اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
وأن سيطر عليها قبل عامين الأمير المـُــتمرد محمد بن ميكائيل، لتستعيد الدولة بذلك بعضاً من عافيتها.

      وذكر المؤرخ الخزرجي أنَّ «الأكراد» وبعض الأمراء «الإماميين» ــ بشقيهم «الحمزي» و«الهادوي» ــــ ساندوا «السلطان الرسولي» في حربه تلك، ولم يشر إلى وجود تحالف بينه وبين «الواثق» محمد ضد «المهدي» علي، كما ذكر بعض المؤرخين، وللإمام المتنحي قصائد كثيرة تؤكد طبيعة علاقته مع الجانبين، وتثبت أنَّ تحالفه الأخير كان وقتياً، انتهى بانتهاء ذلك القتال.

     قال «الواثق» محمد في إحدى قصائده:

فلما استوى العباس في الملك وانجلت … دياجير للنظار في جنحها أعشى

دعانا فلبينا نداه بعصبة … ترُش الثرى من ضربها رشا

بهاليل من أبناء فاطمة التي … قضى فضلها في الخلق من خلق العرشا

     وفي المقابل، كانت علاقة «المهدي» علي مع «الرسوليين» شديدة التوتر، تربص بـ «الأفضل» عباس وبدولته شراً، ساند «ابن ميكائيل»، وعمل على دعم «المـُظفر» يحيى ضد أخيه السلطان، وأمد الأمير المـُـتمرد بالمقاتلين الأشداء «صفر 766هـ»؛ من أجل الاستيلاء على مدينة حرض، إلا أنَّ محاولتهما وتحالفهما باء بالفشل.

      وحين أعلن أشراف «المخلاف السليماني» بعد خمس سنوات تمردهم على «الدولة الرسولية»، أرسل «المهدي» علي بقوات كثيرة لمساندتهم، اسقطوا حرض، ثم واصلوا تقدمهم جنوباً حتى زبيد، حاصروها «جمادي الأولى 771 هـ / ديسمبر 1369م»، لينسحبوا بعد أن عجزوا عن السيطرة عليها إلى «الكدراء»، وفي الأخيرة استقروا لخمسة أشهر.

     أرسل السلطان «الأفضل» حملة عسكرية كبيرة لمطاردتهم، بقيادة الأمير أمين الدين أهيف المجاهدي، والأمير ابو بكر السنبلي، أدرك «الإماميون» حينها أن لا طاقة لهم بمواجهة تلك القوات، ولوا هاربين إلى «المهجم»، وعادوا قبل أن ينتهي ذلك العام من حيث أتوا.

       أعاد «الإماميون» بعد عامٍ وبضعة أشهر الكرة على تهامة، تصدى «الرسوليون» لهم بحزم هذه المرة، هزموهم هزيمة مُنكرة، وقتلوا قائدهم محمد بن إدريس، و«100» من أصحابه، وأجبروهم ومعهم الأمير المـُـتمرد محمد بن ميكائيل على الهروب، التجأ الأخير إلى «المهدي» علي، أعطاه حصن «المفتاح – حجة»، وظل والياً عليه حتى وفاته.

      كما تبادل شعراء الدولتين خلال تلك الحقبة مُساجلات شعرية فيها الكثير من التحريض، وهي بمجملها توضح مرارة ذلك الصراع، وفضاعة العداء المستشري بين الجانبين، وحين قال الشاعر «الرسولي» محمد بن الراعي مُخاطباً الإمام «الزيدي»:

أبى الرحمن إلا أن ترانا … لأهل السنة البيضاء سناما

ومن مدح الملوك ينال عزاً … ويَلقى الذُل من مَدح الإماما

وما كالأفضل العباس تلقى … مليكاً لا وراء ولا أماما

عدمنا خيلنا إن لم تروها … على أبواب صعدتكم قياما

وكل جدوده لكم استباحوا … فسوف يكون في هذا لزاما

      رد عليه الشاعر «الإمامي» يحيى بن الحسن الصعدي بقصيدة طويلة، خاطب فيها السلطان «الرسولي» على لسان سيده الإمام قائلاً:

فيا ابن التركمان بأي وجه … تحوز الفضل خلفاً أو أماما

تطاولني وباعك في المعالي … قصير ما بلغت به مراما

أنا وجه المفاخر حين تبدو … أنا ساق الهدى حين استقاما

أنا السيف المهند قد علمتم … إذا طلع الضلال إلي هاما

فإن أحببت تشبه عبد عبدي … فسر نحو العلى سبعين عاما

فكم من وقعة دارت عليكم … تركنا المحصنات بها أياما

ويوم زبيد خيمنا عليها … وأقعدنا معاقلها القياما

وأخربنا المساكن حين كنا … بدار الكفر لا نهوى المقاما

      ولـمَّـا كان «المهدي» علي «جارودياً» مُتعصباً، صرح بعض فقهاء «الزيدية» وبتحريض منه بتكفير مُخالفيهم، وكتب الفقيه يحيى الصعدي رسالة طويلة مليئة بالمفردات المـُـقززة، خاطب بها أتباع المذهب «الشافعي» قائلاً: «تركتم سفن النجاة، وسلالة الرسول، وتسميتم بأهل السنة والجماعة، من الوقاحة وكثرة الخلاعة».

     وأضاف: «أليس مذهبكم التجويز والجبر، فأخبرونا ما معنى النهي والأمر.. مقالات أخذتموها عن أرسطا طاليس، وعقائد شيخكم فيها إبليس، لتهجمن بكم طرق الغواية إلى النار، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار».

      كما شبه أولئك الغلاة المـُـتعصبون إمامهم بالملاك الآتي من السماء، «لما خصه الله به من البهاء، وأتم له من النور»، حد توصيف أحدهم، وألصقوا به معجزات خارقة، منها: أنَّه مسح على رجل يبست يده حتى أعاد لها الحياة، والمفارقة الصادمة أنَّه – أي الإمام – أصيب في آخر عمره بالشلل، ولم تُغن مُعجزاته الخارقة عنه شيئاً!!.

      أثناء مرضه الأخير، وفي نهاية عقده السابع، أناب «المهدي» علي ولده، وقائد جنده، وولي عهده الأمير صلاح الدين محمد بدلاً عنه، وحين أثر المرض على عقله؛ أعلن نائبه من ذمار نفسه إماماً «صفر 773هـ / أغسطس 1371م»، مُتلقباً بـ «الناصر»، وذلك قبل عام واحد من وفاة سلفه، نقل جثمان والده المتوفي إلى صعدة، ودفنه بوصية منه جوار «الهادي» يحيى، وكان بشهادة كثير من المؤرخين أسوأ منهما بكثير.

موعد مع الجحيم

     «أنا لكم ما ش
ئتم، إمام أو سلطان»، قالها «الناصر» صلاح الدين محمد، لفقهاء مذهبه الذين اعترضوا عليه بعد وفاة والده «المهدي» علي بن محمد «ربيع أول 774هـ / سبتمبر 1372م»؛ وذلك لعدم اكتمال شروط الإمامة فيه، سيطر بالقوة على الأمر، واشترى الإمامة من أحد مُعارضيه « »، ثم مضى في حكمه الدموي، مُسجلاً في «اليمن الأسفل» وتهامة فُصولاً سوداء من القتل، والتدمير، والنهب، مُكملاً ما بدأه أبوه، وبصورة أشد فضاعة.

     كان الإمام الجديد – بشهادة كثير من المؤرخين – مُغامراً مُتهوراً، لم يكل ولم يمل من مقارعة خصومه، والتنكيل بهم، استغل ضعف «الدولة الرسولية»، وكثرة الخونة والمـُـتربصين من حولها، ووحد القبائل الشمالية، وأمن جانبها، وقادها، ووجهها جنوباً وغرباً؛ من أجل القضاء على تلك الدولة المـُـنهكة، إلا أنَّ محاولاته باءت بالفشل.

     يُعد الشيخ أبو بكر السِّيري من أبرز أعيان «اليمن الأسفل» الذين تمردوا على «الدولة الرسولية»، استقل بجبل بعدان قبل «20» عاماً، ليعمل السلطان «المجاهد» علي، ومن بعده «الأفضل» عباس على التخلص منه، نجح الأخير في قتله «ذي الحجة 775هـ»، فاستنجد ولده محمد بـ «الناصر» صلاح الدين.

