الطريق إلى التوبة
Photo
#الإيمان_والحب
الفصل الاول
✍رويدة الدعمي
.
كان منتظر جالساً في غرفته يطالع في أحد الكتب عندما دخل عليه والده وقد بدت علامات الحزن والإكتآب عليه ، فبادر الابن أباه بالسؤال :
- مالي أراك شاحباً ومُستاءاً هكذا يا والدي العزيز ؟
- آه يا بُني .. إنني قلق جداً على صاحبي حامد .
- وما بهِ يا أبتي ؟
- أنت تعلم إنهُ ليس لهُ أحد سوى ابنتهِ الوحيدة ( ملاذ ) إذ إن زوجته قد ماتت أثناء الولادة .. وبعد عشرين عاماً مضت يأتي الطبيب الآن ليؤكد لهُ إن ابنتهُ الوحيدة قد تفقد حياتها قريباً بسبب تعطّل عمل إحدى كليتيها وضعف عمل الأخرى !
أغلق منتظر الكتاب الذي كان بيده ونهض من مكانهِ متسائلاً :
- وماذا سيفعل الآن ؟
- لا أعرف يا منتظر ... إن حالتهُ يُرثى لها ، حتى إنني قبل ساعة من الآن كنت عندهُ في المنزل ووصل الأمر إلى إنهُ بكى وطلب مني أن أساعدهُ بأي شكل من الأشكال !
- وكيف يمكننا أن نساعدهُ يا أبتاه ؟
- لا أعرف حقاً يا بُني .. الأمر يُقلقني كثيراً وأشعر أن رأسي توقف عن التفكير !
- وما رأي الطبيب في أمرها ؟ أعني هل إن هناك أمل في أن تعيش هذه الفتاة ؟
- نعم .. في حالةٍ واحدة ، وهي أن تُرفع الكلية المعطلة وتُبدّل الأخرى الضعيفة بواحدةٍ سليمة ، وهذا يعني إنهُ يجب أن يكون هناك شخص متبرع بكليته !
مشى منتظر قليلاً ثم التفت نحو أبيه وقال :
- سأكون أنا ذلك المتبرع !
- ماذا !؟ لكن يا بُني .. ما الذي تقوله ؟ أنت مازلت شاباً و ......
قاطعهُ منتظر قائلاً :
- ولأنني شاب إذن فأنا أملك القوّة والحيوية التي تمكنني من العيش بكلية واحدة كما ستعيش تلك الفتاة إن شاء الله .
- لكن يا بُني .. إذا كنت تستطيع إقناعي بهذا الكلام فهل ستُقنع والدتكَ بهِ !؟
- اترك هذا الأمر لي يا أبا منتظر ! سيكون كل شيء على ما يرام بإذنه تعالى .
وفي الصباح كانت أسرة الحاج أبو منتظر قد اجتمعت حول تلك المائدة المتواضعة وبينما كانت الأم تصب الشاي في الأكواب صار زوجها يسرد لها قصة زميله المسكين وحالة ابنتهِ المريضة .. بدأت أم منتظر بالتفاعل مع حالة تلك الفتاة خاصة إنها قد ذهبت لزيارتها ورؤيتها عدّة مرات خلال زيارات الأب – أبي منتظر – الى بيت صاحبه أبي ملاذ .
توقفت عن صب الشاي وصارت تمسح دموعها التي حاولت جاهدةً أن تُخفيها لكنها لم تستطع ... لقد كانت مُرهفة الإحساس وذات قلب رقيق وحسّاس جداً وكان منتظر يشابه والدته كثيراً في هذه الصفة بالذات .
استغل منتظر تفاعل والدته مع قضية ملاذ فبادرها قائلاً :
- وأنا سأكون المتبرع يا أم منتظر !
- ماذا ... ما الذي تقولهُ يا ولدي ؟
- وهل أترك الفتاة تموت هكذا يا أماه .. ! ومن ثم إنني بصحةٍ تامة وعالية ولا أظن ان التبرع بإحدى كليتي سيؤثر عليَّ بالدرجة التي تخيفك هكذا .. !
حاولت الأم ولتعلقها الكبير بمنتظر أن تثنيه عما عزم عليه محاولةً
إقناعهُ بأن الله لن يترك هذه الفتاة وسيرسل لها من يساعدها .
قال منتظر :
- ولماذا لا أكون أنا من أرسلهُ الله لإنقاذ تلك الفتاة ؟
ثم ما كان منه إلا أن أكمل كلامهُ بمزيد من الثقة بالنفس :
- إذا سمح لكِ قلبك وضميركِ يا أُماه على ترك الفتاة المسكينة ووالدها بهذهِ الشدّة فإنني لا يسمح الدين الذي ربيتماني عليه ولا الأخلاق التي زرعتماها فيّ أن أترك رجلاً مسلماً يغوص في بحر القلق والحيرة هكذا وأنا أقف لأتفرج !
هنا أطرقت الأم برأسها إلى الأرض ثم نظرت إلى ابنها وقالت :
- إمضِ بما عزمت عليه يا ولدي ، وليحفظك الله أنت وتلك الفتاة .
إتجّه الأب مسرعاً نحو جهاز الهاتف ليزف البشرى لصاحبه ، وفعلاً أخبرهُ بالأمر وبما عزم عليه ولدهُ الأكبر منتظر ، وأخذ موعد لزيارته هو وابنه للإتفاق على الأمور القادمة .
كان الرجل وابنته قد هيّئا نفسيهما لاستقبال الضيفين وكانت ملاذ تنظر إلى الساعة بترقب ، سألت والدها قائلة :
- هل إنك متأكد يا أبي إن الأمر كما شرحتهُ لي .. ؟ ألا يمكن أن تكون قد فهمت قصدهُ خطأً .. ؟!
- ماذا تقولين يا ملاذ .. صدّقيني إنهُ قال إن ابنهُ منتظر قد عزم على
التبرع بكليته وسيأتي ليقول لكِ ذلك بنفسه .
- لكن يا أبي .. إن ذلك الشاب لم يَرَني يوماً ، فمن أين عرفني وصار لديه ذلك العزم على مساعدتي ؟
تبسّم الأب ثم قال :
- وهل المساعدة تحتاج إلى أن يراك وتريه ؟ هل يريد أن يخطبكِ أم يساعدكِ يا فتاة !
ضحك الإثنان وقطع ضحكهما صوت طرقة خفيفة على الباب ، اتجهّت ملاذ بسرعة لفتحها ..
- آه .. أهلاً بالعم .. تفضل !
بادلها ابو منتظر السلام ودخل إلى البيت أما منتظر فقد كان يسير خلف أبيه بعد أن ألقى التحية على ملاذ التي شيّعته بنظرها إلى أن دخل إلى غرفة الضيوف حيث كان والدها ينتظرهما .
تسمّرت ملاذ في مكانها عند الباب الرئيسي للدار وهي تُحاكي نفسها :
- ما الذي يدفع هذا الشاب الوسيم بأن يُضحّي بحياته وشبابه من أجلي ؟!
في حقيقة الأمر كان منتظر شاباً ملتزماً ووقوراً حيث أنهُ تربى في أحضان والديه الذين
الفصل الاول
✍رويدة الدعمي
.
كان منتظر جالساً في غرفته يطالع في أحد الكتب عندما دخل عليه والده وقد بدت علامات الحزن والإكتآب عليه ، فبادر الابن أباه بالسؤال :
- مالي أراك شاحباً ومُستاءاً هكذا يا والدي العزيز ؟
- آه يا بُني .. إنني قلق جداً على صاحبي حامد .
- وما بهِ يا أبتي ؟
- أنت تعلم إنهُ ليس لهُ أحد سوى ابنتهِ الوحيدة ( ملاذ ) إذ إن زوجته قد ماتت أثناء الولادة .. وبعد عشرين عاماً مضت يأتي الطبيب الآن ليؤكد لهُ إن ابنتهُ الوحيدة قد تفقد حياتها قريباً بسبب تعطّل عمل إحدى كليتيها وضعف عمل الأخرى !
أغلق منتظر الكتاب الذي كان بيده ونهض من مكانهِ متسائلاً :
- وماذا سيفعل الآن ؟
- لا أعرف يا منتظر ... إن حالتهُ يُرثى لها ، حتى إنني قبل ساعة من الآن كنت عندهُ في المنزل ووصل الأمر إلى إنهُ بكى وطلب مني أن أساعدهُ بأي شكل من الأشكال !
- وكيف يمكننا أن نساعدهُ يا أبتاه ؟
- لا أعرف حقاً يا بُني .. الأمر يُقلقني كثيراً وأشعر أن رأسي توقف عن التفكير !
- وما رأي الطبيب في أمرها ؟ أعني هل إن هناك أمل في أن تعيش هذه الفتاة ؟
- نعم .. في حالةٍ واحدة ، وهي أن تُرفع الكلية المعطلة وتُبدّل الأخرى الضعيفة بواحدةٍ سليمة ، وهذا يعني إنهُ يجب أن يكون هناك شخص متبرع بكليته !
مشى منتظر قليلاً ثم التفت نحو أبيه وقال :
- سأكون أنا ذلك المتبرع !
- ماذا !؟ لكن يا بُني .. ما الذي تقوله ؟ أنت مازلت شاباً و ......
قاطعهُ منتظر قائلاً :
- ولأنني شاب إذن فأنا أملك القوّة والحيوية التي تمكنني من العيش بكلية واحدة كما ستعيش تلك الفتاة إن شاء الله .
- لكن يا بُني .. إذا كنت تستطيع إقناعي بهذا الكلام فهل ستُقنع والدتكَ بهِ !؟
- اترك هذا الأمر لي يا أبا منتظر ! سيكون كل شيء على ما يرام بإذنه تعالى .
وفي الصباح كانت أسرة الحاج أبو منتظر قد اجتمعت حول تلك المائدة المتواضعة وبينما كانت الأم تصب الشاي في الأكواب صار زوجها يسرد لها قصة زميله المسكين وحالة ابنتهِ المريضة .. بدأت أم منتظر بالتفاعل مع حالة تلك الفتاة خاصة إنها قد ذهبت لزيارتها ورؤيتها عدّة مرات خلال زيارات الأب – أبي منتظر – الى بيت صاحبه أبي ملاذ .
توقفت عن صب الشاي وصارت تمسح دموعها التي حاولت جاهدةً أن تُخفيها لكنها لم تستطع ... لقد كانت مُرهفة الإحساس وذات قلب رقيق وحسّاس جداً وكان منتظر يشابه والدته كثيراً في هذه الصفة بالذات .
استغل منتظر تفاعل والدته مع قضية ملاذ فبادرها قائلاً :
- وأنا سأكون المتبرع يا أم منتظر !
- ماذا ... ما الذي تقولهُ يا ولدي ؟
- وهل أترك الفتاة تموت هكذا يا أماه .. ! ومن ثم إنني بصحةٍ تامة وعالية ولا أظن ان التبرع بإحدى كليتي سيؤثر عليَّ بالدرجة التي تخيفك هكذا .. !
