الطريق إلى التوبة
Photo
#الإيمان_والحب
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل السادس عشر
.
قضى فارس أسبوعه الأول في بيت خالته كما أخبر صاحبيه وبعدها اتجه نحو منزل صاحبه حامد ليقضي الأسبوع الثاني هناك كما وعده.
عندما وصل فارس إلى المنزل كان حامد وابنته في كامل الاستعداد لاستقبال ضيفهم العزيز ، بعد وصول الضيف بدقائق كانت ملاذ قد أعدّت العصير والكعك ودخلت تحملهما وهي بكامل حجابها وقد أخذتها اللهفة لرؤية عمها الغالي فارس..
قام فارس واقفاً وقد بهرهُ منظر تلك الفتاة..
كانت علامات التعجب بادية عليه وهو ينظر إليها وقد كبرت وأصبحت فتاة ناضجة وكما هو الظاهر إنها فتاة مثقفة وملتزمة في نفس الوقت.
قالت وهي تقدّم له العصير:
-الحمدُ لله على سلامتك يا عم..
ـ أهلاً بكِ يا ملاذ .. ما شاء الله !! لقد تغيرتِ كثيراً أيتها الغالية !
بدا الحياء واضحاً على محيّاها وهي تهمُّ بالخروج من الغرفة .
قال أبو ملاذ :
ـ لقد مرّت سنين طوال على سفرك يا رجل .. فلماذا تريد أن
يكون كل شيء باقياً على الحال الذي تركتهُ عليه !
ضحك الرجلان وقضيا تلك الليلة بالأحاديث الدافئة والجميلة وبإعادة صور الماضي وذكريات الشباب والعزوبية .
مرّت ثلاثة أيام على تواجد فارس في منزل صاحبه وفي إحدى الصباحات وبينما كانت ملاذ تحضرّ طعام الأفطار دخل فارس المطبخ واستغل الفرصة ليسألها عن أمور كثيرة تدور في باله ويبحث لها عن إجابة ... بادرها قائلاً :
ـ هل لي أن أسأل عن أشياء مازالت غامضة بالنسبة لي يا ملاذ ؟
ـ تفضّل يا عم .. أنا بالخدمة .
ـ إنني أراك اليوم وقد التزمت بتعاليم الدين الحنيف بالرغم من إنني
تركتكِ وكنتِ مازلتِ في سن الثانية عشر أو الثالثة عشر أي كنتِ حينها ( مُكلفة ) شرعاً ورغم هذا لم تكوني قد جربتِ لبس الحجاب أو الصلاة والصيام .. صح ؟!
ـ نعم بالضبط .
ـ وأعرف إن السبب في ذلك هو والدكِ ، حتى إنني كنتُ دائماً أنصحهُ بأن يعلمك تعاليم الإسلام .. إلاّ إنهُ كان يرفض ويتعذر بأنكِ مازلتِ صغيرة !
والحقيقة إنني قبل أن أعود إلى أرض الوطن كنتُ أتخيّل بأنني سأجد عند عودتي تلك الفتاة نفسها دون أن يحاول والدها توعيتها أو إرشادها ولكني وجدتك على غير ذلك ! والأعجب من هذا إنهُ مايزال على حاله ! فمن هو الذي إلتزم بهدايتك وإرشادكِ وأنتِ لا تملكين غيره ؟!
ابتسمت ملاذ وقالت :
ـ هل أقول لك الحقيقة وتعدني أن تبقى سراً بيننا ؟
ـ وماذا تعرفين عن عمكِ فارس !
ـ كل خير ...
ـ إذاً وضّحي لي الأمر ..
بدأت ملاذ تسرد قصتها لفارس منذ تركها صبية صغيرة إلى المرحلة التي وصلت إليها وما يراهُ عليها من تغيرات كثيرة ..
بدت على فارس علامات الرضا والارتياح بعد أن عرف ما كان يصبو إلى معرفته !
قال لها مبتسماً :
ـ فإذاً منتظر كان السبب في هدايتك ..
قالت وقد بدت مرتبكة بعض الشيء :
ـ أرجوك يا عم ، إحذر أن يسمع أبي هذه الجملة منك فتثور ثائرته !
ـ لماذا ؟
ـ لا أعرف .. فعلاً لا أعرف !
قال فارس مندهشاً :
ـ عجيب ! ما بهِ هذا الرجل ؟ ألا يفرح أن تتجه ابنته نحو الطريق الصحيح وتسير في طريق الحق والهداية ؟! ثم إنني يا ملاذ أريد أن أحدثك بموضوع آخر وهذه فرصتي مادام أبوكِ ما يزال نائماً !
ـ تفضل يا عم ..
ـ ألم تحاولي أن تتكلمي مع أبيك حول موضوع الصلاة ؟
ـ لم أفهم قصدك !
-إنّ أباك ـ كما هو واضح ـ إلى الآن لم يُجرِّب أن يقف أمام الخالق عز وجل ليؤدي فريضة الصلاة ولو لمرة واحدة في حياته !
لقد تركته على هذا الحال من اللامبالاة ، والآن وبعد كل هذه السنين أعود لأجدهُ مازال مُصراً على معصية الخالق عز وجل .. فاليوم هو الرابع من وجودي معكم ولم أره يصلي أبداً !! لماذا لا تكلميه يا ابنتي وأنت فتاة واعية ومدركة جيداً لما ينتج من ترك الإنسان لصلاته ؟
ـ آه يا عم .. لقد حاولت مرة واحدة أن أُحدثهُ بخصوص حُرمة الغناء ، فلا تتصور عندها ماذا فعل بي ! لقد ضربني وشجَّ رأسي وتركني أنزف ثم خرج !
ـ هل وصل حامد إلى هذه الدرجة من الظلم ؟ يظلم نفسه ويظلم من معه !
ـ صدّقني يا عم .. لقد أردتُ أن أُحدثك بنفس الموضوع فأنت صاحبه وقد يستقبل منك أكثر من أي شخص آخر ، انصحهُ وأرشدهُ إلى طريق الحق فما عاد لي قدرة على تحمّل وضعه مع الذنوب والعصيان .
ـ أنت تعرفين يا ملاذ إن أباك يكبرني بكثير وأنا لهذا السبب أحترمه اشد الاحترام فهو بمثابة أخي الأكبر وهذا ما جعلني لا أتجرأ في الماضي على مفاتحته بهذا الأمر ، لكن اليوم يُحتّم عليَّ الواجب الشرعي أن أنقذه من مخالب الشيطان وأقدم له ما أملك من أدلة وبراهين تُثبت فضاعة ما هو عليه من الابتعاد عن الله جلّ وعلا .
ـ سأدعو لك يا عم أن توّفق في إقناعه وجعله في ركب التوابين والمُتطهرين .
وفي نفس تلك الليلة قرر فارس مفاتحة صاحبه بالموضوع لكن قبل ذلك ذهب إلى السوق واشترى قلم حبر زاهي اللون وغالي الثمن موضوع في علبة ذهبية ثم قام بتغليفها بشكل جميل وجذّاب ورجع إلى المنزل ليرى صاحبه بانتظاره ، وبعد إلقاء التحية سأله أبو ملاذ :
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل السادس عشر
.
قضى فارس أسبوعه الأول في بيت خالته كما أخبر صاحبيه وبعدها اتجه نحو منزل صاحبه حامد ليقضي الأسبوع الثاني هناك كما وعده.
عندما وصل فارس إلى المنزل كان حامد وابنته في كامل الاستعداد لاستقبال ضيفهم العزيز ، بعد وصول الضيف بدقائق كانت ملاذ قد أعدّت العصير والكعك ودخلت تحملهما وهي بكامل حجابها وقد أخذتها اللهفة لرؤية عمها الغالي فارس..
قام فارس واقفاً وقد بهرهُ منظر تلك الفتاة..
كانت علامات التعجب بادية عليه وهو ينظر إليها وقد كبرت وأصبحت فتاة ناضجة وكما هو الظاهر إنها فتاة مثقفة وملتزمة في نفس الوقت.
قالت وهي تقدّم له العصير:
-الحمدُ لله على سلامتك يا عم..
ـ أهلاً بكِ يا ملاذ .. ما شاء الله !! لقد تغيرتِ كثيراً أيتها الغالية !
بدا الحياء واضحاً على محيّاها وهي تهمُّ بالخروج من الغرفة .
قال أبو ملاذ :
ـ لقد مرّت سنين طوال على سفرك يا رجل .. فلماذا تريد أن
يكون كل شيء باقياً على الحال الذي تركتهُ عليه !
ضحك الرجلان وقضيا تلك الليلة بالأحاديث الدافئة والجميلة وبإعادة صور الماضي وذكريات الشباب والعزوبية .
مرّت ثلاثة أيام على تواجد فارس في منزل صاحبه وفي إحدى الصباحات وبينما كانت ملاذ تحضرّ طعام الأفطار دخل فارس المطبخ واستغل الفرصة ليسألها عن أمور كثيرة تدور في باله ويبحث لها عن إجابة ... بادرها قائلاً :
ـ هل لي أن أسأل عن أشياء مازالت غامضة بالنسبة لي يا ملاذ ؟
ـ تفضّل يا عم .. أنا بالخدمة .
ـ إنني أراك اليوم وقد التزمت بتعاليم الدين الحنيف بالرغم من إنني
تركتكِ وكنتِ مازلتِ في سن الثانية عشر أو الثالثة عشر أي كنتِ حينها ( مُكلفة ) شرعاً ورغم هذا لم تكوني قد جربتِ لبس الحجاب أو الصلاة والصيام .. صح ؟!
ـ نعم بالضبط .
ـ وأعرف إن السبب في ذلك هو والدكِ ، حتى إنني كنتُ دائماً أنصحهُ بأن يعلمك تعاليم الإسلام .. إلاّ إنهُ كان يرفض ويتعذر بأنكِ مازلتِ صغيرة !
والحقيقة إنني قبل أن أعود إلى أرض الوطن كنتُ أتخيّل بأنني سأجد عند عودتي تلك الفتاة نفسها دون أن يحاول والدها توعيتها أو إرشادها ولكني وجدتك على غير ذلك ! والأعجب من هذا إنهُ مايزال على حاله ! فمن هو الذي إلتزم بهدايتك وإرشادكِ وأنتِ لا تملكين غيره ؟!
ابتسمت ملاذ وقالت :
ـ هل أقول لك الحقيقة وتعدني أن تبقى سراً بيننا ؟
ـ وماذا تعرفين عن عمكِ فارس !
ـ كل خير ...
ـ إذاً وضّحي لي الأمر ..
بدأت ملاذ تسرد قصتها لفارس منذ تركها صبية صغيرة إلى المرحلة التي وصلت إليها وما يراهُ عليها من تغيرات كثيرة ..
بدت على فارس علامات الرضا والارتياح بعد أن عرف ما كان يصبو إلى معرفته !
قال لها مبتسماً :
ـ فإذاً منتظر كان السبب في هدايتك ..
قالت وقد بدت مرتبكة بعض الشيء :
ـ أرجوك يا عم ، إحذر أن يسمع أبي هذه الجملة منك فتثور ثائرته !
ـ لماذا ؟
ـ لا أعرف .. فعلاً لا أعرف !
قال فارس مندهشاً :
ـ عجيب ! ما بهِ هذا الرجل ؟ ألا يفرح أن تتجه ابنته نحو الطريق الصحيح وتسير في طريق الحق والهداية ؟! ثم إنني يا ملاذ أريد أن أحدثك بموضوع آخر وهذه فرصتي مادام أبوكِ ما يزال نائماً !
ـ تفضل يا عم ..
ـ ألم تحاولي أن تتكلمي مع أبيك حول موضوع الصلاة ؟
ـ لم أفهم قصدك !
-إنّ أباك ـ كما هو واضح ـ إلى الآن لم يُجرِّب أن يقف أمام الخالق عز وجل ليؤدي فريضة الصلاة ولو لمرة واحدة في حياته !
لقد تركته على هذا الحال من اللامبالاة ، والآن وبعد كل هذه السنين أعود لأجدهُ مازال مُصراً على معصية الخالق عز وجل .. فاليوم هو الرابع من وجودي معكم ولم أره يصلي أبداً !! لماذا لا تكلميه يا ابنتي وأنت فتاة واعية ومدركة جيداً لما ينتج من ترك الإنسان لصلاته ؟
ـ آه يا عم .. لقد حاولت مرة واحدة أن أُحدثهُ بخصوص حُرمة الغناء ، فلا تتصور عندها ماذا فعل بي ! لقد ضربني وشجَّ رأسي وتركني أنزف ثم خرج !
ـ هل وصل حامد إلى هذه الدرجة من الظلم ؟ يظلم نفسه ويظلم من معه !
ـ صدّقني يا عم .. لقد أردتُ أن أُحدثك بنفس الموضوع فأنت صاحبه وقد يستقبل منك أكثر من أي شخص آخر ، انصحهُ وأرشدهُ إلى طريق الحق فما عاد لي قدرة على تحمّل وضعه مع الذنوب والعصيان .
ـ أنت تعرفين يا ملاذ إن أباك يكبرني بكثير وأنا لهذا السبب أحترمه اشد الاحترام فهو بمثابة أخي الأكبر وهذا ما جعلني لا أتجرأ في الماضي على مفاتحته بهذا الأمر ، لكن اليوم يُحتّم عليَّ الواجب الشرعي أن أنقذه من مخالب الشيطان وأقدم له ما أملك من أدلة وبراهين تُثبت فضاعة ما هو عليه من الابتعاد عن الله جلّ وعلا .
ـ سأدعو لك يا عم أن توّفق في إقناعه وجعله في ركب التوابين والمُتطهرين .
