اليمن_تاريخ_وثقافة
14.4K subscribers
151K photos
361 videos
2.28K files
25.3K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
احد المؤرخين يفترض ان خليل الرحمن ابراهيم من مواليد يافع يعني يافعي اذا صح هذا الافتراض فانا أؤكد ان اباه من الضاااالع
😂😂😂😂😂😂
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
اروع واجمل اوبريت يمني
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
..

المناضل (جبران) : لم نرفع علم الجبهة القومية فوق أبنية المناطق التي يتم إسقاطها حتى لا نتحمل مسؤوليتها

2017/12/07 - الساعة 08:37 PM مساءً

الأمناء نت / خاص / التقاه/ فواز الحيدري :

أجرت "الأمناء" لقاءً صحفياً مع  المناضل / ناصر صالح ناصر جبران الذي ينتمي لقبيلة الجعادنة بمحافظة أبين.

ودرس الثانوية العامة في السجن المركزي ( المنصورة) عام 1977 م وتم الإفراج عنه من السجن في أغسطس 1978 م ، تخرج من الجامعة 1982 م وتم دراسة الماجستير في الكويت وقد نال درجة الامتياز .

 التحق بالجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل عام 1964 م ، ويعد من أسرة عريقة النضال حيث تعرضت أسرته بعد حركة 22 يونيو 1969 م لسلب أراضيها وممتلكاتها والزجّ بالسجن لأبنائها والإعدام لأربعة منها.

وحدث صراع بين جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل التي هي إحدى فصائل المقاومة للاستعمار البريطاني لعدن. وتُعرف باسم "جبهة التحرير" ، وكانت المنافس الرئيسي للجبهة القومية للتحرير التي تسلمت السلطة من الحكومة البريطانية في 30 نوفمبر 1967 ، حيث استُبعدت جبهة التحرير من جميع المواقع ودخل الطرفان في حرب أهلية أفضت إلى نزوح معظم قادة الأخيرة إلى اليمن الشمالي ..ولا أطيل عليكم فإلى تفاصيل اللقاء..
 

*  هل لك أن تحدثنا عن البداية الأولى للثورة في المناطق الوسطى؟

 -   بداية الثورة لم تكن وليدة لحظة معينة لكنها كانت امتداداً للثورة التي انطلقت من جبال ردفان الشامخة والتي سقط فيها أول شهيد للثورة الجنوبية وهو المناضل الشهيد / غالب راجح لبوزة ..فقد تم تشكيل جبهات للقتال في جميع مناطق الجنوب اليمني ، وكانت المنطقة الوسطى إحدى المناطق التي تشكل فيها جبهة للقتال إلى جانب مستعمرة عدن والضالع ويافع ، وقد تدرّج النضال في المناطق الوسطى حتى تم صياغة دور للمقاومة التي شاركت في الكفاح المسلح والعمل الفدائي في عدن ، وبذلك استطعنا تحقيق انتصارات وطنية بتضحيات شجاعة وكان الجميع تحت مظلة الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل ، ولا ننسى أيضا أن لجبهة التحرير والتنظيم الشعبي دور في  تحقيق تلك الانتصارات ولكن كانوا بأعداد قليلة في المنطقة الوسطى.

 

*  هل يمكن أن تسرد لنا بعض  الخطوات الهامة في سير ثورة 14 أكتوبر المجيدة؟ 

-   في يوليو 1967 م بدأت الانتفاضة في المحافظات الجنوبية لإسقاط السلطات المحلية ، وفي 20 يونيو 1967 م تم إسقاط كريتر والسيطرة عليها لمدة أسبوعين من قبل فدائيين من الجبهة القومية ، وقد كانت الضالع هي أول مدينة أُسقطت بيد الثوار ثم تلتها المناطق تباعا ، وفي 11 أغسطس 1967 م تم إسقاط السلطة المحلية في مديرية الوضيع ، وفي اليوم الثاني مباشرة - أي في 12 أغسطس 1967 م - تم إسقاط السلطة المحلية في مودية ، وأذكر أن المناضل ( محمد علي هيثم)  قام بتسلق مكتب السكرتارية وأعلن من فوق المبنى إسقاط السلطة المحلية البريطانية في ذلك اليوم ، وتم إنزال علم الاتحاد من على مبنى السكرتارية ..وفي 19 أغسطس 1967 م تم إسقاط السلطة المحلية في لودر ، وتلتها في 27 أغسطس من نفس العام إسقاط السلطة المحلية في زنجبار وجعار ، وبذلك أُعلن إسقاط السلطة المحلية كاملة في المنطقة الوسطى وتخضع لسيطرة الجبهة القومية. وبعد ذلك أُسقطت المناطق الأخرى وكان دور كبير للمناضلين : ( صالح علي عواس ، والحاج صالح باقيس ، وناصر محمد صلاح ، وعلي ساري عوض ، وباعلوي واسمه التنظيمي كاسترو) في إسقاط حضرموت في أكتوبر 1967م

 
*  لماذا لم يتم رفع علم الجبهة القومية بدلاً عن علم الاتحاد عند إسقاطكم لمراكز السلطات المحلية في المنطقة الوسطى؟

