الطريق إلى التوبة
5.14K subscribers
10.2K photos
391 videos
243 files
5.34K links
قد تركتُ الكُلَّ ربّي ماعداك
ليس لي في غربةِ العمر سِواك...
حيثُ ما أنتَ فـ أفكاري هُناك..
قلبي الخفاقُ أضحۍ مضجعك..
في حنايا صدري أُخفي موضعك..

اي استفسار او ملاحظة ارسلها حصرا على هذا البوت

@altaubaa_bot

فهرس القناة
https://t.me/fhras_altauba
Download Telegram
ليوم ونظرتُ إليها حتى شعرتُ أن قلبي صارت ضرباته تزداد فبدل أن يكون 72 ضربة في الدقيقة صار يدق 160 ضربة في الدقيقة الواحدة !
حاولتُ أن أكون طبيعياً ، كلّمتها وسألتها عن أحوالها .. وتحدّثنا طويلاً ، وعندما عدت إلى المنزل لم أستطع أن أنم تلك الليلة !
صرتُ أفكر كثيراً ، استمر حالي هذا شهر تقريباً .. نعم ثلاثون يوماً وأنا لم أرها .. شعرتُ بشوق كبير نحوها ، تساءلت هل يمكن أن أكون قد .. !
صمت منتظر وتأوه ، قال لهُ فارس :
-أكمل يا عزيزي ها .. وماذا حصل بعد ذلك ؟
ـ لقد تدخل الشيطان يا عم في ذلك اليوم رغم إنه طوال ذلك الشهر لم أشعر بوجودهُ قربي ، صحيح إنني كنت أفكر فيها .. لكن ليس كتفكيري بها ذلك اليوم !
وكما أظن إن الشيطان حينها قد سيطر عليَّ بالكامل ، فلقد تمنيت أن أصرخ لأُسمع العالم كله بأني ..
ـ بأنك ماذا ؟
ـ مشتاقٌ لرؤيتها !
ـ وهل توقف ( أبو مُرّة ) إلى هذا الحد ؟!
ـ لا ... لقد وسوس لي أن أتصل بها هاتفياً !
صاح فارس : وهل فعلت ؟
ـ لا .. لا يا عم ، فلقد أنقذني ضميري ـ بفضل الله ـ في اللحظات الأخيرة !
ـ أحسنت ... أكمل !
بكيتُ في ذلك اليوم كثيراً ، شعرتُ بالندم وبشدة الإحتقار لنفسي ، بل إلى الآن احتقرها كلما تذكرت ذلك الموقف !
ـ لكنك لم تتصل بها ..
ـ لكني اصغيتُ لأمر إبليس .. !
ـ هل تعلم يا منتظر لو إنك إتصلت بها حينها وصارحتها بمشاعرك اتجاهها لسقطتَ من نظرها إلى الأبد !
قال منتظر متألماً :
ـ بل لسقطتُ في نظر ربّي ونظر نفسي ونظر أهلي لو عرفوا بما كنتُ أنوي فعله .
قال فارس وقد ضرب على رأس منتظر مازحاً :
ـ ولسقطتَ من نظري أنا أيضاً !!
قال منتظر بحزن :
ـ آه يا عم .. أنا أتألم وأنت تمزح !
ـ إنسَ ذلك الألم يا منتظر .. فكل شاب في عمرك يمر بما مررت به أنت ..وأحمد الله إن لك ضميراً متيقظاً ، فماذا يقولون لربهم أولئك الذين أناموا ضمائرهم بل أماتوها !
إن أي شاب من شباب اليوم لو كان مكانك لما تردد لحظة في إقامة علاقة مع الفتاة التي يهواها .. وخاصة إن الفرصة كانت سانحة لك ، فالهاتف تستطيع بسهولة أن تنقلهُ إلى غرفتك لتتصل بها في أي وقت طالما ان والدها لا يأتي المنزل إلا ليلاً !
وهذا ما يفعلهُ شبابنا هذه الأيام بدون خجل أو حياء .. وهم يتفوهون في اتصالاتهم تلك بكلمات حقيرة يندى لها الجبين في سبيل الإيقاع بالفتيات الساذجات اللواتي يُصدّقن تلك الكلمات المعسولة ليقعن بعد ذلك في مكيدة الشيطان !
بل إن أكثر العلاقات المحرمة اليوم يروّج لها ذلك الجهاز ( الهاتف ) ويزيد من حدَّتها ، فتصوّر ذلك الشاب الذي جذبته إحدى الفتيات يتصل بها ليسمع صوتها وتبقى هي ـ بدون استحياء ـ تتغنّج في صوتها وتتدلل عليه ، ماذا يمكن أن يحصل له !
ستثور تلك العاطفة أكثر وأكثر فيبدأ الكلام الغزلي المشين .. وكما يقول الشاعر :
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامُ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاء
وهذه هي الحكمة من حُرمة العلاقات في الهاتف .
دمعت عينا منتظر حين وجد إن فارس يقارنهُ مع أولئك الشباب المنحليّن ..قال والعبرة تخنقه :
ـ لكن صدّقني يا عم ، أنا لا أنظر لملاذ كما ينظر أولئك الشباب لفتياتهم الساذجات .
ـ لكن ما بك يا منتظر !! أنا لم أقصد أن ..
قاطعهُ منتظر :
-أعرف يا عم ، لكن أرجوك أن تتفهم حقيقة مشاعري تجاهها ..
فأنا ما أحببتها إلاّ لإيمانها وعفّتها .. سترها وحجابها جعلاني أتمنى
قربها ، جعلاني أتمنى أن تكون ملاذ شريكة حياتي التي سأفتخر بها طيلة عمري .
فأنا لا أريدها لعبةً بيدي أبداً .. إنني أريدها ملاكاً تحفظني في حضوري وغيابي ، أُريدها أُماً صالحة تُربّي لي أولادي .
قال لهُ فارس وقد أمسك بيده :
-أنا أعرف أن حبّك لها ليس نزوة ولا شعوراً عابراً .. اعرف إن حبها إمتداد لحب الله ولو كان نزوة لأحببتها في وضعها ذلك قبل الهداية فأكيد إنها كانت أكثر إثارة وهي في ذلك الوضع !
لكن الحقيقة التي قد تكون جاهلاً لها وهي ما تُسبب لك هذا الألم هي إن أي شاب في عمرك وطموحك ويتعرف على فتاة مثل ملاذ بعفتها وإيمانها سيتعلق قلبهُ بها ، فالمرأة العفيفة تفرض نفسها عليك شئت أم أبيت !
فأنا عندما كنت شاباً وسافرت إلى الخارج وألتقيت هناك بمريم ـ زوجتي ـ عندما رأيتها لأول مرة في أحد مراكز الشباب بكامل حجابها وأدبها ـ كانت تمثل إنموذجاً رائعاً للفتاة المسلمة في البلاد الغربية ـ تعلّق قلبي بها وطلبتها للزواج فوافقت ..
وهكذا يا منتظر فالمرأة المؤمنة الملتزمة تفرض نفسها وشخصيتها على الجميع ، ولا أحد يستطيع أن يلومك على مشاعرك إتجاهها أبداً .
ثم إن مشاعرك كانت (( إعجاباً )) ليس إلاّ وحتى لو قلنا إنها تحولت إلى (( حب )) فهو (( حبٌ في الله )) والدليل إنك لم تتعدى حدود الله أبداً بل بقيت ملتزماً بها وحتى عندما حاول الشيطان أن يُحوَّل ذلك الشعور إلى مرض العشق ـ والعياذ بالله ـ فإنك وبفضل إيمانك وطاعتك لله وحبك الخالص لهُ سبحانه رفضت ذلك النداء الشيطاني فلا تتصور إنك وقعت بالعشق أبداً لأن مرض