وفي نفس تلك الليلة قرر فارس مفاتحة صاحبه بالموضوع لكن قبل ذلك ذهب إلى السوق واشترى قلم حبر زاهي اللون وغالي الثمن موضوع في علبة ذهبية ثم قام بتغليفها بشكل جميل وجذّاب ورجع إلى المنزل ليرى صاحبه بانتظاره ، وبعد إلقاء التحية سأله أبو ملاذ :
الطريق إلى التوبة
Photo
ـ أين كنت يا رجل ؟ لقد قلقتُ عليك جداً ..!
ـ فكرت أن أشتري لك هدية تعبيراً عن حبي ..
ضحك أبو ملاذ وقال له :
ـ ألا تكفي الهدايا التي حملتها لي عند عودتك إلى الوطن بأن تشعرني بقدري عندك وبحبك لي .. !؟
ـ لا .. لا تكفي !
ثم قام فارس بتقديم الهدية لصاحبه الذي جذبهُ منظرها كثيراً وبدا عليه الشوق لمعرفة ما بداخلها ، فتحها دون أن ينتظر ودُهش عندما رأى محتواها.. وجّه كلامه لفارس :
ـ لكنهُ غالي الثمن يا فارس !
ـ لا يغلو عليك شيء يا أخي ..
ـ فعلاً إنه رائع ، أشكرك يا أغلى وأعز صديق .. أشكرك من كل قلبي .
ابتسم فارس ابتسامة حزينة ثم قال :
ـ لكني لم أهب لك سوى قلم فصرت تشكرني بهذا الشكل ! فكيف بالذي وهبك كل هذه النِعَم ؟ وأهمها نعمة الحياة ونعمة قدرة العيش ونعمة السلامة والعافية ، وفوق هذا فأنت تملك منزلاً جميلاً وابنة عفيفة ومؤدبة ووظيفة جيدة ومكانة محترمة بين الناس و ...
قاطعه أبو ملاذ قائلاً :
- ما الذي تريد قوله ؟
ـ إلى متى يا صاحبي ستبقى غير ملتفت إلى هذه النعم والهدايا ؟
تغيرت ملامح أبو ملاذ وتكلم بطريقة متمردة :
ـ ومن قال لك بأني غير ملتفت إليها ؟
ـ لو كنت ملتفتاً إليها لشكرت من وهبك إياها كما شكرتني الآن على هديتي لك مع إنها هدية تافهة بالنسبة للذي وهبك إياه رب العزة .
ـ أنا أشكره ... لكن في قلبي !
ـ بربك يا رجل ... ما هذا الكلام !! لو كان الشكر في القلب فقط لما صرتَ تُغدق عليَّ كلمات الشكر والامتنان قبل قليل لمجرد أن وهبتك القلم بينما من وهبك الحياة بأنعمها تشكرهُ بقلبك فقط !
ـ وكيف تريدني أن أشكرهُ إذاً ؟
ـ أن تظهر لهُ حبك وإمتنانك وطاعتك .. أن تقف بين يديه الكريمتين لتؤدي صلاةً لا تأخذ من وقتك إلاّ لحظات ، فالميزان الحقيقي لشكر الباري هي ( الصلاة ) لذلك كانت سورة الفاتحة هي السورة الأساسية التي يجب أن تُقرأ في كل فريضة حيث إن أول جملة من هذه السورة بعد البسملة هي ( الحمدُ لله رب العالمين ) وواضحٌ من معناها بأننا عندما نقولها فأننا بمثابة من يقول لخالقه : ( الشكر لك يا ربي على ما أنعمتهُ عليّ ) ولهذا فإن كنت تؤدي الصلاة فأنك تؤدي الشكر وإن كنت غير مؤدٍ لها فلن يقبل الله منك أي شكر سواء كان في قلبك أو في أي عمل تقوم به ..
ألم تسمع قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : (( الصلاة عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت رُدّ ما سواها )) .
بدأ أبو ملاذ وكأنه قد تفاعل مع الموضوع حيث قال لصاحبه وهو مطرق الرأس :
ـ نعم .. أنا أفهم قصدك صدّقني ، بل إنني أتساءل في بعض الأحيان لماذا أنا إلى الآن لم أجرب الصلاة ولو لمرة واحدة في حياتي ..! لكن أعود وأقول إن الله لو لم يكن راضياً عني لعاقبني بالمرض أو الإفلاس أو ...
ـ سبحان الله ... إنك تستعجل العقوبة إذن ... !! حالك كحال الكفار في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بل في زمن جميع الأنبياء ! فكيف تقول ذلك يا أبا ملاذ ... مع إنني الآن استطيع أن أؤكد بأن الذي يقنعك بهذا الكلام الفارغ هو الشيطان اللعين لا غيره .. لأنك إن صليت سوف تُركِسه على أم رأسهِ وتُرديه صريعاً ! لذلك صار يقنعك بهذا الكلام حتى تبقى في ذنوبك وعصيانك .
ـ إذن لماذا برأيك مايزال الله يُغدق عليّ رغم عصياني ، أوليس لهُ قدرة على جميع عباده ؟ لماذا لا يعاقبني إن كان غير راضٍ عني ... ها !
ـ أولاً هناك عدّة أمور قد حدثت في حياتك يمكن أن تكون تنبيهاً من قبل الله لك كوفاة زوجتك التي أحببتها أكثر من نفسك وكنت مستعد أن تُضحي بكل ما تملك من أجلها فأين هي الآن ؟
ثم مرض ابنتك ووصولها لفم الموت لولا إرادة الله .. كل هذا وأنت ما تزال في جحودك وتكبرّك !
ثم إن استمرار النِعَم والسرور والصحة يا أخي ليس معناه إن الله راضٍ عنك .. فكم من ملوك ظالمين ومتجبرين كان الله يزيدهم أموالاً وبنيناً وقوة ..!
فهل يعني هذا إنهُ راضٍ عنهم ؟ ثم هل يعني إن الفقراء والمرضى هم جميعاً من المغضوب عليهم ! وإن الله غير راضٍ عنهم ؟! طبعاً لا ...
فالصنف الأول ابتلاهم الله بالخير من أموال وبنين وقناطير مقنطرة !
والصنف الثاني ابتلاهم الله بالشر من فقر ومرض وغيره ، يقول تعالى : ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) إذاً ما أنت فيه الآن من صحة ووضع اجتماعي جيد وسمعة جيدة قد يكون هذا ابتلاء واختبار من الله ليراك هل تشكر أم تزداد جحوداً وطغياناً !! وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : (( يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمهُ وأنت تعصيه فإحذره ! )) .
وقال (عليه السلام) أيضاً وهو يحذّر من انتقام الله : (( الحذر ، الحذر ، فوالله لقد ستر حتى كأنهُ غفر ! )).
فهذا بالضبط هو الجواب على سؤالك ..
إن الله يستر على عبده حتى وكأنهُ غفر له ذنوبه والحقيقة هي ما يوضحها الإمام علي (عليه السلام) في هذين الحديثين وهو إنك يجب في هذه الحالة أن تحذر الله لا أن تأمنه ! وكم
ـ فكرت أن أشتري لك هدية تعبيراً عن حبي ..
ضحك أبو ملاذ وقال له :
ـ ألا تكفي الهدايا التي حملتها لي عند عودتك إلى الوطن بأن تشعرني بقدري عندك وبحبك لي .. !؟
ـ لا .. لا تكفي !
ثم قام فارس بتقديم الهدية لصاحبه الذي جذبهُ منظرها كثيراً وبدا عليه الشوق لمعرفة ما بداخلها ، فتحها دون أن ينتظر ودُهش عندما رأى محتواها.. وجّه كلامه لفارس :
ـ لكنهُ غالي الثمن يا فارس !
ـ لا يغلو عليك شيء يا أخي ..
ـ فعلاً إنه رائع ، أشكرك يا أغلى وأعز صديق .. أشكرك من كل قلبي .
ابتسم فارس ابتسامة حزينة ثم قال :
ـ لكني لم أهب لك سوى قلم فصرت تشكرني بهذا الشكل ! فكيف بالذي وهبك كل هذه النِعَم ؟ وأهمها نعمة الحياة ونعمة قدرة العيش ونعمة السلامة والعافية ، وفوق هذا فأنت تملك منزلاً جميلاً وابنة عفيفة ومؤدبة ووظيفة جيدة ومكانة محترمة بين الناس و ...
قاطعه أبو ملاذ قائلاً :
- ما الذي تريد قوله ؟
ـ إلى متى يا صاحبي ستبقى غير ملتفت إلى هذه النعم والهدايا ؟
تغيرت ملامح أبو ملاذ وتكلم بطريقة متمردة :
ـ ومن قال لك بأني غير ملتفت إليها ؟
ـ لو كنت ملتفتاً إليها لشكرت من وهبك إياها كما شكرتني الآن على هديتي لك مع إنها هدية تافهة بالنسبة للذي وهبك إياه رب العزة .
ـ أنا أشكره ... لكن في قلبي !
ـ بربك يا رجل ... ما هذا الكلام !! لو كان الشكر في القلب فقط لما صرتَ تُغدق عليَّ كلمات الشكر والامتنان قبل قليل لمجرد أن وهبتك القلم بينما من وهبك الحياة بأنعمها تشكرهُ بقلبك فقط !
ـ وكيف تريدني أن أشكرهُ إذاً ؟
ـ أن تظهر لهُ حبك وإمتنانك وطاعتك .. أن تقف بين يديه الكريمتين لتؤدي صلاةً لا تأخذ من وقتك إلاّ لحظات ، فالميزان الحقيقي لشكر الباري هي ( الصلاة ) لذلك كانت سورة الفاتحة هي السورة الأساسية التي يجب أن تُقرأ في كل فريضة حيث إن أول جملة من هذه السورة بعد البسملة هي ( الحمدُ لله رب العالمين ) وواضحٌ من معناها بأننا عندما نقولها فأننا بمثابة من يقول لخالقه : ( الشكر لك يا ربي على ما أنعمتهُ عليّ ) ولهذا فإن كنت تؤدي الصلاة فأنك تؤدي الشكر وإن كنت غير مؤدٍ لها فلن يقبل الله منك أي شكر سواء كان في قلبك أو في أي عمل تقوم به ..
ألم تسمع قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : (( الصلاة عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت رُدّ ما سواها )) .
بدأ أبو ملاذ وكأنه قد تفاعل مع الموضوع حيث قال لصاحبه وهو مطرق الرأس :
ـ نعم .. أنا أفهم قصدك صدّقني ، بل إنني أتساءل في بعض الأحيان لماذا أنا إلى الآن لم أجرب الصلاة ولو لمرة واحدة في حياتي ..! لكن أعود وأقول إن الله لو لم يكن راضياً عني لعاقبني بالمرض أو الإفلاس أو ...
ـ سبحان الله ... إنك تستعجل العقوبة إذن ... !! حالك كحال الكفار في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بل في زمن جميع الأنبياء ! فكيف تقول ذلك يا أبا ملاذ ... مع إنني الآن استطيع أن أؤكد بأن الذي يقنعك بهذا الكلام الفارغ هو الشيطان اللعين لا غيره .. لأنك إن صليت سوف تُركِسه على أم رأسهِ وتُرديه صريعاً ! لذلك صار يقنعك بهذا الكلام حتى تبقى في ذنوبك وعصيانك .
ـ إذن لماذا برأيك مايزال الله يُغدق عليّ رغم عصياني ، أوليس لهُ قدرة على جميع عباده ؟ لماذا لا يعاقبني إن كان غير راضٍ عني ... ها !
ـ أولاً هناك عدّة أمور قد حدثت في حياتك يمكن أن تكون تنبيهاً من قبل الله لك كوفاة زوجتك التي أحببتها أكثر من نفسك وكنت مستعد أن تُضحي بكل ما تملك من أجلها فأين هي الآن ؟
ثم مرض ابنتك ووصولها لفم الموت لولا إرادة الله .. كل هذا وأنت ما تزال في جحودك وتكبرّك !
ثم إن استمرار النِعَم والسرور والصحة يا أخي ليس معناه إن الله راضٍ عنك .. فكم من ملوك ظالمين ومتجبرين كان الله يزيدهم أموالاً وبنيناً وقوة ..!
فهل يعني هذا إنهُ راضٍ عنهم ؟ ثم هل يعني إن الفقراء والمرضى هم جميعاً من المغضوب عليهم ! وإن الله غير راضٍ عنهم ؟! طبعاً لا ...
فالصنف الأول ابتلاهم الله بالخير من أموال وبنين وقناطير مقنطرة !
والصنف الثاني ابتلاهم الله بالشر من فقر ومرض وغيره ، يقول تعالى : ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) إذاً ما أنت فيه الآن من صحة ووضع اجتماعي جيد وسمعة جيدة قد يكون هذا ابتلاء واختبار من الله ليراك هل تشكر أم تزداد جحوداً وطغياناً !! وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : (( يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمهُ وأنت تعصيه فإحذره ! )) .
وقال (عليه السلام) أيضاً وهو يحذّر من انتقام الله : (( الحذر ، الحذر ، فوالله لقد ستر حتى كأنهُ غفر ! )).
فهذا بالضبط هو الجواب على سؤالك ..
إن الله يستر على عبده حتى وكأنهُ غفر له ذنوبه والحقيقة هي ما يوضحها الإمام علي (عليه السلام) في هذين الحديثين وهو إنك يجب في هذه الحالة أن تحذر الله لا أن تأمنه ! وكم
الطريق إلى التوبة
Photo
ا قال تعالى في سورة الأنعام:
((فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذ ُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)) !
فهذه هي النتيجة التي يحذرنا منها الإمام علي (عليه السلام) وهي أن يأخذك الله فجأةً من بين أهلك ومالك فترى نفسك وحيداً أمام الله بدون محامٍ ولا كفيل !
وإليك حديث آخر لسيد البلغاء أبي الحسن (عليه السلام) حيث يقول عن تلك اللحظة العظيمة : (( يا ابن آدم احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دارٍ تتمنى فيها الموت فلا تجده )) !