     لبى «الناصر» صلاح الدين تلك الدعوة، وجهز في «رمضان» من العام التالي جيشاً عظيماً قاده بنفسه، التقى بـ «السِّيري» في إب، ثم تقدما بوقت واحد صوب تعز، خيما بالجند لثلاثة أيام، تعرضا لمقاومة عنيفة من قبل السكان، وحين أدرك الإمام أنَّ السلطان قد أعد العدة لملاقاتهم؛ انسحب من طريق آخر، تاركاً من استنجد به لمصيره، فما كان من الأخير إلا أن عاد إلى بعدان مُنكسر القوة والخاطر.

      كانت تهامة بنظر «الناصر» صلاح الدين الجهة الأضعف، توجه إليها منتصف العام «777هـ»، لم يعترض طريقه أحد، استباح عساكره مُمتلكات المواطنين، وخربوا دورهم، ومزارعهم، ونهبوا كل شيء وجدوه أمامهم، استعد والي زبيد الأمير أمين الدين أهيف للمواجهة، استنجد بمشايخ المناطق المجاورة، فأمدوه بالرجال، وبالسلاح، وما أن رأى الإمام تلك الحشود حتى راعه المشهد، فخفَّ حماسه، وحماس من قَدموا معه.

     ينقل لنا المؤرخ الخزرجي الذي كان حينها حاضراً جانباً من تفاصيل تلك الواقعة، قائلاً: «حصل قتال بين عسكر الإمام وأهل المدينة، فبينما الناس يقتلون، إذ خرج رجل من زبيد عظيم الخلقة، طويل القامة، على فرس كأعظم ما يكون من الجمال، وعلى الفرس والفارس ثياب كلها خضر، وحوله من الناس جمع كثيف، فلما خرج في جمعه ذلك ورآه العسكر انهزموا بين يديه، فتبعهم فتوجهوا شمالاً، ولم يلتفت منهم أحد، فكان آخر العهد بهم»، وذكر مؤرخ مجهول، أنَّ ريحاً عاتية هبت على «الناصر» صلاح الدين وجنوده في طريق عودتهم، وقتلت منهم نحو «1,300» رجل.

      توجه السلطان «الأفضل» عباس في العام التالي إلى زبيد، وفيها كانت وفاته «21 شعبان 878هـ / ديسمبر 1376م»، فخلفه ولده «الأشرف الثاني» إسماعيل، اضطر الأخير إلى خوض عديد من المعارك لإصلاح ما أفسده الدهر، وكان عهده أكثر استقراراً من سلفه.

     كانت صنعاء خلال تلك الحقبة خاضعة لـ «الحمزات»، دخلها «الناصر» صلاح الدين دون حرب «784هـ»، وذلك بعد مرور عامين من زواجه بوالدة الأمير إدريس بن عبدالله الحمزي، أسر الأخير لبعض الوقت، ثم اصطلحا، فيما هرب الأمير داؤود بن محمد الحمزي إلى «السلطان الرسولي»، وبقي في ضيافته حتى وفاته.

     بعد خمس سنوات من الصراع، تم الصلح بين السلطان إسماعيل وبين الإمام صلاح الدين، إلا أنَّ الأخير نقضه بعد مرور خمسة أشهر، وعاد لغاراته الجنونية، وحروبه العبثية، توجه صوب تهامة للمرة الثانية، وعاد منها خائباً، ثم توجه بحملة كبرى قاصداً تعز، وحين علم باستعدادات «الرسوليين» للدفاع والمقاومة؛ استقر بجبلة، خربها، ونهبها «شعبان 787هـ / سبتمبر 1385م»، وعاد أدراجه أيضاً خائباً.

       كغيره من الأئمة، كانت لــ «الناصر» صلاح الدين محمد حروباً كثيرة مع «الإسماعليين»، واقعة «المنقب» في همدان كانت الأشهر «788هـ»، وصل عدد القتلى فيها إلى أكثر من «1,000» قتيل، وقيل أقل من ذلك، وعنها قال صاحب «غاية الأماني»: «فلم يكن بأسرع من أن دخل عليهم جند الإمام وحكموا فيهم السيف الصمصام، حتى أتى القتل على آخرهم، ولم ينج منهم أحد، وكان يوماً عظيماً اضطرب منه اليمن بأسره، وذلت رقاب همدان لما وقع بهم من عقاب الله وزجره».

     وعن تلك المعركة قال جمال الدين الهادي بن إبراهيم الـوزير:

واذكر لنا فـتح الإمـام محمـد … بلد الطغـام الفرقـة الأنجـاس

أفنى الإمام الباطنيـة عـن يـدٍ … ومحى رسوم الكفـر والأدنـاس

الناصـران مـن الأئمـة دمـرا … فرق الردى والكفر شـر أنـاس

يوم كنغـاش والمنقـب ألبـسا … فرق الضلال ملابـس الإبـلاس

     كان «الإسماعليون» حينها متواجدون بكثرة في «همدان، وبني حشيش، وحراز، ويريم، وريام» وإلى الأخيرة توجه «الناصر» صلاح الدين «رمضان 789هـ»، وعن ذلك قال المؤرخ الخزرجي: «فنهب منها مالاً جليلاً، وقتل من أهل
ها طائفة، وقتل من أصحابه طائفة، ولما رجع الإمام عنها قصد عسكره إرياباً، – بالقرب من يريم – فأتلفوا زرعه، وقاتلهم أهل إرياب، وقتلوا منهم جماعة، ونهبوا كثيراً من خيامهم وأزوادهم وأثقالهم».

      عدن – ثغر اليمن الباسم – لم تسلم هي الأخرى من مغامرات «الناصر» صلاح الدين وطيشه، توجه إليها أواخر ذات العام بجيش كبير، حاصرها لمدة «12» يوماً، ولما دنت عساكره من بابها، تقدم أحد قادته وكان مشهوراً باقتحام الحصون، فرُمي بصخرة كبيرة حتى خرَّ صريعاً، ورجع الإمام وعسكره خائبين مهزومين، بعد أن فتكت الأوبئة بأكثرهم.

      قُدر لتهامة أن تدفع ثمن الجنون «الإمامي» أكثر من غيرها، سكانها بسطاء، وتضاريسها سهلة، وتحصيناتها هشة؛ أسبابٌ اجتمعت وجعلت «الناصر» صلاح الدين يشحذ الهمم للسيطرة عليها أكثر من مرة، تحرك إليها بجيشٍ هو الأكثر عدداً وعدة «جمادي الآخر 791هـ / يونيو 1389م»، وانضمت إليه وهو في طريقه إليها عدد من القبائل المـُـتمردة.

     قويت بذلك شوكة الإمام المـُـغامر، وزادت عزيمته، اقتحم حرض، ثم المحالب، ثم المهجم على ضفاف وادي سردد، ومارس في كل منطقة سلوكه المحبب في التدمير والنهب، الأمر الذي أثار الرعب في سكان تهامة و«اليمن الأسفل» قاطبة، وكثرت الأراجيف، وظن الجميع حينها زوال «الدولة الرسولية» وإلى الأبد.

     كان السلطان «الأشرف الثاني» إسماعيل حينها في زبيد، استقبل ولاته وعساكرهم الهاربين، واستعد لمعركة الدفاع عن عاصمة دولته الثانية جيداً، استدعى الإمدادات، وأمر بزيادة التحصينات، وحفر الخنادق، حصلت مناوشات محدودة في أطراف المدينة المحاصرة، كبدت «الإماميين» الكثير من الأرواح، قدرها الخزرجي بـــ «50» فرداً.

      ظن الجميع أنَّ الإمام المـُـغامر ولى مُنهزماً، غير مدركين أنَّ الحرب خدعة، وأنَّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، حتى السلطان إسماعيل نفسه خُدع بالأمر، وعاد إلى مدينة تعز، ومعه حشد كبير من عساكره وحاشيته، وصارت زبيد بفعل ذلك التصرف على موعد مع الجحيم.