حاولت الأم ولتعلقها الكبير بمنتظر أن تثنيه عما عزم عليه محاولةً
إقناعهُ بأن الله لن يترك هذه الفتاة وسيرسل لها من يساعدها .
قال منتظر :
- ولماذا لا أكون أنا من أرسلهُ الله لإنقاذ تلك الفتاة ؟
ثم ما كان منه إلا أن أكمل كلامهُ بمزيد من الثقة بالنفس :
- إذا سمح لكِ قلبك وضميركِ يا أُماه على ترك الفتاة المسكينة ووالدها بهذهِ الشدّة فإنني لا يسمح الدين الذي ربيتماني عليه ولا الأخلاق التي زرعتماها فيّ أن أترك رجلاً مسلماً يغوص في بحر القلق والحيرة هكذا وأنا أقف لأتفرج !
هنا أطرقت الأم برأسها إلى الأرض ثم نظرت إلى ابنها وقالت :
- إمضِ بما عزمت عليه يا ولدي ، وليحفظك الله أنت وتلك الفتاة .
إتجّه الأب مسرعاً نحو جهاز الهاتف ليزف البشرى لصاحبه ، وفعلاً أخبرهُ بالأمر وبما عزم عليه ولدهُ الأكبر منتظر ، وأخذ موعد لزيارته هو وابنه للإتفاق على الأمور القادمة .
كان الرجل وابنته قد هيّئا نفسيهما لاستقبال الضيفين وكانت ملاذ تنظر إلى الساعة بترقب ، سألت والدها قائلة :
- هل إنك متأكد يا أبي إن الأمر كما شرحتهُ لي .. ؟ ألا يمكن أن تكون قد فهمت قصدهُ خطأً .. ؟!
- ماذا تقولين يا ملاذ .. صدّقيني إنهُ قال إن ابنهُ منتظر قد عزم على
التبرع بكليته وسيأتي ليقول لكِ ذلك بنفسه .
- لكن يا أبي .. إن ذلك الشاب لم يَرَني يوماً ، فمن أين عرفني وصار لديه ذلك العزم على مساعدتي ؟
تبسّم الأب ثم قال :
- وهل المساعدة تحتاج إلى أن يراك وتريه ؟ هل يريد أن يخطبكِ أم يساعدكِ يا فتاة !
ضحك الإثنان وقطع ضحكهما صوت طرقة خفيفة على الباب ، اتجهّت ملاذ بسرعة لفتحها ..
- آه .. أهلاً بالعم .. تفضل !
بادلها ابو منتظر السلام ودخل إلى البيت أما منتظر فقد كان يسير خلف أبيه بعد أن ألقى التحية على ملاذ التي شيّعته بنظرها إلى أن دخل إلى غرفة الضيوف حيث كان والدها ينتظرهما .
تسمّرت ملاذ في مكانها عند الباب الرئيسي للدار وهي تُحاكي نفسها :
- ما الذي يدفع هذا الشاب الوسيم بأن يُضحّي بحياته وشبابه من أجلي ؟!
في حقيقة الأمر كان منتظر شاباً ملتزماً ووقوراً حيث أنهُ تربى في أحضان والديه الذين
الطريق إلى التوبة
Photo
كانا شديدي الالتزام بتعاليم ديننا الحنيف وهذا ما أورثوه في نفوس أولادهما وخاصة ولدهما الأكبر منتظر على عكس ملاذ التي كانت تقضي أغلب أوقاتها لوحدها إذ إن والدها وبحكم عمله كان بعيداً عنها بعض الشيء ولا تراه إلاّ مساءاً على مائدة العشاء أما باقي الأوقات فكانت تقضيها أمام جهاز التلفاز وهذا ما أثّر على تصرفاتها كثيراً فأنها توحي إليك عندما تنظر إليها بأنها إحدى بطلات الشاشة بأناقتها وكلامها وحتى ضحكتها .. !
هذا ما جعل منتظر يسرح بفكرهِ بعيداً وهو يجلس على تلك الأريكة أمام ملاذ متسائلاً مع نفسه : هل فعلاً إنني سأتخلّى عن أحد أهم أعضاء جسمي لإجل هكذا فتاة .. ؟!
ظلَّ منتظر صامتاً طوال تلك الجلسة وهو يفكر بمصير هذه الفتاة عندما قاطعهُ والدها قائلاً :
ـ ما بك يا منتظر ؟ لماذا لا تخبرنا بنفسك عن القرار الذي اتخذته وهل هو نهائي أم إنك ما تزال متردداً فيه يا بُني ؟
ـ كلا .. كلا يا عم ، صدّقني أنا لا أريد إلاّ أن تعيش أنت و ابنتك
بسعادةٍ وسرور دائم بإذن الله ، لذلك قررت وبكل ثقة ودون أي تردد أن أتبرع لها بكليتي وأظن أنهُ واجبي الشرعي وليس فيه أي تفضُّل أو مِنّة أبداً .
ـ بارك الله فيك يا ولدي ..
لم يستطع أبو ملاذ أن يُكمل كلامه فلقد خنقتهُ العبرة لحرارة الموقف .
.
#يتبع
هذا ما جعل منتظر يسرح بفكرهِ بعيداً وهو يجلس على تلك الأريكة أمام ملاذ متسائلاً مع نفسه : هل فعلاً إنني سأتخلّى عن أحد أهم أعضاء جسمي لإجل هكذا فتاة .. ؟!
ظلَّ منتظر صامتاً طوال تلك الجلسة وهو يفكر بمصير هذه الفتاة عندما قاطعهُ والدها قائلاً :
ـ ما بك يا منتظر ؟ لماذا لا تخبرنا بنفسك عن القرار الذي اتخذته وهل هو نهائي أم إنك ما تزال متردداً فيه يا بُني ؟
ـ كلا .. كلا يا عم ، صدّقني أنا لا أريد إلاّ أن تعيش أنت و ابنتك
بسعادةٍ وسرور دائم بإذن الله ، لذلك قررت وبكل ثقة ودون أي تردد أن أتبرع لها بكليتي وأظن أنهُ واجبي الشرعي وليس فيه أي تفضُّل أو مِنّة أبداً .
ـ بارك الله فيك يا ولدي ..
لم يستطع أبو ملاذ أن يُكمل كلامه فلقد خنقتهُ العبرة لحرارة الموقف .
.
#يتبع
#الإيمان_والحب
الفصل الثاني
✍رويدة الدعمي
جاء اليوم الذي يشدُّ فيه منتظر الرحال مع والدهِ إلى المدينة المجاورة لمدينتهم حيث ستجرى العملية هناك ، وها هي الأم الحنون تشدُّ على يدي ولدها بيدين مرتجفتين وعينين باكيتين وهي تردد :
ـ ولدي الغالي .. سأدعو الله بأن يعيدك لنا بالسلامة .
حاول منتظر أن يُهَّدئ من روع والدته وذكرّها بالآية الكريمة ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ، وهنا بكت الوالدة بصوت عالِ
وهي تحتضن ولدها وتوصي زوجها به وكأنهُ طفلٌ صغير سيفارقها لأول مرة ...!
استقلَّ الاثنان سيارة الأجرة لتُقلّهما إلى منزل أبي ملاذ ، وهناك وجداه هو وابنته على أتم الاستعداد للسفر وفعلاً أتجه الأربعة نحو مكان وقوف السيارات الكبيرة الخاصة بنقل المسافرين إلى المدن الأخرى .
وبعد أن اتخذّ كل منهم مكانهُ في تلك السيارة التي ستتجه بهم إلى المدينة المنشودة كان منتظر قد أخرج كتاباً ـ كالعادة ـ ليقرأهُ بدل أن يقضي وقتهُ هذا هباءاً ، حيث إنهُ لم يعتد على تضييع هكذا فرصة سواء أكان في سيارة صغيرة أو كبيرة أو في قطار ، فإن أنيسهُ في الطريق سيكون الكتاب .
كان والدهُ ووالد ملاذ مشغولان في الحديث أما ملاذ فمكانها كان مقابل للمكان الذي جلس فيه منتظر مما هيّأ لها فرصة النظر إليه طوال الطريق !
فكلما رفع منتظر بصرهُ وجدها ترمقهُ بنظرات تجعل دقّات قلبه تتزايد ويديه ترتجفان !
خاطب نفسهُ قائلاً :
ـ كيف بكَ يا منتظر مع هذا المأزق وكيف ستُخرج نفسك منه ؟!
تحوّل المأزق بعد قليل إلى مشكلة كبيرة عندما أحسَّ منتظر بأن الشيطان بدأ يجول في المكان الذي يجلس فيه الاثنان أي هو وملاذ وإن الأخيرة لا مانع لديها من أن تبقى ترمقهُ بنظراتٍ محرمة طيلة الساعات الباقية من الطريق ! توّسل إلى الله أن يعطيه فكرة تجعلهُ يتخلص مما هو فيه بدون أن يشعر والده ووالد ملاذ بأي شيء ..
فهو لا يستطيع أن يكلمها أو يسألها عن نظراتها تلك ووالدهُ ووالدها
يجلسان بقربهما وقد شغلهما الحديث عن ما يدور حولهما !!
وهنا ـ وبعد التوسل بالله سبحانه وتعالى ـ قفزت إلى رأسهِ فكرة نافعة وغريبة في نفس الوقت .
فتح حقيبة سفره ومدّ يدهُ إليها فأخرج منها ورقة وقلم وبدأ يكتب وملاذ تنظر إليه غير مبالية ..
بعد أن انتهى من الكتابة طوى الورقة ثم سلّمها إيّاها قائلاً :
ـ إنظري إلى خطّي .. ألا أصلح أن أكون خطّاطاً ماهراً !؟
ابتسمت ملاذ ومدّت يدها لتأخذ الورقة ، وبدون أن تنتظر فتحتها وبدأت تقرأ :
بسم الله الرحمن الرحيم
أرجوكِ يا ملاذ ..
تذكري بأنكِ فتاة وبأنني شاب ومهما تكن طبيعة نظراتك هذه لي فإنها أمام الله تعتبر " محرَّمة " لأنه من واجبكِ الشرعي أن تغضّي البصر حتى لا تدعي للشيطان أي طريق يدخل منه .
وأخيراً تذكري قوله تعالى : (( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن )) أخوك المخلص
منتظر
لم تعد ملاذ قادرةً على رفع بصرها من على الورقة بعد أن قرأت تلك الكلمات ، لقد شعرت قبل كل شيء بأن كرامتها قد جُرحت على يد ذلك الشاب وبأنها الآن ذليلةً أمامهُ .
نعم .. فلقد كانت ملاذ ولأول مرة تسمع مثل هذا الكلام بل ولأول مرة تطرق أسماعها تلك الآية ! حيث لا والدٌ حريص وملتزم ولا أمٌ مربية ومرشدة ولا صديقة ناصحة ، كل الذي تعرفه من هذا العالم هو الفن والفنانون ، بل لم يقل لها احد في يوم من الأيام هذا حلال وهذا حرام سوى إن والدها قد جعلها ترتدي هذه القطعة من القماش على رأسها لأنهُ وكما قال لها :
- تقاليدنا ترفض السفور !
والآن يأتي هذا الشاب ليصفعها ـ بهذه الكلمات ـ صفعةً قوية جعلتها تفضل أن ترمي نفسها من السيارة على أن تبقى جالسةً أمامهُ وهو ينتظر منها ردفعل على كلماته .
هذا ما كانت تفكر به ملاذ ، أما منتظر فلقد أغلق الكتاب الذي كان يطالعه وأشاح ببصرهِ نحو نافذة السيارة وهو ينظر إلى المروج الخضراء التي ملأت الطريق وراح يردد بعض القصائد الدينية التي كان يحبها كثيراً محاولةً منهُ لتغيير الجو الذي صار خانقاً بالنسبة لهُ وهو ينتظر على أحر من الجمر أن تتوقف تلك السيارة معلنةً عن وصولهم .
ولما أتعبه النظر من النافذة أطرق برأسه لينظر إلى ساعته اليدوية فإذا بها تشير إلى بقاء نصف ساعة تقريباً للوصول . أخذ نفساً عميقاً ثم رفع بصرهُ ليرى حال الفتاة بعد قراءتها لتلك الرسالة فإذا بها قد خفضت رأسها وغسلت وجهها بدموعها!
حينها بدأ منتظر يكلمّ نفسه :
- هل كنتُ قاسياً معها إلى الدرجة التي جرحتُ فيها كرامتها من دون أن أشعر .. أم إنها دموع الندم ؟!
.
#يتبع
الفصل الثاني
✍رويدة الدعمي
جاء اليوم الذي يشدُّ فيه منتظر الرحال مع والدهِ إلى المدينة المجاورة لمدينتهم حيث ستجرى العملية هناك ، وها هي الأم الحنون تشدُّ على يدي ولدها بيدين مرتجفتين وعينين باكيتين وهي تردد :
ـ ولدي الغالي .. سأدعو الله بأن يعيدك لنا بالسلامة .
حاول منتظر أن يُهَّدئ من روع والدته وذكرّها بالآية الكريمة ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ، وهنا بكت الوالدة بصوت عالِ
وهي تحتضن ولدها وتوصي زوجها به وكأنهُ طفلٌ صغير سيفارقها لأول مرة ...!
استقلَّ الاثنان سيارة الأجرة لتُقلّهما إلى منزل أبي ملاذ ، وهناك وجداه هو وابنته على أتم الاستعداد للسفر وفعلاً أتجه الأربعة نحو مكان وقوف السيارات الكبيرة الخاصة بنقل المسافرين إلى المدن الأخرى .
وبعد أن اتخذّ كل منهم مكانهُ في تلك السيارة التي ستتجه بهم إلى المدينة المنشودة كان منتظر قد أخرج كتاباً ـ كالعادة ـ ليقرأهُ بدل أن يقضي وقتهُ هذا هباءاً ، حيث إنهُ لم يعتد على تضييع هكذا فرصة سواء أكان في سيارة صغيرة أو كبيرة أو في قطار ، فإن أنيسهُ في الطريق سيكون الكتاب .
كان والدهُ ووالد ملاذ مشغولان في الحديث أما ملاذ فمكانها كان مقابل للمكان الذي جلس فيه منتظر مما هيّأ لها فرصة النظر إليه طوال الطريق !
فكلما رفع منتظر بصرهُ وجدها ترمقهُ بنظرات تجعل دقّات قلبه تتزايد ويديه ترتجفان !
خاطب نفسهُ قائلاً :
ـ كيف بكَ يا منتظر مع هذا المأزق وكيف ستُخرج نفسك منه ؟!
تحوّل المأزق بعد قليل إلى مشكلة كبيرة عندما أحسَّ منتظر بأن الشيطان بدأ يجول في المكان الذي يجلس فيه الاثنان أي هو وملاذ وإن الأخيرة لا مانع لديها من أن تبقى ترمقهُ بنظراتٍ محرمة طيلة الساعات الباقية من الطريق ! توّسل إلى الله أن يعطيه فكرة تجعلهُ يتخلص مما هو فيه بدون أن يشعر والده ووالد ملاذ بأي شيء ..
فهو لا يستطيع أن يكلمها أو يسألها عن نظراتها تلك ووالدهُ ووالدها
يجلسان بقربهما وقد شغلهما الحديث عن ما يدور حولهما !!
وهنا ـ وبعد التوسل بالله سبحانه وتعالى ـ قفزت إلى رأسهِ فكرة نافعة وغريبة في نفس الوقت .
فتح حقيبة سفره ومدّ يدهُ إليها فأخرج منها ورقة وقلم وبدأ يكتب وملاذ تنظر إليه غير مبالية ..
بعد أن انتهى من الكتابة طوى الورقة ثم سلّمها إيّاها قائلاً :
ـ إنظري إلى خطّي .. ألا أصلح أن أكون خطّاطاً ماهراً !؟
ابتسمت ملاذ ومدّت يدها لتأخذ الورقة ، وبدون أن تنتظر فتحتها وبدأت تقرأ :
بسم الله الرحمن الرحيم
أرجوكِ يا ملاذ ..
تذكري بأنكِ فتاة وبأنني شاب ومهما تكن طبيعة نظراتك هذه لي فإنها أمام الله تعتبر " محرَّمة " لأنه من واجبكِ الشرعي أن تغضّي البصر حتى لا تدعي للشيطان أي طريق يدخل منه .
وأخيراً تذكري قوله تعالى : (( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن )) أخوك المخلص
منتظر
لم تعد ملاذ قادرةً على رفع بصرها من على الورقة بعد أن قرأت تلك الكلمات ، لقد شعرت قبل كل شيء بأن كرامتها قد جُرحت على يد ذلك الشاب وبأنها الآن ذليلةً أمامهُ .
نعم .. فلقد كانت ملاذ ولأول مرة تسمع مثل هذا الكلام بل ولأول مرة تطرق أسماعها تلك الآية ! حيث لا والدٌ حريص وملتزم ولا أمٌ مربية ومرشدة ولا صديقة ناصحة ، كل الذي تعرفه من هذا العالم هو الفن والفنانون ، بل لم يقل لها احد في يوم من الأيام هذا حلال وهذا حرام سوى إن والدها قد جعلها ترتدي هذه القطعة من القماش على رأسها لأنهُ وكما قال لها :
- تقاليدنا ترفض السفور !
والآن يأتي هذا الشاب ليصفعها ـ بهذه الكلمات ـ صفعةً قوية جعلتها تفضل أن ترمي نفسها من السيارة على أن تبقى جالسةً أمامهُ وهو ينتظر منها ردفعل على كلماته .
هذا ما كانت تفكر به ملاذ ، أما منتظر فلقد أغلق الكتاب الذي كان يطالعه وأشاح ببصرهِ نحو نافذة السيارة وهو ينظر إلى المروج الخضراء التي ملأت الطريق وراح يردد بعض القصائد الدينية التي كان يحبها كثيراً محاولةً منهُ لتغيير الجو الذي صار خانقاً بالنسبة لهُ وهو ينتظر على أحر من الجمر أن تتوقف تلك السيارة معلنةً عن وصولهم .
ولما أتعبه النظر من النافذة أطرق برأسه لينظر إلى ساعته اليدوية فإذا بها تشير إلى بقاء نصف ساعة تقريباً للوصول . أخذ نفساً عميقاً ثم رفع بصرهُ ليرى حال الفتاة بعد قراءتها لتلك الرسالة فإذا بها قد خفضت رأسها وغسلت وجهها بدموعها!
حينها بدأ منتظر يكلمّ نفسه :
- هل كنتُ قاسياً معها إلى الدرجة التي جرحتُ فيها كرامتها من دون أن أشعر .. أم إنها دموع الندم ؟!
.
#يتبع
#هدية لأموات جميع المتابعين و خاصة الأرحام و المنسيين من المؤمنين والصالحين
صفحة: 255
القراءة الصوتية للصفحة 👇🏻
صفحة: 255
القراءة الصوتية للصفحة 👇🏻
🕋 أفضل من ألف حجة مقبولة 🕋
رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنهُ قال:
«قضاء #حاجة_المؤمن أفضل من ألف #حجة_متقبلة بمناسكها وعتق رقبة لوجه الله»
📖 بحار الأنوار ج٧٤ ص٢٨٥.
#كلامكم_نور
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنهُ قال:
«قضاء #حاجة_المؤمن أفضل من ألف #حجة_متقبلة بمناسكها وعتق رقبة لوجه الله»
📖 بحار الأنوار ج٧٤ ص٢٨٥.
#كلامكم_نور
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🍃الشهيد محمد علي عودة
🍃الشهيد علي أحمد مراد الزركاني
🍃الشهيدين عدنان نعمة وعلي نعمة
❤️ شارك في الختمة القرآنية المهداة في هذه الليلة إلى أرواح الشهداء ❤️
تواصل معنا عبر هذا البوت @shouhada2_bot
🍃الشهيد علي أحمد مراد الزركاني
🍃الشهيدين عدنان نعمة وعلي نعمة
❤️ شارك في الختمة القرآنية المهداة في هذه الليلة إلى أرواح الشهداء ❤️
تواصل معنا عبر هذا البوت @shouhada2_bot
الطريق إلى التوبة
🍃الشهيد محمد علي عودة 🍃الشهيد علي أحمد مراد الزركاني 🍃الشهيدين عدنان نعمة وعلي نعمة ❤️ شارك في الختمة القرآنية المهداة في هذه الليلة إلى أرواح الشهداء ❤️ تواصل معنا عبر هذا البوت @shouhada2_bot
🌹 كل ليلة جمعة سنهدي ختمة قرآنية مباركة لروح شهيد بإذن الله تعالى، فمن يرغب بإهداء ختمة مباركة لأحد الشهداء، نرجو منه أن يزوّدنا بصوره ووصاياه وإرسالها لنا عبر البوت التالي:
@shouhada2_bot
@shouhada2_bot
#الأخلاق_في_الأربعون_حديثا
💫 #نظرتا الإنسان المؤمن (٣) 💫
🔹 بعد تبيان كل نظرة، على الإنسان أن #يتردد بين هاتين النظرتين:
☝️🏻 فلا يغمض عينيه عما فيه من #نقص وقصور في القيام بواجب #العبودية..
☝️🏻 ولا هو ينسى سعة #رحمة الحق جل جلاله وعنايته وشمولها..
❓لكن ما هي مراتب الخوف ومراتب الرجاء❓
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
💫 #نظرتا الإنسان المؤمن (٣) 💫
🔹 بعد تبيان كل نظرة، على الإنسان أن #يتردد بين هاتين النظرتين:
☝️🏻 فلا يغمض عينيه عما فيه من #نقص وقصور في القيام بواجب #العبودية..