العشق يا منتظر هو ما يجعلك تتعدى حدود الخالق من أجل المعشوق فترتكب
المحرمات والمعاصي من أجل أن تلتقي بذلك المعشوق أوتراه000
وكل هذا لم يحصل لك - والحمد لله - لأنك كنت متسلح بسلاح الإيمان والمعرفة فلقد عرفت كيف تروّض مشاعرك وعواطفك وتجعلها طاهرةً سليمة بعيدة عن التخيلات الشيطانية الجامحة ، ولو أن شبابنا الضائع اليوم يملكون ولو نصف معرفتك لما تاهووا في الفساد هكذا فالجهل هو الذي ركب الناس وجعلهم يغطوّن في الفساد والحرام إلى هذه الدرجة !
ولذلك نحنُ نؤكّد دائماً على لزوم الإطلاع والتعلم والتعرّف على أمور الدين وقراءة القصص والحكايات ذات العبر والمواعظ حتى يحصل لدى الشباب وعي حقيقي للأمور وحتى لا يسقطوا أمام أول فتنة يواجهونها !
شعر منتظر بارتياح كبير لكلام فارس الذي شدَّ من عزيمته ..
وشرع يكمل سرد قصته وكيف إن والد ملاذ رفض الخطبة رغم إلحاح والده وذهابه إليه مرة ومرتين لكن بدون جدوى ، قال منتظر محاولاً إنهاء كلامه :
ـ منذ ذلك الحين وأنا أحاول نسيانها وتجاهلها ، صرتُ أجلس في الليل أبثّ حزني وشكواي إلى الله من خلال (( صلاة الليل )) فلقد سمعت من أحد الخطباء إنها أفضل علاج للشباب الذين هم في مثل حالتي .. وفعلاً فلقد صرتُ أؤديها دون انقطاع وكنتُ أشعر بأني صرتُ شيئاً فشيئاً أنسى تلك الفتاة فعلاً ، حتى نسيتُ ملامحها نهائياً ولم أتذكر سوى طلعتها ذات الهيبة والوقار .
لم يعد الشيطان يوسوس لي عن أمرها شيئاً ! وانشغلتُ بعد ذلك بالعمل في ذلك المصنع وبالعبادة والقراءة التي إزدادت عن ذي قبل بكثير حتى جئتَ أنت و ...
ـ وماذا ؟
ـ وأعدت أحزاني !
ـ لكن ألا ترى إنه اختبار لك يا منتظر ؟
ـ بل أنا متأكد من ذلك .. إنهُ اختبار واختبار صعب يا عمّاه !
ـ لكنك يجب أن تنجح فيه حتى تحصل على فتاتك في النهاية !
ـ أنا لا أريد في النهاية سوى (( رضا الله )) من خلال نجاحي في هذا الابتلاء .. أدعُ لي يا عمي في صلاتك .
ـ سأدعو لك ولها .. لأني أراها هي كذلك متعلقة بك جداً ، هذا ما تأكدتُ منه عندما قابلتها في ذلك اليوم على البحيرة ، دموعها كانت تفصح عن مشاعرها ! إنها في اختبار أيضاً .. لكني أراها أقوى منك !
أطرق منتظر برأسه خجلاً ، فقال له فارس مبتسماً :
ـ لا تصدّق يا فتى ، إن قلبيكما ـ أنتما معاً ـ عامران بحب الله وهو
سبحانه يريد أن يختبر حبكما لهُ فالمؤمن مبتلى يا بُني ...
ثم لا يأتي كل شيء بالهيّن أبداً والدُنيا هي محل ابتلاء يا منتظر ،
وأضرب لك نفسي مثلاً ثانياً فبالرغم من أن حصولي على الفتاة التي أحببت كان سهلاً جداً ... لكن ! ها أنت ترى إننا إلى الآن وبالرغم من مرور سنوات طِوال على زواجنا ما نزال بلا أطفال !
قل لي : لماذا ؟ فسأقول لك : لأننا يجب أن نتعرض للابتلاء حتى يتميّز الحب الصادق لله من الحب الكاذب !
ألم تسمع قوله تعالى : ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)).
صمت فارس بضع ثواني ثم قال :
ـ إذاً أنت يا منتظر كنت تتجنب الحديث مع ملاذ أو النظر إليها حتى لا تقع في الحرام أو المحذور ! فعلاً يا منتظر إن حب الله في قلبك يفوق كل حب والدليل إنك كنت في تلك السفرة تحاول إرضاءهُ في كل لحظة وتدوس على مشاعرك تجاه ملاذ وشوقك إليها وللحديث معها ... كل هذا تركتهُ وراء ظهرك ووقفت صامداً أمام التيار لمدّة عشرة أيام كاملة وفي كل يوم كانت هناك عشرات الفرص تجاهلتها جميعا فقط لتُثبت لله حبك وصدقك وصفاء قلبك ...هنيئاً لك يا منتظر هذا الإيمان العميق ، إنك وأمثالك من الشباب المؤمن تمثلون تحفةً نادرة في زماننا الصعب هذا ..
قال منتظر :
-أتمنى أن أكون يا عم في نظر الله سبحانه وتعالى كما وصفتني فعلاً ..وأتمنى وبحكم عملك المتواصل مع مشاكل الشباب أن تصف لمن في مثل حالتي هذا العلاج الرائع (( المداومة على صلاة الليل )) فصدّقني لولاها لما ثبت الإيمان في قلبي هكذا .. بل لما إزداد إلى هذه الدرجة ، إنه شعور لا يوصف أن تقف ـ بين يدي الله ـ في الليالي الحالكة والناس جميعهم نيّام لتقول لهُ : " إلهي إن القضاء والقدر يُمنّيني وإن الهوى بوثائق الشهوة أسّرني .. فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتُبصِّرَني " .
كانت هذه الكلمات التي ردّدها منتظر على أسماع فارس هي مقطع من دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) في يوم عرفة ، كما إنهُ كان كثيراً ما يقرأ دعاء الحزين وكذلك دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد صلاة الليل ..
قال منتظر : صحيح إن دعاء أبي حمزة الثمالي كان طويلاً لكني لم أكن أشعر بأنه كذلك ، كنتُ أذوب في كلماته دون شعوري بالوقت أبداً .. وبذلك يا عم كانت تلك الكلمات سندي وعُذري أمام الله .. تزيدني قوة وعزيمة على التوبة والاستغفار وتشعرني بالقرب من الله وبأنه غفر لي وقَبِل حبي وأسكن لوعتي وكانت
تزيدني توجهاً وعشقاً لهُ سبحانه .
قال فارس لمنتظر في نهاية هذا الحديث الطويل الذي دار بينهما :
-أُقسم بأنك يا منتظر قد علمّتني الشيء الكثير الذي سأستفيد منهُ جداً (من خلال تجربتك هذه ) في حل الكثير من مشاكل شبابنا الضائع .
.
#يتبع
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
غدا ان شاء الله تعالى ستكون الحلقة الاخيرة من رواية #الإيمان_والحب