     استجمع «الناصر» صلاح الدين – نيرون ذلك العصر – بعد أقل من شهر قبحه، وتوجه إلى زبيد مُوزعاً عساكره على أبوابها الأربعة، وابتدأ «النشابة» بصب سهامهم على نوبات الحراسة، لتقتحم المدينة من الباب الغربي الأقل تحصيناً، هرب العسكر «الرسولي»، وكانوا قلة، وتركوا المدينة المنكوبة ومواطنيها لقدرهم المحتوم.

     غادر السكان منازلهم، على وقع عويل النساء، وصراخ الأطفال، فيما بقي الرجال للدفاع والمقاومة، وقد استطاعوا بأسلحتهم المتواضعة، أن يخرجوا الغزاة إلى خارج أسوار المدينة، الأمر الذي أغضب «الناصر» صلاح الدين، وأشعل نار حقده، ولكي يطفئ ذلك؛

 أمر بإحراق القرى المجاورة، فاشتعلت النيران، وأخذتها الرياح حتى زبيد، فأحرقت المدينة، وطمست كثيرٌ من معالمها المائزة.

     ابتدأ الجنود «الرسوليون» يتوافدون بقيادة الأمير بهاء الدين الشمسي لإنقاذ المدينة المحروقة، وتحرير تهامة، دارت مواجهات مُتقطعة، خسر فيها «الناصر» صلاح الدين حوالي «80» فرداً، أحدهم صهره، وحين أدرك ألا طاقة له بمواجهة تلك القوات، عاد أدراجه من نفس الطريق التي أتى منها، ولم يعد إليه صوابه.

     قال صاحب «مأثر الأبرار» متباهياً بما فعله سيده: «وكان الإمام صلاح قد دوخ بلادهم وأخربها، – يقصد الرسوليون – وحمل من أبواب زبيد وغيرها أشياء كثيرة، حتى روى لي بعض الأصحاب: أنَّ مقدمة من القرآن فاخرة غنمها فقيه من أهل يسنم.. وكذلك ذكر لي بعضهم: أنَّ الشباك الحديد الذي فوق بيت من بيوت مسجد الهادي، وهو مركب فيه إلى جهة المطراق شامياً من بعض بيوت قرى زبيد».

     بعد ثلاثة أشهر من تلك الواقعة، تم الصلح بين «الأشرف الثاني» إسماعيل ومحمد السِّيري، واتحد الاثنان لإعادة المناطق المـُـتمردة لكنف «الدولة الرسولية»، الأمر الذي أغضب «الناصر» صلاح الدين؛ فحشد الحشود القبلية، واقتحم بهم جبلة للمرة الثانية، استعد «السلطان الرسولي» للمواجهة، وطلب من أهل البلاد مساعدته، ولولا وصول المدد في الوقت المناسب؛ لمني بهزيمة نكراء؛ بسبب موالاة بعض القبائل التي اعتمد عليها للإمام نيرون.

      انسحب «الناصر» صلاح الدين إلى ذمار، وأرسل في نفس اليوم حملة عسكرية إلى تهامة، وكان الموت مصير قائدها، وأغلب افرادها، وفي العام التالي توجه صوب مدينة جبلة للمرة الثالثة، وعاد منها مهزوماً، دون أن يحقق مراده.

      مع بداية العام «793هـ» توجه «الناصر» صلاح الدين إلى بعدان، بلاد محمد السَّيري الذي استنصره بالأمس، مارس فيها جنونه، من قتل، ونهب، وتخريب، فجادت السماء بغيثها، وتجمعت المياه على الطرقات، وجعلتها أكثر وعورة، الأمر الذي سهل لأبناء البلد أن يصدوا توغل تلك الحملة، ويقتلوا الكثير من أفرادها، توجه الإمام بعد ذلك إلى الشعر، وهناك أخرج غله وحقده على سكان تلك المنطقة، وحين لم يظفر بها، عاد أدراجه خائباً كعادته.

      أجمع كثير من المؤرخين أنَّ «الناصر» صلاح الدين كان أقرب للم
لك من الإمامة، اشتهر بكرمه وسخائه، وباهتمامه بالبناء مجارياً «الرسوليين»، وشهد عهده نهضة عمرانية في صنعاء وذمار، وعنه قال صاحب «غاية الأماني»: «ومن مبانيه العجيبة قصر ظفار الذي ليس له نظير في قطر اليمن، إلا القصر الذي بناه المؤيد الرسولي في ثعبات».

     وهو رغم ذلك اشتهر بتعصبه المذهبي، سعى بكل ما أوتي من قوة وحقد على إجبار كثير من سكان المناطق «الشافعية» على اعتناق المذهب «الزيدي»، وخُطب له – كما ذكر بعض المؤرخين – في «ينبع، وتهامة، والشحر، وعسير».

     والأسوأ من ذلك، أنَّه كان جباراً جريئاً في سفك الدماء، وحين قام سكان آنس بقتل عامله عليهم، قتل منهم «70» رجلاً، وأخذ منهم سبعين دية، وفيه قال أحد الشعراء:

لولا حسامك يا ابن الشم من مضر … ما كان في عين دين المصطفى نظر

بينت منهاجه للسالكين به … من بعد ما كان لا عين ولا أثر

ودست هامات أهل البغي فانصرعوا … قتلى ومأواهم من بعد ذا سقر

قضى لك السعد والأيام شاهدة … فصار يجري على ما تشتهي القدر

     الطغاة من أمثال «الناصر» صلاح الدين لا يستسلمون إلا لحتفهم، تأخذهم العزة بالإثم حتى النهاية، ولا وجود للتوبة في قاموسهم! وقد كانت الوجهة الأخرى والأخيرة لهذا الطاغية «بني شاور» من بلاد لاعة «رجب 793هـ»، حيث الفقيه «الشافعي» شهاب الدين أحمد بن زيد الشاوري.

      كان هذا الفقيه مناوئا لـلأئمة، كثير الانتقاد لمذهبهم، وصنف مُختصرا في ذلك، كما أنَّه منع أبناء منطقته من ترك المذهب «الشافعي»، بعد أن أجبرهم «الناصر» – وأجبر غيرهم – على اعتناق المذهب «الزيدي»، ولأجل ذلك هاجمه الإمام، وقتله هو وولده أبا بكر، وأخوته، وطائفة من فقهاء مذهبه، وخرَّب ونهب بلده، وكان فيها أموال كثيرة مودعة عنده؛ لثقة الناس به، وقد رثاه إسماعيل المقري بقصيدة طويلة، خاطب بها ذلك الطاغية قائلاً:

أراني الله رأسك يا صلاح … تداوله الأسنة والرماح

لقد أطفأت للإسلام نوراً … يضيء العلم منه والصلاح

فلا تفرح لسفك دم ابن زيد … فما يرجى لقاتله صلاح

ألا شَلَّتْ يمينك يا صلاح … وعجل يومك القدر المتاح

      استجاب القدر، وتحققت عدالة السماء، ولم يكد «الناصر» صلاح الدين يُتم رحلة عودته، حتى سقطت به بغلته، وافتك وركه، وانكسر كعبه، ودخل به إلى صنعاء محمولاً، وكانت بعد ذلك ببضعة أشهر نهايته «3 ذو القعدة 793هـ / أكتوبر 1391م»، عن «54» عاماً، أخفى أهله خبر موته لأكثر من شهر؛ كي يستتب الأمر لولده الأكبر علي من بعده، وقيل غير ذلك (4).

     رب ضارة نافعة، ولولا وفاة «الناصر» صلاح الدين « »، وعودة الصراع والتنافس «الزيدي – الزيدي»، ما استعاد «الرسوليون» عافية دولتهم، وما امتد عمرها حتى العام «858هـ»، تاريخ نهايتها المحتوم، على يد أصهارهم «الطاهريين»، – كما سيأتي – وكأنَّه قدر لسكان «اليمن الأسفل» ألا يرتاحوا وينعموا بالأمن والأمان؛ إلا إذا اختلف وتحارب هؤلاء «الإماميون»!!.