-  هذا السؤال كنت قد وجهته أنا في تلك الأيام للأخ / محمد علي هيثم بعد أن أسقطنا مبنى السلطة المحلية في مديرية مودية بيد الثوار من الجبهة القومية ، وقد كان جوابه كالآتي : ( من الصعب بمكان أن نرفع علم الجبهة القومية فوق المبنى خلفاً لعلم حكومة الاتحاد في هذه الظروف خاصة لأن معناه أن نتحمل مسؤولية المنطقة إداريا وأمنيا ورواتب الموظفين ..إلخ ، وهذا مالم نستطع تحمله لأن تبعاته كبيرة ؛ لكن يكفي أننا أسقطنا السلطة ولتبقى الأمور على ما كانت عليه حتى نتمكن من تشكيل حكومة الاستقلال).

*  كيف بدأت الخلافات بين الجبهة القومية وجبهة التحرير؟

- برز الاختلاف للعيان  بين الجبهتين بعد أن كان وفد الجبهة القومية في القاهرة التي جمعت وفدي الجبهتين لحل الخلافات العالقة ، وبعد أن تسارعت الأحداث على الأرض بشكل كبير استدعت الجبهة القومية الوفد المشارك في القاهرة وطلبته للرجوع إلى عدن ، وقد كان يضم بعض المناضلين منهم : سيف الضالعي ، ومحمود عبدالعزيز الحضرمي.  وقد كانت مديرية الشيخ عثمان في مدينة عدن  هي ساحة التصفية بين الجبهتين ..وفي 6 نوفمبر 1967 م اعترف جيش الاتحاد العربي بأن الجبهة القومية هي الممثل الرسمي لشعب الجنوب ، وهذا الاعتراف بمثابة هزيمة لجبهة التحرير التي انسحب مناضلوها  من عدن إلى الأراضي في الشمال والتي أصبحت ملا
ذهم الوحيد.

 

*  نسمع ونقرأ عن الانقسام الذي حدث داخل إطار الجبهة القومية وتشظى إلى تيارين.. ما هو السبب برأيك؟

-  منذ العام الأول للاستقلال ظهرت صعوبات أدت إلى انقسام الجبهة القومية إلى تيارين .ومن هذه الصعوبات على سبيل المثال : في 2 مارس 1968 م عقد المؤتمر الرابع للجبهة القومية وقد كنت عضواً وحضرت ذلك الاجتماع وبرز خلاف بين تيارين في إطار الجبهة ..

- تيار يقوده المناضل فيصل عبداللطيف والمناضل قحطان الشعبي ، وهو التيار الذي كان يريد السير لنا نحو الاستقرار والتنمية والنهوض بالمجتمع والمساواة وبناء الدولة.

- وتيار آخر يتزعمه المناضل عبدالفتاح إسماعيل والمناضل عبدلله الاشطل  ، ومن هنا انشقت الجبهة القومية في المؤتمر العام الرابع ، وظهر جناحان ، وتصاعد الاختلاف بينهما حتى حدثت حركة 20 مارس 1968 م عندما تحرك مجموعة من ضباط الجيش وقالوا لا بد أن نتخلص من البعض الذين يقفون حجر عثرة أمام التقدم ..وتم اعتقال عبدالفتاح إسماعيل وسالمين وغيرهم ؛ ولكن قحطان الشعبي قال: " لا يمكن أن يكون صراع بين رفاق النضال" . وحاول أن يقارب بين وجهات النظر ولكن حادثة زنجبار التي أودت بحياة أربعة أشخاص كانت عقبة أيضا وزادت من حدة الانقسام ..فبعد أن وصل خبرها إلى القيادة العامة للجبهة القومية في عدن تحرك مجموعة من الجيش للنزول إلى أبين زنجبار للقضاء على ما سموه آنذاك بالتمرد الحاصل هناك. وبعدها تم القيام بحركة 22 يونيو 1969 م أُطلق عليها حركة تصحيحية وتم فيها حجز قحطان الشعبي وفيصل والقيادات الأخرى وتم تشكيل مجلس رئاسة من خمسة أعضاء وهم ( سالم ربيع علي ..عبدالفتاح إسماعيل ..محمد علي هيثم ..محمد صالح العولقي ..علي عنتر).


* هل كان لحكومة الشطر الشمالي من اليمن أي دور يذكر في مساندة الثورة في الجنوب؟

- لم يكن للحكومة في الشمال أي دور يذكر ، بل كانت القوات المصرية المتواجدة في الجمهورية العربية اليمنية هي التي قامت بدعم ثورة سبتمبر وهي أيضاً دعمت الثوار في الجنوب ، في البداية دعموا الجبهة القومية وفي الأخير دعموا جبهة التحرير للنضال ضد الاستعمار البريطاني ، وأذكر أن جمال عبدالناصر ألقى خطاباً في محافظة تعز قبل قيام الثورة في الجنوب حيث قال : ( إن على بريطانيا أن تأخذ عصاها وترحل من الجنوب).

