشافعي في الفقه، وأبا عبيدة معمر بن المثنى في اللغة، ومعروفًا الكرخي في الزهد، ثم ذكر من جاء بعدهم، كأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي عمر الدوري، وابن الأعرابي، والسري السقطي، واستمرّ في تعداد الأئمة حتى بلغ علماء عصره، ثم ختم بقوله: "ففي الناس بقايا خير، ولله الحمد".
وهذه العبارة تحمل معنى عظيمًا في النظر إلى التاريخ والناس؛ فذهاب الكبار لا يعني انقطاع الفضل، وغياب الأعلام لا يستلزم خلوّ الزمان من أهل العلم والصلاح.
إن الله يهيّئ في كل عصر من يحمل العلم، ويجدّد معانيه، ويحفظ أصوله، وينفع الناس به، وإن تفاوتت مراتب العلماء، واختلفت أحوال الأزمنة.
وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" [متفق عليه].
ومن هنا ينبغي أن يتحرّر طالب العلم من النظرة التي تحصر الخير في الماضي، وأن يجمع بين معرفة فضل السابقين، والإنصاف لأهل العلم في زمانه، والبحث عن أصحاب الرسوخ والأمانة والاستقامة.
ففي كل جيل من يستحق أن يُؤخذ عنه، ومن يفتح الله على يديه أبوابًا من المعرفة والنفع، وإن لم تبلغ شهرته الآفاق، أو تتجه إليه أنظار الناس.
ومن أعظم ما يعين الإنسان على الانتفاع بالعلم أن يطلبه بصدق، ويتحرّى أهله، ويتواضع للحق حيث وجده؛ فإن من صدق في طلب الهداية، وبذل أسبابها، رُجي له أن يوفّقه الله إلى من يدلّه عليها.
لا يحملنّك فسادٌ تراه، أو نقصٌ تشهده، على الظنّ أن الخير قد انقطع؛ فما زال في الناس علمٌ يُنتفع به، وقلوبٌ صادقة، ونفوسٌ صالحة، وأهل فضل قد تخفى منازلهم على كثير من الناس.
وكما قال الإمام الذهبي "لم يزل في الناس بقيّة، ولله الحمد"
❤23👌1
من أعظم ما يستحق التأمل في الصلاة موضع التشهّد، وما اشتمل عليه من ألفاظ التعظيم والثناء، وما يفتحه تدبّرها من معاني العبودية والخضوع لله تعالى.
فقد ثبتت عن النبي ﷺ صيغ متعددة للتشهّد، ومن أشهرها وأصحّها صيغة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيها:
"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ..." [متفق عليه].
ولموضع هذه الكلمات في الصلاة مناسبة بديعة تستحق أن يستحضرها المصلي، فقد افتتح صلاته بتكبير الله وتعظيمه، ثم وقف بين يديه يقرأ الفاتحة ويناجيه، ثم انحنى راكعًا، وخرّ ساجدًا واضعًا أشرف أعضائه على الأرض خضوعًا لربّه، ثم رفع رأسه وجلس في هيئة العبد المتأدّب بين يدي مولاه.
وبعد هذه الأفعال العظيمة من التعظيم والخضوع، يأتي التشهّد، فيفتتحه بقوله:
"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". أي إن جميع ألفاظ التعظيم والإجلال والثناء المستحق لله هي له سبحانه، فهو أحقّ من يُعظَّم، وأولى من يُثنى عليه، وأعظم من تتوجّه إليه القلوب بالتقديس والمحبة والخضوع.
ويمكن للمصلي أن يستحضر في هذا اللفظ ما يتصوّره من وجوه التعظيم والثناء التي يليق إفراد الله بها؛ فتتّسع دلالة الكلمات في قلبه، ويستشعر عظمة من يقف بين يديه.
ثم يقول: "وَالصَّلَوَاتُ".
فيقرّ بأن الصلوات والعبادات لله وحده، وأنه المستحق لأن تُصرف إليه أعمال التعبّد والخضوع؛ فلا ركوع تعبّدًا إلا له، ولا سجود عبادة إلا بين يديه.
وما أعظم أن يستحضر المصلي، وهو ينطق بهذه الكلمة، أن صلاته جزء من عبودية عظيمة يتقرّب بها المؤمنون إلى ربّهم في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم يقول: "وَالطَّيِّبَاتُ"
فتكتمل معاني الثناء؛ إذ تُنسب إلى الله الكلمات الطيبة وألوان الثناء الحسن، ويستحضر العبد أن الله سبحانه طيّب لا يقبل إلا طيبًا، وأن من تمام العبودية أن تكون أقواله وأعماله خالصة لله، موافقة لما يحب ويرضى.
وهكذا يجمع صدر التشهّد معاني عظيمة: تعظيم الله، وإفراده بالعبادة، وإثبات ما يليق به من طيّب الثناء.
ثم ينتقل المصلي إلى السلام على النبي ﷺ، والدعاء لنفسه ولعباد الله الصالحين، ثم إلى الشهادتين، فيجتمع في هذا المجلس القصير تعظيم الخالق، وحقّ رسوله، ورابطة الإيمان التي تجمع المؤمنين.
وما أجمل أن يستحضر العبد هذه المعاني بدل أن تمرّ ألفاظ التشهّد على لسانه بحكم الاعتياد، فيجدّد بها إخلاصه، ويستشعر بها مقام العبودية الذي شُرعت الصلاة لإقامته في قلبه وجوارحه.
إن الصلاة ليست حركات تؤدّى وألفاظًا تُردّد فحسب؛ إنها عبودية يتآزر فيها عمل القلب واللسان والجوارح، وكلما ازداد المصلي فهمًا لمعانيها، كان أقدر على حضور القلب والخشوع فيها.
فإذا جلست للتشهّد، فاستحضر أنك بعد القيام والركوع والسجود قد جلست لتثني على ربك بما علّمك نبيّه ﷺ؛ وقل بقلب حاضر: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ".
فقد ثبتت عن النبي ﷺ صيغ متعددة للتشهّد، ومن أشهرها وأصحّها صيغة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيها:
"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ..." [متفق عليه].
ولموضع هذه الكلمات في الصلاة مناسبة بديعة تستحق أن يستحضرها المصلي، فقد افتتح صلاته بتكبير الله وتعظيمه، ثم وقف بين يديه يقرأ الفاتحة ويناجيه، ثم انحنى راكعًا، وخرّ ساجدًا واضعًا أشرف أعضائه على الأرض خضوعًا لربّه، ثم رفع رأسه وجلس في هيئة العبد المتأدّب بين يدي مولاه.