 أثناء سيطرتهم على «اليمن الأعلى»، عمل «الأيوبيون» ومن بعدهم «الرسوليون» على تنصيب ولاة من قبلهم على تلك المناطق، كان أغلبهم من «الأكراد»، وحين ضعفت «الدولة الرسولية» استقر غالبية هؤلاء الأمراء ومماليكهم في ذمار، استغلوا الصراع «الزيدي – الزيدي»، وصاروا صُناع أحداث داخل دولة الإمامة نفسها، في سابقة مُلفتة لم تشهدها تلك الدولة «الثيوقراطية» من قبل.

     لم يسيطر «المهدي» على بن محمد على معظم مناطق «اليمن الأعلى» إلا بمساعدة هؤلاء الأمراء، ومماليكهم، زوج ولده «الناصر» صلاح الدين من فاطمة بنت الأسد بن إبراهيم الكردي، واستطاع بمساعدة والدها الأمير تثبيت أركان دولته، بعد أن جعله والياً على ذمار، وكانت نتيجة تلك المصاهرة حفيده علي، الذي تولى الإمامة يوم دفن والده «الناصر» في صنعاء «ذي الحجة 793هـ / نوفمبر 1391م»، وعمره آنذاك «18» عاماً.

     تلقب الإمام الصغير بـ «المنصور»، وبويع بصنعاء في اليوم نفسه لقريبه الأكبر منه بعشر سنوات أحمد بن يحيى بن المرتضى « »، تلقب الأخير بـ «المهدي»، وهو جد أسرة «شرف الدين»، مال كثير من العلماء حينها لصف معارضه، وذلك بعد أخذ ورد فيما بينهم حول من يستحق الإمامة، تخلى بعضهم عن شرط الاجتهاد، وقالوا صراحة بجواز مُبايعة المفضول مع وجود الفاضل.

      رغم أنَّ «المهدي» أحمد كان الأكثر علماً ودراية، وتمت مبايعته وفق شروط المذهب «الزيدي» المـُـتعارف عليها، مال غالبية علماء «الزيدية» عنه، ليتهمهم ابنه الحسن «كاتب سيرته» بأخذ رشوة من منافسه، وكان أشهر المتهمين القاضي عبدالله بن حسن الدواري، والعلامة محمد بن إبراهيم الوزير ، وقد ألف الأخير ــ فيما بعد ــ كتاباً أسماه: «الحسام المشهور في الذب عن دولة الامام المنصور»، أثنى فيه على ذات الإمام، وأشار إلى صلاحه، واهتمامه بالعلم والعلماء « ».

      استغل عدد من أمراء وأعيان «اليمن الأعلى» ذلك الصراع، ورفعوا من خارج صنعاء راية العصيان، عددهم صاحب «غاية الأماني» بقوله: «فإن أول من أظهر الخلاف الأمير
إدريس بن عبدالله بن داؤود، والداعي ابن الأنف صاحب ذي مرمر، وقبائل همدان كالهبريين، وبني مكرم، وبني حاشد وجشم، وغيرهم من أهل خولان، ونهم، وذيبان، وبني شهاب، وسنحان».

      أما «المهدي» أحمد، فإنَّه وبعد أن رأى ميلان غالبية علماء «الزيدية» لمنافسه القوي؛ خرج إلى بيت بوس مُتمرداً، وهناك حاصره «المنصور» علي لـ «13» يوماً، ليذعن بعد أن تدخل القاضي الدواري للصلح، على أن يتم مُناقشة أمر الإمامة من جديد، واختيار من هو أهل لها.

      عاد الجميع إلى صنعاء، وبدأ الإمامان في تحشيد أنصارهما، وعلى غفلة من منافسه الذي تقوى بوالدته، وبأخواله «الأكراد»، ومماليكهم، خرج «المهدي» أحمد إلى القبائل الشمالية، حظي بمساندتها، ومساندة «الحمزات»، استولى الأخيرون على صعدة، وحاصروا صنعاء لثلاثة أشهر، وكانت بالفعل على وشك السقوط.

      دارت حروب وخطوب بين الجانبين، وفي أكثر من جهة، انتهت مُنتصف العام «794هـ» بأسر «المهدي» أحمد في معبر، وقتل «80» رجلاً من أصحابه، اقتيد بصورة مُخزية إلى صنعاء، وفيها تم حبسه مُكبلاً، وإلى «المنصور» علي كتب الهادي بن إبراهيم الوزير مُستعطفاً في فك قيود الإمام الأسير، قائلاً:

فقلت له فداك أبي وأمي … تلطف بالقرابة والرحامة

فإن السيد المهدي منكم …  بمنزلـة تحــق لـه الفخامـة

ألم يك جـدك المهـدي خـالاً … له وكفـى بـذلك في الرحامـه

سـألتك أن تـبرد منـه سـاقًا … نحيفًـا قيـده أوهـى عظامـه

      ومن هجرة «قطابر» أعلن «الهادى» علي بن المؤيد بن جبريل « » ذو الـ «40» عاماً نفسه إماماً «محرم 796هـ»، وقيل قبل ذلك، مؤسساً دولة «زيدية» في شمال الشمال، وهو أيضاً من نسل «الهادي» يحيى، وجد «آل المؤيدي»، وممن بايعوا «المنصور» علي عام قيامه، حاول الاستيلاء على مدينة صعدة، وبويع له في «خولان الشام، والأهنوم، وبلاد الشرف».

      بعد سبع سنوات وإحدى عشر يوماً من الحبس، نجح «المهدي» أحمد بالهرب، تنقل بين عدة مناطق، ثم توجه إلى «فللة – صعدة»، حيث «الهادي» علي، تحالف مع الأخير، وقيل أنَّه تنازل له عن الإمامة، ليقضي «المنصور» علي – فيما بعد – على تلك الدولة الضعيفة، أخذ صعدة بعد حصار دام سنين، فيما استمر «المؤيدي» في ضواحيها، مُحاولاً استعادتها حتى وفاته «محرم 836هـ».

      أما «المهدي» أحمد، فقد ظل مُتنقلاً من منطقة إلى أخرى، مُنكباً على الاطلاع والكتابة، كانت «ظفير – حجة» محطته الأخيرة، وسبق له وأن ألف أثناء فترة حبسه كتاب «متن الأزهار»، المرجع الأشهر في الفقه «الزيدي»، وفيه ظهر تعصبه المذهبي وبقوة، بدليل قوله الدعائي في ذات الكتاب:

إذا شئت أن تختر لنفسك مذهباً … ينجيك يوم الحشر من لهب النار

فدع عنك قول الشافعي ومالك … وحنبل والمروي عن كعب الأحبار

وخذ من الناس قولهم ورواتهم … روى جدي عن جبرائيل عن الباري

      وفي المقابل، لم يكن «المنصور» علي مُتعصباً لمذهبه؛ بل كان على وفاق مع علماء السنة، عكس والده وجده، استناب الفقيه أبو الحسن علي بن يحيى العمراني على صنعاء قاضياً وحاكماً، رغم أنَّ الأخير «شافعي» المذهب، ولم يأبه باعتراض مُتعصبي «الزيدية» على ذلك، وإليه قدم بعض علماء «اليمن الأسفل» راجين عطائه.

      كان عهد «المنصور» علي أقرب إلى الملك، لأسباب عدة؛ أبرزها أنَّه لم يكن مستوفٍ لشروط الإمامة، كما كان لأمه «الكردية»، ولمماليك جده ووالده دور بارز في ذلك التحول، كانت والدته قوية مُهابة، أدارت الحكم أثناء غيابه عن صنعاء باقتدار، وكانت تباشر بنفسها تجهيز الحملات العسكرية إلى المناطق المضطربة، القريبة والبعيدة عن ذات المدينة، ومنعتها من السقوط أكثر من مرة.

     كانت علاقة «المنصور» علي بـ «الرسوليين» في أغلب فترة حكمه التي تجاوزت الـ «46» عاماً هادئة ومُستقرة، أرسل بداية عهده بهدايا الصداقة للسلطان «الأشرف الثاني» إسماعيل، آخر سلاطين «بني رسول» الأقوياء، كان الأخير بشهادة كثير من المؤرخين كريماً مُهاباً، أعلنت معظم القبائل «الزيدية» خاصة تلك القريبة من حدود دولته ولائها له، وكذلك فعل بعض «الحمزات»، أرسل جميعهم وفودهم إليه، ونالهم من عطائه الكثير.