ثم هذا زين العابدين السجّاد (عليه السلام) يعلمّنا درساً بليغاً في
الشكر حينما يُناجي الله بالقول : (( إلهي فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر ! فكلما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول لك الحمد! )).
وفي هذه الكلمات الرائعة يعلمّنا الإمام السجّاد (عليه السلام) إننا لو
قضينا العمر كله بشكر الله فسنبقى مقصرين إتجاهه ! فكيف تريد يا حامد أن تشكرهُ بقلبك فقط وإمامك المعصوم يستغفر الله لأنهُ يشعر بالتقصير في شكره له رغم إنهُ يوصف بالسجاد لكثرة سجوده وعبادته وشكره ! ورغم ذلك فأنهُ (عليه السلام) يشعر بأن هذا قليل في حق الله وفي مقابل الأنعام والآلاء التي وهبها لنا جلّ وعلا ..
ثم ألا تستحي يا رجل من ربك الذي يخبرك بأنك إذا شكرته فسيزيدك وذلك بقوله : ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ
وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )) ، وأنت تأتي وبكل جرأة لتقول : أنا أشكرهُ في قلبي فهذا يكفي ... !!
الرسول المعصوم الطاهر الشريف الخالي من أي زلل سيد ولد آدم يعبد الله حتى تتورم قدماه ونحن الذين سوّدت وجوهنا الذنوب وأثقلت ظهورنا الآثام والمعاصي نشكرهُ في قلوبنا فقط !!
فبالرغم من إمهالنا كل هذه الفترة وعدم مباشرتنا بالعقاب لعلّنا نرجع ونتوب تجد الواحد منا يستكثر صلاة يؤديها ليشكر الله فيها على نعمهِ التي ذكرت في القرآن بقوله : ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ
تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )).
والعلاقة بين ( الشكر ) و ( النعمة ) علاقة تبادلية فكلما أنعم الله على عبدٍ استدعتهُ النعمة إلى الشكر ، وكلما شكر العبد ربه زاده الله تعالى من نعمهِ كما جاء في الآية الكريمة وزيادة النعم تستدعي مزيد الشكر وهكذا يتم الصعود إلى الله تعالى .
أما إذا تلقى الإنسان النعمة من غير وعي ، فأنها تورثهُ البطر والرياء والغرور والطغيان (( إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى )).
ألا ترى كيف أن الإمام الحسين (عليه السلام) يعترف بنعم الله في دعائه يوم عرفة بالقول : (( اللهم إني أرغب إليك ، وأشهد بالربوبية لك ، مقراً بأنك ربي ، وأن إليك مردّي ، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً ، وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب آمناً لريب المنون واختلاف الدهور والسنين فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم في تقادم الأيام الماضية والقرون الخالية ، لم تُخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إليّ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك ، لكنك أخرجتني للذي سبق لي من الهدى الذي لهُ يسّرتني وفيه أنشأتني ، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صُنعك
وسوابغ نعمك فأبتدعت خلقي من مني يُمنى وأسكنتني في ظلماتٍ ثلاث بين لحم ودمٍ وجلد ... ثم أخرجتني إلى الدنيا تامّاً سويّاً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مريّاً ، وعطفت عليّ قلوب الحواضن وكفلتني الأمهات الرواحم ، وكلأتني من طوارق الجان وسلمّتني من الزيادة والنقصان ...
حتى إذا أتممت عليّ جميع النعم وصرفت عني كل النِقَم لم يمنَعك جهلي وجُرأتي عليك أن دللتني إلى ما يقربني إليك ووفقتني لما يُزلفني لديك ، فأن دعوتك أجبتني وإن سألتك أعطيتني ، وإن أطعتك شكرتني وإن شكرتك زدتني ، كل ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ وإحسانك إليّ ، فسبحانك من مُبديءٍ معيد حميد مجيد ، وتقدّست أسماؤك وعظمُت آلاؤك فأي نعمك يا إلهي أحصي عدداً
وذكرا ؟! أم أي عطاياك أقوم بها شكراً ؟! وهي ياربّ أكثر من أن يُحصيها العادّون أو يبلغ علماً بها الحافظون )) .
كان حامد يستمع إلى هذه الكلمات التي وردت في كتاب مفاتيح الجنان وحفظها فارس عن ظهر قلب وقد أدرك حامد لأول مرة في حياته إن هذه الأمور التي وردت في الدعاء هي نِعم وهدايا قد غفل عنها كل هذه السنين ..!!
قام من مكانه بدون أن يتكلم كلمة ، أما فارس فأتجه إلى فراشه وهو يدعو الله أن يهدي صاحبه وينقلهُ إلى ساحل الهداية والإيمان .
.
#يتبع
((فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذ ُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)) !
فهذه هي النتيجة التي يحذرنا منها الإمام علي (عليه السلام) وهي أن يأخذك الله فجأةً من بين أهلك ومالك فترى نفسك وحيداً أمام الله بدون محامٍ ولا كفيل !
وإليك حديث آخر لسيد البلغاء أبي الحسن (عليه السلام) حيث يقول عن تلك اللحظة العظيمة : (( يا ابن آدم احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دارٍ تتمنى فيها الموت فلا تجده )) !
ثم هذا زين العابدين السجّاد (عليه السلام) يعلمّنا درساً بليغاً في
الشكر حينما يُناجي الله بالقول : (( إلهي فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إياك يفتقر إلى شكر ! فكلما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول لك الحمد! )).
وفي هذه الكلمات الرائعة يعلمّنا الإمام السجّاد (عليه السلام) إننا لو
قضينا العمر كله بشكر الله فسنبقى مقصرين إتجاهه ! فكيف تريد يا حامد أن تشكرهُ بقلبك فقط وإمامك المعصوم يستغفر الله لأنهُ يشعر بالتقصير في شكره له رغم إنهُ يوصف بالسجاد لكثرة سجوده وعبادته وشكره ! ورغم ذلك فأنهُ (عليه السلام) يشعر بأن هذا قليل في حق الله وفي مقابل الأنعام والآلاء التي وهبها لنا جلّ وعلا ..
ثم ألا تستحي يا رجل من ربك الذي يخبرك بأنك إذا شكرته فسيزيدك وذلك بقوله : ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ
وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )) ، وأنت تأتي وبكل جرأة لتقول : أنا أشكرهُ في قلبي فهذا يكفي ... !!
الرسول المعصوم الطاهر الشريف الخالي من أي زلل سيد ولد آدم يعبد الله حتى تتورم قدماه ونحن الذين سوّدت وجوهنا الذنوب وأثقلت ظهورنا الآثام والمعاصي نشكرهُ في قلوبنا فقط !!
فبالرغم من إمهالنا كل هذه الفترة وعدم مباشرتنا بالعقاب لعلّنا نرجع ونتوب تجد الواحد منا يستكثر صلاة يؤديها ليشكر الله فيها على نعمهِ التي ذكرت في القرآن بقوله : ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ
تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )).
والعلاقة بين ( الشكر ) و ( النعمة ) علاقة تبادلية فكلما أنعم الله على عبدٍ استدعتهُ النعمة إلى الشكر ، وكلما شكر العبد ربه زاده الله تعالى من نعمهِ كما جاء في الآية الكريمة وزيادة النعم تستدعي مزيد الشكر وهكذا يتم الصعود إلى الله تعالى .
أما إذا تلقى الإنسان النعمة من غير وعي ، فأنها تورثهُ البطر والرياء والغرور والطغيان (( إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى )).
ألا ترى كيف أن الإمام الحسين (عليه السلام) يعترف بنعم الله في دعائه يوم عرفة بالقول : (( اللهم إني أرغب إليك ، وأشهد بالربوبية لك ، مقراً بأنك ربي ، وأن إليك مردّي ، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً ، وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب آمناً لريب المنون واختلاف الدهور والسنين فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم في تقادم الأيام الماضية والقرون الخالية ، لم تُخرجني لرأفتك بي ولطفك لي وإحسانك إليّ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك ، لكنك أخرجتني للذي سبق لي من الهدى الذي لهُ يسّرتني وفيه أنشأتني ، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صُنعك
وسوابغ نعمك فأبتدعت خلقي من مني يُمنى وأسكنتني في ظلماتٍ ثلاث بين لحم ودمٍ وجلد ... ثم أخرجتني إلى الدنيا تامّاً سويّاً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مريّاً ، وعطفت عليّ قلوب الحواضن وكفلتني الأمهات الرواحم ، وكلأتني من طوارق الجان وسلمّتني من الزيادة والنقصان ...
حتى إذا أتممت عليّ جميع النعم وصرفت عني كل النِقَم لم يمنَعك جهلي وجُرأتي عليك أن دللتني إلى ما يقربني إليك ووفقتني لما يُزلفني لديك ، فأن دعوتك أجبتني وإن سألتك أعطيتني ، وإن أطعتك شكرتني وإن شكرتك زدتني ، كل ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ وإحسانك إليّ ، فسبحانك من مُبديءٍ معيد حميد مجيد ، وتقدّست أسماؤك وعظمُت آلاؤك فأي نعمك يا إلهي أحصي عدداً
وذكرا ؟! أم أي عطاياك أقوم بها شكراً ؟! وهي ياربّ أكثر من أن يُحصيها العادّون أو يبلغ علماً بها الحافظون )) .
كان حامد يستمع إلى هذه الكلمات التي وردت في كتاب مفاتيح الجنان وحفظها فارس عن ظهر قلب وقد أدرك حامد لأول مرة في حياته إن هذه الأمور التي وردت في الدعاء هي نِعم وهدايا قد غفل عنها كل هذه السنين ..!!
قام من مكانه بدون أن يتكلم كلمة ، أما فارس فأتجه إلى فراشه وهو يدعو الله أن يهدي صاحبه وينقلهُ إلى ساحل الهداية والإيمان .
.
#يتبع
#الإيمان_والحب
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل السابع عشر
.
قضى فارس ذلك الأسبوع في منزل صاحبه أبي ملاذ ثم أتجه بعد ذلك ليقضي الأسبوع القادم في منزل أبي منتظر ...
كان متلهفاً لهذهِ الزيارة حيث إنهُ يشعر بأن كريم أقرب إلى نفسه من حامد ! لما يملكه الأخير من أفكار تختلف تماماً عن أفكاره وميوله ، أما فارس وكريم فلقد كانا يتشابهان في أمورٍ كثيرة .
استقبلت العائلة ضيفها بترحاب كبير ، كان يشعر وهو معهم كأنهُ مع عائلته الحقيقية .. فكم من مرة شعر بالحنين إلى عائلةٍ كبيرة تضمه وتُشعره بالحب والحنان.. هو الوحيد لأبويه الذين فارقا الحياة وهو في بداية شبابه مما حدا به للسفر وإكمال الدراسة خارج البلاد بعد الوحدة التي كان يشعر بها في داخل بلده ، وهناك في بلاد الغربة تزوج لكن شاءت إرادة الله أن تكون زوجته عاقراً لا يمكنها الإنجاب !
ولأنه كان مؤمناً بإرادة الخالق ومخلصاً ومعتزّاً بزوجته جداً فأنهُ لم
يشأ استبدالها أو الزواج بغيرها رغم شعورهِ الدائم بالحنين إلى الأطفال..
كان أولاد كريم سعداء جداً بوجود فارس معهم وخاصةً منتظر حيث إنه قد تعلق بهِ منذ صغره .
وفي إحدى الأمسيات وبينما كان الأثنان يجلسان لوحدهما في غرفة الجلوس تحدث فارس مع منتظر قائلاً :
ـ هل لي أن اسألك .. مع أنهُ قد يكون سؤالاً محرجاً ؟!
ـ تفضل يا عم !
ـ لماذا لم تتزوج بعد ؟!
ارتبك منتظر بعض الشيء ثم تساءل مع نفسه : هل يمكن أن يكون قد أخبرهُ أحدهم عن أمر خطبتي لملاذ ؟ لا أظن ذلك !
حاول أن يجعل الأمر طبيعاً جداً فأجاب :
ـ مازال الوقت مبكراً على التفكير بهذا الأمر يا عمي ...
ـ أنت تعرف يا منتظر بأنني متخصص في أمور الشباب ومشاكلهم وإيجاد الحلول لهم من المنظار الإسلامي ولقد رأيت من خلال دراساتي بأن تأخر الزواج إلى هذا العمر أمر سيء للغاية !
تذكر منتظر في هذه الأثناء ذلك الكتاب الذي أهدته لهُ والدته والذي علمّه الكثير .. فهو الآن يدرك جيداً ما معنى كلام فارس بل ويعرف بأنه صحيح مئة بالمئة لكنه كان يحاول التهرب من تذكر الماضي بأي طريقة ، فقال لفارس بعد صمت قصير :
ـ لكني لستُ كبير إلى هذه الدرجة يا عم !
ـ ماذا ؟ أولست في الخامسة والعشرين الآن ... ها ؟ العتب على أبويك ..كان يجب أن يبحثا لك عن بنت الحلال قبل هذا العمر ..
ـ لكن يا عمي .. من يسمعك لا يصدّق إنك قد أكملت دراستك في دول الغرب !
ـ لكني درست هناك العلوم الإسلامية يا منتظر ولم أدرس العلوم الغربية !
صمت منتظر ولم يرد فلقد كان يتمنى ان يسرد لفارس ما حدث لهُ عندما قرر الزواج من ملاذ .. لكنه قرر عدم الخوض في ذلك الحديث أبداً لأنه يسبب له الألم الشديد .. وأخيراً قال :
ـ تريد الصراحة يا عم ؟! لقد ذهبت أمي لرؤية فتيات كثيرات وتقدّمت فعلياً لخطبتهن ... لكن لم يحصل النصيب آنذاك ، كان الأهل يرفضون أحياناً وأحياناً أخرى هُنّ يرفضن لأسباب شخصية ، المهم إنني شعرت حينها إن الله لم يأذن بزواجي بعد !