 
* كيف تقرأ الواقع منذ الاستقلال حتى عام 90؟

- سارت الأحداث في اتجاهات متصاعدة ، فلو قلت لك بأن هناك كانت إيجابيات وأيضا سلبيات ..

ومن تلك السلبيات على عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى العمل بتطبيق قانون التأمين الذي أُصدر في 1968 م كان بمثابة العصا التي حطمت كل الأسس التي كانت ستنهض بعدن والجنوب لأن هذا القانون ضرب ميناء عدن الذي يعتبر الميناء الثالث عالمياً لأهميته الاستراتيجية ووقوعه على ممر ملاحي ودولي.

 

ومن السلبيات أيضا التصفيات التي تمت للعديد من الكوادر والشخصيات المرموقة وتصفية الخصوم وأخذ ممتلكاتهم وقانون الإصلاح الزراعي.

وأما الإيجابيات فإنها تتمثل بتوحيد السلطنات والمشيخات وجعلتها دولة واحدة ، وكذلك القضاء على الثأر القبلي والقضاء على الأمية ومجانية التعليم  بمختلف مراحله وفرضت هيبة الدولة
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#ثورة_اكتوبر_طرد_الاستعمار

ينتقل بنا إلى عدن في جنوب اليمن ليصف لنا الأجواء التي كانت سائدة قبيل الانسحاب البريطاني منها وإعلان الاستقلال، حيث النهب والسلب وفوضى السلاح تضرب أطنابها في هذه المدينة إلى درجة تذكر بما فعلته بريطانيا في فلسطين قبيل مغادرتها لها من دعم اليهود في مواجهة الفلسطينيين ومن ثم تركهم ليقتتلوا بعد أن زرعت بذور المشاكل هناك.

اليمن: صنعاء

الزمان: نوفمبر 1967

كل شيء كان طبيعياً بين أسمرة والحديدة. الطائرة القديمة نفسها، ومعها الطيار اليمني الوحيد الذي لم يتغير منذ استقالة زميله اليوغوسلافي الآخر بعد الثورة. الوجوه اليمنية الصغيرة السمراء ما زالت تحمل ابتسامات العودة القلقة، وفي وسطها «الجنبيات» أو الخناجر التقليدية المعقوفة والأحزمة المزخرفة، وعشرات «البقج» تبحث عن مكان بين أرجل المسافرين في «الداكوتا».

الناس تتزاحم عند مكاتب الشركة للحصول على مقعد في الطائرة العتيقة التي تقوم برحلتها الأسبوعية اليتيمة بين الحبشة واليمن، ناقلة المزيد من المهاجرين اليمنيين إلى أرض الوطن بعد عشرات السنين من الاغتراب. كان كل شيء يبدو عادياً في مطار أسمرة ذلك الأحد.

إلا أن اليمنيين هذه المرة كانوا في رحلة الساعتين ونصف الساعة بين أسمرة والحديدة أكثر تفاؤلاً بالعودة، وأكثر حرصاً على وصول الطائرة في موعدها. الثورة أكملت السنوات الخمس والمصريون وجيوشهم رحلوا. السلال وحكومته وأعوانه سقطوا.

والملكيون؟ طريق الحديدة ـ صنعاء مغلقة؟ الطيران إلى تعزّ متعذر؟ الإماميون على أبواب العاصمة؟ ابتسم معظمهم عندما رفعت علامات الاستفهام هذه كلها، وأزيز محركي الطائرة يعرقل الحديث بيني وبين رفاق الرحلة. كان الجواب: التفاؤل، مزيداً من التفاؤل. «سترى بنفسك عندما نصل إلى الحديدة» ـ هكذا قالوا.

كانت قطعة الصحراء الممتدة على الساحل تعجّ بالطائرات. مطار الحديدة هو نفسه، غارق في الرمال، والحر المشبع بالرطوبة الذي يلفح الوجوه حتى في ديسمبر، قد أحال معدن الطائرات إلى نار لاسعة، واحتمت الناس تحت أجنحتها اتقاء ـ أو ظناً منهم أنها تقي من الحر.

حمولة الطائرة تلقى على الرمال، الناس يتلقون بعضها عند باب الطائرة، لا تستطيع أن تميز بين رجال الأمن أو الجوازات أو الجمارك أو المستقبلين. المطار ممتلئ بالطائرات الحربية اليمنية، ومعها 9 طائرات نقل سوفييتية من طراز «أنتونوف» ترفع العلم الأحمر. كل الطائرات اليمنية بقيت في الحديدة، خوفاً من ضربها أو قصفها في صنعاء.

طريق البر بين الحديدة وصنعاء غير آمن هذه الأيام. ولماذا السفر براً؟ كانت طائرة «الداكوتا» الأخرى التابعة للخطوط الجوية اليمنية قابعة تنتظر أن تقلع إلى صنعاء دون موعد. تراكضنا إليها. بدأ الناس يلقون بأمتعتهم في داخلها ويرفعون بعضهم بعضاً إليها. فالخيار هو إما ركوب هذه الطائرة أو البقاء في الحديدة.