      استغل السلطان «الرسولي» بداية عهده الصراع «الزيدي – الزيدي»، وحاول أكثر من مرة السيطرة على ذمار، وحين فشل؛ اكتفى بالسيطرة على رداع، بواسطة نائبه في تلك الجهة الشيخ طاهر بن عامر، وما أن شاع خبر وفاته «18 ربيع أول 803هـ / أكتوبر 1400م»، حتى استعاد «المنصور» علي زمام المبادرة، وقام بعدة محاولات لاستعادة السيطرة على تلك المدينة، انتهت بعد ثلاثة أعوام بالصلح، وبأن تنازل له «الطاهريون» عن إحدى القلاع الحصينة.

      وفي العام «820هـ / 1417م» أعاد «المنصور» علي الكرة على «الطاهريين» – حكام رداع باسم «الدولة الرسولية» – فما كان منهم إلا أن استنجدوا بالسلطان «الناصر» أحمد بن «الأشرف الثاني» إسماعيل، أنجدهم الأخير بقوات جرارة قادها بنفسه، أوقع بـ «الإماميين» شرَّ هزيمة، وفتك بالكثير منهم؛ أخذ
«الطاهريون» بعد ذلك في تقوية أنفسهم، في الوقت الذي أخذ فيه «الرسوليون» يزدادون ضعفاً، خاصة بعد وفاة ذات السلطان «جمادي الأولى 827هـ / إبريل 1424م».

       كما كانت لـ «المنصور» علي – كأبيه وجده – حروب كثيرة مع «الإسماعليين»، اجتاح ثلا، ثم توجه صوب معقلهم الحصين في «ذي مرمر»، حاصره لسنة وثلاثة أشهر، وأخرج «بني الأنف» منه «شعبان 829هـ»، وعن تلك الموقعتان قال الفقيه أحمد بن قاسم الشامي:

وقد فتح المنصور بالله أرضهم … ببيض المواضي والردينية السمر

وما زال في أرض القرامط لابساً … من الله سربال السعادة والنصر

أبعد ثلا يرجى لحصن سلامة … وذي مرمر سامي الذرى سامي القصر

     توفي «المنصور» علي في صنعاء «محرم 840هـ / 1437م»، وهو العام الذي حلَّ فيه وباء «الطاعون»، ومات بسببه الآلاف من اليمنيين، منهم مُنافسه «المهدي» أحمد، الذي لحق به في الشهر التالي، وولده «الناصر» محمد، الذي حكم لـ «40» يوماً فقط، وقيل أقل من ذلك، لتتحكم زوجة الأخير الأميرة فاطمة بنت الحسن بن صلاح، – وهي من تبقى من ذرية «المنصور» علي – ومملوك زوجها قاسم بن عبدالله بن سنقر « » بالأمر.

     حين رأت الأميرة فاطمة عدم رضا العامة عنها، أجمعت ومسانديها على اختيار صلاح بن علي – من نفس الأسرة – إماماً وزوجاً، تلقب الأخير بـ «المهدي»، وعزم بعد عدة أيام على التخلص من المملوك قاسم بن عبدالله سنقر، إلا أنَّ الأخير أحبط محاولته، وزج به في السجن، لتنجح زوجته الأميرة فاطمة بإخراجه، أخذته معها إلى صعدة، وهناك كان لها الأمر والنهي دون منازع، وعنها قال ابن أبي الرجال:

بلقيس هذا العصر يا من علت … قدراً على بلقيس في عصرها

ومتعت في ملكها سدة … في أمرها الماضي وفي نهبها

     نَصَّب المملوك قاسم سنقر في صنعاء الناصر بن محمد إماماً، والأخير  من نسلِ «المظلل بالغمامة»، كان صغير السن، قليل العلم، تلقب بـ «المنصور»، تيمناً بـ «المنصور» علي، جده لأمه مريم، لتنجح الأخيرة بتهريبه؛ حين وقع الخلاف بينه وبين ذلك المملوك المـُـتسلط، طلت وجهه باللون الأسود، والبسته لبس الجواري، فتوجه من فوره إلى حصن «هران – ذمار»، واتخذه مقراً له، وانظم إليه غالبية مماليك وعبيد جده.

      «الحمزات» من جهتهم استغلوا ذلك الصراع، وأعلن المـُطهر بن محمد بن سليمان الحمزي من الأهجر نفسه إماماً، مُتلقباً بـ «المـُـتوكل»، استدعاه المملوك سنقر إلى صنعاء، وأعلن تأييده له، ليخرجا معاً وقبل أن ينتهي ذلك العام لمحاربة «المنصور» الناصر، وفي قرية «قريس – جهران» كانت المواجهة.

      استعان الإمام الناصر بـ «الطاهريين»، وبهم انتصر، أسر مُعارضه الإمام المـُطهر، وأمر بحبسه، كما أمر بخنق قاسم سنقر، – كي يبدوا موته طبيعياً – وقيل أنَّه أراد بذلك تلافي غضب حلفائه «الأكراد»، ليدخل بداية العام التالي صنعاء دخول الفاتحين، بعد أن انتصر بالخديعة على زيد ابن المملوك الصريع، وذلك بالتزامن مع هروب «المـُـتوكل» المـُطهر من سجنه في حصن «الربعة» بذمار.

      تقوى بعد ذلك أمر الإمام المـُطهر، توجه شمالاً، وحظي بمساندة بني عمومته «الحمزات»، وكانت أغلب حروبه مع «المهدي» صلاح، أخذ عليه صعدة، بعد أن ناصره سكانها، وإلى الإمامين أرسل الشاعر أحمد بن قاسم الشامي بقصيدة طويلة مُنتقداً، ومحرضاً إياهما على التوجه جنوباً، نقتطف منها:

هلا سألت مطهراً وصلاحا … هلا حصل للمسلمين صلاحا

أم جهزا جيشاً لبلدة طاهر … يروي التراب بها دماً سفاحا

ويذيق ساكنها الحِمام وتمتلئ … تلك النواحي والحصون نواحا

أو ليس أملاك المتوج طاهر … ملكوا رداع وهيوة وصباحا

تلك التي كانت لآل محمد … صدقاً وهم فيها مساً وصباحا

فسطا عليهم شافعي سالك … في مذهب لكنَّ فيه فساح

فيه الغناء مع البراعة جائز … والطار والشطرنج صار مباحا

يا داعيان دعا العناد وأديا … فرض الجهاد وقدما الأرواحا

     بعد خمسة أعوام من الصراع، استعاد «المهدي» صلاح السيطرة على صعدة، ملأ سجونه بغالبية سكانها، ونهب منها أموالاً كثيرة، وخرج قاصداً صنعاء «846هـ / 1443م»، التقاه «المنصور» الناصر بسفح جبل نقم، هزمه شرَّ هزيمة، وغنم أمواله، وزج به في السجن، ثم توجه بقواته المـُـنتشية بالنصر صوب صعدة، سيطر عليها، ولم يترك للأميرة فاطمة سوى بعض الحصون، ليصطلحا بعد عامين، وذلك بعد أن زوجته بـ «بدرة»، ابنتها من زوجها المتوفي «المهدي» محمد.

      وبالعودة إلى أخبار زوجها الثاني «المهدي» صلاح بن علي، فقد توفي هو الآخر بسجنه في صنعاء مسموماً «ربيع الأول 849هـ»، وذلك بالتزامن مع استعادة «المـُـتوكل» المـُطهر لنفوذه، سيطر الأخير على بلاد الشرف، وعدد من حصون تلك الجهة، ثم توجه صوب صعدة بطلب من الأميرة فاطمة، وهناك تزوج بابنتها «بدرة»، بعد أن فسخ نكاحها من «المنصور» الناصر، آسره وآسر زوجها من قبل؛ بذريعة أنهما أخوة من الرضاعة، وقيل غير ذلك.