منو متحمس للحلقة الاخيرة ؟
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
‏ ⠀



▪️محرم▪️
هو اقوى رياح تهب على روحك
تستطيع من خلالها تغيير شخصك وكيانك
اذا كان الحر الرياحي اخذ قرار تغييره في اللحضات الاخيره فاصبح من ركب الحسين
فكن انت حر الحسين لهذا الشهر


⠀⠀
#هدية لأموات جميع المتابعين و خاصة الأرحام و المنسيين من المؤمنين والصالحين

صفحة: 264


القراءة الصوتية للصفحة 👇🏻
❇️ مخالطة الناس ❇️

#كلامكم_نور
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#الأخلاق_في_الأربعون_حديثا

💫 #العبادة باب من أبواب #الرحمة الإلهية (٢) 💫

🔹 إن فتح باب العبادة والعبودية من #النعم الكبرى التي تدين لها الكائنات كافة، دون أن تستطيع الوفاء بحق #الشكر، بل إن كل شكر هو فتح باب كرامة لا تقدر على شكره أيضاً..

☝️🏻 فإذا علم الإنسان ذلك وأطلع قلبه عليه علم تقصيره. وحتى لو تقدم إلى أعتاب الله جل جلاله بعبادة الجن والإنس والملائكة المقربين لكان مع ذلك #خائفاً #ومقصراً.

فعلام تعتمد أيها الإنسان المسكين؟ أعندك متكأ تتكئ عليه؟ أتثق بعملك وتطمئن إليه؟ إذا كان كذلك فالويل لك من غفلتك هذه!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
💞 مَا غِبْتَ عَنّا 💞

#الإنتظار_الحقيقي لظهور الإمام المهدي (عج) (٣)

🔹 إن كيفية الإنتظار تتناسب دائماً والهدف الذي نحن في انتظاره،
مثلاً عند انتظار قدوم أحد المسافرين من سفره، أو انتظار عودة حبيب عزيز جداً، أو انتظار حلول فصل اقتطاف الثمار وجني المحاصيل.
هناك في كل مثل نوع من الإِستعداد، ففي أحدها ينبغي تهيئة البيت ووسائل التكريم، وفي الآخر ينبغي أن يهيء ما يقتطف به من الادوات والسلال وهكذا...

فكيف تتصور يكون إنتظار ظهور مصلح عالمي كبير وكيف نكون في انتظار ثورة وتغيير وتحول واسع لم يشهد تأريخ الإِنسانية مثيلا له

#يتبع
#ما_غبت_عنا

🌸 قناة الطريق إلى التوبة 🌸
تلغرام: t.me/altauba
فهرس القناة: @fahras_altauba
🔺بالتزامن مع #عيد_الله_الأكبر .. #مؤسسة_العين تعلن عن إطلاق أكبر حملة إنسانية لها في جانب توفير الكفالة الخاصة ل(30) ألف يتيم قاصر مستحق في #العراق.
#لايضيعوا_بحضرتكم
☎️ 6777
الطريق إلى التوبة
Photo
#الإيمان_والحب
.
رويدة الدعمي
.
الحلقة الأخيرة
.
منذ الصباح كان فارس يستعد للاتجاه نحو منزل أبي ملاذ فهو لم ينسَ أنه وعد ملاذ بالمكوث عندهم يوماً إضافياً قبل سفرهِ .
خرج من غرفته التي خصصها كريم لهُ متجهاً نحو غرفة الجلوس حيث الجميع هناك لتوديعه ، وقبل أن يدخل غرفة الجلوس سمع صوت أم منتظر تناديه وهي تقف عند باب المطبخ :
-أخي فارس ..إلتفت فرآها واقفة وتُشير إليه قائلة :
-أرجوك .. قبل أن تدخل إلى الغرفة ، عندي كلام معك !
إتجه فارس نحوها وقد لاحظ علامات الحزن عليها .. قالت بصوتٍ شجي :
-أيها الأخ العزيز .. صدّقني يصعب علينا فراقك فلقد كنت واحداً منّا ولا تزال ، ولقد احبك الأولاد كثيراً وسيحزن الجميع لرحيلك .
أطرق فارس خجلاً من هذا الثناء وهو يردد كلمات الشكر والإمتنان ، ثم أكملت أم منتظر قائلة :
ـ وقبل أن ترحل .. هل لك أن تُسدي لأختك أم منتظر خدمة سوف لن تنساها طول حياتها !
ـ آه .. تفضلي يا أختاه ، أنا خادمكم يا أم منتظر .
ـ أستغفر الله يا أخي .. كلنا خدم وعبيد لله .
ـ ماذا هناك يا أم منتظر ؟ هل يوجد شيء لا سمح الله ؟
ـ إنهُ بخصوص منتظر ، لقد تركته وكان في عمر السادسة عشر تقريباً وعدتَ من السفر وهو في عمر الخامسة والعشرين وهو إلى الآن لم يتزوج كما ترى ..
ابتسم فارس وقال :
-عرفتُ ما يدور في خُلدك يا أُخيّة ! تُريديني أن أتحدث مع حامد بخصوص ابنتهُ ملاذ ومسألة خطوبتها لمنتظر.. صح !
ـ لكن ... كيف عرفت ؟ !
ضحك فارس قائلاً :
-أما عن كيفية معرفتي بالأمر فهو سر لا أستطيع البوح به ! وأما عن حديثي مع حامد بخصوص موضوع منتظر فصدّقيني أنا ذاهب اليوم إليهم من أجل هذا الموضوع !
قالت أم منتظر وقد لمح فارس الدموع في عينيها :
ـ لقد قرأت في كتاب وسائل الشيعة حديثاً عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) عن الذي يسعى في تزويج أخيه المسلم يقول فيه : (( ثلاثة يستظلون بظل عرش الله يوم لا ظلّ إلاّ ظله ، رجل زوّج أخاه المسلم ، أو أخدمه ، أو كتم لهُ سراً )) فعسى أن تكون أحد هؤلاء الثلاثة يا أخي فارس ، ستكون أنت أملنا من بعد الله سبحانه وتعالى .. وأظن أن أبا ملاذ وبحكم الصداقة التي تجمعكما معاً وبحكم قُدرتك الكبيرة على الإقناع فأنهُ سيتفهم الأمر ويوافق .
ـ إنها أمنيتي يا أم منتظر ، أن أرى ملاذ ومنتظر وقد جمعهما منزلٌ واحد .
ـ يسمع الله منك يا أخي ! لقد صبر منتظر كثيراً وعسى الله أن يجعل في تدخلك خيراً ونهايةً مباركة لهذا الصبر !
ـ وأنا أظن ذلك إن شاء الله ، لذلك أنا متفائل جداً وسأتوكل على الله في محاولة إقناعه .
ـ إن اقتنع أبو ملاذ فعلاً وحصلت الخطبة ثم الزواج فستكون يا أخي من الذين قال عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ( عليهم السلام ) : (( من عمل في تزويج حلال حتى يجمع الله بينهما زوّجهُ الله من حور العين وكان له بكل خطوة خطاها وكلمة تكلمّ بها عبادة سنة )) .
ابتسم فارس ثم قال :
ـ أدعو من الله أن يوفقني لأكون عند حسن ظنكم بي .
بعدما وعد فارس أم منتظر بالتدخّل السريع لايجاد حل لقضية ولدها دخل غرفة الجلوس وصار يُسلّم عليهم مبتدئاً بالصغار الذين كانوا مستاءين جدّاً لفراقهِ وقد ودّعوه بالدموع والقُبلات الحارة حتى وصل إلى منتظر الذي قال محاولاً إخفاء دموعه :
ـ أنا لن أودّعك الآن يا عم لأنني سأرافقك بعد غد إلى المطار كما اتفقنا !
ثم قال أبو منتظر :
ـ وأنا كذلك ! سنلتقي هناك يا فارس بعد أن تتصل بنا يوم غد لتُخبرنا بموعد إقلاع الطائرة ...
ـ ولكن هذا يعني إنكما يجب أن ترافقاني إلى العاصمة .. حيث المطار !
أجاب منتظر بسرعة :
ـ وماذا يعني ذلك ؟! السيارة موجودة .
ثم ضرب على صدره وقال : والسائق موجود !
ابتسم الجميع وقد اختلطت ابتسامتهم تلك بدموع الفراق .. بعد ذلك رافقوا فارس إلى الباب وقد قام منتظر بإيصاله بسيارته إلى بيت حامد حيث سيقضي آخر يوم قبل سفره هناك .

* * *

قضى فارس تلك الليلة مع صاحبه أبي ملاذ بالتحدث في أمور مختلفة لكنهُ لم يتطرق إلى الأمر الذي جاء من أجله !
وفي اليوم التالي حيث لم يذهب فيه أبو ملاذ إلى عمله لأجل قضاء ذلك اليوم مع ضيفه ، كان فارس عازماً على إقناع صاحبه بما يروم التحدث فيه .
قال لهُ وهما يتناولان الشاي :
ـ سأستغل تواجد ملاذ في غرفتها لأسألك يا حامد عن أمرٍ يشغلني كثيراً ..
ـ وما هو يا صاحبي ؟
ـ ما سبب رفضك لمنتظر عندما تقدّم لخطبة ملاذ ؟
ـ أوه ... هل غسلوا دماغك أنت أيضاً ؟
ـ ماذا ؟ غسلوا دماغي ! ثم من هو الذي ( غسلوا دماغه ) قبلي !؟
ـ ملاذ .. ابنتي !
ـ إتّقِ الله يا رجل ، هل لأنهم أنقذوها من الضلالة وجعلوها تُبصر النور .. فيكونون كما وصفتهم !
ـ ماذا تقصد يا فارس .. هل إنني جعلت ابنتي تعيش في ضلالة كل تلك السنوات ؟
ـ للأسف يا حامد ... نعم ! ولا داعي أن أوّضح أكثر فأنت تفهم ما أعني جيداً !
أطرق حامد برأسه إلى الأرض دون رد ، وأكمل ف
الطريق إلى التوبة
Photo
ارس كلامه بصوت لا يخلو من نبرة الألم والعتاب :
ـ ثم متى قصّر معك كريم في شيء حتى تحاربهُ هكذا ؟ لقد وهب لك حياة ولدهُ بلا ثمن ثم تردّ إليه الجميل بهذا الجحود وعدم العرفان ! قل لي يا حامد.. ماذا لو كان كريم قد فقد ولدهُ في تلك العملية بعدما حصل لهُ من مضاعفات كادت تودي بحياته ! فما الذي كان سيقبضهُ منك حينها ؟!
لقد جازف صاحبنا كثيراً يا حامد حين وافق على تعريض ولده لخطر الموت من أجل إسعادك وإنقاذ ابنتك ..
إن أمرك عجيب يا رجل ! ربّك لا تريد شكرهُ ومن يُقدم لك المساعدة ليس فقط لا تشكره بل تحاول إهانته وإبعاده عن دربك ! ما بك يا حامد هل ركب الشيطان رأسك إلى هذه الدرجة ؟!
لقد احترمتُ فارق العمر الذي بيننا وكنتُ دائماً أصغي إليكما وأُذعن
لأمركما أنت وكريم لأنكما تكبرانني بكثير ، لكن الآن يا أخي فلقد طفح الكيل !
قال حامد محاولاً تهدئته :
ـ ما بك يا فارس ، لماذا تضخّم الأمور ؟
أجاب فارس محاولاً السيطرة على أعصابه :
ـ أنا لا أضخم الأمور أبداً ..
قل لي يا أبا ملاذ ما هي عيوب منتظر التي دعتك إلى رفضه ؟
ـ في ذلك الوقت أي عندما تقدم لخطبة ملاذ كان لا يملك شيئاً ، فخفتُ على مستقبل ابنتي معه .
ـ يعني رفضتهُ بسبب فَقرهِ ؟!
ـ تقريباً ...
ـ هل هذا سبب عُقلائي يا صاحبي .. قل لي عندما قبلت بك أم ملاذ (( رحمها الله )) ماذا كان عندك ؟
ثم ألم تسمع قوله تعالى : ((وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) ، وبعدها تأتي أنت لترفض ذلك الشاب فقط لأنهُ فقير !
ـ ليس هذا السبب الوحيد يا فارس .. فلقد شعرت حينها بأنني محتاج إلى تواجد ملاذ معي فالوقت مازال مبكراً لزواجها وتركها إياي ! وخاصة إنني قد تعودت على تواجدها معي منذ وفاة والدتها رحمها الله ولم أفارقها يوماً أبداً ، لذلك كنت خائفاً من معاناة الوحدة لوهي تزوجت وتركت المنزل .
ـ هذا ليس سبب معقولاً أيضاً ! فالذي أعرفه إن ابنتك كان عمرها في حدود العشرين أو أكثر عندما تقدّم منتظر لخطبتها ، يعني إنه كان قد مرّ على دخولها سن التكليف أحد عشر سنة ! فكيف تقول مازال الوقت مبكراً لتزويجها ... !؟
ثم اسمع هذا الحديث الشريف وأعطني رأيك فيه .. جاء في الكتب الموثوقة ومنها كتاب بحار الأنوار إنهُ نزل جبرائيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : (( يا محمد إن ربك يُقرئك السلام ويقول : إن الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر فإذا أينع فلا دواء لهُ إلاّ اجتنائه وإلا أفسدته الشمس وغيرته الريح ، وإن الأبكار إذا أدركن ما تُدرك النساء فلا دواء لهن إلا البعول ـ أي الأزواج ـ وإلاّ لم يُؤمن عليهن الفتنة )) .
ها يا صاحبي .. ! ما رأيك ؟ هذه توصية من الله سبحانه وتعالى إلى رسولهِ الكريم ليُخبر بها أبناء أمته بأن الفتاة إذا صارت بمنزلة النساء فيجب تزويجها وإلاّ فقد تنحرف إلى طريق الشيطان وهذا ما أسماه الله بالـ ( فتنة ) ...
ـ لكنّ ابنتي من الصالحات كما ترى يا فارس ! ولا أظنها سوف تنحرف إلى طريقٍ آخر أبداً !
ابتسم فارس وقال :
ـ سبحان الله الآن صرت تعترف بأنها فتاة صالحة ! أولاً يا حامد هي ما كانت كذلك قبل أن تلتقي بمنتظر ! وأنت تُدرك تماماً إنهُ كان صاحب الفضل بعد الله طبعاً في هداية ابنتك وإصلاحها بعدما أفسدتها حياة الفن والطرب التي كنت أنت من هيأها لها !
ثم هل تعرف بأن ابنتك كان من السهولة أن تنحرف لولا إيمان ذلك الشاب وخوفه من الله فلو إن شخصاً غيره كان مكانهُ لاستغل جهل ملاذ وعاطفتها الشديدة نحوه ولأرتكب حراماً معها والعياذُ بالله !
قال حامد متسائلاً :
ـ ماذا ؟ عاطفتها الشديدة نحوه ! ماذا تقصد ..
ـ لا توهمني بأنك لا تعرف ! فأنت أكثر شخص يعرف إن ملاذ قد تعلقت بمنتظر منذ أول مرة رأتهُ فيها حين عرفت بأنهُ ينوي مساعدتها ، كانت مستعدة أن تفعل كل شيء لأجل إرضائه حتى لو كان ذلك الشيء حراماً أو يُسيء إلى سمعتها ، فهي كانت في وضع لا تُميّز فيه بين الخطأ و الصواب أو الحلال والحرام أبداً .
( صمت حامد وكأنهُ إعترف بخطئهِ وبصحة ما يقوله فارس ) ثم أكمل الأخير قائلاً :
ـ هل تعرف يا حامد ما هي عقوبة من يحاول تأخير زواج ابنته !؟ أنا اقول لك: عقوبته جهنم وبئس المصير !!
ثم أكمل فارس بألم :
-إتّق الله يا رجل ولا يوسوس لك الشيطان ، فأن هذا المخلوق ـ إبليس اللعين ـ ليس من مصلحته أبداً أن يجمع الله بين اثنين في الحلال ! فهو يُريد أن تجري الأمور نحو الحرام دائماً !! كما إنه يعرف بأن الشباب إذا بقوا بدون زواج ستكون السيطرة عليهم أسهل ! وبذلك ستعم الفتن وكذلك الفساد وهذا بالضبط ما أشار إليه الرسول (صلى الله عليه وآله)في قوله : (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلقه فزوّجوه ، وإلاّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٍ )) ، فهنا يضع الرسول شرطين للرجل الكفؤ وهو أن يكون (خلوقاً ومتديناً ) ولم يقل غنياً
أو جميلاً أو ...
ثم من يضمن لك أن الغني سيبقى كذلك طول عمره ؟! والفقير سيبقى فقيراً إلى نهاية حياته !
ومن سيضمن لك بأنها ستنال السعادة مع المال والمكانة المرموقة فقد يكون الزوج غني المال فقير الأخلاق !
أما إن كان غني الأخلاق و الدين فستعيش المرأة معه في سعادة تامة لما يُغدق عليها من أخلاقه وعلمهُ ، فقد تستطيع المرأة وخاصة الصالحة أن تتحمل فقر زوجها وقلّة ذات اليد ولكنها لا تستطيع أن تتحمل سوء أخلاقه واستعبادهُ لها !
أما إذا قلت بأنها غالية عندك وتريد من زوجها أن يقدّر ثمنها فأعلم إن المرأة إذا كانت صالحة لا تُقدّر بثمن ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنهُ قال : (( .. فأما صالحتهن فليس خطرها ـ أي قيمتها ـ الذهب والفضة ، هي خيرٌ من الذهب والفضة )).
وأخيراً أقول لك يا صاحبي ما قاله احد المفكرين بأن المرأة الفاضلة كتاب لا يقرأهُ إلا المؤمنون ..
وابنتك وبما إنك اعترفت بنفسك بأنها (فاضلة) فسوف لا تستطيع أن تعيش إلا مع إنسان مؤمن يُقدّر إيمانها وعفّتها .. ولو إنك أعطيتها لغير هذا الشاب فستكون قد ظلمتها وحكمت عليها بالسجن المؤبّد طيلة حياتها !!
قال أبو ملاذ في محاولة لتبرير موقفهِ :
ـ ولكن ألم يُشجع الإسلام على إن الفتاة يجب أن يكون لها مهر ... ؟
ومنتظر لم يكن يملك حينها شيئاً !
ـ أولاً يا أبا ملاذ إن الإسلام مثلما وضع ( المهر ) كرمز لحفظ كرامة المرأة وتبيان قدرها فهو في الوقت نفسه شجّع على قلّة المهور وذلك في حديث للرسول (صلى الله عليه وآله)
: (( خير نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلّهن مهراً .. )) .
وثانياً إن منتظر لم يكن إلى هذه الدرجة من الفقر ، فلو إنك كنت وافقت لسهّل الله الكثير من الأمور خاصةً إذا كانت طلباتك عقلائية لا تقصم الظهر !
وثالثاً ها هو منتظر الآن يملك ما شاء الله فهو يستلم أعلى مرتب يمكن أن يتقاضاه أي موظف في هذه الأيام ، كما إن لديه سيارة وأرضاً سيبدأ في البناء عليها عن قريب .. فماذا تُريد أكثر من هذا ؟!
وحتى ولو لم يكن منتظر قد ملك هذه الأمور فكان الأولى بك أن تستحِ من الله أولاً ومن نفسك ثانياً وأن تضع عقوبة الله أمام عينيك وأنت تحاول أن تُبقي ابنتك هكذا بلا زواج مع إنهُ نصف الدين ..
قام فارس وهو يقول :
ـ فكّر بالأمر جيداً يا حامد وإن بقيت على عنادك هذا ، فأنك ستحكم على علاقتنا بالموت ، وعلى نفسك بالخلود في نار جهنم حيث لا ينفع الندم أبداً لأنك ظلمت ابنتك ونفسك معاً .
في تلك الليلة اتصل فارس بأبي منتظر وأخبرهُ بأنهُ حجز على الطائرة التي ستقلع في الساعة التاسعة صباحاً ، قال لهُ أبو منتظر : سنكون أنا ومنتظر عندك في الساعة السابعة والنصف فالطريق إلى العاصمة يستغرق أكثر من ساعة تقريباً ..
وفي الوقت المحدد سمع صوت سيارة منتظر تقف أمام الدار فقام بتوديع ملاذ ، ثم حضن صاحبهُ وقد همس في أُذنه بالقول : فكّر جيداً بما تحدثنا به ليلة أمس .. أريد وأنا في بلاد الغُربة أن أسمع أخباراً تُفرح القلب .
خرج فوجد الإثنين ينتظرانه في السيارة ، صعد وألقى التحية ثم انطلق الثلاثة في الطريق إلى العاصمة حيث المطار .. وهناك لم يحتمل منتظر ألم لحظة الفراق هذه ..
حضن فارس ودموعهُ قد سبقت الكلمات ودّعه وأتّجه نحو السيارة .. جلس فيها ينتظر مجيء والده فهو لا يُريد رؤية فارس وهو يصعد إلى تلك الطائرة تاركاً الوطن والأحباب .

* * *
مضى على سفر فارس شهر تقريباً ، كانت ملاذ في هذه الفترة تُلاحظ تغيرات كثيرة على والدها ! لقد قرر أخيراً أن يُصليّ !
بل وإنهُ صار يُكثر من الصلاة في محاولة لقضاء ما فاته طوال خمسين سنة مضت ..
شعرت ملاذ بأن هذه التغيرات ماهي إلاّ بتأثير كلمات فارس به .. فلقد طلبت منهُ أن يكلمه بخصوص الصلاة ولكن كيف اقتنع والدها بعد كل هذا العناد ؟
كانت فرحة ملاذ لا توصف وهي ترى إن والدها صارت حالته تتغير يوماً بعد يوم نحو الأحسن .. صار يُحسن من معاملتها وكثيراً ما يحاول ممازحتها وفي بعض الأحيان يطلب منها أن تختار أي مكان ليأخذها إليه !
وفي إحدى تلك الليالي قال لها بعد إكمال وجبة العشاء :
ـ ما رأيك يا ملاذ لو نقوم غداً بزيارة بيت عمك أبي منتظر ؟
ـ ماذا ؟!
ـ ها .. لم تقولي رأيك ؟
ـ حسناً حسناً يا أبي .. الأمر في النهاية لك !
ـ حسناً إذاً .. سأتصل الآن بكريم وأخبره بالأمر لكن .. لا ، سنجعلها مفاجأة !
لم تعرف ملاذ ماذا تقول فالمفاجآت صارت كثيرة هذه الأيام !
وفعلاً في مساء اليوم التالي رافقت والدها إلى دار العم كريم ، وهناك كانت مفاجأة فعلاً لجميع أفراد العائلة .. !
كان أبو ملاذ يبدو شخصاً آخر ، مما حدى بمنتظر ووالده أن يتبادلا بين فترة وأخرى نظرات التعجّب والاستغراب !
ولكن أم منتظر كانت شُبه متأكدة من أن فارس قد فعلها وكلّم صاحبه بالموضوع ، مما جعله يبدو شخصاً آخر تماماً !! قالت هامسة وهي تميل برأسها نحو ملاذ :
ـ ألا ترين بأن والدك قد تغير تماماً ؟!!
أجابت ملاذ وهي تحاول أن تخفض صوتها :
ـ ليست أخلاقه فقط يا خالتي ، لقد صار ملتزماً بكل شيء وأهمها الصلاة ! .. أظن إن عمي فارس قد كلّمهُ محاولاً هدايته .
ـ لا تظنّي ذلك ، بل تأكدي من إن فارس قد كلمهُ فعلاً .
وفي تلك الأثناء قامت أم منتظر إلى المطبخ ولحقتها ملاذ ، أما منتظر وأخوته فقد كانوا يجلسون أمام التلفاز منشدّين لمعرفة نتيجة الفريق الوطني الذي خاض مباراة مهمة بكرة القدم مع أحد المنتخبات الأجنبية .
استغل حامد انشغال الجميع فتحدّث مع صاحبه قائلاً :
ـ يقولون يا أبا منتظر ( إخطب لابنتك ولا تخطب لابنك ) ولذلك فها أنا اليوم أتيتك لأخطب ولدك منتظر لأبنتي ملاذ !
فتح كريم عينيه أكثر في محاولة للتأكد من إن الذي أمامه هو صاحبه حامد فعلاً !
قال وهو غير مصدّق لما يسمع :
ـ أبو ملاذ .. أرجو إعادة ما تفضلّت به قبل قليل ! فأظنني لم أسمع جيداً !
قال حامد مبتسماً :
ـ أرجو أن لا تجعلها واحدةً بواحدة وتُرجعني خائباً كما فعلتها بك سابقاً !
ـ لكن يا صاحبي .. هل أنت متأكد مما تقول ؟
ـ أبو منتظر .. هل توافق على زواج ابنك من ابنتي أم لا ؟
قال أبو ملاذ هذه الجملة وقد بدا جادّاً في كلامه ، فبادره أبو منتظر بالقول :
ـ وكيف لا أوافق يا صاحبي !؟ وأنت تعرف إن هذه أُمنيتي منذ زمن .
ـ حسناً .. وهي الآن أُمنيتي أيضاً ، فمتى سيكون إعلان الأمر إن شاء الله ؟
ـ على راحتك يا صاحبي ، أتريد أن نُعلن عنهُ اليوم .. أنا مستعد !
ـ وأنا كذلك ، بعد العشاء سنعملها مفاجأة للجميع !
وبعد أن إنتهى الجميع من تناول العشاء قالت أم منتظر لابنتها الصغيرة :
- قومي وساعدي ملاذ في رفع الأواني من المائدة لأقوم أنا بصب الشاي ..
قال زوجها مقاطعاً إياها :
-لا يا أم منتظر .. اتركي الشاي اليوم وليكن عصيراً فالليلة ليلة فرح !
تعجبت المرأة من كلام زوجها الذي أكمل قائلاً :
-لا تستغربوا جميعكم ! ما بكم تنظرون إليّ هكذا ، سنُعلن الليلة خطوبة منتظر وملاذ !
ابتسم أبو ملاذ وهو يحاول أن يجعل الأمر طبيعياً جداً ثم قال مازحاً ـ ماذا يا أم منتظر .. ألا يوجد لديكم عصير ؟
ـ بلى ، يوجد ... لكن !
ـ لكن ماذا .. تأكدي من إن كلام زوجك مضبوط مئة بالمئة .
شعرت أم منتظر بأنها ستطير من الفرح بعدما تأكدت من صحة الخبر ، أسرعت بإتجاه المطبخ وهي تقول بلهفة : سيكون كل شيء جاهزاً حالاً !
أما منتظر وملاذ فلم يكونا مصدّقين لما يدور حولهما !!
بقى منتظر مُتسمّراً أمام جهاز التلفاز دون حراك !
قال له والده بصوت يملئه الفرح والسعادة :
ـ ألا تقوم لتشكر عمك يا منتظر ؟
قام منتظر وقبّل يد حامد ليعود ويجلس في مكانه !
أما ملاذ فلقد تصرفت وكأنها لم تسمع شيئاً ، استمرت في رفع الصحون الفارغة من المائدة وقد شعرت بأن يديها ترتجفان وقلبها يخفق بشدّة ، أما قدماها فلم تشعر بهما في تلك الساعة !
اتجهت نحو المطبخ فاستقبلتها أم منتظر وقد أخذت منها الصحون ووضعتها على الطاولة ثم حضنتها وهي تبكي وتقول :
- مبروك يا ملاذ .. وأخيراً يا حبيبتي سيتحقق الأمل .
قالت ملاذ والدهشة مازالت باديةً عليها :
ـ أخاف يا خالتي أن يكون هذا مجرد حلم فأستيقظ منهُ لأجد كل شيء ما يزال كما كان !
ـ لا .. لا يا ملاذ لقد أمر الله في أن يجمعكما معاً وتحت سقفٍ واحد ، ألم تسمعي والدك ؟ لقد كان جاداً في حديثه ، لقد تغير أبوك كثيراً يا ملاذ .
وعندها شعرت ملاذ بأنها في حقيقة ، نعم فإن والدها لم يتغير الآن ، بل إنه كذلك منذ أكثر من شهر !
وحتى رأيه في منتظر قد تغير وها هو أخيراً يوافق على زواجها منه .
كانت صدمة فعلاً ، لكنها جميلة !
عادت ملاذ وعانقت أم منتظر لكنها هذه المرة أطلقت العنان لدموعها التي أغرقت وجهها ، وهي تردد : أحمدك ألف حمد يا ربي ، فكل ما نحنُ فيه هو من فضلك وعطائك ، الشكر لك يا رباه .

* * *
بعد أسبوع تقريباً من هذه الحادثة اتصل منتظر بفارس ليخبرهُ بالأمر ..
رفع فارس الهاتف وما أن سمع صوت منتظر حتى عرفهُ رغم كونه كان صوتاً ضعيفاً بعض الشيء لبُعد المسافات ، قال منتظر بعد تبادل السلام والتحيات :
ـ يجب أن تكون عندنا في بداية الشهر القادم يا عم !
ـ ماذا ... عندكم ! ولكن لماذا ؟
ـ لأنك يجب أن تحضر حفل عقد قِراني ..
ـ عقد قِرانك ! ولكن على من ؟
ـ على ملاذ ...
ـ هل أنت جاد فيما تقوله يا منتظر ؟ إن كنت تمزح معي فسوف أعاقبك يا فتى !
ـ أنا جاد يا عم ... صدّقني !
وبعد خمسة عشر يوم تقريباً من تلك المكالمة كان فارس لديهم وقد فرح به الجميع وفرحوا أكثر عندما عرفوا بأن الله قد أنعم عليه بتحقيق رغبته فأن زوجته الآن حامل في الشهر الثاني وهذا ما جعلهُ لا يستطيع إحضارها معه خوفاً عليها من تعب الطريق وبُعد السفر .
ها هو فارس قد تهيأ ليعقد قران منتظر على ملاذ ، كانت فرحة الجميع لا توصف ، وبعد أن أعطت ملاذ الموافقة على الزواج من منتظر وبعد أن قرأ الجميع سورة الفاتحة تيمناً وتبركاً