النظرة الأولى

كان للوصول إلى صنعاء في ساعة واحدة بعد الإقلاع من الحديدة تنهيدة ارتياح كبيرة من الركاب. ولعل منظر صنعاء وهي وسط سهل منبسط محاط بأربعة جبال شاهقة، من المناظر النادرة في الدنيا التي تلتصق بذاكرة الإنسان إلى بقية العمر. ولم يكن مطارها مدمراً، ولا مقصوفاً.

المطار القديم ذاته قد لاح أرحب وأوسع في غياب الطائرات المصرية. الملكيون ليسوا على أبواب صنعاء، أبواب صنعاء تهدمت كلها، ولم يبقَ إلا واحد، هو الباب الحجري الوحيد، الذي يستخدم لتعليق الرؤوس بعد إعدامها. وقد شهد باب صنعاء رؤوساً حتى نسي أسماء مشاهيرها لكثرتهم.

شوارعها اتسعت وانهار السور الذي كان يفصلها عن الأرض الخضراء التي كانت تحيط بها. وللمرة الأولى ربما، في اليمن، برزت حدائق صغيرة وسط الشوارع الجديدة والبيوت، وأشرفت عليها القرى الخضراء الصغيرة المنتشرة حول العاصمة.

الفندق الجديد في صنعاء ـ فندق المخا ـ العلامة الفارقة الأساسية التي يحسها الغريب القادم إلى العاصمة اليمنية بعد غياب طال حوالي السنة. في البدء، بعد الثورة، تحول قصر الإمام البدر إلى فندق باسم «الحرية»، ثم تحول بيت آخر من بيوته إلى فندق باسم «السلام»، حتى أصبح الملتقى اليتيم للغرباء في صنعاء.

والآن هو في الصباح وفي الظهر وفي المساء ملتقى السلك الدبلوماسي. فترى القائمين بالأعمال في سفارات سوريا والعراق والجزائر، مع السوفييت واليوغوسلاف والأميركيين والألمان الغربيين في اجتماع دائم يعبون القهوة والشاي والمياه المعدنية والغازية وكوكاكولا، وارد الحبشة. وتحول الفندق بقدرة قادر، إلى «دولشي فيتا» و«فيصل» و«هورس شو».

المحلات التجارية والدكاكين التي كانت تبيع للمصريين، من الترانزيستور إلى الكاميرات حتى السخانات والبرادات والغسالات، بدأت تحس بالغبار يأكل ما تبقى من البضائع التي لا تعني اليمنيين ولا يحتاجون لها كثيراً. المقاهي ازدادت، حتى إن واحداً يتوسط ساحة التحرير ويحمل اسمها يرفع صوت أم كلثوم كل ليلة من الإفطار إلى الإمساك.

ولعل الشيء الجديد اللافت هو أن اليمني العادي صار يحمل بندقية
ورشاشاً عوضاً عن بندقية واحدة، إلى جانب مسدس وعشر قنابل يدوية وأيضاً ما لا يقل عن 500 أو ألف رصاصة في أمشاط تحيط بصدره كله.الناس متفائلون ويشعرون بمسؤولية. الجمهورية وحدها، والشعور بلحظات مصيرية يغلب على الجميع.

حكومة السيد محسن العيني، لم تكن تهمهم بقدر ما تلفت انتباههم باختلاف أشخاصها وتناقضاتهم. ولم تكن تقلقهم بقدر ما كانت تريحهم من السلال. التصميم على المقاومة واضح، ورفض المساومة على الجمهورية ليس مثار جدل، على الإطلاق.

والحديث لا يدور عن محسن العيني، ولا عن هويته البعثية السابقة، ولا عن رئيس مجلس الرئاسة القاضي عبد الرحمن الأرياني أو زميله السيد محمد علي عثمان، بل على العضو الثالث ورئيس الحكومة الحالية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق حسن العمري (50 سنة). هل هو سلال آخر؟ أغلب الظن لا.

فقد باشر العمري حياته السياسية بمحاربة الإمام، وتنقل من سجون الإمامة إلى سجون الثورة. وبعد الثورة عيّن عضواً في مجلس الثورة، ثم غدا وزيراً للنقل ثم للمواصلات قبل أن يعيّن نائباً لرئيس الجمهورية عام 1963. وعمل رئيساً للوزراء مرتين لفترة قصيرة.

الأولى بين يناير وأبريل 1965، والثانية بين يوليو وسبتمبر 1966، عندما اعتقل ووضع قيد الإقامة الجبرية في القاهرة بعد اختلافه مع السلال. واليوم يعود إثر الانقلاب على السلال، ليكون الرجل الأول، والرجل القوي، ورجل التطرف.

أزرار ماو تسي تونغ

الصينيون أكثر الأجانب لفتاً للنظر. أزرار ماو تسي تونغ الحمراء تزين صدر كل يمني، لا إيماناً به أو بأفكاره بل لأنها حمراء ذهبية جميلة. واليمني يحب أن يتزين بالأشياء الملونة البرّاقة. والصينيون أكثر الأجانب حضوراً وعدداً وسفارتهم أكبر السفارات.