      سبق وأشرنا إلى استعانة «المنصور» الناصر بداية عهده بـ «الطاهريين»، إلا أن المودة ل
م تدم بينهم طويلاً، توجه لمحاربتهم، وعن ذلك قال صاحب «روضة الأخبار»: «خرج الناصر إلى ذمار، فجمع أحزابه، وعب كالسيل عبابه، وخرج على غفلة إلى بني طاهر، فدخل مدينة دمت عنوة، ولم يكن لمن فيها وقعة قوة، ونهب وأخرب، والتجأ أهلها إلى الحصن.. وعاد فقصد حصن هيوة، فغشي من فيها الجبن، فسلموا إليه الحصن، وهو من الحصون الرفيعة، والمعاقل المنيعة».

      كانت الحرب بينهما بعد ذلك سجالاً، تخللتها بعضٌ من محطات الصلح المؤقت، كما كانت لــ «المنصور» الناصر حروب مع «المـُـتوكل» المـُطهر، الذي تحالف هو الآخر مع «الطاهريين»، وكانت هي الأخرى سجالاً.

      بعد عشر سنوات من الصراع المـُـنهك، نجح الإمام الناصر بالسيطرة على صعدة مرةً أخرى «شوال 860هـ»، قبض على الأميرة مريم وأعوانها، واقتادهم مُقيدين إلى صنعاء، فيما نجحت ابنتها «بدرة» بالهروب إلى «خولان الشام»، ثم لحقت بأمها، استعاد «المـُـتوكل» المـُطهر بعد ذلك زمام المبادرة، وتمكّن بعد ست سنوات من أسر «المنصور» الناصر، وكانت نهاية الأخير كما «المهدي» صلاح في السجن قتيلاً.

      كانت صفحة «الدولة الرسولية» حينها قد طويت، وذلك بعد أن عصفت الصراعات الأسرية بها، والتي كان آخرها بين السلطان «المسعود» صلاح الدين الذي استعاد التهائم وعدن، ليزحف من هناك إلى تعز، لطرد السلطان «المـُظفر الثاني» يوسف بن عمر بن إسماعيل، استغل مماليك تهامة الحرب بين السلطانين، فشددوا قبضتهم على تهامة، ونصبوا الأمير حسين بن «الظاهر» سلطاناً « شعبان 855هـ / نوفمبر 1451م»، ولقبوه بـ «المؤيد».

      صار بذلك لـ «الدولة الرسولية» ثلاثة سلاطين، يتنازعون الملك والسيادة، الأمر الذي شجع ولاتهم، وحلفاؤهم، وأصهارهم «الطاهريين» على وراثة الدولة والحكم، دخل الأخيرون عدن «23 رجب 858هـ / 19 يوليو 1454م»، وأسروا «المؤيد» حسين آخر ملوك «بني رسول»، فابتدأت من هناك دولتهم، وفيها أيضاً – كما سيأتي – كانت نهايتهم (5).

      «الرسوليون»، ومن بعدهم «الطاهريون»، ومن بعدهم «الأتراك»، أتوا امتداداً للدولة، التي تتجدد وإن تغيرت مسمياتها، أما الفكرة فتمضي قُدُماً دون تجديد، وإن تغيرت تفسيراتها، وتعددت أسماء من يتولون زمامها، وما دامت بنظر مُعتنقيها عقيدة، وجزءاً من الدين، فمن الصعب اجتثاثها، تنكمش إذا ما وجدت دولة وحاكم قوي يصدها، وتتمدد إذا حصل العكس!! ومن هذا المنطلق، فإن التنافس والصراع بين «فكرة الدولة»، و«دولة الفكرة»، سيظل حتى قيام الساعة.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
تحقيق نسب الطاهريين

قال بعض الجهلة:

اقتباس:

في طرفة الاصحاب لابن رسول ذكر ان بني طاهر من مذحج وقد اخذ النسب من الطاهريين انفسهم كما ذكر في مصنفه
علما ان العلاقه كانت قويه ومتينه بين الرسوليين والطاهريين في زمن صاحب طرفة الاصحاب بن رسول المتوفى سنة 694هـ حيث كان الطاهريون يعدون من وجهاء وكبار المستشارين للدولة الرسوليه حتى ورثوا تلك الدوله في القرن التاسع الهجري

وهذا ليس صحيحا ففي الصفحه 36 : "ومن مذحج زبيد وأود"
وفي اسفل الصفحه ومن زبيد المشايخ في رداع العرش وردمان وريام بني عامر بن عزان وولد طاهر بن عامر ولهم صهاره قديمه وحديثه في بني رسول الغسانيين قاله العباس بن علي )

هذا ماذكر في طرفة الاصحاب وان كنت اشك بما ورد اسفل الصفحه (الهامش) انه ليس من كلام الرسولي الاشرف المتوفى سنة 696هـ انما اضيفت اليه بعد زمن الرسولي العباس بن علي المتوفى سنة 778هـ ومن المعروف ان رداع وردمان وريام هي قاعدة حكم الطاهريين وتعتبر ضمن مناطق سرو مذحج القديمه ولاتزال قبائل هذه المنطقه الى الان تعرف بالطاهريين وال عزان فغير صحيح كلامك هذا اخي الكريم والسبب كما قيل ليس كما ذكرت انت وهو أن من الصق بهم نسب بني أمية هم الزيود ليسقطوهم من صنعاء والتي كانت على وشك السقوط في أيدي الطاهريون ...
غير انا اذا رجعنا لكتاب تحفة سادات اليمن للأهدل نجد أنه ذكر أن نسبهم أموي والاهدل متوفي في القرن الثامن .. أي قبل أن تكون لبنى طاهر دولة اصلا ..

فعقب الجاهل قائلا:

عذرا على الخطا غير المقصود في ردي الاول حين قلت ان الرسولي اخذ النسب عن الطاهريين انفسهم فلا اعلم هل اخذ النسب عنهم مباشره او عن غيرهم

يبدو لي ان الاضافه التي في الهامش اضيفت بعد وفاة العباس بن علي سنة 778هـ وهو القول الاقرب للصواب اي في الفتره التي سبقت سيطرة الطاهريين على الحكم حيث لم يشير الى استلام الطاهريين للحكم واشار الى المصاهره بين الرسوليين والطاهريين التي فتحت الباب على مصراعيه لقيام دوله جديده باسم الطاهريين انطلقت من رداع وشملت اغلب جهات اليمن
هذا مالدي بخصوص النسب الطاهري وللامانه هناك من نسبهم الى بني اميه والبعض الاخر للذراحن من يافع لكن لا اعلم مالمصدر الذي اعتمدوا عليه في نسب الطاهريين وشكرا
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
الدولة الطاهرية في اليمن 1454- 1517

الدولة الطاهرية هي الدولة الثانية التي حكمت اليمن خلال هذه المرحلة، ورثت مناطق نفوذ الدولة الرسولية، وهي معظم اليمن باستثناء مناطق الجبال الشمالية التي تنافس عليها الأئمة الزيديون. واستمر حكم هذه الدولة مدة قصير نسبيا وهي 65 سنة فقط، من 1454-1517. واسم الدولة مشتق من (الشيخ طاهر بن معوّضة) الذي نُسبت الدولة إليه. والموطن الأصلي للطاهريين هو منطقة جُبَن من بلاد ردّاع في الجهات الشمالية الشرقية من اليمن. ولغرض التعرف على الإطار العام لهذه الدولة، يمكننا تقسيمه إلى ثلاث مراحل، هي مرحلة النشوء أو التأسيس، ومرحلة التفوق الإزدهار، ومرحلة التدهور والسقوط.