وبعد هذه الأفعال العظيمة من التعظيم والخضوع، يأتي التشهّد، فيفتتحه بقوله:
"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ". أي إن جميع ألفاظ التعظيم والإجلال والثناء المستحق لله هي له سبحانه، فهو أحقّ من يُعظَّم، وأولى من يُثنى عليه، وأعظم من تتوجّه إليه القلوب بالتقديس والمحبة والخضوع.
ويمكن للمصلي أن يستحضر في هذا اللفظ ما يتصوّره من وجوه التعظيم والثناء التي يليق إفراد الله بها؛ فتتّسع دلالة الكلمات في قلبه، ويستشعر عظمة من يقف بين يديه.
ثم يقول: "وَالصَّلَوَاتُ".
فيقرّ بأن الصلوات والعبادات لله وحده، وأنه المستحق لأن تُصرف إليه أعمال التعبّد والخضوع؛ فلا ركوع تعبّدًا إلا له، ولا سجود عبادة إلا بين يديه.
وما أعظم أن يستحضر المصلي، وهو ينطق بهذه الكلمة، أن صلاته جزء من عبودية عظيمة يتقرّب بها المؤمنون إلى ربّهم في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم يقول: "وَالطَّيِّبَاتُ"
فتكتمل معاني الثناء؛ إذ تُنسب إلى الله الكلمات الطيبة وألوان الثناء الحسن، ويستحضر العبد أن الله سبحانه طيّب لا يقبل إلا طيبًا، وأن من تمام العبودية أن تكون أقواله وأعماله خالصة لله، موافقة لما يحب ويرضى.
وهكذا يجمع صدر التشهّد معاني عظيمة: تعظيم الله، وإفراده بالعبادة، وإثبات ما يليق به من طيّب الثناء.
ثم ينتقل المصلي إلى السلام على النبي ﷺ، والدعاء لنفسه ولعباد الله الصالحين، ثم إلى الشهادتين، فيجتمع في هذا المجلس القصير تعظيم الخالق، وحقّ رسوله، ورابطة الإيمان التي تجمع المؤمنين.
وما أجمل أن يستحضر العبد هذه المعاني بدل أن تمرّ ألفاظ التشهّد على لسانه بحكم الاعتياد، فيجدّد بها إخلاصه، ويستشعر بها مقام العبودية الذي شُرعت الصلاة لإقامته في قلبه وجوارحه.
إن الصلاة ليست حركات تؤدّى وألفاظًا تُردّد فحسب؛ إنها عبودية يتآزر فيها عمل القلب واللسان والجوارح، وكلما ازداد المصلي فهمًا لمعانيها، كان أقدر على حضور القلب والخشوع فيها.
فإذا جلست للتشهّد، فاستحضر أنك بعد القيام والركوع والسجود قد جلست لتثني على ربك بما علّمك نبيّه ﷺ؛ وقل بقلب حاضر: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ".
❤16👌1
من أرقى صور برّ الوالدين أن يبلغ الإنسان من محبته لهما ومراعاة مشاعرهما منزلةً تجعله يترك بعض ما تشتهيه نفسه من المباحات، إيثارًا لراحتهما، وحرصًا على ألّا يصيبهما منه أذى أو ضيق.
وهذه منزلة من البرّ تحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس؛ لأن الإنسان قد يجد في نفسه رغبةً شديدة في أمر مباح، ثم يعلم أن فعله سيحزن أباه أو يكدّر خاطر أمه، فيختار تركه بطيب نفس، ابتغاء مرضاة الله وإحسانًا إليهما.
وأجمل من ذلك أن يبلغ الابن أو البنت من حسن الصحبة والانتباه إلى مشاعر الوالدين ما يغنيه عن انتظار التصريح؛ فيفهم ما يسرّهما وما يحزنهما من نبرة حديث، أو إشارة عابرة، أو تغيّر في ملامح الوجه.
فالبرّ منزلة تتجاوز اجتناب العقوق إلى المبادرة بالإحسان، ومراعاة الخواطر، والتلطّف في المعاملة، وتقديم ما يُدخل السرور على قلبي الوالدين.
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، والإحسان أوسع من أداء الحقوق الواجبة؛ فهو يشمل جميل القول، وحسن الصحبة، والصبر على ما قد يصدر منهما، وبذل ما يستطيع الإنسان من أسباب الراحة والطمأنينة لهما.
ومع ذلك، فإن مراعاة رغبات الوالدين في المباحات تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها الاستطاعة والمصالح والحقوق، فلا يلزم من كمال البرّ أن يتخلّى الإنسان عن كل مباح لا يوافق هواهما، ولا أن يُلحق بنفسه أو بغيره ضررًا.
ومن أعظم ما يُرزق به الإنسان قلبٌ يفرح بإسعاد والديه، ويجد في التنازل عن بعض رغباته لأجلهما لذّةً أعظم من لذّة ما تركه.
فكم من معروف صغير في نظر الأبناء يكون عظيم الأثر في نفوس الآباء والأمهات، وكم من رغبة تركها الابن برضًا ومحبة كانت بابًا من أبواب الإحسان لا يعلم قدر أجره إلا الله.
البرّ الحقيقي يظهر في التفاصيل التي لا يراها الناس؛ في كلمة تُقال برفق، ورغبة تُؤجَّل محبةً، وخاطر يُراعى، وفرحة يُؤثر بها الوالدان على النفس.
اللهم ارزقنا برّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وأعنّا على الإحسان إليهما، واجعلنا من الذين يعرفون قدرهما، ويؤدّون حقّهما بمحبة ورحمة واحتساب.
وهذه منزلة من البرّ تحتاج إلى مجاهدة شديدة للنفس؛ لأن الإنسان قد يجد في نفسه رغبةً شديدة في أمر مباح، ثم يعلم أن فعله سيحزن أباه أو يكدّر خاطر أمه، فيختار تركه بطيب نفس، ابتغاء مرضاة الله وإحسانًا إليهما.
وأجمل من ذلك أن يبلغ الابن أو البنت من حسن الصحبة والانتباه إلى مشاعر الوالدين ما يغنيه عن انتظار التصريح؛ فيفهم ما يسرّهما وما يحزنهما من نبرة حديث، أو إشارة عابرة، أو تغيّر في ملامح الوجه.
فالبرّ منزلة تتجاوز اجتناب العقوق إلى المبادرة بالإحسان، ومراعاة الخواطر، والتلطّف في المعاملة، وتقديم ما يُدخل السرور على قلبي الوالدين.
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، والإحسان أوسع من أداء الحقوق الواجبة؛ فهو يشمل جميل القول، وحسن الصحبة، والصبر على ما قد يصدر منهما، وبذل ما يستطيع الإنسان من أسباب الراحة والطمأنينة لهما.