خدماتهم، تبدو أنها الأكثر ذكاء، لأنها مشاريع ملموسة. طريق صنعاء ـ الحديدة، من أجمل وأبدع الطرق، وهي الوحيدة المعبدة في اليمن جمعاء. في نهايتها، عند مشارف صنعاء، معبد ومظلة صينية ملونة، تحية للمهندس تشانغ تشي شوان الذي قتل في حادث سيارة على الطريق قبل أن ينتهي منها بأسابيع.

وقال لي ديبلوماسي صيني عندما زرته في السفارة وهو يتحدث عن المشاريع الصينية في اليمن، «إن الأميركيين قالوا إن طريقاً بهذه الصعوبة وهذا الطول (حوالي 250 كيلومتراً) لن تكتمل في ثلاث سنوات إذ أن المعدات ليست كافية. لكننا انتهينا في أقل من ثلاث بفضل همّة العمال اليمنيين ونشاطهم. واليوم ها نحن نشق طريق صنعاء ـ صعدة، وهي في صعوبة الأولى، وإن كانت أقصر قليلاً» )622 كيلومتراً).

وإلى جانب الطرق، هناك مصنع النسيج الذي بناه الصينيون أيضاً، الأول في تاريخ اليمن، لا شيء يوحي أنه صيني إلا صورة ماو تسي تونغ تتصدر كل قاعة فيه. ولا تشاهد من الصينيين إلا خبيرين أو ثلاثة، وتختفي بعدها المعالم الصينية كلها.

وللمرة الأولى في تاريخ اليمن أيضاً، تعمل المرأة. فمعمل النسيج يضم حوالي الألف عامل، نصفهم على الأقل من النساء، تدربن كلهن في صنعاء على يد خبيرات صينيات. أما مدير المعمل فيمني درس في ألمانيا الغربية ويحب أن يتكلم الألمانية باستمرار. ولا يتدخل الصينيون في شؤون العمال، أو أفكارهم السياسية، التي هي في أيد يمنية، مكتفين بصور ماو ومقتطفات من أقواله على الجدران.

في تعز، حديث الوحدة اليمنية حديث مفتوح، كحديث الوحدة العربية في مقاهي بيروت. وشعار «وحدة التراب اليمني» شعار مطروح. وتبدو وحدة شمال اليمن (الجمهورية العربية اليمنية) وجنوبه (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ـ عدن والجنوب العربي) بكل مقوماتها، حديثاً عقائدياً مقنعاً، إلا أن واقعها كوحدة سوريا ولبنان، حتى لا نقول كالوحدة السورية ـ المصرية.

واليمنيون ـ أي الشماليون ـ من رسميين ومثقفين يتكلمون عن الوحدة بشروطهم الخاصة. فالوحدة مع الجنوب، في رأيهم، يجب أن تكون كاملة مباشرة غير مجزأة إقليمياً أو فيدرالياً. العاصمة صنعاء، وفي الجنوب محافظات كبقية محافظات البلاد. وعند الحكومة اليمنية مشروع للوحدة الفورية خلال سنة إذا قبل به الجنوب.

لكن حديث الوحدة اليمنية سيطول، فالشمال مشغول بجمهوريته وملكيته والجنوب مشغول بجبهته القومية وجبهة التحرير. والعلاقات من جرّاء ذلك باردة بين صنعاء ومدينة الشعب، عاصمة الجنوب. فالحكومة اليمنية تحمي في أراضيها ما لا يقل عن 4 آلاف مسلح من جبهة التحرير، وتخاف الجبهة القومية الحاكمة في الجنوب، أن يترك الشمال لهم حرية التسلل وإثارة المتاعب.

فاليمن الجمهوري، بتأثير من المصريين، أيد باستمرار جبهة التحرير وحمى زعماءها ووفر لها مراكز التدريب والعمل. واليوم رغم استيلاء الجبهة القومية على الحكم في الجنوب، وجلاء المصريين عن الشمال، وتغيير نظامي الحكم، فإن العلاقة بين الحكومتين ما زالت تقتضي الدبلوماسية والتقارب لتغدو عادية.

الطريق إلى عدن

والطريق من تعز إلى عدن، طويلة ووعرة، تستغرق في السيارة بين 6 و8 ساعات. وتتوقف السيارة خلالها عند أكثر من 6 مراكز للتفتيش قبل أن تصل إلى «كرش»، الحدود الأولى مع الجنوب
. وعندما يعرف الناس أن السيارة متجهة نحو عدن، كانوا يتقدمون ويكتبون بأصابعهم على غبار السيارة «فلوسي».

(وهي الأحرف الإنجليزية لاسم جبهة التحرير). وكان أغلب هؤلاء الناس المنتشرين في قرى الحدود من العدنيين والجنوبيين أنصار جبهة التحرير الذين لجأوا إلى اليمن بعد الحرب الأهلية الدموية وإعلان الاستقلال.كان علم الجبهة القومية الأحمر والأبيض والأسود يرفرف على كل هذه المراكز، إلى جانب علم جيش الجنوب العربي الأخضر.