اولا: مرحلة النشوء أو التأسيس (1454– 1489)

توطدت العلاقة بين الطاهريين والرسوليين في أواخر عهد الدولة الرسولية بمصاهرة تمت سنة 1432 بين الملك الظاهرالرسولي وإبنة الشيخ (طاهر بن معوّضة)، ثم صار بعض أفراد الأسرة الطاهرية ولاةً للرسوليين فيمناطق متفرقة من الدولة الرسولية، بل وامتد حكمهم إلى عدن في مراحل لاحقة. وبعد أن بدأت علامات الضعف تدب في جسد الدولة الرسولية أعدَّ الشيخ علي بن طاهر بن معوضة الملقب ﺑ (المجاهد) حملة مع أخيه عامر الملقب ﺑ(الظافر) لمحاربة الملك الرسولي المسعود في عدن، ولكنه عاد من حملته خائباً ولم يتمكن منالقضاء على خصمه المسعود، ثم أعد نفسه إعداداً أفضل فكرر حملته على عدن في سنة 1453، وتمكن هذه المرة من طرد المسعود، فدخل أخوه المؤيد عدن بعد انسحاب الطاهريين الطوعي منها. ثم أعاد الطاهريون محاولتهم دخول عدن في السنة نفسها، وتمكنوا هذه المرة من دخولها وأسر المؤيد هناك آخر ملوك الدولة الرسولية. وكانالأخوان المجاهد والظافر يحكمان معا دون تقدم أحدهمعلى الآخر.

وخلال السنوات اللاحقة أمضى الطاهريون سنوات حكمهم في تثبيت حكمهم في كل من (تعز وعدن)، كما مدوا سلطتهم إلى الشحر في حضرموت. ولكن الهدف الأكبر الذي حاول الطاهريون السيطرة عليه خلال هذه المرحلة (أي مرحلة التأسيس) هو مد سيطرتهم إلى صنعاء التي كانت تحت نفوذ الأئمة الزيدية. وعلى هذا الأساس بدأت جهود الأخوين المجاهد والظافر لانتزاع صنعاء من الزيديين.
بدأت أولى محاولات الطاهريين لانتزاع صنعاء حينما تحرك الملك الظافر نحوها لضمها للدولة الطاهرية. ولكنه لم يتمكن من تحقيق هدفه خلال هذه المرحلة. فخلال المواجهة بينه وبين قوات الأمير الزيدي سقط الملك الظافر قتيلا في ميدان المعركة سنة 1466، الأمر الذي دفع أخاه (المجاهد) إلى صرف النظر عن ضم صنعاء، فتركها هي وما جاورها من مناطق تحت النفوذ الزيدي. وهكذا بقيت مناطق صنعاء وشمالي اليمن تحت النفوذ الزيدي، في حين بقيت المناطق الجنوبية من اليمن تحت النفوذ الطاهري.
وبعد وفاة الملك المجاهد في سنة 1487 (بعد أن حكم 25 سنة) انتقل الحكم إلى ابن أخيه (عبد الوهاب الطاهري) الذي اتخذ لقب (المنصور)، وحكم ما بين (1487-1489). وفي عهد المنصور هذا انتقلت كانت عاصمة الطاهريين تنتقل من (جُبَن) إلى عدن حينا والى تعز حينا آخر، اللتين أصبحتا عاصمتي الدولة بالتناوب. وقضى المنصور معظم سنوات حكمه في تثبيت نفوذ الطاهريين في مناطق تهامة.

ثانيــا: مرحلة التفوق والازدهار (1489-1505) ـ

تمثل المرحلة الثانية من تاريخ الدولة الطاهرية حكم الملك (الظافر عامر بن عبد الوهاب)، ويسمى (الظافر الثاني) الذي جاء إلى الحكم بعد وفاة أبيه (المنصور)، وحكم ما بين (1489-1517) أي حتى سقوط الدولة الطاهرية. وخلال هذه المرحلة شهدت الدولة الطاهرية أقصى اتساع لها، إذ تمكن الطاهريون من مدّ سيطرتهم إلى صنعاء في سنة 1504، وهو ابرز انجاز سياسي للدولة الطاهرية خلال هذه المرحلة.
كانت العقبة الأولى إمام الملك الظافر الثاني هي المشكلات التي واجهها من خصومه من أفراد أسرته. ودارت معارك كثيرة بين الطرفين كانت تنتهي لصالحه أحيانا، ولصالح خصومه أحيانا أخرى. فمثلا تمكن خصومه من الاستيلاء على حصن جُبَن، وكان هو يشن غاراته عليهم من مقره في تعز. كما تمكنت قبائل تهامة من استغلال حالة الفوضى هذه والتمرد على سلطة الدولة الطاهرية، ولكنها خضعت أخيرا للملك الظافر الثاني. على أية حال، تمكن الظافر الثاني من تصفية الوضع لصالحه لتمهيد الطريق أمام الخطوة اللاحقة، ألا وهي مد السيطرة الطاهرية إلى صنعاء لتوحيد اليمن تحت حكمه. فكيف تمكن من حقيق هذه الخطوة؟
كانت السيطرة على صنعاء تتطلب السيطرة اولا على منطقة ذمار التي تعد مدخلا للسيطرة على المناطق الواقعة تحت حكم الأئمة الزيدية. على هذا الأساس تقدم الملك الظاهر الثاني نحو ذمار وتمكن من السيطرة عليها في سنة 1491. وبعد ذلك بدأ بالتخطيط للسيطرة على صنعاء. وبعد ثلاث عشرة سنة من المحاولات المستمرة تمكن من السيطرة عليها في سنة 1504 بعد أن فرض عليها حصارا شديدا، ثم دخلها دخول الفاتحين كما تروي المصادر. وبعد أن تمكن من اقتحامها اتخذها عاصمة لحكمه بعد أن اخضع ما تبقى من حصونها وقلاعها ليسيط
ر على معظم أجزاء اليمن، وفي السنة اللاحقة (1505) ترك صنعاء وعاد إلى تعز.


ثالثــا: مرحلة التدهور والسقوط (1505 - 1517)

خلال هذه المرحلة ظهر احد الطامحين في الحكم وهو الإمام شرف الدين من الأسرة الزيدية الذي أعلن نفسه إماماً جديداً وأخذ يدعو لنفسه في منطقة الجبال، ويبحث عن الأعوان لحرب الطاهريين الذين عدّهم أعداء الله، بل أنه أخذ بمراسلة من سماهم ”الغزاة الكرماء“، وهم المماليك الشراكسة الذين أخذوا يجوبون البحر الأحمر وسواحل اليمن لمواجهة قوة البرتغاليين التي كانت نشطة هي الأخرى في سواحل البحر الأحمر والعربي خلال هذه المرحلة وأخذت تهدد عدن وجزيرة كمران والمناطق الساحلية الأخرى في البحر الأحمر كما سنرى.
وقد أدت مراسلة الإمام شرف الدين لقائد قوات المماليك حسين باشا الكردي، الذي كان مرابطا في جزيرة كمران، دوراً في التعجيل بنهاية الطاهريين، إذ طلب القائد المملوكي من الطاهريين أن يجهزوا معه قوة لمحاربة البرتغاليين المتوجهين لغزو السواحل الإسلامية، إلا أن الطاهريين لم يستجيبوا لهذا الطلب. وعلى إثر ذلك قرر المماليك النزول بقواتهم إلى السواحل اليمانية لمقاتلة الدولة الطاهرية، وهو بالضبط ما كان يريده الإمام شرف الدين. وكان المماليك مجهزين بأسلحة حديثة (بقياسات ذلك العصر) مثل المدافع والبنادق التي لم يألفها اليمانيون، فأثارت فزعهم. ودارت الحرب بين الطاهريين من جهة والمماليك ومَن تعاون معهم مثل الإمام شرف الدين الزيدي وبعض القبائل من جهة أخرى. وكانت المعارك سجالاً بين الطرفين، وشملت مناطق متفرقة في اليمن.
جرت آخر المعارك بين الطاهريين وخصومهم المماليك وأعوانهم قرب صنعاء، ولقي فيها الملك (الظافر الثاني) حتفه في سنة 1517م، بعد حكم استمر (28) سنة لتنتهي بمقتله الدولة الطاهرية بعد خمس وستين سنة من تأسيسها، ولم يبقَ من الدولة الطاهرية إلا جيب عدن الذي تمكن الأمير عامر بن داود ابن طاهر معوضة من الاحتفاظ به حتى قضى عليه الأتراك العثمانيون فيما بعد.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
حـصـن الـشـرم الـتـاريـخـي (بنـي مـعـوضـة)

نـبـذه عـن هذا الصرح المعماري الشامخ:
حصن الشرم التاريخي هو أحد اهم وأكبر الحصون والمعاقل التاريخية في محافظة ذمار
التابعة لـ قبيلة بني معوضه – مديرية عتمة -مخلاف حمير الوسط عزلة الشرم
تم تأسيسه عام (1037هـ-1628م)
من قبل الشيخ سعيد بن معوضة الطاهري بعد مجيئه هوا ومن معه من بلاد رداع
عاصمة الدولة الطاهرية التي انتهاء حكمها لليمن سنة 1517م
بعد حكم دام قرابة أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
تم بناء هذا الحصن على نمط العمارة الطاهرية الممزوجة بأسلوب البناء الحربي والعسكري
اذ نقش الطاهريين ابداعهم وفنهم المعماري وحضارتهم من خلال بناء عدد من الحصون في المديرية لعل من اهمها هذا الحصن الشهير بحصن الشرم الذي يطل على اجزاء كثيره من المديرية والمديريات المجاورة مثل وصاب العالي والقفر.
وقد صمم هذا الحصن تصميماً هندسياً فريدا من نوعه وتم بناءه وتوسعته افقياً وعمودياً على عدة مراحل ويضم حالياً (360) غرفه بعدد ايام العام وديوان كبير يبلغ طوله (32) متر
ويتكون هذا الحصن من خمسة ادوار من الجهة الغربية
اما الجهة الشرقية فتم بنائها على جبل وتتكون من ثلاثة أدوار
ولهذا الحصن مسجد أثري يمتاز سطحه بالنقوش والزخارف الجميلة والبديعة
وكما يوجد له نوبتي حراسه يبلغ ارتفاعهن بارتفاع الحصن
وثلاثة خزانات للمياه والتي تسمى (برك)
ومخازن لحفظ الحبوب الزراعية تم نحتهن في باطن الصخور والتي تسمى (مدافن)
وكما يوجد لهذا الحصن مطاحن لطحن الحبوب الزراعية وسد كبير لحفظ مياه الامطار
ولهذا الحصن سور وبوابة رائسيه وهي البوابة القائمة والموجودة حالياً وتعرف بباب الحوش
ويبلغ ارتفاعها ما بين (4-5) أمتار
ويتربع هذا الحصن على قمة جبل قردود ذألك الجبل الذي يتربع على عروش سلسه جبال السراه والتي لها شهره واسعه في المنطقة.
ونظراً لعلوا وكبر مساحة الحصن فانه يمكن رؤيته او مشاهدته بالعين المجردة من مسافات بعيده تصل ما بين (100-150) كيلو متر وأكثر وخاصه عند صفاء الجو
اذ يمكن رويئته بالعين المجردة من قمة نقيل سماره ومن عنس ومن جبل عتمة و وصاب العالي و القفر ومناطق أخرى سوأ في المديرية او خارجها.
ويوجد في قمة الجبل الذي تم بناء الحصن عليه صخور ملحيه يتم استخراج ملح الطعام منها منذ زمن طويل وحتى الوقت الحاضر.
ويعد هذا الحصن اول مدرسة في المنطقة تعلم فيها عدداً كثيراً من طلبة العلم الى وقت قريب حيث كان يتوافد اليه طلبة العلم من مختلف عزل ومخاليف مديرية عتمة ومن النواحي المجاورة للمديرية وخصوصاً مديريات وصاب العالي والقفر ومغرب عنس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولهذا الحصن عدة أسماء تطلق عليه ولكل اسم دلاله معينه وهي كالاتي:
1_ حصن الشرم: وسمي بهذا الاسم نسبتاً لعزلة الشرم التي تم بناء الحصن في أحد جبالها.
2_حصن بني معوضه: وسمي بهذا الاسم نسبتاً لبني معوضة الذين قاموا بتأسيس وبناء وتشييد هذا الحصن.
3_ الحصن العالي: وسمي بهذا الاسم نسبتاً لعلو الحصن وارتفاعه عن سطح الأرض.
4-حصن قردود: وسمى بهذا الاسم نسبتاً لجبل قردود الذي تم بناء الحصن في قمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
وقد شهد هذا الحصن سلسةً من الاحداث:
لعل من اهمها تلك الحرب التي دارت بين النقيب احمد شريان أحد زعماء ذو غيلان
المرسل من الامام المهدي عبدالله وبين الشيخ والفقيه / محمد بن علي معوضة حاكم ناحية عتمة عام (1231هـ-1816م)
اذ استطاع هذا الحصن (بفضل الله) ان يقهر الغزاة المعتدين ويصمد في وجه المتغطرسين
وقد ذكرت هذه القصة في: كتاب (الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الرجل الذي أحبه الحرم والهرم)
للمؤلف الأستاذ عبد الرحمن طيب بعكر الحضرمي.
ولهذا الحصن تاريخ كبير في صد الغزو العثماني لهذه المنطقة
حيث كان لـ آل معوضة آنذاك الدور البارز والمهم في حماية هذه المديرية والدفاع عن اهلها ومنهم على سبيل الذكر شيخ مشائخ عتمة الراحل الشيخ سعيد بن ابو بكر ابن محمد بن الحسن معوضة المتوفي سنة (1377هـ-1958م)
الذي دافع عن هذه المديرية بكل ما يملك من قوة ومال حيث تحمل زكاه مديرية عتمة من ماله الخاص للعثمانيين بشرط خروجهم من المنطقة وإطلاق اعيان ووجهاء عتمة من السجون العثمانية ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراحل التأسيس والبناء والتوسعة والاضافات والتحسينات:
لقد مر هذا الحصن على عدة مراحل متتالية تتمثل في التأسيس والبناء والتوسعة والاضافات والتحسينات ويمكن توضيح هذا المراحل كالاتي: -
1_ المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والبناء: (1038هـ-1628م):
وفي هذه المرحلة تم تأسيس وبناء الحصن من قبل الشيخ سعيد بن معوضة الطاهري.
2_ المرحلة الثانية: مرحلة التوسعة العمودية:(1114هـ-1702م):
وفي هذه المرحلة قام الشيخ علي بن سعيد بن م
عوضة بتوسيع هذا الحصن بشكل عمودي
اذ رفع اربعه أدوار فوق البناء السابق وتم عمل بوابه للحصن وأطلق عليها باب العقد.
: 3- المرحلة الثالثة: مرحلة التوسعة الافقية وبناء السور 😞 1181 هـ - 1767 م)
وفي هذه المرحلة قام الشيخ اسماعيل بن سعيد بن معوضه بتوسعة الحصن مرة أخرى
وبشكل افقي من خلال اضافة دورين اخرين بجوار البناء السابق
وكما تمت في هذه المرحلة بناء سور على الحصن كامل وتم عمل بوابة رائسيه للحصن وهي البوابة القائمة والموجودة حالياً وتعرف بباب الحوش ويبلغ ارتفاعها ما بين (4-5) أمتار.
4_ المرحلة الرابعة: مرحله الإضافات والتحسينات:
: وفي هذه المرحلة تمت عدة اضافات من قبل الاجيال المتعاقبة وتتمثل بالاتي
- اضاف الشيخ محمد بن الحسن بن معوضه بناء أخر جوار المعرش تكمله لطرحه وتظم منظرة وحجره ومدخل شماسي للحصن
. اما الشيخ ابو بكر ابن محمد معوضه فقد اضاف بنا طرحه كامله فوق المعرش-
-اما شيخ مشائخ عتمه الشيخ سعيد ابن ابو بكر معوضه المتوفي سنة (1377هـ1958م) اضاف ديوان كبير ومنظرة الى جانبه وحجرة خارجية
-اما الشيخ عبدالله بن سعيد ابو بكر معوضة شيخ مشائخ عتمة
فقد قام ببناء حصن آخر يطلق عليه حصن الحجر تحت حصن الشرم ويكون بمثابة حماية للحصن الأول.
-اما الشيخ عبد الواحد ابن محمد ابو بكر معوضه فقام بتحسين الطرحة العلوية للجهة الجنوبية من الحصن
-اما الشيخ امين عبد الواحد ابن محمد ابو بكر معوضه فقام بترميم الحصن.
رحمهم الله جميعاً.
ومازال هذا الحصن يحتفظ بجماله المعماري الذي يعانق السحاب ويسكنه الأجيال المتعاقبة حتى الوقت الحاضر ً