ومع ذلك، فإن مراعاة رغبات الوالدين في المباحات تُقدَّر بقدرها، وتُراعى فيها الاستطاعة والمصالح والحقوق، فلا يلزم من كمال البرّ أن يتخلّى الإنسان عن كل مباح لا يوافق هواهما، ولا أن يُلحق بنفسه أو بغيره ضررًا.
ومن أعظم ما يُرزق به الإنسان قلبٌ يفرح بإسعاد والديه، ويجد في التنازل عن بعض رغباته لأجلهما لذّةً أعظم من لذّة ما تركه.
فكم من معروف صغير في نظر الأبناء يكون عظيم الأثر في نفوس الآباء والأمهات، وكم من رغبة تركها الابن برضًا ومحبة كانت بابًا من أبواب الإحسان لا يعلم قدر أجره إلا الله.
البرّ الحقيقي يظهر في التفاصيل التي لا يراها الناس؛ في كلمة تُقال برفق، ورغبة تُؤجَّل محبةً، وخاطر يُراعى، وفرحة يُؤثر بها الوالدان على النفس.
اللهم ارزقنا برّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وأعنّا على الإحسان إليهما، واجعلنا من الذين يعرفون قدرهما، ويؤدّون حقّهما بمحبة ورحمة واحتساب.
❤15👌1
في الحلقة الجديدة عن الهالوين: https://youtu.be/jcHhdfYLeN0
في هذه التلال القديمة في أيرلندا، كان الوثنيون يدفنون موتاهم المبجلين، ويؤمنون بأن أرواح الكائنات الروحية «Aos Sí» تسكن فيها، أو أنها تعيش في حصون تحت الأرض وتخرج من هذه التلال المقدّسة، أو أنها تعيش في عالم غير مرئي موازٍ لعالمنا وتتخذ من هذه التلال نقطة للظهور وتلقي القرابين من البشر.
وكان الوثنيون يؤمنون بأن يوم "سامهين" (الذي تحول لاحقا إلى عيد الهالوين) هو موعد سنوي للزوال الجزئي للحجاب بين عالم البشر وعالم الأرواح، ففي الليلة الأخيرة من أكتوبر تنطلق أرواح الموتى وكائنات «Aos Sí» في عالمنا، مما يستدعي تقديم المزيد من القرابين واستعطاف الأرواح كي لا تؤذي البشر.
في هذه التلال القديمة في أيرلندا، كان الوثنيون يدفنون موتاهم المبجلين، ويؤمنون بأن أرواح الكائنات الروحية «Aos Sí» تسكن فيها، أو أنها تعيش في حصون تحت الأرض وتخرج من هذه التلال المقدّسة، أو أنها تعيش في عالم غير مرئي موازٍ لعالمنا وتتخذ من هذه التلال نقطة للظهور وتلقي القرابين من البشر.
وكان الوثنيون يؤمنون بأن يوم "سامهين" (الذي تحول لاحقا إلى عيد الهالوين) هو موعد سنوي للزوال الجزئي للحجاب بين عالم البشر وعالم الأرواح، ففي الليلة الأخيرة من أكتوبر تنطلق أرواح الموتى وكائنات «Aos Sí» في عالمنا، مما يستدعي تقديم المزيد من القرابين واستعطاف الأرواح كي لا تؤذي البشر.
❤9
يحمل الإنسان في أعماقه سرًّا من أعظم أسرار وجوده، ويعيش به طوال عمره، ثم يفارق الحياة دون أن يحيط بحقيقته: الروح.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
في هذه الآية تقرير عظيم لحدود المعرفة البشرية؛ فالإنسان الذي يسعى إلى اكتشاف أسرار الكون، ويطوّر أدواته لفهم الحياة، ويبلغ من العلم ما لم تبلغه الأجيال السابقة، يبقى أمام حقيقة الروح عاجزًا عن الإحاطة بكنهها.
لقد استطاع العلم أن يدرس وظائف الأعضاء، ونشاط الدماغ، والعمليات الحيوية المصاحبة للحياة، وأن يفسّر كثيرًا من الظواهر التي كانت مجهولة، لكن حقيقة الروح التي أخبر عنها الوحي تبقى من المسائل التي لا يملك الإنسان علمًا كاملًا بها.
واللافت أن السؤال القرآني عن الروح جاء جوابه بإحالة العلم بحقيقتها إلى أمر الله، ثم أعقبه تذكير شامل بمحدودية ما أُوتيه البشر من المعرفة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وما أعظم هذه الحقيقة حين يستحضرها الإنسان في زمن تتسارع فيه الاكتشافات، وتتسع فيه قدرته على تفسير الظواهر والتحكم في كثير من أسباب الحياة.
فكل معرفة يكتسبها تكشف له آفاقًا جديدة من المجهول، وكل تقدّم علمي يذكّره بأن ما أدركه من حقائق الوجود جزء يسير مما لم يدركه.
وفي هذا المعنى تربية للعقل على التواضع، وإقرار بفضل العلم وأهميته، مع إدراك أن أدوات المعرفة البشرية لها حدود، وأن من حقائق الغيب ما لا يُنال بمجرد البحث والتجربة.
إن عظمة العقل تظهر في قدرته على المعرفة، كما تظهر في إدراكه حدود ما يعرف؛ فالتواضع أمام المجهول من تمام النضج العلمي والإيماني.
وتبقى الروح من أبلغ الشواهد على هذا المعنى؛ إذ يعيش الإنسان حياته كلها حاملًا هذا السرّ، ثم تنتهي رحلته في الدنيا، ويبقى علمه بحقيقته محدودًا.
فسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم، وأراه من آيات خلقه ما يزيده معرفة، وأبقى من أسرار أمره ما يذكّره بعظمة خالقه، وبأن فوق كل علم بشري علم الله المحيط بكل شيء.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
في هذه الآية تقرير عظيم لحدود المعرفة البشرية؛ فالإنسان الذي يسعى إلى اكتشاف أسرار الكون، ويطوّر أدواته لفهم الحياة، ويبلغ من العلم ما لم تبلغه الأجيال السابقة، يبقى أمام حقيقة الروح عاجزًا عن الإحاطة بكنهها.
لقد استطاع العلم أن يدرس وظائف الأعضاء، ونشاط الدماغ، والعمليات الحيوية المصاحبة للحياة، وأن يفسّر كثيرًا من الظواهر التي كانت مجهولة، لكن حقيقة الروح التي أخبر عنها الوحي تبقى من المسائل التي لا يملك الإنسان علمًا كاملًا بها.
واللافت أن السؤال القرآني عن الروح جاء جوابه بإحالة العلم بحقيقتها إلى أمر الله، ثم أعقبه تذكير شامل بمحدودية ما أُوتيه البشر من المعرفة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وما أعظم هذه الحقيقة حين يستحضرها الإنسان في زمن تتسارع فيه الاكتشافات، وتتسع فيه قدرته على تفسير الظواهر والتحكم في كثير من أسباب الحياة.