والناس في تلك المراكز مسترخون يبيعون القات، أو ينتظرون الإفطار حتى يبدأوا «التخزين». ذلك أن اليمن، بلسان وزير اقتصاده الدكتور محمد سعيد العطار، يضيع 3 مليارات ساعة عمل في السنة الواحدة من جراء القات. أما الطريق، فحدّث عنها ولا حرج، حتى تصل إلى مشارف لحج حيث اهتم البريطانيون ببناء طريق معبدة، تمرّ بين الاخضرار الوحيد في الصحراء. فلحج، هي مصدر الخضرة والقطن والزراعة الفريد والقريب من عدن. أما البقية فمن اليمن.

وكان الدخول إلى عدن عبر متاريس ومراكز التفتيش البريطانية السابقة. كل ما فعلته الجبهة القومية أنها ورثت أساليب الأمن البريطانية عند الاستقلال، وأخذت تطبقها بحذافيرها بعده كأن لم يتغير شيء. وبدت عدن مدينة محروقة. في التواهي، دكان واحد فقط مفتوح من بين كل عشرة دكاكين.

وفي المنصورة هناك منزل واحد من بين كل عشرة منازل مهدّم، وفي الشيخ عثمان هناك بيت ودكان من بين كل عشرة ممشطان بالرصاص والقنابل وملوّنان بشعارات الجبهة القومية وجبهة التحرير. فبقايا الحرب الأهلية تصفع الزائر في وجهه منذ الإطلالة.

ولا أحد يحسد جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية على التركة التي خلفتها بريطانيا. ولولا آثار زينة الاحتفالات بالاستقلال، لظن الزائر القادم من بعيد أن الناس في حزن شديد. الفراغ شيء، والحياة شيء. وعدن كانت مدينة بلا حياة.

البيوت فارغة هجرها الإنجليز، الأنوار الصفراء ما زالت تضيء ليلاً ونهاراً كأن البريطانيين نسوا أن يطفئوها أو أن يقولوا للوطنيين من أين تطفأ الأنوار! الأسلاك الشائكة وأكياس الرمل كما تركها الإنجليز، مهجورة ولا حراسة، يستخدم الجيش بعضها والجبهة القومية بعضها الآخر.

الناس، من أصحاب المتاجر والأملاك، الذين أرهقهم إغلاق قناة السويس وتعطيل مرفأ عدن أكثر مما أرهقهم غياب البريطانيين، يخافون التأميم والمصادرة. سجن المنصورة البريطاني الذي كان يضم الوطنيين السياسيين أصبح يضم عشرات من أعداء الجبهة القومية باعتراف السلطات.

الكل يعلن أن جبهة التحرير لم تنته مهما قال الحاكمون. شيء ما يجب أن يقع بعد العيد. وكان هذا واضحاً في حي الشيخ عثمان وفي كريتر وحتى في المنصورة. زعماء جبهة التحرير فروا إلى تعز واليمن الشمالي، السلاح كثير ومتوافر في أيدي الجميع.

وإذا كانت الحرب في اليمن هي حرب القادر على الدفع وتوزيع النقود والغنائم على القبائل، فمن يدفع أكثر، قد يربح، على اعتبار أن صناعة الحرب بالنسبة إلى القبلي اليمني حرفة ومهنة مثل الحرف والمهن. إلا أنها في الجنوب حرب موقف تحتاج إلى النقود وإلى السلاح وإلى التأييد، لا إلى الشراء. واليوم، والأمر الواقع هو الأقوى دائماً، أصبح تأييد الدولة لجبهة التحرير محرجاً، ومساعدتها مادياً أشد إحراجاً. والمعركة بين الجبهتين لا بد آتية، مهما كانت النتائج.

وإلى جانب الحديث عن أشخاص الوزراء والحاكمين الجدد في الحكومة والحزب، يطغى دائماً الحديث عن الجيش. فالمراقبون عرباً وأجانب، يرون أن يتحرك الجيش، وهو القوة القادرة على الوقوف والتغلب على الجبهتين معاً إذا اندلعت الحرب الأهلية من جديد.

فالتصفيات التي نفذها الحكم الحالي، انتهت بالخلاص من 18 ضابطاً، من بينهم قائد الجيش العقيد محمد أحمد العولقي، وقائد الشرطة والأمن العام العقيد عبد الهادي شهاب الذي عين غداة الاستقلال في منصبه لأنه من أنصار الجبهة القومية. وكانت حجة الجبهة في هذه التصفيات، أن هؤلاء الضباط ينتمون إلى الأسر السلطانية وأنهم من مؤيدي الاستعمار البريطاني، والمتهمين بالعمالة له. فوجودهم، في رأي الحكومة، عائق للثورة!