ـ وأنت .. لم تعجبك أي فتاة طوال هذه السنين !
ـ في الجامعة لم تكن هناك أي فتاة تعجبني ، بل أنني لم أكن أفكر بالزواج أصلاً .. كان لا يهمني إلاّ دراستي وحصولي على الشهادة ثم العمل ، وبعد حصولي على هذه الفرص صارت أمي تصرّ عليّ كثيراً في موضوع الزواج وذهبت بنفسها للخطبة كما أخبرتك لكن بدون جدوى !
كان منتظر صادقاً في كلامه فلقد ذهبت والدته إلى خطبة أكثر من فتاة لكن هذا كلّه حصل بعد خطبته لملاذ التي لم يأتِ على ذكر اسمها مطلقاً طوال حديثه مع فارس !
كان الأخير يتمنى أن يعرف مشاعر منتظر تجاه ملاذ بعد ما عرفهُ منها عن الجهد الذي بذلهُ منتظر لأجل هدايتها إلى طريق الله ..لكنها لم تخبره حينها عن محاولات الحاج كريم المتكررة في خطبتها لإبنه منتظر.. قال فارس لمنتظر في محاولة لمعرفة ما يريد الوصول إليه :
ـ هل تدري يا منتظر ، لقد دُهشت عندما رأيت ملاذ أول مرة بعد رجوعي من سفري !
ارتبك منتظر أشدّ الارتباك عندما سمع هذا الاسم لكنهُ حاول جاهداً أن لا يُبدي حقيقة مشاعره فقال :
ـ ولماذا دُهشت يا عم ؟
ـ لقد كبرت هذه الفتاة وصارت جميلة جداً .. لكن ليس هذا ما أدهشني بل هو شيء آخر ، فلم أكن أتصور بأنني سأرجع لأجد ( ابنة حامد ) صاحبي الذي لا يعرف من الدين شيئاً قد التزمت بتعاليم الدين بهذا الشكل ! إن حجابها رائع فهو يضيف لجمالها جمالاً آخر ..
لم يتحمل منتظر أن يسمع هذا الوصف من فارس تجاه ملاذ ، فقال وقد استشاط غضباً :
ـ كفاك وصفاً للفتاة يا عم .. ولا تقل بأنك معجب بها !
ابتسم فارس ثم قال :
ـ أولاً إنها المولودة التي اخترتُ أنا اسمها حين ولادتها كما اخترتُ لك اسمك .. فهي ليست إلاّ الطفلة التي أحببتها وهي صغيرة واحترمتها أشد الإحترام وهي كبيرة ، ثم مالك غضبت هكذا عند تحدّثي عنها ؟ ها !!
شعر فارس بأنهُ سيصل إلى الحقيقة التي يسعى إليها لولا إن منتظر صار أذكى منه هذه المرة فقام وقد أغلق الموضوع بالقول :
ـ لقد تأخر الوقت كثيراً وصرتُ أشعر بالنعاس !
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل السابع عشر
.
قضى فارس ذلك الأسبوع في منزل صاحبه أبي ملاذ ثم أتجه بعد ذلك ليقضي الأسبوع القادم في منزل أبي منتظر ...
كان متلهفاً لهذهِ الزيارة حيث إنهُ يشعر بأن كريم أقرب إلى نفسه من حامد ! لما يملكه الأخير من أفكار تختلف تماماً عن أفكاره وميوله ، أما فارس وكريم فلقد كانا يتشابهان في أمورٍ كثيرة .
استقبلت العائلة ضيفها بترحاب كبير ، كان يشعر وهو معهم كأنهُ مع عائلته الحقيقية .. فكم من مرة شعر بالحنين إلى عائلةٍ كبيرة تضمه وتُشعره بالحب والحنان.. هو الوحيد لأبويه الذين فارقا الحياة وهو في بداية شبابه مما حدا به للسفر وإكمال الدراسة خارج البلاد بعد الوحدة التي كان يشعر بها في داخل بلده ، وهناك في بلاد الغربة تزوج لكن شاءت إرادة الله أن تكون زوجته عاقراً لا يمكنها الإنجاب !
ولأنه كان مؤمناً بإرادة الخالق ومخلصاً ومعتزّاً بزوجته جداً فأنهُ لم
يشأ استبدالها أو الزواج بغيرها رغم شعورهِ الدائم بالحنين إلى الأطفال..
كان أولاد كريم سعداء جداً بوجود فارس معهم وخاصةً منتظر حيث إنه قد تعلق بهِ منذ صغره .
وفي إحدى الأمسيات وبينما كان الأثنان يجلسان لوحدهما في غرفة الجلوس تحدث فارس مع منتظر قائلاً :
ـ هل لي أن اسألك .. مع أنهُ قد يكون سؤالاً محرجاً ؟!
ـ تفضل يا عم !
ـ لماذا لم تتزوج بعد ؟!
ارتبك منتظر بعض الشيء ثم تساءل مع نفسه : هل يمكن أن يكون قد أخبرهُ أحدهم عن أمر خطبتي لملاذ ؟ لا أظن ذلك !
حاول أن يجعل الأمر طبيعاً جداً فأجاب :
ـ مازال الوقت مبكراً على التفكير بهذا الأمر يا عمي ...
ـ أنت تعرف يا منتظر بأنني متخصص في أمور الشباب ومشاكلهم وإيجاد الحلول لهم من المنظار الإسلامي ولقد رأيت من خلال دراساتي بأن تأخر الزواج إلى هذا العمر أمر سيء للغاية !
تذكر منتظر في هذه الأثناء ذلك الكتاب الذي أهدته لهُ والدته والذي علمّه الكثير .. فهو الآن يدرك جيداً ما معنى كلام فارس بل ويعرف بأنه صحيح مئة بالمئة لكنه كان يحاول التهرب من تذكر الماضي بأي طريقة ، فقال لفارس بعد صمت قصير :
ـ لكني لستُ كبير إلى هذه الدرجة يا عم !
ـ ماذا ؟ أولست في الخامسة والعشرين الآن ... ها ؟ العتب على أبويك ..كان يجب أن يبحثا لك عن بنت الحلال قبل هذا العمر ..
ـ لكن يا عمي .. من يسمعك لا يصدّق إنك قد أكملت دراستك في دول الغرب !
ـ لكني درست هناك العلوم الإسلامية يا منتظر ولم أدرس العلوم الغربية !
صمت منتظر ولم يرد فلقد كان يتمنى ان يسرد لفارس ما حدث لهُ عندما قرر الزواج من ملاذ .. لكنه قرر عدم الخوض في ذلك الحديث أبداً لأنه يسبب له الألم الشديد .. وأخيراً قال :
ـ تريد الصراحة يا عم ؟! لقد ذهبت أمي لرؤية فتيات كثيرات وتقدّمت فعلياً لخطبتهن ... لكن لم يحصل النصيب آنذاك ، كان الأهل يرفضون أحياناً وأحياناً أخرى هُنّ يرفضن لأسباب شخصية ، المهم إنني شعرت حينها إن الله لم يأذن بزواجي بعد !
ـ وأنت .. لم تعجبك أي فتاة طوال هذه السنين !
ـ في الجامعة لم تكن هناك أي فتاة تعجبني ، بل أنني لم أكن أفكر بالزواج أصلاً .. كان لا يهمني إلاّ دراستي وحصولي على الشهادة ثم العمل ، وبعد حصولي على هذه الفرص صارت أمي تصرّ عليّ كثيراً في موضوع الزواج وذهبت بنفسها للخطبة كما أخبرتك لكن بدون جدوى !
كان منتظر صادقاً في كلامه فلقد ذهبت والدته إلى خطبة أكثر من فتاة لكن هذا كلّه حصل بعد خطبته لملاذ التي لم يأتِ على ذكر اسمها مطلقاً طوال حديثه مع فارس !
كان الأخير يتمنى أن يعرف مشاعر منتظر تجاه ملاذ بعد ما عرفهُ منها عن الجهد الذي بذلهُ منتظر لأجل هدايتها إلى طريق الله ..لكنها لم تخبره حينها عن محاولات الحاج كريم المتكررة في خطبتها لإبنه منتظر.. قال فارس لمنتظر في محاولة لمعرفة ما يريد الوصول إليه :
ـ هل تدري يا منتظر ، لقد دُهشت عندما رأيت ملاذ أول مرة بعد رجوعي من سفري !
ارتبك منتظر أشدّ الارتباك عندما سمع هذا الاسم لكنهُ حاول جاهداً أن لا يُبدي حقيقة مشاعره فقال :
ـ ولماذا دُهشت يا عم ؟
ـ لقد كبرت هذه الفتاة وصارت جميلة جداً .. لكن ليس هذا ما أدهشني بل هو شيء آخر ، فلم أكن أتصور بأنني سأرجع لأجد ( ابنة حامد ) صاحبي الذي لا يعرف من الدين شيئاً قد التزمت بتعاليم الدين بهذا الشكل ! إن حجابها رائع فهو يضيف لجمالها جمالاً آخر ..
لم يتحمل منتظر أن يسمع هذا الوصف من فارس تجاه ملاذ ، فقال وقد استشاط غضباً :
ـ كفاك وصفاً للفتاة يا عم .. ولا تقل بأنك معجب بها !
ابتسم فارس ثم قال :
ـ أولاً إنها المولودة التي اخترتُ أنا اسمها حين ولادتها كما اخترتُ لك اسمك .. فهي ليست إلاّ الطفلة التي أحببتها وهي صغيرة واحترمتها أشد الإحترام وهي كبيرة ، ثم مالك غضبت هكذا عند تحدّثي عنها ؟ ها !!
شعر فارس بأنهُ سيصل إلى الحقيقة التي يسعى إليها لولا إن منتظر صار أذكى منه هذه المرة فقام وقد أغلق الموضوع بالقول :
ـ لقد تأخر الوقت كثيراً وصرتُ أشعر بالنعاس !
لم يدع منتظر فارساً يحصل على أي معلومة منه لكن ظنّهُ صار يزداد بخصوص مشاعر منتظر تجاه تلك الفتاة ، تمتم فارس وهو يهمُّ بالقيام هو الآخر بعد أن ترك منتظر الغرفة :
ـ لن تهرب مني يا منتظر .. سأكشف ما تكنّه لتلك الفتاة ، وإن كان ظنّي في محله فلن أترككما حتى أجمع بينكما بأذن الله تعالى ...
فعلاً هذا ما كان فارس يتمناه من كل قلبه ، أن يجمع بين منتظر وملاذ بعدما رأى منهما أثناء تعايشه مع كليهما ...
فلقد لفت انتباههُ شدّه إيمانهما ، كانا يقضيان الليل بالصلاة والتهجد
ويقضيان النهار في العمل والعبادة وكم هي رائعة تلك العائلة التي يمكن أن تتكون منهما لو تزوجا !؟ رجلٌ مؤمن وامرأة صالحة عفيفة فأكيد إن الأبناء سيكونون أبراراً صالحين .
هكذا كان فارس يفكر ويخطط وهو متيقن بأن مشيئة الله فوق كل مشيئة ، أما منتظر فلم يكن يتصور إنه يغار على ملاذ إلى هذه الدرجة ! لماذا انهار بهذه السرعة ؟
قال في نفسه :
ـ لو إنني صبرتُ قليلاً لعرفت منهُ الكثير عن أخبارها !
ثم عاد فطرد هذه الفكرة من بالهِ ، لا .. لا أريد أن أعرف عنها شيئاً ، لأبقى هكذا بعيداً عنها وعن أخبارها .. هذا أفضل !
كان منتظر يخاف أن تعود مشاعر الشوق تلك التي لا تُبقي عليه ولا تذر !
لكن ما الذي جعل فارس يتكلم عنها ؟ هل يكون قد شك في أمري وأمرها ؟! وإن عرف بالأمر فهل يمكنهُ مساعدتي ؟! هذا ما كان يفكر به صاحبنا في تلك الليلة .
.
#يتبع
ـ لن تهرب مني يا منتظر .. سأكشف ما تكنّه لتلك الفتاة ، وإن كان ظنّي في محله فلن أترككما حتى أجمع بينكما بأذن الله تعالى ...
فعلاً هذا ما كان فارس يتمناه من كل قلبه ، أن يجمع بين منتظر وملاذ بعدما رأى منهما أثناء تعايشه مع كليهما ...
فلقد لفت انتباههُ شدّه إيمانهما ، كانا يقضيان الليل بالصلاة والتهجد
ويقضيان النهار في العمل والعبادة وكم هي رائعة تلك العائلة التي يمكن أن تتكون منهما لو تزوجا !؟ رجلٌ مؤمن وامرأة صالحة عفيفة فأكيد إن الأبناء سيكونون أبراراً صالحين .
هكذا كان فارس يفكر ويخطط وهو متيقن بأن مشيئة الله فوق كل مشيئة ، أما منتظر فلم يكن يتصور إنه يغار على ملاذ إلى هذه الدرجة ! لماذا انهار بهذه السرعة ؟
قال في نفسه :
ـ لو إنني صبرتُ قليلاً لعرفت منهُ الكثير عن أخبارها !
ثم عاد فطرد هذه الفكرة من بالهِ ، لا .. لا أريد أن أعرف عنها شيئاً ، لأبقى هكذا بعيداً عنها وعن أخبارها .. هذا أفضل !
كان منتظر يخاف أن تعود مشاعر الشوق تلك التي لا تُبقي عليه ولا تذر !
لكن ما الذي جعل فارس يتكلم عنها ؟ هل يكون قد شك في أمري وأمرها ؟! وإن عرف بالأمر فهل يمكنهُ مساعدتي ؟! هذا ما كان يفكر به صاحبنا في تلك الليلة .
.
#يتبع
#هدية لأموات جميع المتابعين و خاصة الأرحام و المنسيين من المؤمنين والصالحين
صفحة: 263
القراءة الصوتية للصفحة 👇🏻
صفحة: 263
القراءة الصوتية للصفحة 👇🏻
بحمدلله تمَّت زيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام في عيد الغدير بالإنابة عن جميع المتابعين في قناة الطريق إلى التوبة 😊❤️
#متباركين_بولاية_علي_عليه_السلام💐
#متباركين_بولاية_علي_عليه_السلام💐
⏳إلى أن تقوم الساعة⏳
روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
« #الصدقة ليلة الجمعة ويومها بألف، #والصلاة على محمد وآله ليلة الجمعة بألف من الحسنات، ويحط الله فيها ألفاً من السيئات، ويرفع فيها ألفاً من الدرجات، وإن المصلي على محمّد وآله ليلة الجمعة يزهر نوره في السماوات إلى يوم تقوم الساعة، وإن ملائكة الله في السماوات ليستغفرون له ويستغفر له الملك الموكل بقبر الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى أن تقوم الساعة»
📖 المقنعة: 26.
#كلامكم_نور
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
« #الصدقة ليلة الجمعة ويومها بألف، #والصلاة على محمد وآله ليلة الجمعة بألف من الحسنات، ويحط الله فيها ألفاً من السيئات، ويرفع فيها ألفاً من الدرجات، وإن المصلي على محمّد وآله ليلة الجمعة يزهر نوره في السماوات إلى يوم تقوم الساعة، وإن ملائكة الله في السماوات ليستغفرون له ويستغفر له الملك الموكل بقبر الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى أن تقوم الساعة»
📖 المقنعة: 26.
#كلامكم_نور
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
Forwarded from مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية
🔺 #العين: قطعنا شوطاً في إزالة الصدأ الذي خلّفته الحروب والأزمات الإنسانية في العراق، وعازمون على إنهاء أزمة اليتيم بالتعاون مع المؤمنين.
#لا_يضيعوا_بحضرتكم
☎️ 6777
#لا_يضيعوا_بحضرتكم
☎️ 6777
الطريق إلى التوبة
Photo
#الإيمان_والحب
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الثامن عشر
.
في الصباح كان فارس قد قرر إخبار العائلة بأمر هام ! ففي أثناء اجتماعهم على مائدة الإفطار قال فارس موجهاً كلامه لصاحبه :
ـ ما رأيك يا أبا منتظر أن نقوم بنزهة عائلية إلى شمال البلاد ؟
قال صاحبه وقد أعجبته الفكرة :
ـ اقتراح ممتاز فنحنُ بحاجة فعلاً إلى تغيير الجو .. ما رأيك يا أم منتظر ؟
أبدت الزوجة ارتياحاً لاقتراح الضيف وكذلك الأولاد ..
أكمل فارس :
ـ سأقوم بإخبار حامد حتى يُهيئ نفسه هو وملاذ للذهاب معنا ..
تغيرت الملامح عند تكملة فارس لاقتراحهُ هذا ، قال منتظر وهو أكثر من تغيرت ملامحه !
ـ أظن بأنني لا أستطيع الذهاب .. أعذروني !
صاح فارس :
ـ ماذا ؟! .. أنت بالذات يجب أن تذهب !
قال منتظر وقد استغرب كلام فارس :
ـ ولماذا أنا بالذات ؟!
تلكّأ فارس في البداية ـ فخطتهُ على وشك الفشل ـ ثم قال :
ـ لأنك تبدو كئيباً جداً يا منتظر ، فعملك في ذلك المصنع مُتعِب للغاية وإنك بحاجة إلى إجازة لمدة أسبوع على الأقل .
كان والداه يعرفان سبب اعتذاره عن الذهاب ، فهو لا يريد رؤية ملاذ ولا والدها .
قالت والدته :
ـ دعوا أمر منتظر لي .. أنا سأقنعه !
وفعلاً فما أن دخل منتظر غرفته حتى لحقته وفتحت الموضوع معه :
ـ أنا أعرف يا منتظر لماذا لا تريد الذهاب !
ـ أمي أرجوكِ .. لنغلق الموضوع .
ـ لماذا ؟ لماذا لا تكون هذه فرصة أرسلها الله لإعادة العلاقة بيننا .
ـ لكني لا أريد إعادة تلك العلاقة يا أماه .. أرجوكِ إفهميني !
ـ أنا أعرف إنك خائف من مواجهتك لملاذ بعد كل هذه الفترة .. لكن يا بُني لقد صبرتَ كثيراً وأظن أن الوقت حان لتنال ثمار صبرك .
ـ وأي ثمار هذه يا أماه..؟!
ـ قد يكون والدها أبدل رأيه خلال هذه الفترة أو قد يبدله إذا رآك فيما
أنت عليه الآن من منصب وظيفي ممتاز ومكانة اجتماعية جيدة .. أرجوك يا منتظر دَعْ الأمور تجري كما يريد الله وليس كما تريد أنت !
خرجت الأم من الغرفة وقد أقنعت ولدها بالذهاب وكان الجميع ينتظر النتيجة ، قالت وقد وجهت كلامها لفارس :
ـ سيذهب منتظر وستكون سفرة جميلة إن شاء الله .
طار فارس من الفرح واتجه نحو الهاتف وأدار رقم منزل حامد :
ـ ألو .. السلام عليكم ...
ـ وعليكم السلام ورحمة الله .. مَن فارس ؟
ـ نعم .. نعم يا صاحبي ، اسمع أنت مدعو مع ابنتك للذهاب في سفرة إلى شمال البلاد .
ـ لكن مع من ؟
ـ أنا وكريم وعائلته وأنتما طبعاً .
ـ لكن يا فارس ... قاطعهُ فارس بالقول :
ـ لا تتعذر يا رجل ، لن تستطيع رفض دعوتي ولن تجعلني أرحل من الوطن وأنا زعلان منك !
ـ حسناً .. حسناً ، متى سننطلق ؟
ـ بعد غد إن شاء الله في الساعة الثامنة صباحاً .
* * *
في تلك الساعة من ذلك اليوم كان الجميع قد تهيأ للسفر ، قاد منتظر سيارته العائلية إلى منزل أبي ملاذ بعد أن إتصل بهم الأخير وأخبرهم بأنه وأبنته جاهزين .
وفي تمام الساعة الثامنة كانت سيارة منتظر تقف أمام منزل حامد ، خرج الإثنان بعد أن نزل فارس لاستدعائهما ، صعد الأب إلى السيارة وصعدت ملاذ خلفه ، ألقيا التحية وانطلق الجميع في سفرتهم تلك .
طوال ساعات الطريق كان منتظر صامتاً ولم ينبس بكلمة والحديث كان كلّه للأصدقاء الثلاثة ...
فلقد كانوا في غاية السعادة بعد أن جمع الله شملهم من جديد .
حاول أبو ملاذ أن يتناسى ما فعلهُ بكريم وولده قال موجهاً كلامهُ لمنتظر :
ـ مالك لا تتحدث يا منتظر ، شاركنا في الحديث يا رجل !
ـ اعذرني يا عم ، لا أستطيع التكلم وأنا أسوق السيارة ! فهذا يُربكني جداً ..
ـ لماذا .. هل أنت حديث العهد بالسياقة ؟
ـ نعم بالضبط .
ـ متى اشتريت هذه السيارة ؟
ـ قبل شهرين تقريباً .
بعد ساعات طويلة وشاقة وصل الجميع إلى المدينة المقصودة ، كان الوقت قريباً من الغروب ، وسر الجميع كثيراً برؤية الجبال وشلالات المياه وفي اثناء ذلك ذهب منتظر وفارس للبحث
عن منزل كبير يضمهم جميعاً وبعد بحث ليس بالطويل وجدا ضالتهما ، وصاروا يُنزلون الأغراض إلى داخل ذلك المنزل الجميل الذي يطل على بحيرة كبيرة ..
وبعد أن أخذوا قسطاً قليلاً من الراحة توضأ الجميع ليتجهوا نحو الصلاة فوقت المغرب قد حان ، قال فارس بصوتٍ عالٍ :
ـ ما رأيكم يا شباب أن أُصلّي بكم صلاة جماعة ؟
فرحوا بهذا الاقتراح ما عدا حامد الذي احمرّت عيناه غضباً من فارس ، قال في نفسه : هل يريد إجباري على الصلاة !
وفي حقيقة الأمر لم يرد فارس أن يسبب لصاحبه هذا الإحراج بل إنهُ قد نسى تماماً أن أبا ملاذ لم يصلِّ مرةً في حياته !
بعد دقائق من هذا الاقتراح أدرك فارس ما سبّب لصاحبه من إحراج عندما رآه قد أخرج سيكارة من جيبهِ وأشعلها ثم خرج في الحديقة ليتمشى !
وقف الجميع كباراً وصغاراً خلف فارس في جو إيماني رائع أنساهم تعب السفر وبُعد الطريق .
كانت ملاذ تتمنى أن يقف أبوها معهم بين يدي الخالق ليؤدي تلك الفريضة ، أخذت حسرة طويلة ثم اتخذت
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل الثامن عشر
.
في الصباح كان فارس قد قرر إخبار العائلة بأمر هام ! ففي أثناء اجتماعهم على مائدة الإفطار قال فارس موجهاً كلامه لصاحبه :
ـ ما رأيك يا أبا منتظر أن نقوم بنزهة عائلية إلى شمال البلاد ؟
قال صاحبه وقد أعجبته الفكرة :
ـ اقتراح ممتاز فنحنُ بحاجة فعلاً إلى تغيير الجو .. ما رأيك يا أم منتظر ؟
أبدت الزوجة ارتياحاً لاقتراح الضيف وكذلك الأولاد ..
أكمل فارس :
ـ سأقوم بإخبار حامد حتى يُهيئ نفسه هو وملاذ للذهاب معنا ..
تغيرت الملامح عند تكملة فارس لاقتراحهُ هذا ، قال منتظر وهو أكثر من تغيرت ملامحه !
ـ أظن بأنني لا أستطيع الذهاب .. أعذروني !
صاح فارس :
ـ ماذا ؟! .. أنت بالذات يجب أن تذهب !
قال منتظر وقد استغرب كلام فارس :
ـ ولماذا أنا بالذات ؟!
تلكّأ فارس في البداية ـ فخطتهُ على وشك الفشل ـ ثم قال :
ـ لأنك تبدو كئيباً جداً يا منتظر ، فعملك في ذلك المصنع مُتعِب للغاية وإنك بحاجة إلى إجازة لمدة أسبوع على الأقل .
كان والداه يعرفان سبب اعتذاره عن الذهاب ، فهو لا يريد رؤية ملاذ ولا والدها .
قالت والدته :
ـ دعوا أمر منتظر لي .. أنا سأقنعه !
وفعلاً فما أن دخل منتظر غرفته حتى لحقته وفتحت الموضوع معه :
ـ أنا أعرف يا منتظر لماذا لا تريد الذهاب !
ـ أمي أرجوكِ .. لنغلق الموضوع .
ـ لماذا ؟ لماذا لا تكون هذه فرصة أرسلها الله لإعادة العلاقة بيننا .
ـ لكني لا أريد إعادة تلك العلاقة يا أماه .. أرجوكِ إفهميني !
ـ أنا أعرف إنك خائف من مواجهتك لملاذ بعد كل هذه الفترة .. لكن يا بُني لقد صبرتَ كثيراً وأظن أن الوقت حان لتنال ثمار صبرك .
ـ وأي ثمار هذه يا أماه..؟!
ـ قد يكون والدها أبدل رأيه خلال هذه الفترة أو قد يبدله إذا رآك فيما
أنت عليه الآن من منصب وظيفي ممتاز ومكانة اجتماعية جيدة .. أرجوك يا منتظر دَعْ الأمور تجري كما يريد الله وليس كما تريد أنت !
خرجت الأم من الغرفة وقد أقنعت ولدها بالذهاب وكان الجميع ينتظر النتيجة ، قالت وقد وجهت كلامها لفارس :
ـ سيذهب منتظر وستكون سفرة جميلة إن شاء الله .
طار فارس من الفرح واتجه نحو الهاتف وأدار رقم منزل حامد :
ـ ألو .. السلام عليكم ...
ـ وعليكم السلام ورحمة الله .. مَن فارس ؟
ـ نعم .. نعم يا صاحبي ، اسمع أنت مدعو مع ابنتك للذهاب في سفرة إلى شمال البلاد .
ـ لكن مع من ؟
ـ أنا وكريم وعائلته وأنتما طبعاً .
ـ لكن يا فارس ... قاطعهُ فارس بالقول :
ـ لا تتعذر يا رجل ، لن تستطيع رفض دعوتي ولن تجعلني أرحل من الوطن وأنا زعلان منك !
ـ حسناً .. حسناً ، متى سننطلق ؟
ـ بعد غد إن شاء الله في الساعة الثامنة صباحاً .
* * *
في تلك الساعة من ذلك اليوم كان الجميع قد تهيأ للسفر ، قاد منتظر سيارته العائلية إلى منزل أبي ملاذ بعد أن إتصل بهم الأخير وأخبرهم بأنه وأبنته جاهزين .
وفي تمام الساعة الثامنة كانت سيارة منتظر تقف أمام منزل حامد ، خرج الإثنان بعد أن نزل فارس لاستدعائهما ، صعد الأب إلى السيارة وصعدت ملاذ خلفه ، ألقيا التحية وانطلق الجميع في سفرتهم تلك .
طوال ساعات الطريق كان منتظر صامتاً ولم ينبس بكلمة والحديث كان كلّه للأصدقاء الثلاثة ...
فلقد كانوا في غاية السعادة بعد أن جمع الله شملهم من جديد .
حاول أبو ملاذ أن يتناسى ما فعلهُ بكريم وولده قال موجهاً كلامهُ لمنتظر :
ـ مالك لا تتحدث يا منتظر ، شاركنا في الحديث يا رجل !
ـ اعذرني يا عم ، لا أستطيع التكلم وأنا أسوق السيارة ! فهذا يُربكني جداً ..
ـ لماذا .. هل أنت حديث العهد بالسياقة ؟
ـ نعم بالضبط .
ـ متى اشتريت هذه السيارة ؟
ـ قبل شهرين تقريباً .
بعد ساعات طويلة وشاقة وصل الجميع إلى المدينة المقصودة ، كان الوقت قريباً من الغروب ، وسر الجميع كثيراً برؤية الجبال وشلالات المياه وفي اثناء ذلك ذهب منتظر وفارس للبحث
عن منزل كبير يضمهم جميعاً وبعد بحث ليس بالطويل وجدا ضالتهما ، وصاروا يُنزلون الأغراض إلى داخل ذلك المنزل الجميل الذي يطل على بحيرة كبيرة ..
وبعد أن أخذوا قسطاً قليلاً من الراحة توضأ الجميع ليتجهوا نحو الصلاة فوقت المغرب قد حان ، قال فارس بصوتٍ عالٍ :
ـ ما رأيكم يا شباب أن أُصلّي بكم صلاة جماعة ؟
فرحوا بهذا الاقتراح ما عدا حامد الذي احمرّت عيناه غضباً من فارس ، قال في نفسه : هل يريد إجباري على الصلاة !
وفي حقيقة الأمر لم يرد فارس أن يسبب لصاحبه هذا الإحراج بل إنهُ قد نسى تماماً أن أبا ملاذ لم يصلِّ مرةً في حياته !
بعد دقائق من هذا الاقتراح أدرك فارس ما سبّب لصاحبه من إحراج عندما رآه قد أخرج سيكارة من جيبهِ وأشعلها ثم خرج في الحديقة ليتمشى !
وقف الجميع كباراً وصغاراً خلف فارس في جو إيماني رائع أنساهم تعب السفر وبُعد الطريق .
كانت ملاذ تتمنى أن يقف أبوها معهم بين يدي الخالق ليؤدي تلك الفريضة ، أخذت حسرة طويلة ثم اتخذت
الطريق إلى التوبة
Photo
مكانها بين والدة منتظر وأخته الصغرى .. وما أن بدأ فارس بأداء الأذان بذلك الصوت الشجي حتى تذكرت ملاذ وقوفها لأول مرة للصلاة حيث كان منتظر يقرأ وهي تردد بعدهُ ... !
مضت خمسة أيام على وجودهم في تلك المنطقة السياحية وماتزال أمامهم خمسة أيام أخرى ...
كان الجميع يشعر بالفرح والسرور لما تتمتع بهِ تلك المدينة من طبيعة خلاّبة وساحرة ، وفي كل مكان يذهبون إليه في تلك المدينة كانت تتجسد إليهم قدرة الخالق على الإبداع والجمال .
كان فارس ومنتظر لا ينفكان عن التحدث حول القدرة الإلهية في الخلق وبين فترة وأخرى كان يُشير أحدهم إلى إحدى المناظر العجيبة لتلك الجبال الشاهقة والوديان العميقة والصخور المتراكبة بقوله :
ـ سبحان الله ..
إنظروا إلى إبداع خلق الله وعظيم قدرته !
* * *
في ظهيرة اليوم السادس كان كل من فارس وملاذ والأخ الأصغر لمنتظر قد اجتمعوا حول طاولة مستديرة وضعت في حديقة المنزل .. وفي هذه الأثناء خرج منتظر إلى الحديقة فلاحَظ الثلاثة وهم يجلسون حول تلك الطاولة ، حاول أن يتجاهلهم لكن فارس استغل هذه الفرصة فناداه :
ـ منتظر .. منتظر ! تعال واجلس معنا ..
اتجه منتظر نحوهم فهو لا يستطيع أن يتهرب هذه المرة ! صارت دقات قلبه تزداد عنفاً كلما اقترب منهم ، ألقى التحية وجلس صامتاً .
أكملت ملاذ الحديث الذي دار بينها وبين فارس :
ـ وماهي طبيعة عملك في بلاد الغرب ياعم ؟
ـ أنا مختص في حل مشاكل الشباب المسلم هناك .
قالت مبتسمة :
ـ لكن شبابنا هنا بحاجة إليك أيضاً ، فمشاكلنا هنا لم تُحل حتى تذهب لتحلّها في الغرب !
ضحك فارس ثم قال :
ـ كلامك صحيح .. لكن الشباب هنا يوجد من ينصحهم من علماء ومُصلحين ، أما هناك فقليلٌ هم الذين أخذوا على عاتقهم قضية الإصلاح والهداية ، فشبابنا المسلم هناك شُبه تائه ، وفي أحيان كثيرة تجرّهُ الأفكار الغربية إلى أمور لا يرتضيها الإسلام أبداً .
قال منتظر محاولاً الاشتراك في الحديث :
ـ إن العمل في الغرب في حدّ ذاته يُمثل رسالة عظيمة خاصة للمثقفين فالواجب عليهم أن ينقلوا رسالة الإسلام إلى هناك بصورة صحيحة من خلال تعاملاتهم مع الغربيين ومع المسلمين المغتربين بأن يحاولوا إبقاء حب الإسلام في قلوبهم وتعريفهم بواجباتهم هناك ، وكيف يمكنهم المحافظة على أطفالهم وأولادهم من خطورة غزو أفكار الغرب لهم .
قالت ملاذ :
ـ إن أفكار الغرب لا تُشكّل خطورة في الغرب فقط بل إنها صارت
تغزونا في عقر ديارنا من خلال الفضائيات وكذلك الانترنيت ...
قال فارس :
ـ فعلاً يا ملاذ ، لكن الخطورة القصوى تبقى متركزة هناك في
هوليود ومثيلاتها من المدن المتحررة !!
قالت ملاذ :
ـ أدعو الله لك يا عم من كل قلبي ، أن تنجح في إيصال رسالتك
لأبنائنا العرب والمسلمين هناك لتُنقذهم من براثن الثقافة المنحلّة ..
كان منتظر يستمع لملاذ دون النظر إليها عندما تتحدث ، هذا مما جذب انتباه فارس وجعله يكون شُبه متأكد من ظنونهُ التي تخالج أفكاره !
في هذه الأثناء جاءت أخت منتظر لتُناديهم فوقت الغداء قد حان .
* * *
لم يبقَ لوجودهم في المنطقة الشمالية سوى يومين وفارس إلى الآن لم يحصل على مراده بصورة قطعية !
فرغم الثمانية أيام التي قضوها هناك لكنهُ لم يرَ منتظر قد حاول التحدّث مع ملاذ لمفردهما أبداً !
أما ملاذ فكانت هي الأخرى تبدو طبيعية جداً .
وفي اليوم قبل الأخير من وجودهم قررت ملاذ أن تسأل منتظر عن سبب محاولة تجاهلها .. !
كان جالساً على رمال الشاطئ ينظر إلى الشمس وهي تشرف على المغيب ، انتبه إلى صوت ملاذ تناديه ، قام من مكانه رآها تقترب نحوه ، عاد قلبه معربداً وقد ملأ صدرهُ ضجيجاً ! وصلت عنده ثم نظرت إليه قائلة :
ـ السلام عليكم ...
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
ـ لقد انتهزت فرصة وجودك لوحدك هنا لأسألك عن هذا التغير العجيب تجاهي !
حاول منتظر إخفاء ارتباكه ، أمرها بالعودة قائلاً :
ـ ملاذ .. ارجعي إلى المنزل حالاً ، فقد يراكِ والدكِ ويعمل لنا مشكلة !
تألمت ملاذ لمّا رأته يتهرب منها بهذا الشكل الغريب ، قالت بصوتٍ مخنوق :
ـ لو أعرف ماذا فعلتُ لك حتى تعاملني هكذا !؟ أنت تعرف جيداً إنني لم أرفضك بل والدي الذي رفض فكرة زواجنا .. صدّقني !
قال منتظر وقد بدا هادئاً بعض الشيء :
ـ أنا أعرف ذلك .. لكنّي لستُ غاضباً منكِ أبداً يا ملاذ ..
ـ إذاً لماذا لا تريد أن تتكلم معي ؟ لماذا تُدير وجهك عني هكذا ؟ لماذا لم تسألني عن أحوالي ووضعي مع والدي رغم مرور سنتين كاملتين على لقائنا الأخير ..
لماذا لا تتحدث معي كالسابق عن الإيمان والحب الإلهي والسعادة الحقيقية و...
قاطعها منتظر قائلاً :
ـ الوضع تغيّر يا ملاذ ، أرجوك افهميني !
ـ هل يعني ذلك إنك صرت تكرهني ولا تريد رؤيتي ؟
ـ أبداً .. أبداً ! لماذا تفكرين هكذا ؟
ـ تعاملكَ معي يوحي لي بهذه الحقيقة
مضت خمسة أيام على وجودهم في تلك المنطقة السياحية وماتزال أمامهم خمسة أيام أخرى ...
كان الجميع يشعر بالفرح والسرور لما تتمتع بهِ تلك المدينة من طبيعة خلاّبة وساحرة ، وفي كل مكان يذهبون إليه في تلك المدينة كانت تتجسد إليهم قدرة الخالق على الإبداع والجمال .
كان فارس ومنتظر لا ينفكان عن التحدث حول القدرة الإلهية في الخلق وبين فترة وأخرى كان يُشير أحدهم إلى إحدى المناظر العجيبة لتلك الجبال الشاهقة والوديان العميقة والصخور المتراكبة بقوله :
ـ سبحان الله ..
إنظروا إلى إبداع خلق الله وعظيم قدرته !
* * *
في ظهيرة اليوم السادس كان كل من فارس وملاذ والأخ الأصغر لمنتظر قد اجتمعوا حول طاولة مستديرة وضعت في حديقة المنزل .. وفي هذه الأثناء خرج منتظر إلى الحديقة فلاحَظ الثلاثة وهم يجلسون حول تلك الطاولة ، حاول أن يتجاهلهم لكن فارس استغل هذه الفرصة فناداه :
ـ منتظر .. منتظر ! تعال واجلس معنا ..
اتجه منتظر نحوهم فهو لا يستطيع أن يتهرب هذه المرة ! صارت دقات قلبه تزداد عنفاً كلما اقترب منهم ، ألقى التحية وجلس صامتاً .
أكملت ملاذ الحديث الذي دار بينها وبين فارس :
ـ وماهي طبيعة عملك في بلاد الغرب ياعم ؟
ـ أنا مختص في حل مشاكل الشباب المسلم هناك .
قالت مبتسمة :
ـ لكن شبابنا هنا بحاجة إليك أيضاً ، فمشاكلنا هنا لم تُحل حتى تذهب لتحلّها في الغرب !
ضحك فارس ثم قال :
ـ كلامك صحيح .. لكن الشباب هنا يوجد من ينصحهم من علماء ومُصلحين ، أما هناك فقليلٌ هم الذين أخذوا على عاتقهم قضية الإصلاح والهداية ، فشبابنا المسلم هناك شُبه تائه ، وفي أحيان كثيرة تجرّهُ الأفكار الغربية إلى أمور لا يرتضيها الإسلام أبداً .
قال منتظر محاولاً الاشتراك في الحديث :
ـ إن العمل في الغرب في حدّ ذاته يُمثل رسالة عظيمة خاصة للمثقفين فالواجب عليهم أن ينقلوا رسالة الإسلام إلى هناك بصورة صحيحة من خلال تعاملاتهم مع الغربيين ومع المسلمين المغتربين بأن يحاولوا إبقاء حب الإسلام في قلوبهم وتعريفهم بواجباتهم هناك ، وكيف يمكنهم المحافظة على أطفالهم وأولادهم من خطورة غزو أفكار الغرب لهم .
قالت ملاذ :
ـ إن أفكار الغرب لا تُشكّل خطورة في الغرب فقط بل إنها صارت
تغزونا في عقر ديارنا من خلال الفضائيات وكذلك الانترنيت ...
قال فارس :
ـ فعلاً يا ملاذ ، لكن الخطورة القصوى تبقى متركزة هناك في
هوليود ومثيلاتها من المدن المتحررة !!
قالت ملاذ :
ـ أدعو الله لك يا عم من كل قلبي ، أن تنجح في إيصال رسالتك
لأبنائنا العرب والمسلمين هناك لتُنقذهم من براثن الثقافة المنحلّة ..
كان منتظر يستمع لملاذ دون النظر إليها عندما تتحدث ، هذا مما جذب انتباه فارس وجعله يكون شُبه متأكد من ظنونهُ التي تخالج أفكاره !
في هذه الأثناء جاءت أخت منتظر لتُناديهم فوقت الغداء قد حان .
* * *
لم يبقَ لوجودهم في المنطقة الشمالية سوى يومين وفارس إلى الآن لم يحصل على مراده بصورة قطعية !
فرغم الثمانية أيام التي قضوها هناك لكنهُ لم يرَ منتظر قد حاول التحدّث مع ملاذ لمفردهما أبداً !
أما ملاذ فكانت هي الأخرى تبدو طبيعية جداً .
وفي اليوم قبل الأخير من وجودهم قررت ملاذ أن تسأل منتظر عن سبب محاولة تجاهلها .. !
كان جالساً على رمال الشاطئ ينظر إلى الشمس وهي تشرف على المغيب ، انتبه إلى صوت ملاذ تناديه ، قام من مكانه رآها تقترب نحوه ، عاد قلبه معربداً وقد ملأ صدرهُ ضجيجاً ! وصلت عنده ثم نظرت إليه قائلة :
ـ السلام عليكم ...
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
ـ لقد انتهزت فرصة وجودك لوحدك هنا لأسألك عن هذا التغير العجيب تجاهي !
حاول منتظر إخفاء ارتباكه ، أمرها بالعودة قائلاً :
ـ ملاذ .. ارجعي إلى المنزل حالاً ، فقد يراكِ والدكِ ويعمل لنا مشكلة !
تألمت ملاذ لمّا رأته يتهرب منها بهذا الشكل الغريب ، قالت بصوتٍ مخنوق :
ـ لو أعرف ماذا فعلتُ لك حتى تعاملني هكذا !؟ أنت تعرف جيداً إنني لم أرفضك بل والدي الذي رفض فكرة زواجنا .. صدّقني !
قال منتظر وقد بدا هادئاً بعض الشيء :
ـ أنا أعرف ذلك .. لكنّي لستُ غاضباً منكِ أبداً يا ملاذ ..
ـ إذاً لماذا لا تريد أن تتكلم معي ؟ لماذا تُدير وجهك عني هكذا ؟ لماذا لم تسألني عن أحوالي ووضعي مع والدي رغم مرور سنتين كاملتين على لقائنا الأخير ..
لماذا لا تتحدث معي كالسابق عن الإيمان والحب الإلهي والسعادة الحقيقية و...
قاطعها منتظر قائلاً :
ـ الوضع تغيّر يا ملاذ ، أرجوك افهميني !
ـ هل يعني ذلك إنك صرت تكرهني ولا تريد رؤيتي ؟
ـ أبداً .. أبداً ! لماذا تفكرين هكذا ؟
ـ تعاملكَ معي يوحي لي بهذه الحقيقة
الطريق إلى التوبة
Photo
، وسأتحملها بالرغم من إنها مرّة .
صار منتظر يسمع صوت بكائها وهي تتكلم بهذه الكلمات لم يتحمل سماع ذلك الصوت المجروح ، شعر بمقدار الألم الذي يسببهُ لها ، قرر أخيراً أن يُخبرها بالحقيقة !
ـ اسمعي يا ملاذ ، إنني في تحدّي وجهاد عظيمين ... إنني أجاهد نفسي يا ملاذ وجهاد النفس أشدُّ وقعاً من جهاد الأعداء ، إنه الجهاد الأكبر كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنتِ بالنسبة لي الآن لستِ كالسابق أبداً !
فلا تظني بأنني مستاءٌ منكِ عندما لا انظر اليك ِ ولكن لي أسبابي ..
أرجوكِ ِاعذريني !
كان يتكلم ووجههُ مازال جهة البحر ، شعرت ملاذ بعد أن فهمت قصدهُ بأنهُ في صراع حقيقي مع نفسه ( فالنفس جند من جنود الشيطان ) .
قالت لهُ بثقة :
ـ إذاً يجب ان ننتظر الفرج معاً يا منتظر ، وسيكون
قريباً إن شاء الله .
كانت تحاول أن تواسيه في كلامها هذا ، وتحاول أن تخبره بأنها ستبقى في انتظاره إلى أن يأمر الله باجتماعهما .
تركتهُ وسارت مبتعدة عنه ، أما هو فلقد ردّد بعد أن سمع جملتها الأخيرة تلك :
ـ لماذا يا ملاذ ؟ لماذا تُرجعين الأمل لي .. ليتكِ تقطعينه نهائياً ..
جلس على ركبتيه ودموعه تتساقط أنهاراً ، خفض رأسه إلى الأرض وصار يردد كلمات من دعاء كان حفظهُ عن المعصوم (عليه السلام) : إلهي استعملني بما تسألني غداً عنهُ واستفرغ أيامي فيما خلقتني لهُ ، ربي .. إذا كان عمري مرتعاً للشيطان فأقبضني إليك !
كان منتظر خائفاً من أن يقضي بقية أيامه في هذه الحرب والصراعات النفسية بينه وبين الشيطان .. وقد يبقى في أمل طيلة حياته مما قد يُنسيه الآخرة .. فلقد علّمه رسول الله وأهل بيته إن (( طول الأمل يُنسي الآخرة )) .
وضع يديه على وجهه وهو يبكي وينتحب كالطفل الصغير ، أدارت ملاذ وجهها نحوه وهي تراقبه من بعيد رأت حالته تلك ، بكت هي الأخرى ثم رفعت بصرها
إلى السماء وهي تقول :
ـ إلهي .. ها نحنُ ننتظر أمرك ، فلا تُخيّب ظننا فيك يا رب .
سارت بإتجاه المنزل الذي يقطنوه .. وفي الطريق إلتقت بفارس الذي سألها :
ـ ألم تُشاهدي منتظر ؟
نظرت إليه فرأى أثر البكاء واضحاً على عينيها ! قال لها :
ـ ما بك يا
ملاذ ؟ أتبكين !
أجابت بألم :
ـ لاشيء يا عم .. وإن كنت تسأل عن منتظر فأنهُ هناك وأشارت
إليه ثم ابتعدت ...
إتجه فارس نحو منتظر وما أن رآه حتى استغرب حالتهُ وجلوسه على ركبتيه في وضع الذليل ! اقترب منه ، وضع يده على كتف منتظر ثم قال :
ـ لقد بحثت عنك طويلاً يا فتى !
قام منتظر من مكانه وهو يمسح دموعه ، صاح فارس :
ـ أتبكي أنت أيضاً ! ما بكما ؟
قال منتظر وقد استهجن حديثه :
ـ من رأيته يبكي غيري يا عم !
ـ لقد التقيتُ ملاذاً قبل قليل ...
سكت قليلاً ثم أكمل :
ـ هل إنكما تعانيان من مشكلةٍ ما ؟ تكلّم بربك يا منتظر ..
مشى منتظر وهو يمسك بيد فارس ويقول :
ـ انسَ الأمر يا عماه !
وقف فارس مكانه وقد امتنع عن المسير ..ثم قال وهو ينظر لعيني منتظر :
ـ أنت ترغب بالزواج منها .. صح !
ابتسم منتظر لأول مرة في هذه السفرة ! ثم قال :
ـ صح يا عم .. الآن أستطيع أن أؤكد إنك خبير فعلاً بأمور الشباب ! لكن استحلفك بالله أن تنسى الأمر على الأقل الآن ، وأعدك عندما نعود من هذه السفرة إلى مدينتنا سأخبرك حينها بكل شيء .
* * *
استيقظ منتظر في صباح اليوم التالي وهو يشعر بارتياح لم يعهدهُ مسبقاً !
وكأن تلك الدموع التي ذرفها أمام البحر مناجياً بها خالقهُ جلّ وعلا قد غسلت الحزن عن قلبه وأبعدت التوتر عن أعصابه ، خرج إلى الحديقة فرأى إن الجميع قد استيقظ وهاهم يتناولون إفطارهم فوق حشائش تلك الحديقة الخضراء .. قال وهو يهّم بالجلوس معهم :
-السلام عليكم جميعاً ..
ردّ الجميع السلام وهم يلحظون التغير الذي بدا واضحاً عليه هذا اليوم !
طلب من أمه أن تصب لهُ كوباً من الشاي ثم قال :
ـ عندي لكم مفاجأة !
تسائل الجميع :
-خير إنشاء الله !
ـ بما إن اليوم هو آخر أيام سفرتنا الجميلة هذه ، فلقد قررت أن أستأجر أحد القوارب الكبيرة من ميناء المدينة وأأخذكم في رحلة بحرية !
صاحوا وقد أعجبتهم الفكرة كثيراً :
ـ فكرة رائعة !
ـ وبعدها سنذهب إلى مركز المدينة فأنتم مدعوون للغداء في ذلك المطعم الكبير الذي رأيناه قبل أيام .. وبعدها سنذهب إلى قاعة الإلكترونيات إن أحببتم ذلك !
قال فارس مازحاً :
- ما هذه التغيرات يا منتظر ؟ هل أصابتك الحمّى اليوم أم ماذا ؟!
ضحك الجميع وصاروا يمازحون منتظر بفرحٍ وسرور .
.
#يتبع
صار منتظر يسمع صوت بكائها وهي تتكلم بهذه الكلمات لم يتحمل سماع ذلك الصوت المجروح ، شعر بمقدار الألم الذي يسببهُ لها ، قرر أخيراً أن يُخبرها بالحقيقة !
ـ اسمعي يا ملاذ ، إنني في تحدّي وجهاد عظيمين ... إنني أجاهد نفسي يا ملاذ وجهاد النفس أشدُّ وقعاً من جهاد الأعداء ، إنه الجهاد الأكبر كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنتِ بالنسبة لي الآن لستِ كالسابق أبداً !
فلا تظني بأنني مستاءٌ منكِ عندما لا انظر اليك ِ ولكن لي أسبابي ..
أرجوكِ ِاعذريني !
كان يتكلم ووجههُ مازال جهة البحر ، شعرت ملاذ بعد أن فهمت قصدهُ بأنهُ في صراع حقيقي مع نفسه ( فالنفس جند من جنود الشيطان ) .
قالت لهُ بثقة :
ـ إذاً يجب ان ننتظر الفرج معاً يا منتظر ، وسيكون
قريباً إن شاء الله .
كانت تحاول أن تواسيه في كلامها هذا ، وتحاول أن تخبره بأنها ستبقى في انتظاره إلى أن يأمر الله باجتماعهما .
تركتهُ وسارت مبتعدة عنه ، أما هو فلقد ردّد بعد أن سمع جملتها الأخيرة تلك :
ـ لماذا يا ملاذ ؟ لماذا تُرجعين الأمل لي .. ليتكِ تقطعينه نهائياً ..
جلس على ركبتيه ودموعه تتساقط أنهاراً ، خفض رأسه إلى الأرض وصار يردد كلمات من دعاء كان حفظهُ عن المعصوم (عليه السلام) : إلهي استعملني بما تسألني غداً عنهُ واستفرغ أيامي فيما خلقتني لهُ ، ربي .. إذا كان عمري مرتعاً للشيطان فأقبضني إليك !
كان منتظر خائفاً من أن يقضي بقية أيامه في هذه الحرب والصراعات النفسية بينه وبين الشيطان .. وقد يبقى في أمل طيلة حياته مما قد يُنسيه الآخرة .. فلقد علّمه رسول الله وأهل بيته إن (( طول الأمل يُنسي الآخرة )) .
وضع يديه على وجهه وهو يبكي وينتحب كالطفل الصغير ، أدارت ملاذ وجهها نحوه وهي تراقبه من بعيد رأت حالته تلك ، بكت هي الأخرى ثم رفعت بصرها
إلى السماء وهي تقول :
ـ إلهي .. ها نحنُ ننتظر أمرك ، فلا تُخيّب ظننا فيك يا رب .
سارت بإتجاه المنزل الذي يقطنوه .. وفي الطريق إلتقت بفارس الذي سألها :
ـ ألم تُشاهدي منتظر ؟
نظرت إليه فرأى أثر البكاء واضحاً على عينيها ! قال لها :
ـ ما بك يا
ملاذ ؟ أتبكين !
أجابت بألم :
ـ لاشيء يا عم .. وإن كنت تسأل عن منتظر فأنهُ هناك وأشارت
إليه ثم ابتعدت ...
إتجه فارس نحو منتظر وما أن رآه حتى استغرب حالتهُ وجلوسه على ركبتيه في وضع الذليل ! اقترب منه ، وضع يده على كتف منتظر ثم قال :
ـ لقد بحثت عنك طويلاً يا فتى !
قام منتظر من مكانه وهو يمسح دموعه ، صاح فارس :
ـ أتبكي أنت أيضاً ! ما بكما ؟
قال منتظر وقد استهجن حديثه :
ـ من رأيته يبكي غيري يا عم !
ـ لقد التقيتُ ملاذاً قبل قليل ...
سكت قليلاً ثم أكمل :
ـ هل إنكما تعانيان من مشكلةٍ ما ؟ تكلّم بربك يا منتظر ..
مشى منتظر وهو يمسك بيد فارس ويقول :
ـ انسَ الأمر يا عماه !
وقف فارس مكانه وقد امتنع عن المسير ..ثم قال وهو ينظر لعيني منتظر :
ـ أنت ترغب بالزواج منها .. صح !
ابتسم منتظر لأول مرة في هذه السفرة ! ثم قال :
ـ صح يا عم .. الآن أستطيع أن أؤكد إنك خبير فعلاً بأمور الشباب ! لكن استحلفك بالله أن تنسى الأمر على الأقل الآن ، وأعدك عندما نعود من هذه السفرة إلى مدينتنا سأخبرك حينها بكل شيء .
* * *
استيقظ منتظر في صباح اليوم التالي وهو يشعر بارتياح لم يعهدهُ مسبقاً !
وكأن تلك الدموع التي ذرفها أمام البحر مناجياً بها خالقهُ جلّ وعلا قد غسلت الحزن عن قلبه وأبعدت التوتر عن أعصابه ، خرج إلى الحديقة فرأى إن الجميع قد استيقظ وهاهم يتناولون إفطارهم فوق حشائش تلك الحديقة الخضراء .. قال وهو يهّم بالجلوس معهم :
-السلام عليكم جميعاً ..
ردّ الجميع السلام وهم يلحظون التغير الذي بدا واضحاً عليه هذا اليوم !
طلب من أمه أن تصب لهُ كوباً من الشاي ثم قال :
ـ عندي لكم مفاجأة !
تسائل الجميع :
-خير إنشاء الله !
ـ بما إن اليوم هو آخر أيام سفرتنا الجميلة هذه ، فلقد قررت أن أستأجر أحد القوارب الكبيرة من ميناء المدينة وأأخذكم في رحلة بحرية !
صاحوا وقد أعجبتهم الفكرة كثيراً :
ـ فكرة رائعة !
ـ وبعدها سنذهب إلى مركز المدينة فأنتم مدعوون للغداء في ذلك المطعم الكبير الذي رأيناه قبل أيام .. وبعدها سنذهب إلى قاعة الإلكترونيات إن أحببتم ذلك !
قال فارس مازحاً :
- ما هذه التغيرات يا منتظر ؟ هل أصابتك الحمّى اليوم أم ماذا ؟!
ضحك الجميع وصاروا يمازحون منتظر بفرحٍ وسرور .
.
#يتبع
#الإيمان_والحب
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل التاسع عشر
.
بعد تلك السفرة السياحية التي استمرت عشرة أيام كاملة كان أجملها وأحلاها اليوم الأخير ..
تهيّأ الجميع للعودة إلى مدينتهم ، وقد ساد طريق العودة جو من المرح والسعادة ، كان أخوة منتظر الصغار يرددون بعض الموشحات الدينية والأناشيد التي تتغنى بحب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) وكان منتظر ووالدته وكذلك ملاذ يرددون تلك الأناشيد مع الصغار واكتفى الثلاثة ( فارس وكريم وحامد ) بالتصفيق والمزاح ...
قال أبو ملاذ لمنتظر بعد انتهائهم من ترديد إحدى الموشحات :
ـ ألم تقل إنك لا تستطيع الكلام أثناء السياقة ؟
قال منتظر بصوت مازح : ..
- لقد صرتُ حائراً معك يا عم أصمت فتقول لي : لماذا
تبدو حزيناً ! فأُشارك أخوتي في الإنشاد تعترض عليّ وتستهجن فعلي .. قل لي بربك ما الذي يُرضيك حتى أفعله !
انطلقت الضحكات عالية .. وهكذا فلقد كان طريق العودة يختلف تماماً عن طريق الذهاب لما قد أصاب النفوس من ارتياح شديد بدا واضحاً على الجميع .
رجع كلٌ إلى منزله وعاد فارس إلى منزل أبي منتظر وكانت ملاذ قد اعترضت عليه بالقول :
ـ سيكون مكوثك لديهم أكثر من مكوثك لدينا .. فأين قسمتك العادلة ؟!
قال مبتسماً وهو يودعهما :
-تطلبونني يوماً يا ملاذ .. سأمكثه لديكم قبل سفري بأذن الله .
وفي اليوم التالي لم يتمكن منتظر من الذهاب إلى عمله لشدّة الإرهاق الذي أصابه من طول الطريق وتعب السياقة ، فما أن صلّى فريضة الفجر وأدّى تعقيباتها حتى عاد للنوم ثانية .
وبينما كان ما يزال مستلقياً على فراشه حتى شعر بشيء قد وقع على رأسه قام لينظر فوجد فارس واقفاً بجانب السرير وبيده وسادة ثانية يحاول ضربهُ بها ! قال رافعاً صوته :
ـ ألم يحن الوقت للاستيقاظ يا فتى ؟ ها ...!
ـ آه يا عم .. لو تشعر بالتعب الذي أشعر به !
ـ هيا استيقظ لتتناول فطورك ، فعندي كلام كثير معك .
عرف منتظر ما يريد فارس التحدث به !
وبعد تناوله للفطور ، دخل غرفته فوجد إن فارساً ما يزال فيها .. كان يُقلّب صفحات الكتب الموجودة في مكتبة منتظر فلما انتبه إلى مجيء الأخيرقال لهُ :
ـ أغلق الباب خلفك !
إنصاع منتظر لأمر فارس فأغلق باب الغرفة ثم جلس على السرير ، التفت إليه فارس قائلاً :
ـ هل لي أن أعرف ما الذي حصل لك في اليوم الأخير من السفرة ؟
ـ هل هذا كل ما تريد معرفته يا عم !
ـ تكلّم يا فتى .. هيا !
ـ الحقيقة يا عمي .. إنني تلك الليلة سهرتُ في التفكير بما سببتهُ لملاذ من ألم وحزن أثناء حديثي معها عند البحر حيث رأيتني هناك .. ثم فكرت بأنها جاءت إلى هنا لتروّح عن نفسها ولتخرج من وحدتها القاتلة في ذلك المنزل الذي يخلو إلا منها ومن أبيها .. فكرتُ كثيراً فيما كان يتصرفهُ والدها معها وكيف إنها مُحتاجة الآن ولو لشيء بسيط من السرور ، وكذلك فكرتُ في إنني طوال أيام السفرة كنتُ متوتراً وكئيباً .. حتى إن والديَّ وأخوتي لم يشعروا بلذّة السفرة بسببي .. ولذلك ولأجلكم جميعاً قررت أن أجعل اليوم الأخير هو أحلى أيام السفرة ، وأتمنى أن أكون قد نجحت في ذلك
!
ـ تريد الصراحة يا منتظر ، كان فعلاً أحلى أيام السفرة ، فلقد كان مزاجك رائقاً جداً ولقد شعرتُ بأن ملاذ لم تفرح إلاّ في ذلك اليوم !
ـ هل فعلاً هذا ما أحسستهُ يا عم ؟ أعني هل كانت تبدو سعيدة !
ـ ألم تقرأ هذا الشعور في عينيها يا فتى !
ـ ماذا ... عينيها ! وهل لي الجرأة أن أنظر إلى الجهة التي تجلس فيها هي حتى أتجرأ بعد ذلك وأنظر إلى عينيها !
ـ صحيح يا منتظر ... لماذا كل هذا التحَسس من تلك الفتاة ؟ أرى إنك في بعض الأحيان تحاول تجاهلها ولا أصدّق بأنك ترغب بالزواج منها كما قلت لي!
ـ أما بالنسبة لرغبتي في الزواج منها ... فهذه هي رغبتي منذ سنتين مضت ومازالت تلك الرغبة يا عم ولم تتغير أبداً .. أما مسألة التحسس منها أو من الحديث معها أو حتى النظر إليها فهذهِ مسألة معقدة لا أظنك قادراً على فهمي إن فسرتها لك !
ـ ماذا .. ماذا ؟ غير قادر على فهمك ! ما بك يا فتى ؟ أنا فارس .. أتفهم ما معنى فارس ... فارس الذي لا تخفى عليه حركات الشباب أبداً .. هل فهمت!
ضحك منتظر من طريقة كلام فارس ثم قال :
ـ لم أقصد أن أنتقص منك يا عمي صدّقني .. لكن المسألة تحتاج إلى شرح طويل !
ـ قد أستطيع مساعدتك يا فتى .. هيا تكلم ، كُليّ آذانٌ صاغية !
بدأ منتظر يسرد لفارس قصته تلك وقد بدأها منذ اللحظة التي أخبرهُ أباه بمرض ملاذ وكان لم يتعرف عليها بعد .. ثم صار يتحدث لهُ عن مشاعرهِ عندما رآها أول مرة وكيف إنها لم تعجبهُ أبداً ..!!
حدّثه بعد ذلك عن الحوارات التي دارت بينه وبينها حول الدين والإيمان والحب الصادق العفيف وكيف يجب أن تكون علاقتنا بالله..
إلى أن وصل إلى ما بعد العملية حينما زارها مع عائلته في منزلها وكيف إن مشاعره مُنذ تلك اللحظة قد تغيرت تجاهها تغيراً جذرياً !
قال حينها :
ـ آه يا عم ... منذ أن دخلت علينا الغرفة في ذلك ا
.
✍رويدة الدعمي
.
الفصل التاسع عشر
.
بعد تلك السفرة السياحية التي استمرت عشرة أيام كاملة كان أجملها وأحلاها اليوم الأخير ..
تهيّأ الجميع للعودة إلى مدينتهم ، وقد ساد طريق العودة جو من المرح والسعادة ، كان أخوة منتظر الصغار يرددون بعض الموشحات الدينية والأناشيد التي تتغنى بحب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) وكان منتظر ووالدته وكذلك ملاذ يرددون تلك الأناشيد مع الصغار واكتفى الثلاثة ( فارس وكريم وحامد ) بالتصفيق والمزاح ...
قال أبو ملاذ لمنتظر بعد انتهائهم من ترديد إحدى الموشحات :
ـ ألم تقل إنك لا تستطيع الكلام أثناء السياقة ؟
قال منتظر بصوت مازح : ..
- لقد صرتُ حائراً معك يا عم أصمت فتقول لي : لماذا
تبدو حزيناً ! فأُشارك أخوتي في الإنشاد تعترض عليّ وتستهجن فعلي .. قل لي بربك ما الذي يُرضيك حتى أفعله !
انطلقت الضحكات عالية .. وهكذا فلقد كان طريق العودة يختلف تماماً عن طريق الذهاب لما قد أصاب النفوس من ارتياح شديد بدا واضحاً على الجميع .
رجع كلٌ إلى منزله وعاد فارس إلى منزل أبي منتظر وكانت ملاذ قد اعترضت عليه بالقول :
ـ سيكون مكوثك لديهم أكثر من مكوثك لدينا .. فأين قسمتك العادلة ؟!
قال مبتسماً وهو يودعهما :
-تطلبونني يوماً يا ملاذ .. سأمكثه لديكم قبل سفري بأذن الله .
وفي اليوم التالي لم يتمكن منتظر من الذهاب إلى عمله لشدّة الإرهاق الذي أصابه من طول الطريق وتعب السياقة ، فما أن صلّى فريضة الفجر وأدّى تعقيباتها حتى عاد للنوم ثانية .
وبينما كان ما يزال مستلقياً على فراشه حتى شعر بشيء قد وقع على رأسه قام لينظر فوجد فارس واقفاً بجانب السرير وبيده وسادة ثانية يحاول ضربهُ بها ! قال رافعاً صوته :
ـ ألم يحن الوقت للاستيقاظ يا فتى ؟ ها ...!
ـ آه يا عم .. لو تشعر بالتعب الذي أشعر به !
ـ هيا استيقظ لتتناول فطورك ، فعندي كلام كثير معك .
عرف منتظر ما يريد فارس التحدث به !
وبعد تناوله للفطور ، دخل غرفته فوجد إن فارساً ما يزال فيها .. كان يُقلّب صفحات الكتب الموجودة في مكتبة منتظر فلما انتبه إلى مجيء الأخيرقال لهُ :
ـ أغلق الباب خلفك !
إنصاع منتظر لأمر فارس فأغلق باب الغرفة ثم جلس على السرير ، التفت إليه فارس قائلاً :
ـ هل لي أن أعرف ما الذي حصل لك في اليوم الأخير من السفرة ؟
ـ هل هذا كل ما تريد معرفته يا عم !
ـ تكلّم يا فتى .. هيا !
ـ الحقيقة يا عمي .. إنني تلك الليلة سهرتُ في التفكير بما سببتهُ لملاذ من ألم وحزن أثناء حديثي معها عند البحر حيث رأيتني هناك .. ثم فكرت بأنها جاءت إلى هنا لتروّح عن نفسها ولتخرج من وحدتها القاتلة في ذلك المنزل الذي يخلو إلا منها ومن أبيها .. فكرتُ كثيراً فيما كان يتصرفهُ والدها معها وكيف إنها مُحتاجة الآن ولو لشيء بسيط من السرور ، وكذلك فكرتُ في إنني طوال أيام السفرة كنتُ متوتراً وكئيباً .. حتى إن والديَّ وأخوتي لم يشعروا بلذّة السفرة بسببي .. ولذلك ولأجلكم جميعاً قررت أن أجعل اليوم الأخير هو أحلى أيام السفرة ، وأتمنى أن أكون قد نجحت في ذلك
!
ـ تريد الصراحة يا منتظر ، كان فعلاً أحلى أيام السفرة ، فلقد كان مزاجك رائقاً جداً ولقد شعرتُ بأن ملاذ لم تفرح إلاّ في ذلك اليوم !
ـ هل فعلاً هذا ما أحسستهُ يا عم ؟ أعني هل كانت تبدو سعيدة !
ـ ألم تقرأ هذا الشعور في عينيها يا فتى !
ـ ماذا ... عينيها ! وهل لي الجرأة أن أنظر إلى الجهة التي تجلس فيها هي حتى أتجرأ بعد ذلك وأنظر إلى عينيها !
ـ صحيح يا منتظر ... لماذا كل هذا التحَسس من تلك الفتاة ؟ أرى إنك في بعض الأحيان تحاول تجاهلها ولا أصدّق بأنك ترغب بالزواج منها كما قلت لي!
ـ أما بالنسبة لرغبتي في الزواج منها ... فهذه هي رغبتي منذ سنتين مضت ومازالت تلك الرغبة يا عم ولم تتغير أبداً .. أما مسألة التحسس منها أو من الحديث معها أو حتى النظر إليها فهذهِ مسألة معقدة لا أظنك قادراً على فهمي إن فسرتها لك !
ـ ماذا .. ماذا ؟ غير قادر على فهمك ! ما بك يا فتى ؟ أنا فارس .. أتفهم ما معنى فارس ... فارس الذي لا تخفى عليه حركات الشباب أبداً .. هل فهمت!
ضحك منتظر من طريقة كلام فارس ثم قال :
ـ لم أقصد أن أنتقص منك يا عمي صدّقني .. لكن المسألة تحتاج إلى شرح طويل !
ـ قد أستطيع مساعدتك يا فتى .. هيا تكلم ، كُليّ آذانٌ صاغية !
بدأ منتظر يسرد لفارس قصته تلك وقد بدأها منذ اللحظة التي أخبرهُ أباه بمرض ملاذ وكان لم يتعرف عليها بعد .. ثم صار يتحدث لهُ عن مشاعرهِ عندما رآها أول مرة وكيف إنها لم تعجبهُ أبداً ..!!
حدّثه بعد ذلك عن الحوارات التي دارت بينه وبينها حول الدين والإيمان والحب الصادق العفيف وكيف يجب أن تكون علاقتنا بالله..
إلى أن وصل إلى ما بعد العملية حينما زارها مع عائلته في منزلها وكيف إن مشاعره مُنذ تلك اللحظة قد تغيرت تجاهها تغيراً جذرياً !
قال حينها :
ـ آه يا عم ... منذ أن دخلت علينا الغرفة في ذلك ا