Guarding the shopping Centre near Khormakser - late 1967
Thanks to Edward Boyle
Thanks to Edward Boyle
دراسة: "جيش عدن أبين".. حقيقة ام خرافة جرى استغلالها؟
لطالما كان تفسير النصوص المتطرف وانتقاء الفتاوى وإسقاطها على هذا العصر أو على جهات معينة، أحد أبرز وسائل استقطاب الشباب الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية، وللأسف كثيراً ما تؤتي هذه الوسائل ثمارها الشيطانية مفضية إلى نتائج خطيرة. وكيمنيين فإننا وبلا شك قد سمعنا مراراً وتكراراً عن حديث "جيش عدن أبيَـن" الذي لا يشتهر في بقية الدول العربية، بينما تردده هذه الجماعات على أسماعنا ليل نهار باعتباره نُبُوءة مقدسة لابد من تحقيقها يوماً ما. ولعل ما حشدت به القاعدة إلى صفوفها من شباب بتأثير هذا الحديث، هو أكثر من تأثير أي نص إسلامي آخر، مقدس أو غير مقدس. حتى بلغ استغلال هذا الحديث ذروته في إعلان "قاسم الريمي" المسؤول العسكري لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، عن إنشاء جيش أطلق عليه اسم جيش "عدن أبين".. ومحافظة أبين هي إحدى أهم معاقل القاعدة في اليمن منذ التسعينات، حيث أستخدم الرئيس السابق "علي صالح" هذا الحديث لجمع "المجاهدين" من أفغانستان في حربه ضد الجنوب اليمني عام 1994 وأغراهم بتسليمهم عدن، وهناك تقارير عن جماعة أطلقت على نفسها "جيش عدن أبين" قامت باختطاف 16 سائحاً من أبين عام 1998 تسببت بمقتل 4 منهم. ويعتقد أن هذه الجماعة متورطة بتفجير المدمرة الأمريكية كول في عدن عام 2000. إلا أن تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في أبين منذ عام 2010 تطلب تدخلاً عسكرياً يمني وأمريكي مما حوّلها إلى أرض معارك حقيقية وتسبب في نزوح 160 ألف مواطن، ودمار شامل للمدينة. وسنناقش في هذا المقال حقيقة هذا الحديث، الذي جرّ الشؤم على هذه المنطقة -وكاتب المقال ينتمي لها([1])- بعيداً عن تقنيات المحدثين في تتبع سلسلة الرواة، بل على ضوء المعطيات التاريخية وتركيب رواياته المختلفة، والأحاديث الأخرى المتعلقة به، شكلاً وموضوعاً. نار الحشر قبل استعراض أحاديث جيش عدن أبين، يجدر بنا الإشارة إلى أن مدينة "عدن أبين" كانت معروفة بهذا الإسم، وأقدم ذكر لها في المصادر الإسلامية التي بين أيدينا يعود إلى القرن الثاني الهجري على لسان الأصمعي حيث قال «جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق» ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب (الاستذكار) ونلاحظ أن الأصمعي قرن أبين بعدن، ربما للتمييز بينها وبين أي "عدنات" أخرى حول العالم. فلا معنى للحديث عن إعجاز إخباري بذكر عدن أو أبين، فقد كانت معروفة لدى الجميع. ولا يقتصر ذكر "عدن" في الأحاديث على جيش آخر الزمان الموعود، بل قد ارتبطت بسياق ذِكر النار التي تخرج آخر زمان كعلامة من علامة القيامة. جاء في (صحيح مسلم2901) إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» والمقصود ترحلهم إلى أرض المحشر: «نار من اليمن، من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» (سنن أبي داؤود4311) وأرض المحشر هي الشام (مسند أحمد27588) . وفي البخاري «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» (البخاري: 7118) «قال علي: بُصرَى بالشام» (ابن حبان 6841) وفي مصنف أبي شيبة زيادة على ذات الحديث: «فإذا سمعتم ذلك فاخرجوا إلى الشام» رواية أخرى من كتاب (الفتن لنعيم بن حماد) تقول «تظهر نار من عدن أبين». فهنا نرى اقتران عدن بأبين لكن ليس في سياق الحديث عن جيش، بل في إحدى علامات آخر الزمان. وفي نفس الكتاب أيضاً «يوشك نار تخرج باليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدو إذا غدوا، وتقيل إذا قالوا، وتروح إذا راحوا، تضيء منها أعناق الإبل ببُصرى، فإذا سمعت ذلك فاخرجوا إلى الشام» ويتكرر إقران عدن مع أبين في (سنن ابن ماجه: 4055) «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر». نلاحظ أن جميع هذه الروايات بمختلف صياغاتها تركز جميعها على الإتجاه نحو الشام، بغض النظر عن دقة تحديد موقع خروجها، فهي مرة تخرج من عدن، ومرة من عدن أبين، إنما غاية الرواية أن تخبر أن هذه النار سوف تحشر الناس إلى الشام.. وفي الحقيقة حتى تحديد مكان خروج النار وتوقيته يتشتت في روايات أخرى، فبعض الروايات تحدد خروجها من أماكن مختلفة في اليمن: «بحضرموت فتسوق الناس. قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام» (أحمد) وفي رواية لأحمد أيضاً: «نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكا ببُصرى». وعند ابن أبي شيبة «تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن» ويتشتت التوقيت عند أحمد نفسه الذي يروي روايتين متناقضتين، فمرة يقول هي أول العلامات، ومرة هي آخر العلامات، لكن المشترك الوحيد هو الشام، فما سر هذا التركيز على الشام؟ إلى درجة تضارب الروايات عن مصدر وتوقيت النار، في مقابل إتفاقها جميعاً على الوجهة.. ولمعرفة الجواب، يجب أن نستعرض المكانة السياسة للشام في العصر الأموي، عصر انتشار ظاهرة وضع الأحاديث لأغراض سياسية.([2]) لمحة عن الحال السياسي في العصر الأموي يرجع الأمويون في نسبهم إلى أميَّة بن عبد شمس من قبيلة قريش. و
لطالما كان تفسير النصوص المتطرف وانتقاء الفتاوى وإسقاطها على هذا العصر أو على جهات معينة، أحد أبرز وسائل استقطاب الشباب الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية، وللأسف كثيراً ما تؤتي هذه الوسائل ثمارها الشيطانية مفضية إلى نتائج خطيرة. وكيمنيين فإننا وبلا شك قد سمعنا مراراً وتكراراً عن حديث "جيش عدن أبيَـن" الذي لا يشتهر في بقية الدول العربية، بينما تردده هذه الجماعات على أسماعنا ليل نهار باعتباره نُبُوءة مقدسة لابد من تحقيقها يوماً ما. ولعل ما حشدت به القاعدة إلى صفوفها من شباب بتأثير هذا الحديث، هو أكثر من تأثير أي نص إسلامي آخر، مقدس أو غير مقدس. حتى بلغ استغلال هذا الحديث ذروته في إعلان "قاسم الريمي" المسؤول العسكري لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، عن إنشاء جيش أطلق عليه اسم جيش "عدن أبين".. ومحافظة أبين هي إحدى أهم معاقل القاعدة في اليمن منذ التسعينات، حيث أستخدم الرئيس السابق "علي صالح" هذا الحديث لجمع "المجاهدين" من أفغانستان في حربه ضد الجنوب اليمني عام 1994 وأغراهم بتسليمهم عدن، وهناك تقارير عن جماعة أطلقت على نفسها "جيش عدن أبين" قامت باختطاف 16 سائحاً من أبين عام 1998 تسببت بمقتل 4 منهم. ويعتقد أن هذه الجماعة متورطة بتفجير المدمرة الأمريكية كول في عدن عام 2000. إلا أن تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في أبين منذ عام 2010 تطلب تدخلاً عسكرياً يمني وأمريكي مما حوّلها إلى أرض معارك حقيقية وتسبب في نزوح 160 ألف مواطن، ودمار شامل للمدينة. وسنناقش في هذا المقال حقيقة هذا الحديث، الذي جرّ الشؤم على هذه المنطقة -وكاتب المقال ينتمي لها([1])- بعيداً عن تقنيات المحدثين في تتبع سلسلة الرواة، بل على ضوء المعطيات التاريخية وتركيب رواياته المختلفة، والأحاديث الأخرى المتعلقة به، شكلاً وموضوعاً. نار الحشر قبل استعراض أحاديث جيش عدن أبين، يجدر بنا الإشارة إلى أن مدينة "عدن أبين" كانت معروفة بهذا الإسم، وأقدم ذكر لها في المصادر الإسلامية التي بين أيدينا يعود إلى القرن الثاني الهجري على لسان الأصمعي حيث قال «جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق» ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب (الاستذكار) ونلاحظ أن الأصمعي قرن أبين بعدن، ربما للتمييز بينها وبين أي "عدنات" أخرى حول العالم. فلا معنى للحديث عن إعجاز إخباري بذكر عدن أو أبين، فقد كانت معروفة لدى الجميع. ولا يقتصر ذكر "عدن" في الأحاديث على جيش آخر الزمان الموعود، بل قد ارتبطت بسياق ذِكر النار التي تخرج آخر زمان كعلامة من علامة القيامة. جاء في (صحيح مسلم2901) إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» والمقصود ترحلهم إلى أرض المحشر: «نار من اليمن، من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» (سنن أبي داؤود4311) وأرض المحشر هي الشام (مسند أحمد27588) . وفي البخاري «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» (البخاري: 7118) «قال علي: بُصرَى بالشام» (ابن حبان 6841) وفي مصنف أبي شيبة زيادة على ذات الحديث: «فإذا سمعتم ذلك فاخرجوا إلى الشام» رواية أخرى من كتاب (الفتن لنعيم بن حماد) تقول «تظهر نار من عدن أبين». فهنا نرى اقتران عدن بأبين لكن ليس في سياق الحديث عن جيش، بل في إحدى علامات آخر الزمان. وفي نفس الكتاب أيضاً «يوشك نار تخرج باليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدو إذا غدوا، وتقيل إذا قالوا، وتروح إذا راحوا، تضيء منها أعناق الإبل ببُصرى، فإذا سمعت ذلك فاخرجوا إلى الشام» ويتكرر إقران عدن مع أبين في (سنن ابن ماجه: 4055) «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر». نلاحظ أن جميع هذه الروايات بمختلف صياغاتها تركز جميعها على الإتجاه نحو الشام، بغض النظر عن دقة تحديد موقع خروجها، فهي مرة تخرج من عدن، ومرة من عدن أبين، إنما غاية الرواية أن تخبر أن هذه النار سوف تحشر الناس إلى الشام.. وفي الحقيقة حتى تحديد مكان خروج النار وتوقيته يتشتت في روايات أخرى، فبعض الروايات تحدد خروجها من أماكن مختلفة في اليمن: «بحضرموت فتسوق الناس. قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام» (أحمد) وفي رواية لأحمد أيضاً: «نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكا ببُصرى». وعند ابن أبي شيبة «تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن» ويتشتت التوقيت عند أحمد نفسه الذي يروي روايتين متناقضتين، فمرة يقول هي أول العلامات، ومرة هي آخر العلامات، لكن المشترك الوحيد هو الشام، فما سر هذا التركيز على الشام؟ إلى درجة تضارب الروايات عن مصدر وتوقيت النار، في مقابل إتفاقها جميعاً على الوجهة.. ولمعرفة الجواب، يجب أن نستعرض المكانة السياسة للشام في العصر الأموي، عصر انتشار ظاهرة وضع الأحاديث لأغراض سياسية.([2]) لمحة عن الحال السياسي في العصر الأموي يرجع الأمويون في نسبهم إلى أميَّة بن عبد شمس من قبيلة قريش. و