وهذه التصفية لم تكن إلا لأن الحكومة شعرت بأن هناك محاولة انقلابية من الجيش لإطاحتها، رغم محاولة تلقيح الجيش خلال السنوات الماضية بعناصر من الجبهة القومية. لذلك كان الجيش، وسيظل، سيف ديموكليس المصلت على رقبة الجبهة القومية والحكومة، مهما استمرت التصفيات أو تباعدت. والناس يتساءلون كيف أن التصفيات تمت للتخلص من الأسر السلطانية الحاكمة فيما أقالت قائد الجيش لأنه عولقي وعيّنت قائداً جديداً للأمن العام هو عولقي آخر؟

فالقائد الجديد العقيد عبد الله صالح بن سبعة العولقي، قريب قائد الجيش المقال. ورغم أن العوالقة يشغلون مناصب كثيرة في الجيش، فحتى ذلك يعتبر تبريراً غير مقبول. يبقى الحديث عن الحزب الذي هو الجبهة القومية وعن الحكومة ووزرائها، الذين هم أعضاء فيها. ويقول عبد الله الخامري وهو واحد من ثلاثة سكرتيرية للجنة التنفيذية للجبهة، «إن تنظيم ا
طيع أن يعطي الرعب في عدن معناه الحقيقي. بنادق، مدافع، أسلاك شائكة، متاريس، نقاط تفتيش عند كل منعطف، دوريات عسكرية، أنوار كاشفة في الليل، انفجارات متوالية طوال الأربع والعشرين ساعة، قنابل لم تنفجر أمام البيوت والفنادق، رصاصات تبحث عن تسديد حسابات مستحقة: كل هذا جزء من الحياة اليومية في عدن. فلا مكان للتفاؤل.

ومع شوارع عدن المقفرة، التي غادرها 100 ألف عربي في السنة الأخيرة من أصل 250 ألفاً هم سكانها، بعضهم إلى السعودية، وبعضهم عاد إلى بلاده في اليمن الشمالي، وآخرون إلى الحبشة، والقادر منهم إلى لبنان أو الخليج العربي، ومن ليس معه درهم إلى قبيلته أو قريته في الداخل.

ومع فنادقها الفارغة، وقد كانت الطريق الوحيدة إلى غرفة في فندق «الكريسنت» (أو الهلال) هي بضعة دنانير في جيب موظف الاستقبال. حتى الصحافيون الذين يترددون على عدن باتوا أقل من أصابع اليد. ومن آلاف الأوروبيين، موظفين حكوميين ومستخدمين وتجاراً، الذين كانوا يعيشون في عدن، لم يبقَ إلا أقل من خمسمائة.

ومن 23 ألف جندي بريطاني كانوا يعسكرون في زوايا الشوارع، ما عاد باقياً إلا 6 آلاف، ينتظرون الرحيل النهائي بعد أسابيع. مع هذا كله تنتظر عدن، ببراكينها الخامدة ورمالها، من يسدد حساباتها ويدفع ثمن الدماء الكثيرة التي أريقت على أرضها في الصراع على القوة.

ولم تكن بريطانيا إلا الخاتمة في سلسلة المستعمرين الذين وطئوا أرض الجزيرة العربية، ووجودها كان الأبقى والأقوى والأقسى منهم كلهم. الرومان، الفرس، البرتغاليون، الأتراك. جميعهم هزموا على أرض الجزيرة وشواطئها، تاركين لا شيء إلا قلاعاً متهدمة دليلاً على اندحارهم، وظلت الجزيرة.

هكذا وجدها الكابتن هاينز والبحرية الهندية، عندما أعلن باسم الملكة فكتوريا ضم عدن إلى الإمبراطورية البريطانية قبل 128 سنة. وجد عدن، بعدما تركها الأتراك بـ 200 سنة، قرية مهملة لا يزيد عدد سكانها على 500 نسمة، «يعيشون في وضع لا يوصف فقراً وإهمالاً». ويخشى من التاريخ، إذا استمرت الدماء وما تجرفه في دربها، أن يعيد نفسه
لجبهة القومية هو السلطة الأساسية، والحكومة هي السلطة التنفيذية.

فهناك قيادة عامة لتنظيم الجبهة القومية. والقيادة العامة هي السلطة التشريعية، وهي التي تشترع للسلطة التنفيذية. والسلطة التنفيذية، أي الحكومة، مسؤولة أمام القيادة. أما عدد أفراد القيادة فيبلغ العشرين، ولها لجنة تنفيذية من 3 أشخاص.

وقد دخل حوالي 7 من القيادة العامة الوزارة، وهناك 3 وزراء في الحكومة لا ينتسبون إلى الجبهة، هم وزراء الصحة والتربية والأشغال. والحزب هو السلطة الأساسية. وهو لا يتمثل في عشرين شخصاً في القيادة العامة فحسب بل في مختلف إطاراته. ودور الحزب دور طليعي، مهمته أن يقود التحالف الثوري، لذلك توقف البحث في طلبات الانتساب إلى الحزب، بانتظار التعديل في قوانينه بعد الاستقلال».

الهدوء المفتعل

يقول عبد الله الخامري أيضاً: «نؤمن بالحزب الواحد، ونؤمن بالديمقراطية الشعبية. وتحت هذه بإمكان عدة عناصر أن تشترك في العمل السياسي. وهناك فرق بين الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الشعبية. واستراتيجية الحزب التي قامت واتبعت خلال الثورة والمطالبة بالاستقلال تبقى، إنما تكتيك الحزب يختلف الآن، ونحن في الحكم، عما كان قبله».