☝️🏻 ولا هو ينسى سعة #رحمة الحق جل جلاله وعنايته وشمولها..
❓لكن ما هي مراتب الخوف ومراتب الرجاء❓
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
💞 مَا غِبْتَ عَنّا 💞
🌴التكاليف في عصر الغيبة الكبرى🌴
✨ الدعاء لحفظ وجود الامام (ع)✨
🔹 ان الرضا (ع) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر(ع)بهذا الدعاء:
🙏🏻اللهم ادفع عن وليك وخليفتك وحجتك [ على خلقك ] ولسانك المُعبّر عنك بإذنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة في بريّتك وشاهدك على عبادك، الجحجاح المجاهد العائذ بك عندك، وأعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه و [ من ] تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به...
#يتبع
#ما_غبت_عنا
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
🌴التكاليف في عصر الغيبة الكبرى🌴
✨ الدعاء لحفظ وجود الامام (ع)✨
🔹 ان الرضا (ع) كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر(ع)بهذا الدعاء:
🙏🏻اللهم ادفع عن وليك وخليفتك وحجتك [ على خلقك ] ولسانك المُعبّر عنك بإذنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة في بريّتك وشاهدك على عبادك، الجحجاح المجاهد العائذ بك عندك، وأعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه و [ من ] تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به...
#يتبع
#ما_غبت_عنا
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
الطريق إلى التوبة
Photo
#الإيمان_والحب
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الثالث
.
ها هم الأربعة قد نزلوا من السيارة الكبيرة مستقليّن سيارة صغيرة للأجرة ليتجهوا نحو أحد الفنادق حيث سيقيمون فيه طيلة فترة اجراء العملية .
ولمّا كان الوقتُ متأخر والفندق الذي قصدوه كان مكتظاً بالنزلاء فقد أشارإليهم صاحب ذلك الفندق بأن هناك شقة صغيرة في مكانٍ قريب يمكنهم استئجارها لعدّة أيام ...
وفعلاً تم إيصالهم إلى تلك الشقة بعد مناقشات حادّة بين منتظر وأبيه حيث كان بطلنا يرفض هذه الفكرة لما لها من احراج بالنسبة لهُ لوجود تلك الفتاة الشابة معهم لكن أباه أقنعه أخيراً بأنها ليست لوحدها بل إن أباها معها وهذا يعني إنهُ لا يوجد هناك أي إحراج في الموضوع .
وصل الأربعة إلى الشقّة ، كان فيها غرفتان صغيرتان وصالة للجلوس .
قال أبو ملاذ وهو يشير إلى إحدى الغرفتين :
ـ سنأخذ نحنُ هذه الغرفة وأما أنت يا أبا منتظر فستكون هذه لك ولأبنك العزيز .
لاحظ الثلاثة إن ملاذ طول هذه الفترة صامتة لا تتحدث وقد بدت علامات الكآبة والحزن واضحة على ملامحها !
ظنَّ والدها وكذلك صاحبهُ إن مخاوفها من العملية قد بدأت تظهر وخاصة إنهم الآن في المدينة التي ستجري فيها تلك العملية ، أما منتظر فكان يعرف مصدر ذلك الحزن وتلك الكآبة التي قفزت إلى ملاذ حال انتهائها من قراءة رسالته في تلك السيارة المشؤومة !
كان يتمنى لو تمكن من توضيح الأمر لها وتوضيح السبب الذي دعاه إلى ذلك التصرف ، كان منتظر رغم أسلوبه القاسي في بعض الأحيان لكنه في نفس الوقت ذو قلب رقيق لا يتحمل أن يكون سبباً رئيسياً في حزن أي شخص وخاصة إذا كان ذلك الشخص فتاة يتيمة الأم ومريضة مثل ملاذ .
كان التعب والإرهاق بادياً على الجميع مما حدا بهم إلى النوم مبكراً إذ إن هناك يوماً شاقاً ينتظرهم حيث سيتم البدء بالفحوصات لكلا الطرفين كخطوة أساسية قبل أجراء العملية .
مع أول الفجر استيقظ منتظر على صوت الآذان الذي تعالى في أرجاء تلك المدينة ، نهض وهو يردد الصلاة على محمد وآل محمد وأيقظ والده ليصليّ ..
توضأ منتظر وصلّى ركعتي الفجر وكعادتهِ بعد كل فريضة صار يردد ( تسبيحة الزهراء عليها السلام ) ثم فتح القرآن ليتلو بعض كلمات الله سبحانه وتعالى ..
استمر بالقراءة حتى سمع صوت حركة في الشقة ، نظر إلى الساعة فوجدها تشيرإلى السابعة صباحاً ، أغلق القرآن وقبّلهُ تبركاً وتقديساً ، نظر إلى والده فوجده قد رجع إلى النوم بعد أن أدّى صلاته ... قال في نفسه :
ـ قد تكون هذه الحركة للعم حامد أو قد تكون لملاذ !
وعندما وصل إلى أسم هذه الفتاة اطرق قليلاً .. ردّد الاسم عدّة مرات ثم تحدث مع نفسه مرة أخرى :
ـ مسكينة هذه الفتاة ... لقد سببتُ لها ألماً كبيراً يوم أمس ويجب أن
أوّضح لها كل شيء .
خرج من الغرفة فوجد ملاذ أمامهُ قد خرجت توّاً من المطبخ ، نظرت إليه ثم مشت قليلاً بدون أي كلمة وجلست على أحدى الأرائك في الصالة وبيدها كوب من الشاي .
تبعها منتظر ... دخل الغرفة وألقى السلام ، وبصوتٍ ضعيف بالكاد يُسمع ردّت ملاذ التحية ، بادرها منتظر :
ـ هل لي أن أعرف سبب هذا الحزن المفاجئ ؟!
أجابت بحدّة :
ـ أوَتسأل يا منتظر !
ـ هل أنا السبب ؟
ـ أرجوك...دعني وشأني سواء كنت حزينة أم سعيدة فهل الأمر يهمّك ؟!
ـ ولِمَ لا يهمني يا ملاذ ؟ أنا لا أحب أن أكون سبباً لألم أي أحد ..صدّقيني .
ـ إنك قاسي يا منتظر !
قالت ملاذ هذه الكلمات وقد إغرورقت عيناها بالدموع ونهضت محاولةً مغادرة الغرفة ...
ناداها منتظر :
ـ أرجوكِ .. قفي واسمعيني ، فمثلما أبديتِ رأيكِ في الموضوع فلي الحق أنا أيضاً أن أُبدي رأيي فيه .
توقفت ملاذ ونظرت قائلة :
ـ وما هو رأيك ؟
ـ صدّقيني .. أنا ما كتبتُ لكِ تلك الكلمات اثناء جلوسنا في السيارة إلاّ لأنني وجدتك في خطر ويجب أن أساعدك وإلاّ لحدث ما لا يُحمد عقباه !
ـ وما الذي يمكن أن يحدث ؟
ـ اسمعي يا ملاذ ... عندما لاحظتُ انكِ ترمقينني بتلك النظرات لم أهتم في بداية الأمر لكن عندما استمرت الحالة تلك طيلة وجودنا معاً في تلك السيارة شعرتُ حينها بأن الأمر غير طبيعي وبأن تلك النظرات غير اعتيادية أبداً ولا أُخفي عليك فلقد ارتبكت لأنني ولأول مرة أقع في موقفٍ كهذا وارتبكت أكثر عندما خفت صوت الشيطان !
ـ صوت الشيطان ! ما الذي تقصده ؟
ـ إنها الوسوسة يا ملاذ .
ـ ومن قال لك ذلك ؟
ـ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لي ذلك !
ـ ما بك يا منتظر ... لماذا تتكلم بالألغاز والمبهمات ، لماذا لا تكون
واضحاً وصريحاً ؟
ـ ليست ألغاز ولا مبهمات بل أنا واضح وصريح فيما أريد قوله .. فلقد قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (( ما من رجل خلا بإمرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما ) !
ـ حسناً وما الذي يمكن أن يقولهُ لك الشيطان حينها ؟
ـ أكيد إنهُ سيحاول إفهامي بأن ( نظرات ملاذ هي نظرات إعجاب ومودّة وحب ) ولو أعطيه مجال أكثر للاستماع إلى حديثه المعسول ذلك فأنهُ سيجرَّني إلى التفكير بأمور أخرى وضيعة ومرفوضة
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الثالث
.
ها هم الأربعة قد نزلوا من السيارة الكبيرة مستقليّن سيارة صغيرة للأجرة ليتجهوا نحو أحد الفنادق حيث سيقيمون فيه طيلة فترة اجراء العملية .
ولمّا كان الوقتُ متأخر والفندق الذي قصدوه كان مكتظاً بالنزلاء فقد أشارإليهم صاحب ذلك الفندق بأن هناك شقة صغيرة في مكانٍ قريب يمكنهم استئجارها لعدّة أيام ...
وفعلاً تم إيصالهم إلى تلك الشقة بعد مناقشات حادّة بين منتظر وأبيه حيث كان بطلنا يرفض هذه الفكرة لما لها من احراج بالنسبة لهُ لوجود تلك الفتاة الشابة معهم لكن أباه أقنعه أخيراً بأنها ليست لوحدها بل إن أباها معها وهذا يعني إنهُ لا يوجد هناك أي إحراج في الموضوع .
وصل الأربعة إلى الشقّة ، كان فيها غرفتان صغيرتان وصالة للجلوس .
قال أبو ملاذ وهو يشير إلى إحدى الغرفتين :
ـ سنأخذ نحنُ هذه الغرفة وأما أنت يا أبا منتظر فستكون هذه لك ولأبنك العزيز .
لاحظ الثلاثة إن ملاذ طول هذه الفترة صامتة لا تتحدث وقد بدت علامات الكآبة والحزن واضحة على ملامحها !
ظنَّ والدها وكذلك صاحبهُ إن مخاوفها من العملية قد بدأت تظهر وخاصة إنهم الآن في المدينة التي ستجري فيها تلك العملية ، أما منتظر فكان يعرف مصدر ذلك الحزن وتلك الكآبة التي قفزت إلى ملاذ حال انتهائها من قراءة رسالته في تلك السيارة المشؤومة !
كان يتمنى لو تمكن من توضيح الأمر لها وتوضيح السبب الذي دعاه إلى ذلك التصرف ، كان منتظر رغم أسلوبه القاسي في بعض الأحيان لكنه في نفس الوقت ذو قلب رقيق لا يتحمل أن يكون سبباً رئيسياً في حزن أي شخص وخاصة إذا كان ذلك الشخص فتاة يتيمة الأم ومريضة مثل ملاذ .
كان التعب والإرهاق بادياً على الجميع مما حدا بهم إلى النوم مبكراً إذ إن هناك يوماً شاقاً ينتظرهم حيث سيتم البدء بالفحوصات لكلا الطرفين كخطوة أساسية قبل أجراء العملية .
مع أول الفجر استيقظ منتظر على صوت الآذان الذي تعالى في أرجاء تلك المدينة ، نهض وهو يردد الصلاة على محمد وآل محمد وأيقظ والده ليصليّ ..
توضأ منتظر وصلّى ركعتي الفجر وكعادتهِ بعد كل فريضة صار يردد ( تسبيحة الزهراء عليها السلام ) ثم فتح القرآن ليتلو بعض كلمات الله سبحانه وتعالى ..
استمر بالقراءة حتى سمع صوت حركة في الشقة ، نظر إلى الساعة فوجدها تشيرإلى السابعة صباحاً ، أغلق القرآن وقبّلهُ تبركاً وتقديساً ، نظر إلى والده فوجده قد رجع إلى النوم بعد أن أدّى صلاته ... قال في نفسه :
ـ قد تكون هذه الحركة للعم حامد أو قد تكون لملاذ !
وعندما وصل إلى أسم هذه الفتاة اطرق قليلاً .. ردّد الاسم عدّة مرات ثم تحدث مع نفسه مرة أخرى :
ـ مسكينة هذه الفتاة ... لقد سببتُ لها ألماً كبيراً يوم أمس ويجب أن
أوّضح لها كل شيء .
خرج من الغرفة فوجد ملاذ أمامهُ قد خرجت توّاً من المطبخ ، نظرت إليه ثم مشت قليلاً بدون أي كلمة وجلست على أحدى الأرائك في الصالة وبيدها كوب من الشاي .
تبعها منتظر ... دخل الغرفة وألقى السلام ، وبصوتٍ ضعيف بالكاد يُسمع ردّت ملاذ التحية ، بادرها منتظر :
ـ هل لي أن أعرف سبب هذا الحزن المفاجئ ؟!
أجابت بحدّة :
ـ أوَتسأل يا منتظر !
ـ هل أنا السبب ؟
ـ أرجوك...دعني وشأني سواء كنت حزينة أم سعيدة فهل الأمر يهمّك ؟!
ـ ولِمَ لا يهمني يا ملاذ ؟ أنا لا أحب أن أكون سبباً لألم أي أحد ..صدّقيني .
ـ إنك قاسي يا منتظر !
قالت ملاذ هذه الكلمات وقد إغرورقت عيناها بالدموع ونهضت محاولةً مغادرة الغرفة ...
ناداها منتظر :
ـ أرجوكِ .. قفي واسمعيني ، فمثلما أبديتِ رأيكِ في الموضوع فلي الحق أنا أيضاً أن أُبدي رأيي فيه .
توقفت ملاذ ونظرت قائلة :
ـ وما هو رأيك ؟
ـ صدّقيني .. أنا ما كتبتُ لكِ تلك الكلمات اثناء جلوسنا في السيارة إلاّ لأنني وجدتك في خطر ويجب أن أساعدك وإلاّ لحدث ما لا يُحمد عقباه !
ـ وما الذي يمكن أن يحدث ؟
ـ اسمعي يا ملاذ ... عندما لاحظتُ انكِ ترمقينني بتلك النظرات لم أهتم في بداية الأمر لكن عندما استمرت الحالة تلك طيلة وجودنا معاً في تلك السيارة شعرتُ حينها بأن الأمر غير طبيعي وبأن تلك النظرات غير اعتيادية أبداً ولا أُخفي عليك فلقد ارتبكت لأنني ولأول مرة أقع في موقفٍ كهذا وارتبكت أكثر عندما خفت صوت الشيطان !
ـ صوت الشيطان ! ما الذي تقصده ؟
ـ إنها الوسوسة يا ملاذ .
ـ ومن قال لك ذلك ؟
ـ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لي ذلك !
ـ ما بك يا منتظر ... لماذا تتكلم بالألغاز والمبهمات ، لماذا لا تكون
واضحاً وصريحاً ؟
ـ ليست ألغاز ولا مبهمات بل أنا واضح وصريح فيما أريد قوله .. فلقد قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (( ما من رجل خلا بإمرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما ) !
ـ حسناً وما الذي يمكن أن يقولهُ لك الشيطان حينها ؟
ـ أكيد إنهُ سيحاول إفهامي بأن ( نظرات ملاذ هي نظرات إعجاب ومودّة وحب ) ولو أعطيه مجال أكثر للاستماع إلى حديثه المعسول ذلك فأنهُ سيجرَّني إلى التفكير بأمور أخرى وضيعة ومرفوضة
الطريق إلى التوبة
Photo
شرعاً ... لذلك صرتُ أبحـث عن طريقــة أُبعد بها نظراتــــكِ عني وبـالتالي أُبعـد ذلك المخلوق الحقير إبليس عليه اللعنة ، ومن ثمَّ أنا ما خفت على نفسي أكثر مما خفتُ على مصيركِ ..
صدّقيني .
ـ وما به مصيري ؟ وهل أُعتبر مذنبة لو أمعنت النظر في شاب أشعرني بطعم الحياة .
قال منتظر محاولاً عدم التأثر بكلامها :
ـ ملاذ .. النظرة إلى الشاب حرام وأعني بها النظرة المقصودة فهي محرمة حسب الآية التي ذكرتها لك في الرسالة ، ثم ماذا تقصدين بكلامك الأخير هذا ؟!
ـ صدّقني يا منتظر .. أنا أعي ما أقول إذ كان كل شيء قبل أن أراك جامداً وليس فيه أي طعم أو مذاق وبعد ذلك اليوم الذي زُرتنا فيه أنت وأبوك شعرت بأن حياتي صار لها طعم خاص .. إنها السعادة التي كنتُ قد حُرِمتُ منها .
قال منتظر وقد وقف مستعداً لترك الغرفة :
ـ أولاً .. هذا الأمر لا يُبرر أبداً نظراتكِ تلك بل يزيد الأمر تعقيداً .. !
ـ كيف ذلك ؟
ـ لأن كلامكِ هذا يُثبت الذنب عليك ولا يبرؤكِ أبداً .. فالنظرة إلى شاب عادي هي محرمة فكيف إذا كان ذلك الشاب يحرّك في داخلك مشاعر العاطفة ؟!
سألتهُ ملاذ بتوتّر :
ـ وثانياً .. ؟!
ـ ثانياً .. وإن كانت كلمة مؤلمة لكني سأقولها لكِ لأنقذكِ من مصائد
الشيطان ولأوضح مشاعري الصادقة اتجاهكِ .. أنتِ بالنسبة لي أخت محتاجة إلى مساعدتي فرافقتها لتقديم تلك المساعدة ... أكثر من هذا لا يوجد شيء ، وأما السعادة التي تظنين إنكِ ملكتيها فأنها ـ مع الأسف ـ مُزيّفة وليتكِ تعرفين حقيقة السعادة !
خرج منتظر من الغرفة بعد هذا الحديث تاركاً ملاذ تبحر في مخيلتها بعيداً..تساءلت مع نفسها بعد أن لاحظت إن الشاي قد برد وأصبح بلا طعم :
ـ ماذا يقصد بالسعادة المزيفة والسعادة الحقيقية ؟ وهل فعلاً إنهُ ينظر لي كأخت فقط ؟!
.
#يتبع
صدّقيني .
ـ وما به مصيري ؟ وهل أُعتبر مذنبة لو أمعنت النظر في شاب أشعرني بطعم الحياة .
قال منتظر محاولاً عدم التأثر بكلامها :
ـ ملاذ .. النظرة إلى الشاب حرام وأعني بها النظرة المقصودة فهي محرمة حسب الآية التي ذكرتها لك في الرسالة ، ثم ماذا تقصدين بكلامك الأخير هذا ؟!
ـ صدّقني يا منتظر .. أنا أعي ما أقول إذ كان كل شيء قبل أن أراك جامداً وليس فيه أي طعم أو مذاق وبعد ذلك اليوم الذي زُرتنا فيه أنت وأبوك شعرت بأن حياتي صار لها طعم خاص .. إنها السعادة التي كنتُ قد حُرِمتُ منها .
قال منتظر وقد وقف مستعداً لترك الغرفة :
ـ أولاً .. هذا الأمر لا يُبرر أبداً نظراتكِ تلك بل يزيد الأمر تعقيداً .. !
ـ كيف ذلك ؟
ـ لأن كلامكِ هذا يُثبت الذنب عليك ولا يبرؤكِ أبداً .. فالنظرة إلى شاب عادي هي محرمة فكيف إذا كان ذلك الشاب يحرّك في داخلك مشاعر العاطفة ؟!
سألتهُ ملاذ بتوتّر :
ـ وثانياً .. ؟!
ـ ثانياً .. وإن كانت كلمة مؤلمة لكني سأقولها لكِ لأنقذكِ من مصائد
الشيطان ولأوضح مشاعري الصادقة اتجاهكِ .. أنتِ بالنسبة لي أخت محتاجة إلى مساعدتي فرافقتها لتقديم تلك المساعدة ... أكثر من هذا لا يوجد شيء ، وأما السعادة التي تظنين إنكِ ملكتيها فأنها ـ مع الأسف ـ مُزيّفة وليتكِ تعرفين حقيقة السعادة !
خرج منتظر من الغرفة بعد هذا الحديث تاركاً ملاذ تبحر في مخيلتها بعيداً..تساءلت مع نفسها بعد أن لاحظت إن الشاي قد برد وأصبح بلا طعم :
ـ ماذا يقصد بالسعادة المزيفة والسعادة الحقيقية ؟ وهل فعلاً إنهُ ينظر لي كأخت فقط ؟!
.
#يتبع
#الإيمان_والحب
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الرابع
.
في ظهيرة ذلك اليوم كان الأربعة في مستشفى المدينة لإجراء الفحوصات ، وبعد إجرائها لملاذ ومنتظر معاً قام الطبيب بإعطائهم مدّة أسبوع كامل وبعدهُ فقط يمكن إجراء العملية ..
رأى منتظر إن هذه فرصة أرسلها الله لهُ ليوّضح كثيراً من الأمور لملاذ قبل أن تجري العملية لكليهما .
بعد تركهم المستشفى اتجهوا نحو أحد مطاعم تلك المدينة لتناول وجبة الغداء، وما إن انتهى الجميع من تناول الطعام حتى طلب والد ملاذ من أبي منتظر أن يشاطرهُ لعب البليارد ورغم إن الأخير كان لا يهوى أن يقضي وقته بتلك الأمور الصبيانية إلاّ إنهُ رأى من المحرج أن يرفض دعوة صديقه ، فأتجه نحو صالة البليارد في ذلك المطعم الضخم منصاعاً لرأي صاحبه ... بقى كل من منتظر وملاذ جالسين وكانت ملاذ تحاول أن تبدو طبيعية لكن حركتها وهي تضرب بالشوكة على الإناء الذي أمامها جعل منتظر يشعر باضطرابها فحاول كسر ذلك الصمت المقلق بقوله :
ـ هل مازلت على رأيك يا ملاذ ؟
ـ ماذا تقصد ... لم أفهم !
ـ لقد فكرتُ في كلامك الذي قلتهِ لي صباح هذا اليوم بخصوص ..
( صمت منتظر قليلاً ثم تابع كلامه ) بخصوص مشاعركِ تجاهي فوجدتها مشاعر لا صحة لها وغير حقيقية ..
ـ لماذا تحكم على مشاعري الصادقة تجاهك بهذهِ الطريقة يا منتظر ؟
ـ صدّقيني يا عزيزتي أنا لا أنظر إلى مشاعركِ بمنظار سلبي لكن .. هلاّ قلتِ لي متى بدأت مشاعركِ تلك اتجاهي ؟
ـ منذ أول لحظة رأيتك فيها .. أي في المرة الأولى التي جئت بها مع والدك إلى منزلنا .. لقد عشت يا منتظر وحيدة لا أعرف ما معنى الحنان ولا الحب .. أمي ماتت منذ ولادتي ! وأبي لا أراه طوال يومي إلاّ على مائدة العشاء!
لا أعرف أحداً في هذه الحياة غير أُناس مزيفين يأخذون أدواراً كاذبة في تلك الشاشة التي باتت سلوتي الوحيدة ..
كنت أكره الدراسة منذ المراحل الأولى لها وما ان فاتحت والدي بفكرة ترك المدرسة حتى وافق بدون أن ينصحني بكلمة واحدة !
نعم لقد تركت الدراسة ولي من العمر إثنا عشر سنة ومنذ ذلك الحين وإلى هذه الأيام وأنا أعيش بين أربعة جدران .. أتحدث مع نفسي وأحب أناساً مزيّفين لم ألتقهم أبداً ! وعندما رأيتك شعرت بأنني وجدت من سأبثهُ همي وحزني ومن سيُبدل أيامي إلى جنةٍ حقيقية .. آه يا منتظر صدّقني ...
قاطعها منتظر قائلاً :
ـ اسمعي يا ملاذ .. هناك أمور كثيرة يجب أن نتناقش فيها غير لغة الحب هذه التي تتحدثين بها ... فأن الحب ليس كما تتصورين أبداً والسعادة كذلك، فالأفلام والمسلسلات التي عشتِ مع قصصها وأحداثها جعلتك تنظرين إلى الحب بأنهُ ليس إلاّ ذلك الشعور الذي يربط الفتاة بفتى أحلامها، والسعادة ليست إلاّ تلك التي تجمع الفتاة بفارس أحلامها !!
كان كلام منتظر غير مفهوم بالنسبة لملاذ بل إنها صارت ترى كل كلمة منهُ محاولة لجرحها وإهانتها ..
قالت لهُ محاولة إخفاء مشاعرها المجروحة :
ـ أعرف إنك إنسان مؤمن ومتديّن لكن هل المؤمنون لا يعرفون الحب ؟
أجاب منتظر مبتسماً :
ـ وهل الإيمان إلاّ الحب ؟!
ـ ماذا تعني ؟
ـ أنهُ ليس قولي بل قول الإمام الصادق (عليه السلام ) عندما سألهُ أحدهم عن موقف الإيمان من الحب فقال (عليه السلام) : ( وهل الإيمان إلاّ الحب) والحديث على وجازتهِ يدلّنا على منزلة عظيمة للحب في رأي الإمام الصادق (عليه السلام) فكأنه يريد القول بأن الإيمان هو الحب كله وأن الحب هو الإيمان كله .. ولكن علينا أن نعرف هذا الحب القدسي الذي يُفسّرالإمام به الإيمان ..
شعرت ملاذ بأن منتظر يحاول التهرب من سؤالها فعاودت السؤال ولكن بصيغة أخرى :
ـ ألم تعرف الحب طوال حياتك يا منتظر ؟
ـ بل أنا منذ صغري عرفتُ هذه الكلمة وصرتُ أعيش معها لحظةً بلحظة.
ـ وكيف .. ومن هي تلك التي بادلتها ذلك الحب ؟
ـ انظري .. ألم أقل لكِ بأنكِ تنظرين إلى الحب بأنهُ فقط ذلك الشعور الذي يربطني بالجنس الآخر !! أنتِ على خطأ يا ملاذ ... عندما أقول بأني عرفت الحب وعشته بكل أبعاده لا يعني إنهُ يجب أن تكون هناك فتاة تبادلني ذلك الحب .. أرجوكِ كوني أكثر تصوّراً لما أريد قوله .. الحب شعور جميل ، حرام علينا أن نحصرهُ بتلك الأطر المادية فقط !
هنا أحمر وجه ملاذ عندما وجدت ان منتظر صار يتكلم بجرءة وإهتمام بالغ ..
أكمل منتظر بنبرة أكثر حدّة تعلن عن الرفض :
ـ إن ما علمّهُ إياك التلفازعن الحب هي معلومات خاطئة لأن هؤلاء ( الفنّانين ) والذين هم ليسوا بفنانين أصلاً إنما يريدون أن يبثوا سمومهم وقاذورات أفكارهم إلى الفتيات البريئات مثلكِ ولأنكِ بتلك الأفكار الغربية صرتِ مثلهم تظنين أن الحب والعشق كلمات لا يمكن استعمالها إلاّ بين الفتى والفتاة وهذا تشويه للصورة الحقيقية لهذه الكلمة الطاهرة ... والإسلام الذي ننتمي إليه يا ملاذ هو دينُ المحبة الصادقة ، لا يعجبهُ هذا اللون المشوّه من الحب وبالأحرى هذا التدنيس لطهارة الحب ... حب الشهوة الوضيعة والغايات
المتدنية .
الحب سامٍ لأنه علاقة بين أرواح فيجب
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الرابع
.
في ظهيرة ذلك اليوم كان الأربعة في مستشفى المدينة لإجراء الفحوصات ، وبعد إجرائها لملاذ ومنتظر معاً قام الطبيب بإعطائهم مدّة أسبوع كامل وبعدهُ فقط يمكن إجراء العملية ..
رأى منتظر إن هذه فرصة أرسلها الله لهُ ليوّضح كثيراً من الأمور لملاذ قبل أن تجري العملية لكليهما .
بعد تركهم المستشفى اتجهوا نحو أحد مطاعم تلك المدينة لتناول وجبة الغداء، وما إن انتهى الجميع من تناول الطعام حتى طلب والد ملاذ من أبي منتظر أن يشاطرهُ لعب البليارد ورغم إن الأخير كان لا يهوى أن يقضي وقته بتلك الأمور الصبيانية إلاّ إنهُ رأى من المحرج أن يرفض دعوة صديقه ، فأتجه نحو صالة البليارد في ذلك المطعم الضخم منصاعاً لرأي صاحبه ... بقى كل من منتظر وملاذ جالسين وكانت ملاذ تحاول أن تبدو طبيعية لكن حركتها وهي تضرب بالشوكة على الإناء الذي أمامها جعل منتظر يشعر باضطرابها فحاول كسر ذلك الصمت المقلق بقوله :
ـ هل مازلت على رأيك يا ملاذ ؟
ـ ماذا تقصد ... لم أفهم !
ـ لقد فكرتُ في كلامك الذي قلتهِ لي صباح هذا اليوم بخصوص ..
( صمت منتظر قليلاً ثم تابع كلامه ) بخصوص مشاعركِ تجاهي فوجدتها مشاعر لا صحة لها وغير حقيقية ..
ـ لماذا تحكم على مشاعري الصادقة تجاهك بهذهِ الطريقة يا منتظر ؟
ـ صدّقيني يا عزيزتي أنا لا أنظر إلى مشاعركِ بمنظار سلبي لكن .. هلاّ قلتِ لي متى بدأت مشاعركِ تلك اتجاهي ؟
ـ منذ أول لحظة رأيتك فيها .. أي في المرة الأولى التي جئت بها مع والدك إلى منزلنا .. لقد عشت يا منتظر وحيدة لا أعرف ما معنى الحنان ولا الحب .. أمي ماتت منذ ولادتي ! وأبي لا أراه طوال يومي إلاّ على مائدة العشاء!
لا أعرف أحداً في هذه الحياة غير أُناس مزيفين يأخذون أدواراً كاذبة في تلك الشاشة التي باتت سلوتي الوحيدة ..
كنت أكره الدراسة منذ المراحل الأولى لها وما ان فاتحت والدي بفكرة ترك المدرسة حتى وافق بدون أن ينصحني بكلمة واحدة !
نعم لقد تركت الدراسة ولي من العمر إثنا عشر سنة ومنذ ذلك الحين وإلى هذه الأيام وأنا أعيش بين أربعة جدران .. أتحدث مع نفسي وأحب أناساً مزيّفين لم ألتقهم أبداً ! وعندما رأيتك شعرت بأنني وجدت من سأبثهُ همي وحزني ومن سيُبدل أيامي إلى جنةٍ حقيقية .. آه يا منتظر صدّقني ...
قاطعها منتظر قائلاً :
ـ اسمعي يا ملاذ .. هناك أمور كثيرة يجب أن نتناقش فيها غير لغة الحب هذه التي تتحدثين بها ... فأن الحب ليس كما تتصورين أبداً والسعادة كذلك، فالأفلام والمسلسلات التي عشتِ مع قصصها وأحداثها جعلتك تنظرين إلى الحب بأنهُ ليس إلاّ ذلك الشعور الذي يربط الفتاة بفتى أحلامها، والسعادة ليست إلاّ تلك التي تجمع الفتاة بفارس أحلامها !!
كان كلام منتظر غير مفهوم بالنسبة لملاذ بل إنها صارت ترى كل كلمة منهُ محاولة لجرحها وإهانتها ..
قالت لهُ محاولة إخفاء مشاعرها المجروحة :
ـ أعرف إنك إنسان مؤمن ومتديّن لكن هل المؤمنون لا يعرفون الحب ؟
أجاب منتظر مبتسماً :
ـ وهل الإيمان إلاّ الحب ؟!
ـ ماذا تعني ؟
ـ أنهُ ليس قولي بل قول الإمام الصادق (عليه السلام ) عندما سألهُ أحدهم عن موقف الإيمان من الحب فقال (عليه السلام) : ( وهل الإيمان إلاّ الحب) والحديث على وجازتهِ يدلّنا على منزلة عظيمة للحب في رأي الإمام الصادق (عليه السلام) فكأنه يريد القول بأن الإيمان هو الحب كله وأن الحب هو الإيمان كله .. ولكن علينا أن نعرف هذا الحب القدسي الذي يُفسّرالإمام به الإيمان ..
شعرت ملاذ بأن منتظر يحاول التهرب من سؤالها فعاودت السؤال ولكن بصيغة أخرى :
ـ ألم تعرف الحب طوال حياتك يا منتظر ؟
ـ بل أنا منذ صغري عرفتُ هذه الكلمة وصرتُ أعيش معها لحظةً بلحظة.
ـ وكيف .. ومن هي تلك التي بادلتها ذلك الحب ؟
ـ انظري .. ألم أقل لكِ بأنكِ تنظرين إلى الحب بأنهُ فقط ذلك الشعور الذي يربطني بالجنس الآخر !! أنتِ على خطأ يا ملاذ ... عندما أقول بأني عرفت الحب وعشته بكل أبعاده لا يعني إنهُ يجب أن تكون هناك فتاة تبادلني ذلك الحب .. أرجوكِ كوني أكثر تصوّراً لما أريد قوله .. الحب شعور جميل ، حرام علينا أن نحصرهُ بتلك الأطر المادية فقط !
هنا أحمر وجه ملاذ عندما وجدت ان منتظر صار يتكلم بجرءة وإهتمام بالغ ..
أكمل منتظر بنبرة أكثر حدّة تعلن عن الرفض :
ـ إن ما علمّهُ إياك التلفازعن الحب هي معلومات خاطئة لأن هؤلاء ( الفنّانين ) والذين هم ليسوا بفنانين أصلاً إنما يريدون أن يبثوا سمومهم وقاذورات أفكارهم إلى الفتيات البريئات مثلكِ ولأنكِ بتلك الأفكار الغربية صرتِ مثلهم تظنين أن الحب والعشق كلمات لا يمكن استعمالها إلاّ بين الفتى والفتاة وهذا تشويه للصورة الحقيقية لهذه الكلمة الطاهرة ... والإسلام الذي ننتمي إليه يا ملاذ هو دينُ المحبة الصادقة ، لا يعجبهُ هذا اللون المشوّه من الحب وبالأحرى هذا التدنيس لطهارة الحب ... حب الشهوة الوضيعة والغايات
المتدنية .
الحب سامٍ لأنه علاقة بين أرواح فيجب
أن يكون شريف الخاتمة ، والشريعة الإسلامية مثالية في جميع أحكامها فيجب أن تكون مثالية في حبها أيضاً .
ـ إذاً كيف يمكن تعريف الحب حسب رأيك يا منتظر ؟
ـ الحب هو ذلك الشعـور الأول والصلة الأولى التي تتكون بين العبـد وربّـه ـ أي بين المخلوق وخالقه ـ لذلك قلتُ لكِ بأني شعرت بالحب منذ صغري لأنني احسستُ بقوة عظيمة تربطني بربي فصرتُ أحبهُ بل اعشقهُ حتى صرتُ مغرماً بهِ .
ـ وهل يعني أنهُ لا يوجد في قلبك غير حب الرب يا منتظر ؟
ـ لم أقل ذلك ... لكن لو كان حبنا الأول لله سيكون كل حب بعد ذلك حُبّاً سليماً طاهراً عفيفاً .. وقد تسأليني : كيف ؟
فأقـول لكِ : عندمـا أحببت الله صـرتُ أبحـث عن كل من يعشـق الله كمــا أعشقه وبالتالي فلم أحب في حياتي إلاّ مؤمناً محبّاً لله عارفاً بحقّهِ .
نعم يا ملاذ .. المؤمن يكون قلبه رقيقاً وعاشقاً محبا..ً فأنا الآن
أمامكِ ، أتمنى أن أحب جميع هؤلاء الناس ... أساعدهم وأتحدث معهم وأسمع منهم وأن تكون بيني وبينهم علاقة محبة وود على شرط أن يكونوا مُحبين لله ومُطيعين لهُ في أمور دينهم ودُنياهم .
وأرجع إلى مشاعركِ اتجاهي فأنتِ تقولين إنكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتني فيها شعرتِ بذلك الشعور الذي أسميتهِ ( حباً ) وأنا أقول أنه ليس كذلك بل إنهُ ( نزوة عابرة ) جاءت نتيجة الحصار الذي كنتِ تعيشينه في داخلك والضيق والوحدة ، فأنت بنفسكِ قلتِ بأنكِ ما كنت تعرفين غير أُناس لم تلتقِهم أبداً إلاّ عبر شاشة التلفاز وفجأة تجدين شاباً أمامك على أرض الواقع وقد يكون أول شاب تلتقين به فعلاً وليس في الأحلام فتحولت كل إحساساتك وتصوراتك من أرض الخيال إلى أرض الواقع فظننتِ إنك تحبين ذلك الشاب الذي هو أنا ... !!
وهنا أسألك هذا السؤال : ما الذي عرفتِه عني منذ أول وهلة ، هل أنا متواضع أم متكبر ؟ مجنون أم عاقل ؟ مثقف أم جاهل؟ ها..تكلمي يا ملاذ؟
( تصمت ملاذ بدون أي جواب ) ويكمل منتظر :
ـ أنتِ لم تميّزي في تلك اللحظة غير ملامحي الظاهرية ، بل حتى لم تعرفي حينها لماذا كـُنت مصمماً على مساعدتك ولأي غرض .. ألا يمكن أن يكون لغرض دنيوي أو شخصي مثلاً ؟! فكيف شعرتِ بذلك الإحساس بدون أن تعرفي أي شيءعني سوى شكلي الظاهري ؟! فهذه يا عزيزتي كما قلتُ لكِ ( نزوة ) تَدخّلَ فيها الحصار النفسي
الذي كنتِ تعيشينه وكذلك فالتدخل الأكبر كان من قبل الشيطان الذي كان ينتظر الفرصة بعدما هيأ لكِ من أجواء الإغواء ما فيه الكفاية طوال هذه السنين ـ من خلال تلك الشاشة ـ فأنتقل ومنذ أول فرصة إلى تطبيق هذه الأوهام عليك بدون أن تشعري ، عندما أوهمكِ بأنك وجدتِ الحبيب الواقعي وفارس الأحلام كما يحدث في المسلسلات والأفلام !
ـ إذاً يا منتظر تريد أن تقول لي بأن هذه المشاعر مجرد نزوة عابرة ستنتهي يوماً ما ، إذاً متى يكون الحب صادقاً وحقيقياً لا تتدخل فيه النزوات أوالشياطين ؟!
ـ سؤال مهم وجميل في نفس الوقت ، اسمعي يا ملاذ : إن الإنسان مجبول منذ فطرته على استحسان ( الكمال ) فكلما كان الشيء كاملاً أحببتهِ أكثر وكلما كان العمل كاملاً لاقى الاستحسان والقبول ، وليس الحب شيئاً جزافاً يُكال بالمكاييل ، ولا ينشأ مصادفةً من غير سبب بل كما قلت أنهُ الشعور الرائع الذي ينتج من انجذابنا للأشياء الكاملة فإذا نظرنا للحب من هذه الناحية الواقعية سنجد إن أول وأكثر من يستحق حبنا هو ( الله ) لأنهُ غاية الكمال والمتنزّه عن أي نقص ولأنه الكامل المطلق الذي يجب أن يُحب ، ثم من يستحق
حبنا من بعد الله سبحانه وتعالى هم أولياؤه الصالحون لأنهم عشقوه وأحبّوه فاتصفوا بصفاته الكاملة وصاروا وجه الله في الأرض .. فتجدين إن فلاناً صار عاشقاً ولهاً برسول الله (صلى الله عليه واله) ، وثانياً أحبّ كمال وجمال يوسف (عليه السلام) فصار يتغنى بذلك الجمال الإلهي ، وثالثاً جذبتهُ شخصية الإمام علي (عليه السلام) وشجاعته وعدالته فراح يترنم بهذه الصفات ويمدحها ، ورابعاً عشق الزهراء (سلام الله عليها) لأنها من العفّة والطهارة مما لا نجدهُ في امرأة أخرى ، وآخر تعلّق قلبه بطاووس أهل الجنة
ويوسف آل محمد ( الإمام المهدي ) روحي فداه .. فصار ذائباً في حبهِ ومتيماً به .
ويؤكد كلامي هذا هو قول الرسول (صلى الله عليه واله) : (( أحبّوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبي )) وقد أخرج هذا الحديث جمعٌ من أئمة الحديث ورواته من الفريقين ولو تمعّنا في هذا الحديث الشريف لرأينا إن الرسول (صلى الله عليه واله) يجعل حبهُ إمتداداً لحب الله ويجعل حب أهل بيته امتداداً لحبه الذي هونابع من حب الله ...
إذاً يبقى المصدر الأول هو ( حب الله ) وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (( القلب حرم الله ، فلا تُسكن حرم الله غير الله )) والتعبير عن القلب هنا بأنه (( حَرَم )) هو تعبير دقيق جداً ، فإن الحرم منطقة آمنة ومُغلقة لا يدخلها غريب فكذلك القلب حرم الله الآمن لا يدخلهُ حب آخر غير حب الله إلاّ أن يكون ذلك الحب في امتداد
ـ إذاً كيف يمكن تعريف الحب حسب رأيك يا منتظر ؟
ـ الحب هو ذلك الشعـور الأول والصلة الأولى التي تتكون بين العبـد وربّـه ـ أي بين المخلوق وخالقه ـ لذلك قلتُ لكِ بأني شعرت بالحب منذ صغري لأنني احسستُ بقوة عظيمة تربطني بربي فصرتُ أحبهُ بل اعشقهُ حتى صرتُ مغرماً بهِ .
ـ وهل يعني أنهُ لا يوجد في قلبك غير حب الرب يا منتظر ؟
ـ لم أقل ذلك ... لكن لو كان حبنا الأول لله سيكون كل حب بعد ذلك حُبّاً سليماً طاهراً عفيفاً .. وقد تسأليني : كيف ؟
فأقـول لكِ : عندمـا أحببت الله صـرتُ أبحـث عن كل من يعشـق الله كمــا أعشقه وبالتالي فلم أحب في حياتي إلاّ مؤمناً محبّاً لله عارفاً بحقّهِ .
نعم يا ملاذ .. المؤمن يكون قلبه رقيقاً وعاشقاً محبا..ً فأنا الآن
أمامكِ ، أتمنى أن أحب جميع هؤلاء الناس ... أساعدهم وأتحدث معهم وأسمع منهم وأن تكون بيني وبينهم علاقة محبة وود على شرط أن يكونوا مُحبين لله ومُطيعين لهُ في أمور دينهم ودُنياهم .
وأرجع إلى مشاعركِ اتجاهي فأنتِ تقولين إنكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتني فيها شعرتِ بذلك الشعور الذي أسميتهِ ( حباً ) وأنا أقول أنه ليس كذلك بل إنهُ ( نزوة عابرة ) جاءت نتيجة الحصار الذي كنتِ تعيشينه في داخلك والضيق والوحدة ، فأنت بنفسكِ قلتِ بأنكِ ما كنت تعرفين غير أُناس لم تلتقِهم أبداً إلاّ عبر شاشة التلفاز وفجأة تجدين شاباً أمامك على أرض الواقع وقد يكون أول شاب تلتقين به فعلاً وليس في الأحلام فتحولت كل إحساساتك وتصوراتك من أرض الخيال إلى أرض الواقع فظننتِ إنك تحبين ذلك الشاب الذي هو أنا ... !!
وهنا أسألك هذا السؤال : ما الذي عرفتِه عني منذ أول وهلة ، هل أنا متواضع أم متكبر ؟ مجنون أم عاقل ؟ مثقف أم جاهل؟ ها..تكلمي يا ملاذ؟
( تصمت ملاذ بدون أي جواب ) ويكمل منتظر :
ـ أنتِ لم تميّزي في تلك اللحظة غير ملامحي الظاهرية ، بل حتى لم تعرفي حينها لماذا كـُنت مصمماً على مساعدتك ولأي غرض .. ألا يمكن أن يكون لغرض دنيوي أو شخصي مثلاً ؟! فكيف شعرتِ بذلك الإحساس بدون أن تعرفي أي شيءعني سوى شكلي الظاهري ؟! فهذه يا عزيزتي كما قلتُ لكِ ( نزوة ) تَدخّلَ فيها الحصار النفسي
الذي كنتِ تعيشينه وكذلك فالتدخل الأكبر كان من قبل الشيطان الذي كان ينتظر الفرصة بعدما هيأ لكِ من أجواء الإغواء ما فيه الكفاية طوال هذه السنين ـ من خلال تلك الشاشة ـ فأنتقل ومنذ أول فرصة إلى تطبيق هذه الأوهام عليك بدون أن تشعري ، عندما أوهمكِ بأنك وجدتِ الحبيب الواقعي وفارس الأحلام كما يحدث في المسلسلات والأفلام !
ـ إذاً يا منتظر تريد أن تقول لي بأن هذه المشاعر مجرد نزوة عابرة ستنتهي يوماً ما ، إذاً متى يكون الحب صادقاً وحقيقياً لا تتدخل فيه النزوات أوالشياطين ؟!
ـ سؤال مهم وجميل في نفس الوقت ، اسمعي يا ملاذ : إن الإنسان مجبول منذ فطرته على استحسان ( الكمال ) فكلما كان الشيء كاملاً أحببتهِ أكثر وكلما كان العمل كاملاً لاقى الاستحسان والقبول ، وليس الحب شيئاً جزافاً يُكال بالمكاييل ، ولا ينشأ مصادفةً من غير سبب بل كما قلت أنهُ الشعور الرائع الذي ينتج من انجذابنا للأشياء الكاملة فإذا نظرنا للحب من هذه الناحية الواقعية سنجد إن أول وأكثر من يستحق حبنا هو ( الله ) لأنهُ غاية الكمال والمتنزّه عن أي نقص ولأنه الكامل المطلق الذي يجب أن يُحب ، ثم من يستحق
حبنا من بعد الله سبحانه وتعالى هم أولياؤه الصالحون لأنهم عشقوه وأحبّوه فاتصفوا بصفاته الكاملة وصاروا وجه الله في الأرض .. فتجدين إن فلاناً صار عاشقاً ولهاً برسول الله (صلى الله عليه واله) ، وثانياً أحبّ كمال وجمال يوسف (عليه السلام) فصار يتغنى بذلك الجمال الإلهي ، وثالثاً جذبتهُ شخصية الإمام علي (عليه السلام) وشجاعته وعدالته فراح يترنم بهذه الصفات ويمدحها ، ورابعاً عشق الزهراء (سلام الله عليها) لأنها من العفّة والطهارة مما لا نجدهُ في امرأة أخرى ، وآخر تعلّق قلبه بطاووس أهل الجنة
ويوسف آل محمد ( الإمام المهدي ) روحي فداه .. فصار ذائباً في حبهِ ومتيماً به .
ويؤكد كلامي هذا هو قول الرسول (صلى الله عليه واله) : (( أحبّوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبي )) وقد أخرج هذا الحديث جمعٌ من أئمة الحديث ورواته من الفريقين ولو تمعّنا في هذا الحديث الشريف لرأينا إن الرسول (صلى الله عليه واله) يجعل حبهُ إمتداداً لحب الله ويجعل حب أهل بيته امتداداً لحبه الذي هونابع من حب الله ...
إذاً يبقى المصدر الأول هو ( حب الله ) وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : (( القلب حرم الله ، فلا تُسكن حرم الله غير الله )) والتعبير عن القلب هنا بأنه (( حَرَم )) هو تعبير دقيق جداً ، فإن الحرم منطقة آمنة ومُغلقة لا يدخلها غريب فكذلك القلب حرم الله الآمن لا يدخلهُ حب آخر غير حب الله إلاّ أن يكون ذلك الحب في امتداد
حب الله كما ذكرتُ لكِ قبل قليل ..
لذلك حتى حبّنا لمن حولنا من الآباء والأمهات والأخوة والأقارب يجب أن يكون مصدره هو (( حب الله )) أي أن نحبهم في الله أما إن كانوا يسيرون في الاتجاه المعاكس أي في طريق الشيطان ـ والعياذ بالله ـ فعلينا أن نكون حذرين في حبّنا وودّنا لهم ماداموا من المبغضين عند الله تعالى فيجب حينها أن نقلّص من حجم الحب والود لهم إلى أن يعودوا إلى درب الله ..
فليس للمؤمن أن يرسل عواطفه كما يشاء ، وأينما يشاء ، ولا أن يمدّ علاقاته وميوله كما يريد ، وإنما يجب عليه أن يجعل حبهُ لله هو الحاكم في هذه العلاقات والميول بشكل دقيق إن كان صادقاً في حبه لله ..
ـ لكن ألا ترى يا منتظر إن اخلاص الحب لله شيء صعب ! خاصةً إذا نظرنا إلى
فطرة الإنسان وطبيعته فإنهُ وكما قلت أنت في بداية الحديث بأنه مجبول على حب الجمال والكمال ، كما إن الله فطر الإنسان على حب أشياء كثيرة ، فكيف يجمع الإنسان بين هذه الفطرة وبين لزوم إخلاص حبّه لله ؟!
ابتسم منتظر ثم أجاب :
ـ إن إخلاص الحب لله يا ملاذ ليس بمعنى التنكّر للفطرة ، لا .. أبداً !وإنما هو بمعنى توجيه الحب والكره من خلال ما يحب الله تعالى وما يكرهه .. فنحب الذين أحبهم الله وأحبوه ونبتعد عن الذين عصوا الله وأغضبوه .
وأخيراً اسمعي هذا النص الرائع الذي قرأته في كتاب ( بحار الأنوار ) الجزء السبعون وحفظته على ظهر قلب لما فيه من تعبير جميل ووصف لصورة العلاقة المتبادلة بين الله تعالى وعبده المخلص وإليك هذا النص : (( كان فيما أوحى الله تعالى إلى داوود ( عليه السلام ) : يا داوود أبلغ أهل الأرض إني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ، ومؤنس لمن آنس بذكري ، وصاحب
لمن صاحبني ... من طلبني بالحق وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني !فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلّموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ... وآنسوني أؤنسكم وأُسارعُ إلى محبتكم )) .
أغرورقت عينا ملاذ بالدموع وهي تستمع إلى ذلك الخطاب الإلهي وتلك الكلمات الربّانية ..
وتمنّت لو إن منتظر يستمر في حديثه هذا فلقد شعرت إن هذه الكلمات الأخيرة التي رددّها منتظر هي نداء من الله لها لئن تدخل حظيرة قدسه وجلاله وتتذوق حلاوة الحب الإلهي بعد سنوات من الغفلة والضلال !
لقد شعرت ولأول مرة بأن قلبها تعلّق بالخالق بعد أن ابتعد عنهُ كل هذه السنين .
قام منتظر من مكانه يبحث عن الرجلين .. أما ملاذ فلقد استغلت ذهاب منتظر وبقائها لوحدها فصارت تردد من أعماق قلبها إسم الحبيب الجديد .. الله ...الله ... الله
.
#يتبع
لذلك حتى حبّنا لمن حولنا من الآباء والأمهات والأخوة والأقارب يجب أن يكون مصدره هو (( حب الله )) أي أن نحبهم في الله أما إن كانوا يسيرون في الاتجاه المعاكس أي في طريق الشيطان ـ والعياذ بالله ـ فعلينا أن نكون حذرين في حبّنا وودّنا لهم ماداموا من المبغضين عند الله تعالى فيجب حينها أن نقلّص من حجم الحب والود لهم إلى أن يعودوا إلى درب الله ..
فليس للمؤمن أن يرسل عواطفه كما يشاء ، وأينما يشاء ، ولا أن يمدّ علاقاته وميوله كما يريد ، وإنما يجب عليه أن يجعل حبهُ لله هو الحاكم في هذه العلاقات والميول بشكل دقيق إن كان صادقاً في حبه لله ..
ـ لكن ألا ترى يا منتظر إن اخلاص الحب لله شيء صعب ! خاصةً إذا نظرنا إلى
فطرة الإنسان وطبيعته فإنهُ وكما قلت أنت في بداية الحديث بأنه مجبول على حب الجمال والكمال ، كما إن الله فطر الإنسان على حب أشياء كثيرة ، فكيف يجمع الإنسان بين هذه الفطرة وبين لزوم إخلاص حبّه لله ؟!
ابتسم منتظر ثم أجاب :
ـ إن إخلاص الحب لله يا ملاذ ليس بمعنى التنكّر للفطرة ، لا .. أبداً !وإنما هو بمعنى توجيه الحب والكره من خلال ما يحب الله تعالى وما يكرهه .. فنحب الذين أحبهم الله وأحبوه ونبتعد عن الذين عصوا الله وأغضبوه .
وأخيراً اسمعي هذا النص الرائع الذي قرأته في كتاب ( بحار الأنوار ) الجزء السبعون وحفظته على ظهر قلب لما فيه من تعبير جميل ووصف لصورة العلاقة المتبادلة بين الله تعالى وعبده المخلص وإليك هذا النص : (( كان فيما أوحى الله تعالى إلى داوود ( عليه السلام ) : يا داوود أبلغ أهل الأرض إني حبيب من أحبني وجليس من جالسني ، ومؤنس لمن آنس بذكري ، وصاحب
لمن صاحبني ... من طلبني بالحق وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني !فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلّموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي ... وآنسوني أؤنسكم وأُسارعُ إلى محبتكم )) .
أغرورقت عينا ملاذ بالدموع وهي تستمع إلى ذلك الخطاب الإلهي وتلك الكلمات الربّانية ..
وتمنّت لو إن منتظر يستمر في حديثه هذا فلقد شعرت إن هذه الكلمات الأخيرة التي رددّها منتظر هي نداء من الله لها لئن تدخل حظيرة قدسه وجلاله وتتذوق حلاوة الحب الإلهي بعد سنوات من الغفلة والضلال !
لقد شعرت ولأول مرة بأن قلبها تعلّق بالخالق بعد أن ابتعد عنهُ كل هذه السنين .
قام منتظر من مكانه يبحث عن الرجلين .. أما ملاذ فلقد استغلت ذهاب منتظر وبقائها لوحدها فصارت تردد من أعماق قلبها إسم الحبيب الجديد .. الله ...الله ... الله
.
#يتبع