فكل معرفة يكتسبها تكشف له آفاقًا جديدة من المجهول، وكل تقدّم علمي يذكّره بأن ما أدركه من حقائق الوجود جزء يسير مما لم يدركه.
وفي هذا المعنى تربية للعقل على التواضع، وإقرار بفضل العلم وأهميته، مع إدراك أن أدوات المعرفة البشرية لها حدود، وأن من حقائق الغيب ما لا يُنال بمجرد البحث والتجربة.
إن عظمة العقل تظهر في قدرته على المعرفة، كما تظهر في إدراكه حدود ما يعرف؛ فالتواضع أمام المجهول من تمام النضج العلمي والإيماني.
وتبقى الروح من أبلغ الشواهد على هذا المعنى؛ إذ يعيش الإنسان حياته كلها حاملًا هذا السرّ، ثم تنتهي رحلته في الدنيا، ويبقى علمه بحقيقته محدودًا.
فسبحان من علّم الإنسان ما لم يعلم، وأراه من آيات خلقه ما يزيده معرفة، وأبقى من أسرار أمره ما يذكّره بعظمة خالقه، وبأن فوق كل علم بشري علم الله المحيط بكل شيء.
❤17👍1👏1👌1💯1
من أعظم مشاهد الافتقار إلى الله في القرآن الكريم موقف موسى عليه السلام عند ماء مدين؛ فقد خرج من مصر خائفًا يترقّب، وفارق أهله وبلده، وسار إلى أرض لا يعرف فيها أحدًا، حتى بلغ ماء مدين وهو في حال من التعب والحاجة والغربة.
ومع شدّة حاجته، لم تمنعه ظروفه من الإحسان إلى غيره؛ فقد وجد امرأتين تنتظران حتى ينتهي الرعاة من السقي، فتقدّم وسقى لهما، ثم تولّى إلى الظلّ، لا يطلب منهما جزاءً ولا ينتظر من أحد مكافأة.
وهناك، في لحظة اجتمعت فيها أسباب الضعف والحاجة، توجّه إلى ربّه بكلمات قليلة حملت من معاني العبودية ما يفوق طول الشكوى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام كان يومئذ محتاجًا إلى الطعام، حتى إن حاجته بلغت مبلغًا شديدًا.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير الآية: "أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي، وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال".
وفي هذا الدعاء معنى بالغ الجمال؛ فقد عرض موسى عليه السلام فقره على الغني سبحانه، وأظهر حاجته المطلقة إلى ما ينزله الله من خير، دون أن يحصر رجاءه في مطلب واحد.
ثم جاءت الآية التالية مباشرة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25].
ومن هذا اللقاء بدأت مرحلة جديدة في حياة موسى عليه السلام؛ وجد الأمان بعد الخوف، والمأوى بعد الغربة، والعمل بعد الحاجة، والزواج بعد الوحدة.
وما أعظم هذا التحوّل؛ فقد جاء إلى مدين لا يملك من أسباب الاستقرار إلا القليل، ثم ساق الله إليه من الخير ما لم يكن يتصوّره حين جلس وحيدًا تحت الظل.
وفي القصة درس يجمع بين الإحسان إلى الخلق والافتقار إلى الخالق؛ فقد بادر موسى إلى مساعدة المرأتين وهو أحوج ما يكون إلى المساعدة، ثم توجّه إلى الله معترفًا بفقره، فجاءه الفرج من طريق لم يكن في حسبانه.
وهذا من أعظم ما يحتاج الإنسان إلى استحضاره حين تضيق به الأسباب؛ أن يبذل ما يستطيع من الخير، ويسعى فيما ينفعه، ثم يرفع حاجته إلى الله بقلب صادق، عالمًا أن خزائن ربه أوسع من مطالبه، وأن أبواب فضله لا تنحصر فيما يعرفه من الوسائل.
فقد يكون الإنسان في أشدّ لحظات افتقاره إلى الله أقرب إلى إدراك حقيقة الغنى به؛ حين يعلم أن كل ما يرجوه من خير إنما يأتي من فضله، وأن ما يعجز عنه لا يعجز ربّه.
وما أجمل أن يبقى هذا الدعاء حاضرًا في قلب المؤمن، في الرخاء والشدة، وفي الغنى والحاجة: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
ومع شدّة حاجته، لم تمنعه ظروفه من الإحسان إلى غيره؛ فقد وجد امرأتين تنتظران حتى ينتهي الرعاة من السقي، فتقدّم وسقى لهما، ثم تولّى إلى الظلّ، لا يطلب منهما جزاءً ولا ينتظر من أحد مكافأة.
وهناك، في لحظة اجتمعت فيها أسباب الضعف والحاجة، توجّه إلى ربّه بكلمات قليلة حملت من معاني العبودية ما يفوق طول الشكوى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام كان يومئذ محتاجًا إلى الطعام، حتى إن حاجته بلغت مبلغًا شديدًا.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير الآية: "أي: إني مفتقر للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي، وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال".
وفي هذا الدعاء معنى بالغ الجمال؛ فقد عرض موسى عليه السلام فقره على الغني سبحانه، وأظهر حاجته المطلقة إلى ما ينزله الله من خير، دون أن يحصر رجاءه في مطلب واحد.
ثم جاءت الآية التالية مباشرة: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25].
ومن هذا اللقاء بدأت مرحلة جديدة في حياة موسى عليه السلام؛ وجد الأمان بعد الخوف، والمأوى بعد الغربة، والعمل بعد الحاجة، والزواج بعد الوحدة.
وما أعظم هذا التحوّل؛ فقد جاء إلى مدين لا يملك من أسباب الاستقرار إلا القليل، ثم ساق الله إليه من الخير ما لم يكن يتصوّره حين جلس وحيدًا تحت الظل.
وفي القصة درس يجمع بين الإحسان إلى الخلق والافتقار إلى الخالق؛ فقد بادر موسى إلى مساعدة المرأتين وهو أحوج ما يكون إلى المساعدة، ثم توجّه إلى الله معترفًا بفقره، فجاءه الفرج من طريق لم يكن في حسبانه.
وهذا من أعظم ما يحتاج الإنسان إلى استحضاره حين تضيق به الأسباب؛ أن يبذل ما يستطيع من الخير، ويسعى فيما ينفعه، ثم يرفع حاجته إلى الله بقلب صادق، عالمًا أن خزائن ربه أوسع من مطالبه، وأن أبواب فضله لا تنحصر فيما يعرفه من الوسائل.
فقد يكون الإنسان في أشدّ لحظات افتقاره إلى الله أقرب إلى إدراك حقيقة الغنى به؛ حين يعلم أن كل ما يرجوه من خير إنما يأتي من فضله، وأن ما يعجز عنه لا يعجز ربّه.
وما أجمل أن يبقى هذا الدعاء حاضرًا في قلب المؤمن، في الرخاء والشدة، وفي الغنى والحاجة: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
❤28👍1👏1👌1
من النعم التي قد لا يدرك الإنسان عظيم قدرها إلا بعد زوالها أن يكون قادرًا على الوقوف بين يدي الله، والركوع والسجود، وإطالة الصلاة، والتنقّل إلى المساجد، وأداء العبادات دون مشقة أو عجز، فكم من إنسان كان يسجد لله في طمأنينة، ثم تقدّم به العمر أو أصابه المرض، فأصبح يتمنى أن يضع جبهته على الأرض كما كان يفعل، فلا يستطيع إلا أن يصلّي جالسًا، ويومئ برأسه قدر استطاعته!
وكم من صحيحٍ يؤخّر النوافل، ويستثقل القيام، ويؤجّل الطاعات، وهو يظن أن العافية التي يتمتّع بها اليوم ستبقى له غدًا!
قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [أخرجه البخاري]. وهذا يؤكد لنا أن الصحة من أعظم رؤوس أموال العبد في طريقه إلى الله؛ فبها يستطيع أن يطيل السجود، ويقوم الليل، ويصوم، ويخدم الناس، ويسعى في وجوه الخير.
ومن تمام شكر العافية أن يستعمل الإنسان قوّته في طاعة الله قبل أن يأتي يوم يتمنّى فيه بعض ما كان قادرًا عليه، وقد حالت بينه وبينه أسباب العجز.
ولهذا كان من الحكمة أن يبني الإنسان لنفسه نصيبًا ثابتًا من العبادة في أيام صحته، وأن يتزوّد من الأعمال الصالحة ما استطاع، فإن المرض والعجز قد يطرآن دون سابق إنذار.
ومن رحمة الله بعباده أن من اعتاد عملًا صالحًا ثم منعه المرض أو السفر، كُتب له أجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، كما ثبت في صحيح البخاري.
فأكثروا من السجود ما دمتم قادرين، وتلذّذوا بالوقوف بين يدي الله ما دامت أجسادكم تعينكم، واغتنموا ساعات النشاط قبل أن تصبح بعض العبادات التي اعتدتموها أمنيات، وما أعظم أن ينظر الإنسان إلى صحته كل صباح على أنها فرصة جديدة للقرب من الله، وأن يسأل نفسه: ما الذي أستطيع أن أقدّمه اليوم من الطاعة قبل أن يأتي يوم لا أستطيعه فيه؟
اللهم بارك لنا في أعمارنا وصحتنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا اغتنام العافية فيما يرضيك.
وكم من صحيحٍ يؤخّر النوافل، ويستثقل القيام، ويؤجّل الطاعات، وهو يظن أن العافية التي يتمتّع بها اليوم ستبقى له غدًا!
قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [أخرجه البخاري]. وهذا يؤكد لنا أن الصحة من أعظم رؤوس أموال العبد في طريقه إلى الله؛ فبها يستطيع أن يطيل السجود، ويقوم الليل، ويصوم، ويخدم الناس، ويسعى في وجوه الخير.
ومن تمام شكر العافية أن يستعمل الإنسان قوّته في طاعة الله قبل أن يأتي يوم يتمنّى فيه بعض ما كان قادرًا عليه، وقد حالت بينه وبينه أسباب العجز.
ولهذا كان من الحكمة أن يبني الإنسان لنفسه نصيبًا ثابتًا من العبادة في أيام صحته، وأن يتزوّد من الأعمال الصالحة ما استطاع، فإن المرض والعجز قد يطرآن دون سابق إنذار.
ومن رحمة الله بعباده أن من اعتاد عملًا صالحًا ثم منعه المرض أو السفر، كُتب له أجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، كما ثبت في صحيح البخاري.
فأكثروا من السجود ما دمتم قادرين، وتلذّذوا بالوقوف بين يدي الله ما دامت أجسادكم تعينكم، واغتنموا ساعات النشاط قبل أن تصبح بعض العبادات التي اعتدتموها أمنيات، وما أعظم أن ينظر الإنسان إلى صحته كل صباح على أنها فرصة جديدة للقرب من الله، وأن يسأل نفسه: ما الذي أستطيع أن أقدّمه اليوم من الطاعة قبل أن يأتي يوم لا أستطيعه فيه؟
اللهم بارك لنا في أعمارنا وصحتنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا اغتنام العافية فيما يرضيك.
❤29👌1💯1
أُلقي يونس عليه السلام في البحر، فتلقّفه الحوت، واجتمعت عليه ظلمات البحر والليل وبطن الحوت، في مشهد تبدو فيه أسباب النجاة منقطعة، وأبواب الخلاص مغلقة.
وهذا ما حكاه الله تعالى حين قال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 141–142]. وفي هذه القصة معنى عظيم من معاني التدبير الإلهي؛ فقد كان ابتلاع الحوت ليونس عليه السلام ابتلاءً شديدًا، ومع ذلك كان فيه حفظ الله لحياته في موضع لا تجري العادة بأن ينجو فيه إنسان.
رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير القصة أن الله أوحى إلى الحوت ألّا يجعل يونس طعامًا له، وإنما يكون بطنه موضع حفظ له. وهو أثر تفسيري يُروى في كتب التفسير، وليس حديثًا مرفوعًا ثابتًا عن النبي ﷺ.
إن من أعظم ما يُستفاد من هذه القصة أن الإنسان قد يمرّ بأقدار شديدة لا يدرك حكمتها في لحظتها، ثم يتبيّن له أن الله قد ساق له فيها من أسباب الحفظ والرحمة ما لم يكن يتصوّره.
فقد يكون ما يراه الإنسان بابًا من أبواب الهلاك سببًا في نجاته، وقد تحمل المحنة في أعماقها لطفًا إلهيًا لا يظهر إلا بعد انقضائها.
وهنا نرى أن يونس عليه السلام لم ينقطع في ظلمات البحر عن ربّه، بل ناداه معترفًا بتوحيده، مقرًّا بتقصيره: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فجاءه الفرج من الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
إن من أعظم ثمرات الإيمان أن يبقى القلب واثقًا بحكمة الله حين تضيق به الأسباب، وأن يعلم أن عجزه عن فهم ما يجري لا يعني خلوّ الأقدار من الرحمة والحكمة، وليس كل ما يؤلم الإنسان يكون شرًّا محضًا، ولا كل ما يفوته خسارة أو فاجعة، ولا كل ما يشتدّ عليه من البلاء أمر يخلو من الخير، فقد تأتي رحمة الله في صورة لا نعرفها، ومن طريق لا نتوقّعه؛ فسبحان من جعل بطن الحوت، الذي يبدو موضع هلاك، موضع حفظٍ لنبيّه حتى أذن له بالنجاة.
اللهم ارزقنا حسن الظنّ بك، والرضا بحكمتك، والبصيرة بلطفك، واليقين بأن رحمتك أوسع من كل بلاء.
وهذا ما حكاه الله تعالى حين قال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 141–142]. وفي هذه القصة معنى عظيم من معاني التدبير الإلهي؛ فقد كان ابتلاع الحوت ليونس عليه السلام ابتلاءً شديدًا، ومع ذلك كان فيه حفظ الله لحياته في موضع لا تجري العادة بأن ينجو فيه إنسان.
رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير القصة أن الله أوحى إلى الحوت ألّا يجعل يونس طعامًا له، وإنما يكون بطنه موضع حفظ له. وهو أثر تفسيري يُروى في كتب التفسير، وليس حديثًا مرفوعًا ثابتًا عن النبي ﷺ.
إن من أعظم ما يُستفاد من هذه القصة أن الإنسان قد يمرّ بأقدار شديدة لا يدرك حكمتها في لحظتها، ثم يتبيّن له أن الله قد ساق له فيها من أسباب الحفظ والرحمة ما لم يكن يتصوّره.
فقد يكون ما يراه الإنسان بابًا من أبواب الهلاك سببًا في نجاته، وقد تحمل المحنة في أعماقها لطفًا إلهيًا لا يظهر إلا بعد انقضائها.
وهنا نرى أن يونس عليه السلام لم ينقطع في ظلمات البحر عن ربّه، بل ناداه معترفًا بتوحيده، مقرًّا بتقصيره: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فجاءه الفرج من الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
إن من أعظم ثمرات الإيمان أن يبقى القلب واثقًا بحكمة الله حين تضيق به الأسباب، وأن يعلم أن عجزه عن فهم ما يجري لا يعني خلوّ الأقدار من الرحمة والحكمة، وليس كل ما يؤلم الإنسان يكون شرًّا محضًا، ولا كل ما يفوته خسارة أو فاجعة، ولا كل ما يشتدّ عليه من البلاء أمر يخلو من الخير، فقد تأتي رحمة الله في صورة لا نعرفها، ومن طريق لا نتوقّعه؛ فسبحان من جعل بطن الحوت، الذي يبدو موضع هلاك، موضع حفظٍ لنبيّه حتى أذن له بالنجاة.
اللهم ارزقنا حسن الظنّ بك، والرضا بحكمتك، والبصيرة بلطفك، واليقين بأن رحمتك أوسع من كل بلاء.
❤11
من المواقف المشرقة في تاريخ الفقه الإسلامي الكثير مما يكشف عن قدرة العلماء على تقديم الدليل الشرعي على ميولهم الشخصية وانتماءاتهم المذهبية، حتى حين يتعلّق الأمر بالانتماء والنسب والمكانة الاجتماعية.
من ذلك أن الإمام أبو يوسف، صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، ناقش مسألة أخذ الجزية من مشركي العرب وغيرهم، وذهب إلى التفريق بين العرب من غير أهل الكتاب ومشركي الأعاجم، في سياق الخلاف الفقهي حول أحكام الجزية.
كان موقف الإمام الشافعي، وهو العربي القرشي المطلبي، قائمًا على الاحتجاج بالوقائع الشرعية، لا على الانتصار لانتمائه العربي، واستدلّ بما ورد من أخذ النبي ﷺ الجزية من بعض العرب، وبما جرى عليه العمل في شأن قبائل عربية نصرانية، كبني تغلب وتنوخ وبهراء، ثم قرّر أصلًا فقهيًا بالغ الأهمية، فقال "وإنما الجزية على الأديان لا على الأنساب".
ثم أتبعه بعبارة تكشف عن عمق تجرده العلمي، وصدق تقديمه لحكم الله على ما تميل إليه نفسه:
"ولولا أن نأثم بتمنّي باطل، وددنا أن الذي قال أبو يوسف كما قال، وأن لا يجري صغار على عربي، ولكن الله أجلّ في أعيننا من أن نحبّ غير ما قضى به".
وهنا تتجلّى منزلة عظيمة من منازل الإنصاف؛ فقد صرّح الشافعي بما قد تميل إليه نفسه من تفضيل العرب، لكنه لم يجعل هذا الميل أساسًا لترجيح الحكم الشرعي، ولم يسمح لاعتزازه بنسبه أن يحجب عنه ما انتهى إليه اجتهاده ودليله.
وتكشف هذه المحاورة عن فارق جوهري بين الاعتزاز بالانتماء وبين جعله معيارًا للحقيقة؛ فالإنسان قد يحبّ قومه، ويعتزّ بتاريخه ونسبه، لكن هذا الحبّ ينبغي ألّا يتحوّل إلى سلطة على فهم النصوص أو ترجيح الأحكام.
ومن أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم أن يتعلّم كيف يفصل بين ما يحبّ أن يكون صحيحًا، وما تدلّ عليه الأدلة بالفعل.
وهذا المعنى يتجاوز المسألة الفقهية التي دارت حولها المناظرة؛ فهو أصل في البحث العلمي، والنظر الفكري، والحكم على الوقائع، والتعامل مع الاختلاف.
فكم من إنسان يبدأ بحثه وفي نفسه نتيجة يريد الوصول إليها، ثم ينتقي من الأدلة ما يوافقها، ويصرف نظره عمّا يعارضها! وكم من انتماء مذهبي أو قومي أو فكري تحوّل عند أصحابه إلى معيار تُقبل به الأقوال أو تُردّ!
إن التجرد الحقيقي يظهر حين يستطيع الإنسان أن يخالف ما تهواه نفسه، وأن يقبل ما انتهى إليه الدليل، ولو كان مخالفًا لما اعتاده أو أحبّه أو انتسب إليه.
وما أعظم قول الشافعي: "ولكن الله أجلّ في أعيننا من أن نحبّ غير ما قضى به" فهي عبارة تختصر منزلة جليلة من العبودية العلمية: أن يكون الحقّ أعظم في النفس من الانتماء، وأن تكون محبة الله وتعظيم حكمه مقدّمة على محبة المرء لقومه ونسبه.
فالعالم الراسخ هو الذي يملك من صدق العبودية وشجاعة الإنصاف ما يجعله قادرًا على مراجعة ميوله، وتقديم ما يراه حقًّا عليها؛ لأن العلم الذي لا يحرّر صاحبه من سلطان الهوى يبقى ناقص الأثر، مهما اتّسعت معارفه.
من ذلك أن الإمام أبو يوسف، صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، ناقش مسألة أخذ الجزية من مشركي العرب وغيرهم، وذهب إلى التفريق بين العرب من غير أهل الكتاب ومشركي الأعاجم، في سياق الخلاف الفقهي حول أحكام الجزية.
كان موقف الإمام الشافعي، وهو العربي القرشي المطلبي، قائمًا على الاحتجاج بالوقائع الشرعية، لا على الانتصار لانتمائه العربي، واستدلّ بما ورد من أخذ النبي ﷺ الجزية من بعض العرب، وبما جرى عليه العمل في شأن قبائل عربية نصرانية، كبني تغلب وتنوخ وبهراء، ثم قرّر أصلًا فقهيًا بالغ الأهمية، فقال "وإنما الجزية على الأديان لا على الأنساب".
ثم أتبعه بعبارة تكشف عن عمق تجرده العلمي، وصدق تقديمه لحكم الله على ما تميل إليه نفسه:
"ولولا أن نأثم بتمنّي باطل، وددنا أن الذي قال أبو يوسف كما قال، وأن لا يجري صغار على عربي، ولكن الله أجلّ في أعيننا من أن نحبّ غير ما قضى به".
وهنا تتجلّى منزلة عظيمة من منازل الإنصاف؛ فقد صرّح الشافعي بما قد تميل إليه نفسه من تفضيل العرب، لكنه لم يجعل هذا الميل أساسًا لترجيح الحكم الشرعي، ولم يسمح لاعتزازه بنسبه أن يحجب عنه ما انتهى إليه اجتهاده ودليله.
وتكشف هذه المحاورة عن فارق جوهري بين الاعتزاز بالانتماء وبين جعله معيارًا للحقيقة؛ فالإنسان قد يحبّ قومه، ويعتزّ بتاريخه ونسبه، لكن هذا الحبّ ينبغي ألّا يتحوّل إلى سلطة على فهم النصوص أو ترجيح الأحكام.
ومن أعظم ما يحتاج إليه طالب العلم أن يتعلّم كيف يفصل بين ما يحبّ أن يكون صحيحًا، وما تدلّ عليه الأدلة بالفعل.
وهذا المعنى يتجاوز المسألة الفقهية التي دارت حولها المناظرة؛ فهو أصل في البحث العلمي، والنظر الفكري، والحكم على الوقائع، والتعامل مع الاختلاف.
فكم من إنسان يبدأ بحثه وفي نفسه نتيجة يريد الوصول إليها، ثم ينتقي من الأدلة ما يوافقها، ويصرف نظره عمّا يعارضها! وكم من انتماء مذهبي أو قومي أو فكري تحوّل عند أصحابه إلى معيار تُقبل به الأقوال أو تُردّ!
إن التجرد الحقيقي يظهر حين يستطيع الإنسان أن يخالف ما تهواه نفسه، وأن يقبل ما انتهى إليه الدليل، ولو كان مخالفًا لما اعتاده أو أحبّه أو انتسب إليه.
وما أعظم قول الشافعي: "ولكن الله أجلّ في أعيننا من أن نحبّ غير ما قضى به" فهي عبارة تختصر منزلة جليلة من العبودية العلمية: أن يكون الحقّ أعظم في النفس من الانتماء، وأن تكون محبة الله وتعظيم حكمه مقدّمة على محبة المرء لقومه ونسبه.
فالعالم الراسخ هو الذي يملك من صدق العبودية وشجاعة الإنصاف ما يجعله قادرًا على مراجعة ميوله، وتقديم ما يراه حقًّا عليها؛ لأن العلم الذي لا يحرّر صاحبه من سلطان الهوى يبقى ناقص الأثر، مهما اتّسعت معارفه.
❤3👍3
تتسلّل الأفكار إلى المجتمعات قبل أن تظهر آثارها في السلوك والمؤسسات؛ فهي التي تصوغ تصوّرات الإنسان عن نفسه والعالم، وتحدّد معايير حكمه على الأشياء، وتؤثّر في فهمه للدين والأخلاق والحرية والسلطة والمعرفة.
ومع ذلك، ما زال بعض الناس ينظر إلى دراسة الفكر الغربي، وتتبّع مدارسه الفلسفية وتحولاته التاريخية، بوصفها ترفًا ثقافيًا أو استعراضًا للمعارف، بعيدًا عن القضايا الحقيقية التي تشغل المجتمعات الإسلامية.
والواقع أن كثيرًا من الأفكار التي تشكّل حياتنا المعاصرة، وتؤثّر في أنظمتنا التعليمية والثقافية والسياسية والاجتماعية، ترتبط بتحولات فكرية وفلسفية شهدتها أوروبا خلال القرون الماضية، ثم انتقلت إلى أنحاء العالم بوسائل متعددة، من بينها التعليم والترجمة والإعلام والمؤسسات الحديثة.
فمفاهيم عديدة كالفردانية والعلمانية والحداثة والعقلانية والحرية والحقوق، مثلًا، ليست ألفاظًا محايدة من حيث تاريخ نشأتها وتطوّر دلالاتها؛ إذ تقف وراءها نقاشات فلسفية عميقة، وتجارب تاريخية متباينة، وافتراضات مختلفة حول الإنسان والمجتمع ومصادر المعرفة والقيم.
ومن الصعب فهم التحولات الفكرية التي تعيشها مجتمعاتنا دون معرفة الأصول التي تشكّلت فيها هذه المفاهيم، والطرق التي انتقلت بها إلينا، وكيف أُعيد تفسيرها داخل بيئاتنا الثقافية والدينية.
وتزداد أهمية هذه المعرفة حين ندرك أن التأثير الفكري لا يحدث دائمًا من خلال الدعوة المباشرة إلى مذهب فلسفي معين؛ فقد ينتقل عبر المناهج الدراسية، والأعمال الفنية، والمنصات الرقمية، والخطاب الإعلامي، والمفاهيم التي تتكرّر في الحياة اليومية حتى تصبح من المسلّمات.
لكن دراسة الفكر الغربي تقتضي أيضًا التمييز بين تياراته المتعددة، وإدراك ما بينها من اختلافات وتناقضات، وتجنّب اختزاله في موقف واحد. كما تستلزم الاعتراف بما قدّمه من إسهامات علمية وفلسفية، إلى جانب النقد الجاد لما يثيره بعض اتجاهاته من إشكالات معرفية وأخلاقية ودينية.
فالمعرفة الدقيقة شرط للنقد الرصين؛ إذ لا يمكن تفكيك فكرة لم تُفهم، ولا مناقشة أطروحة لم تُدرس في سياقها، ولا بناء موقف فكري متماسك على تصوّرات مشوّهة عن الآخرين.
ومن هنا، فإن العناية بالفكر الغربي تتجاوز حدود الاهتمام الأكاديمي المتخصص، لتصبح جزءًا من فهم التحولات التي أصابت المجتمعات الإسلامية، والتمييز بين ما نشأ من داخل بنيتها التاريخية وما تأثّر باتجاهات فكرية وافدة، وكيف تفاعلت هذه العوامل معًا.
إن الصراع الأعمق بين الأفكار يدور حول تفسير الإنسان والعالم، وتحديد مصادر الحقيقة والقيمة والمعنى. ومن أراد أن يشارك في هذا النقاش بوعي، فعليه أن يعرف الأفكار التي يتعامل معها معرفةً تتجاوز الشعارات والأحكام المسبقة.
ولهذا فإن دراسة الفكر الغربي، حين تقوم على التأصيل والتحليل والنقد المنهجي، تمثّل ضرورة معرفية لفهم واقعنا، وبناء خطاب فكري قادر على المحاورة والتمييز والتجديد.
فالأفكار التي لا ندرس أصولها قد تستقرّ في وعينا دون أن ندرك افتراضاتها، والمفاهيم التي لا نفحص دلالاتها قد تتحوّل إلى معايير نحاكم بها أنفسنا ومجتمعاتنا من غير مساءلة.
ولعل أولى خطوات الاستقلال الفكري أن نفهم ما يؤثّر في عقولنا، وأن نملك القدرة على مناقشته بعلم، وقبوله أو نقده بحجة، لا بمجرد الانبهار أو الرفض.
ومع ذلك، ما زال بعض الناس ينظر إلى دراسة الفكر الغربي، وتتبّع مدارسه الفلسفية وتحولاته التاريخية، بوصفها ترفًا ثقافيًا أو استعراضًا للمعارف، بعيدًا عن القضايا الحقيقية التي تشغل المجتمعات الإسلامية.
والواقع أن كثيرًا من الأفكار التي تشكّل حياتنا المعاصرة، وتؤثّر في أنظمتنا التعليمية والثقافية والسياسية والاجتماعية، ترتبط بتحولات فكرية وفلسفية شهدتها أوروبا خلال القرون الماضية، ثم انتقلت إلى أنحاء العالم بوسائل متعددة، من بينها التعليم والترجمة والإعلام والمؤسسات الحديثة.
فمفاهيم عديدة كالفردانية والعلمانية والحداثة والعقلانية والحرية والحقوق، مثلًا، ليست ألفاظًا محايدة من حيث تاريخ نشأتها وتطوّر دلالاتها؛ إذ تقف وراءها نقاشات فلسفية عميقة، وتجارب تاريخية متباينة، وافتراضات مختلفة حول الإنسان والمجتمع ومصادر المعرفة والقيم.
ومن الصعب فهم التحولات الفكرية التي تعيشها مجتمعاتنا دون معرفة الأصول التي تشكّلت فيها هذه المفاهيم، والطرق التي انتقلت بها إلينا، وكيف أُعيد تفسيرها داخل بيئاتنا الثقافية والدينية.
وتزداد أهمية هذه المعرفة حين ندرك أن التأثير الفكري لا يحدث دائمًا من خلال الدعوة المباشرة إلى مذهب فلسفي معين؛ فقد ينتقل عبر المناهج الدراسية، والأعمال الفنية، والمنصات الرقمية، والخطاب الإعلامي، والمفاهيم التي تتكرّر في الحياة اليومية حتى تصبح من المسلّمات.
لكن دراسة الفكر الغربي تقتضي أيضًا التمييز بين تياراته المتعددة، وإدراك ما بينها من اختلافات وتناقضات، وتجنّب اختزاله في موقف واحد. كما تستلزم الاعتراف بما قدّمه من إسهامات علمية وفلسفية، إلى جانب النقد الجاد لما يثيره بعض اتجاهاته من إشكالات معرفية وأخلاقية ودينية.
فالمعرفة الدقيقة شرط للنقد الرصين؛ إذ لا يمكن تفكيك فكرة لم تُفهم، ولا مناقشة أطروحة لم تُدرس في سياقها، ولا بناء موقف فكري متماسك على تصوّرات مشوّهة عن الآخرين.
ومن هنا، فإن العناية بالفكر الغربي تتجاوز حدود الاهتمام الأكاديمي المتخصص، لتصبح جزءًا من فهم التحولات التي أصابت المجتمعات الإسلامية، والتمييز بين ما نشأ من داخل بنيتها التاريخية وما تأثّر باتجاهات فكرية وافدة، وكيف تفاعلت هذه العوامل معًا.
إن الصراع الأعمق بين الأفكار يدور حول تفسير الإنسان والعالم، وتحديد مصادر الحقيقة والقيمة والمعنى. ومن أراد أن يشارك في هذا النقاش بوعي، فعليه أن يعرف الأفكار التي يتعامل معها معرفةً تتجاوز الشعارات والأحكام المسبقة.
ولهذا فإن دراسة الفكر الغربي، حين تقوم على التأصيل والتحليل والنقد المنهجي، تمثّل ضرورة معرفية لفهم واقعنا، وبناء خطاب فكري قادر على المحاورة والتمييز والتجديد.
فالأفكار التي لا ندرس أصولها قد تستقرّ في وعينا دون أن ندرك افتراضاتها، والمفاهيم التي لا نفحص دلالاتها قد تتحوّل إلى معايير نحاكم بها أنفسنا ومجتمعاتنا من غير مساءلة.
ولعل أولى خطوات الاستقلال الفكري أن نفهم ما يؤثّر في عقولنا، وأن نملك القدرة على مناقشته بعلم، وقبوله أو نقده بحجة، لا بمجرد الانبهار أو الرفض.
❤2👍1
ظاهرة الاحتفال بيوم الهالوين انتقلت إلى المدن العربية والمسلمة، فما هي خلفية هذا العيد الوثني؟ ولماذا ما زال الوثنيون حتى اليوم يؤدون فيه طقوس استرضاء "الأرواح"؟ ستجد الأجوبة في الحلقة: https://youtu.be/jcHhdfYLeN0
YouTube
الهالوين: عيد للترفيه والرعب أم بوابة للشياطين؟
في 31 أكتوبر من كل عام يحتفل الملايين حول العالم بعيد الهالوين، وتنتشر فيه مشاهد الرعب والخوف. في هذه الحلقة نتعرف على أصل الهالوين في بريطانيا وأيرلندا وهو يوم "سامهين"، وكيف كان بوابة للشياطين إلى عالمهم، وكيف أقحمته الكنيسة الكاثوليكية في تقاليدها تحت…
❤1👍1