من خلال كل ذلك، يبدو الهدوء في عدن هدوءاً مفتعلاً، لكنه حزين. فالتساؤلات والفراغات تحيط بكل شيء. والناس ينتظرون الأسود دائماً. أما «وحدة التراب اليمني»، فشعار مرفوع دائماً، وخاصة في الطرف الجنوبي، ولعله سيبقى إلى اليوم البعيد الذي سيأتي فيه رجل يستطيع أن يسقطه ويجبله بذلك التراب، محققاً الوحدة الحقيقية. والانتظار، انتظار الوحدة طويل. والانفجار الجديد على الأبواب.

عدن: اكتوبر 1967

منذ سنة تماماً، وعلى مدخل فندق «كريسنت» في حي المعلا في عدن، وقف موظف من المندوبية السامية البريطانية، جاء ليرافقني إلى مقابلة المندوب السامي البريطاني وقتئذٍ السير ريتشارد تورنبول، وقال لي: «إذا عدت إلى عدن عند موعد الاستقلال، فقد لا تجد فيها من يستقبل الصحافيين لأنها ستكون مشغولة بين الفرح بالاستقلال والبكاء على ضحاياه».

قالها ديفيد روز، بكل ما في اللغة الإنجليزية من سخرية ولؤم ومرارة. وفي أوائل أكتوبر 1967 أصابت رصاصة، أطلقها أحد الوطنيين العرب، روز في ظهره، أمام مدخل الفندق، وأردته قتيلاً، وكان آخر الضحايا المدنيين من البريطانيين الرسميين.

ولم تنته سخرية روز عند هذا الحد. كان موعدي مع تورنبول ـ أو «الدوق الحديدي» كما كانوا يسمونه، وهو سلف المندوب السامي الأخير السير همفري تريفليان ـ في «بيت الحكومة»، في أعلى نقطة من منطقة التواهي المطلة على خليج عدن، يتطلب إجابة واحدة عن سؤال يتعلق بتوقيت الانسحاب البريطاني وموعد الاستقلال. وطلع الجواب من تورنبول: «إن الجلاء العسكري أسهل من الجلاء السياسي».

وضحك روز بعد المقابلة، وقال لي وهو يوصلني بسيارته إلى باب الفندق: «لا تخف. صدقني إننا سنجلو عن عدن ـ كما انسحبنا من مناطق أخرى كثيرة قبلها ـ وسنترك الرمال العربية وراءنا تطالب بحصتها من هذا الجلاء». وأضاف روز إلى الإنجليزية مفردات جديدة تزيد من إمكاناتها في اللؤم والمرح الساخر.

واليوم، أصبح روز اسماً آخر ضمن لائحة البريطانيين الذين ابتلعتهم الرمال العربية في تحركها المستمر في النصف الثاني من القرن العشرين، منذ أقبل الكابتن هاينز، أول بريطاني تلوح له شواطئ الجنوب العربي، ووطئ خليج عدن عام 1839.

لكن الرمال العربية المتحركة بدأت تطالب بضحايا من عندها، وقد أشعل البريطانيون الفتيل واستعدّوا للرحيل الحتمي القريب، وبدأ الانفجار قوياً عنيفاً دامياً، وهو متوقع ومستمر.الجثث في الشوارع تنهشها الكلاب ولا من يدفنها. المخازن مغلقة، بعدما كانت تحتوي من البضائع ما أعطاها لقب «هونغ كونغ العرب».

تجارها من عرب وهنود وصوماليين ويمنيين وسودانيين، باعوا ما استطاعوا بيعه وتركوا مخازنهم تحت رحمة اللصوص. فجوات الرصاص والقنابل تزيّن كل نافذة وكل باب وكل واجهة في عدن. المرفأ يتطلع فارغاً إلى المحيط الهندي يفتش عن سفينة تائهة ترسو في شواطئه.

قناة السويس المغلقة حرمته من سفن الشحن، والإرهاب والرصاص والثورة حرمته السياح، أما المصفاة فتعمل بنصف قدرتها، وتأمل أن تستمر عاملة بالنصف الثاني من القدرة، على الأقل حتى يرحل البريطانيون.لم تعد النار تأكل عدن ببطء محرق. ولم تعد بريطانيا تطمح إلى أن تترك في الجنوب العربي «مؤسسات ديمقراطية قوية تتلاءم مع ظروفه وخصائصه، وحكومة قوية مستقرة تتاح لها فرص النمو والتطور»،

كما قال لي تورنبول في ذلك اللقاء. لقد أخذت النار تلتهم كل شيء، وأصبح هَمّ بريطانيا أن ترحل في أسرع وقت، قبل الموعد الرسمي الذي حددته للاستقلال وهو 9 يناير 1968، بعدما صنعت أكبر عملية فوضى غير مشرّفة في تاريخ دولة مستعمرة. من يذكر فلسطين؟ قد يعيد تاريخ الاستعمار البريطاني نفسه في كل مكان. فليس أمام بريطانيا من دور مشرّف، إلا الانسحاب. لقد خسرت كل الأوراق.

المخرج السينمائي ألفريد هيتشكوك وحده يست
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM