اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
الحوار مع عضو مجلس الشورى عبدالحميد الحدي.

 

* بعد هذه السنوات، ماذا بقي من ذكريات طفولة عبد الحميد الحدي؟

ـ عشت في منطقة "وادي بنا"، تحديداً في النادرة، وهي منطقة من ناحية إمكانياتها الزراعية أفضل من أية منطقة أخرى، ونتيجة لخصوبة الأرض وغزارتها فقد تنوعت عاداتها وتقاليدها وأهازيجها الشعبية، وهذا الأمر ترك أثره على أبناء المنطقة، حيث خرج العديد منهم منذ وقت مبكر واتجهوا إلى ثلاث وجهات؛ الأولى تعز؛ بحكم أنها كانت مركزاً ثقافياً وسياسياً. والوجهة الثانية كانت مدينة عدن، بكل عطاءاتها الفكرية والتنويرية، رغم أنها كانت ترزح تحت نير الاستعمار البريطاني. فيما كانت صنعاء الوجهة الثالثة لأبناء المنطقة، باعتبار أنها المركز الأساس.

 

في صغري رعيت الأبقار والأغنام والجمال، رغم انتمائي -من الناحية الاجتماعية- إلى فئة اجتماعية تعتبر حينها ميسورة، فقد كنت ابن شيخ وعندي إمكانية أفضل من غيري.

 

تعايشت مع الأهازيج الشعبية، من الغناء الشعبي إلى الزوامل والبالة، وهي أنواع من النشيد الشعبي العاطفي والمتغني بالطبيعة والجمال، وهو يعكس دوراً للمرأة التي كانت تقوم بتوفير الطعام للبتول (المزارع) وبقية المشتغلين في الأرض عند وضع البذور، وهذه من الأشياء الجميلة، خاصة عند قدوم مواسم معينة، مثل "عيد عرفة"، باعتبار أن هذا العيد هو المناسبة الجامعة لكل أبناء المنطقة المتواجدين خارجها، فالبعض يـأتي من عدن والآخر من تعز ومن الحديدة ومن إب ومن صنعاء... ويومها تشهد المنطقة ما يعرف بـ"أمير العيد"، وأمير العيد هذا عادة ما كان يرتدي جلد الخروف، ثم يوضع على وجهه "نوعة الخروف"، ويحمل في يده اليمنى ذيل الثور، ثم يأتي ليأمر "العبد"، والعبد يكون شاباً وسيماً يصبغ وجهه بصباغ أسود يسمى "النيلة"، ثم يأتي شخص آخر يحلق له شاربه وذقنه ويلبس التاج، يمثل جارية، ويمكن أن يسمى هذا الثلاثي "المسرح البدائي". وتستمر هذه الأفراح لمدة تسعة أيام، حيث يتنقل الناس من قرية إلى أخرى.

 

وهناك عادة أخرى اسمها "العون"، ويعني مساعدة الناس بعضهم بعضا، مثلاً بناء جدار منزل أو سور أرض زراعية خرب نتيجة لنزول الأمطار، إذ يأتي الجميع ليساعدوا المنكوب مجانا، أو مثلاً في الحصاد، حيث يأتي الكل ليساعد في حصد الذرة أو الرومي أو ما يسمى "الذرة الشامية" أو البر أو الشعير.

 

وهناك عادة تعلم السباحة في البيرة، (أي: البئر)، والتي تنشأ نتيجة لمصبات السيول، وفيها يلعب الطفل مع زملائه ورفاقه، وفيها من الضرب، وفيها من البكاء وفيها من النكتة وفيها من الضحك... أي: حياة أطفال جميلة، وتستطيع أن تقول إنها حياة تميزت بها منطقة النادرة. ووادي بنا عموماً هم أناس طيبون ومسالمون.

 

* في أية قرية ولدت بالضبط؟

- ولدت في "حصن حنول"، فوق النادرة مباشرة، وهو حصن حميري. ولا أعرف تاريخ مولدي بالضبط، لكنه قد يكون بين عامي 1949 و1950، لست متأكداً من العمر بالضبط.

 

* البعض يتذكر تاريخ ولادته بحدث أو بمناسبة معينة؛ فهل قالت لك الوالدة في أية مناسبة كان قدومك إلى الدنيا؟

- حسب ما كانت تقول لي والدتي رحمها الله أن مولدي كان أثناء ما كان الحسن بن يحيى في منطقة دمت بإب؛ لأن والدي بعدها توفي وأنا لم أره في حياتي، لكن تاريخ مولدي المسجل في جواز سفري هو 28 مارس 1946، أي أكثر من العمر الحقيقي الذي أنا عليه؛ والسبب هو الدراسة؛ لأنني كنت أريد دخول كلية الشرطة في القاهرة.

 

* أين أنت من بين إخوتك؟

- أنا أصغر إخوتي، وقد تيتمت مبكراً، فلم أعرف والدي رحمه الله. شقيقي الكبير هو المرحوم علي سيف الحدي، وكان في قوات الحرس، والآخر مازال عايشاً، وهو شقيقي من أمي، اسمه حمود، وقد هاجر إلى أميركا وعاد وهو موجود اليوم بيننا. وعندي شقيقتان، الأولى من أمي والثانية من أبي، وكلتاهما تعيش مع أولادها في الولايات المتحدة الأميركية.

 

* وكم لديك من الأولاد؟

- عندي ست بنات وولد واحد اسمه صفوان، والذي تزوج قبل فترة بسيطة، وهو رقم ثلاثة بين أخواته الست.

 

* هل تتذكر زملاءك القدامى؟ هل منهم من مازال موجودا، أم أنهم تفرقوا؟

- البعض مازال موجوداً، والبعض توفاه الله. عدد أصدقائي كثير، ولا أستحضر أسماءهم كلهم، لي أصدقاء ورفاق طفولة من بيت الشامي، من بيت صويلح، كان معي زميل واسمه محمد صويلح، وكان ضابطاً في القوات المسلحة وهو مازال يعيش بيننا أطال الله في عمره، ومن بيت الطيب، ومن بيت الغزير، ومن بيت المرادي، ومن بيت الناموس، وكان معنا الأخ عباس الديلمي- رحمه الله، وهو غير عباس الديلمي الأديب المعروف في الإذاعة.

 

وأتذكر أيضاً عباس الشامي الصحفي المشهور. وكان لي أصدقاء من بيت الكهالي، ومن بيت المضواحي من بينهم المرحوم السفير محمد المضواحي، الذي توفي قريباً. وهناك عدد كبير من الأصدقاء لا تسعفني الذاكرة في تذكرهم جميعاً.

 

* بحكم أنك تيتمت مبكراً، كيف كانت مشاعرك وأنت تلعب مع الأطفال الذين معهم آباء؟ هل كانت هناك مشاعر مختلفة تتجاذبك؟

- الر
عاية التي تمتعت بها وأنا صغير جعلتني أشعر بالانطلاق أكثر مما جعلتني أشعر بالانطواء أو بحالة من حالات الضعف، فكنت، كما يقال عني، مقداماً في بعض التصرفات، يعني لا أستسلم بسرعة ولا أشعر بالحزن؛ كانت حالة من حالات التمرد، ولو أنني كنت في سن مبكرة على مثل هذا الأمر.

 

* هل زاد غياب الوالد من جرعة حنان الأم وشعرت بها في طفولتك؟

- نعم، بكثير؛ لكنني كنت أتألم عندما أمر على أناس يعرفون الوالد، فيترحمون عليه، ويشيرون إلي بالقول: هذا ابن فلان رحمه الله. كان ذلك يكون لدي الرغبة والحنين وتمني وجود والدي إلى جانبي.

 

كانت والدتي امرأة قوية الإرادة ومتفتحة؛ لأنها قرأت القرآن الكريم، وهذه كانت حالة نادرة في تلك الفترة، فقد كانت تحفظ سوراً كثيرة من القرآن الكريم وكثيراً من الحكم والقصص الشعبية، وكان ذلك يعود ربما إلى كونها من بيت قاض، فهي ابنة القاضي محسن محمد الطيب. هذه البيئة هي التي جعلتها تهتم بأولادها، ولهذا كانت دائماً تحرضنا على التعليم، أنا وأخي علي رحمه الله، الذي توجه إلى تعز ودخل المدرسة الأحمدية، وأنا دخلت مكتب الأيتام هنا في صنعاء.

 

قرار الرحيل إلى صنعاء

* ما هو القرار الذي اتخذته مبكراً في حياتك؟

- كان ذلك عندما كان عمري لا يتجاوز الثماني سنوات، عندما انتقلت إلى صنعاء ودخلت مكتب الأيتام. أتذكر أنني طلعت إلى صنعاء وفي جيبي 15 ريالاً، وكان هذا المبلغ في تلك الفترة، أي في عام 1958، كبيراً. وقد عانيت أثناء خروجي من المنطقة؛ لأننا كنا نسير على الأقدام من النادرة إلى يريم.

 

وكان أول ما أدهشني بعد وصولي إلى يريم كثرة السيارات والزحمة في الشوارع، وكانت أول مرة أدخل فيها شيئا اسمه "المقهاية". وكانت هذه المرة الأولى التي أخرج فيها من منزلي وقريتي.

 

كانت الأمطار غزيرة عند وصولنا يريم، يومها كانت حالتنا متعبة، وكنا نشعر بالجوع، كما كنا قلقين مما سيواجهنا في المساء، خاصة وأنني كنت أصغر المجموعة. ولما وصلنا طلبنا عشاء، وذبحوا لنا دجاجة وأعطونا الهريش والملوج (الخبز) وبدأنا ندفأ قليلاً بعد ساعات من التعب والمعاناة.

 

* كم استغرقت الرحلة من النادرة إلى يريم؟

- استغرقت حوالي 8 ساعات، وقد كنت -بحكم صغر سني- لا استطيع أن أجاري الذين كانوا يخطون أضعاف خطواتي؛ بحكم أنهم أكبر مني سناً. أول وصولنا كان إلى المريمة، وهذه المنطقة كانت خارج يريم، وحالياً أصبحت جزءاً من يريم، وفيها كان يتم سقي المواشي، وكذا راحة للمسافرين. ثم بدأنا صباح اليوم التالي الاستعداد للسفر إلى صنعاء بواسطة سيارة نقل كانوا يسمونها "زوبة أبو شنب" (مخيفة)، وهي محملة ببضاعة من عدن إلى صنعاء. وأتذكر أن السائق كان يدعى "العبسي"، أي: من الأعبوس بتعز. والبضاعة لا أذكر بالتحديد إلى أين كانت متجهة، يمكن إلى السنيدار أو إلى غمضان في صنعاء، المهم كانت بضاعة قادمة من عدن. وقتها بدأنا نفكر كيف نطلع ونمسك بالبضاعة فوق سيارة النقل، ولكننا توكلنا على الله. قبل الطلوع إلى سيارة النقل، أفطرنا، حيث عملوا لنا ما نسميه في البلاد "الشموط"، رغم أنني كنت مجهزاً نفسي من البلاد، كان معي الشموط وبعض الكعك، والشموط كان عبارة عن خبز أشبه بـ"خبز الطاوة". وطلعنا سيارة النقل ووصلنا إلى "قاع شرعة"، أمام بيت المصري. عند الخروج من يريم باتجاه ذمار وقبل الوصول إلى بيت الكوماني تكون الطريق إلى الشرق، وهذا القاع تتكون تربته من طين لزج (مري)، وكان الركاب الذين فوق سيارة النقل عليهم أن ينزلوا لإخراج السيارة من الطين، حينها كانت هناك أمطار شديدة، ولم نكن نلبس ما يقينا من البرد، فقد كنا نرتجف من البرد طوال الرحلة التي كنا نشعر بأنها طويلة جداً، وكذا تكررت الحالة في قاع الديلمي وقاع جهران.

 

على العموم وصلنا إلى صنعاء قبل المغرب، وقبل أن يغلق باب اليمن. وقد ذهلت كطفل لما رأيته، وبدأت بالتفكير بأمي وكيف تعيش، وبدأت تتولد عندي رغبة بالعودة إلى البيت، فقد كنت حينها لا أعلم إلى أي مجهول أنا ذاهب.

 

* بالمناسبة، كيف كانت مشاعر الأم وهي تودعك في القرية؟

- كان من حسن حظي أن أمي لم تكن موجودة في البيت وقت رحيلي، فقد كانت ترفض أن أذهب بعيداً عنها، مع أنها كانت دائماً ما تشدد على ضرورة أن الواحد يتعلم في المكتب في النادرة، فلم تكن هناك في تلك الفترة مدرسة ابتدائية، بل مكتب، وهو أشبه بـ"الكُتَّاب"، وكان الكثير ينصحني بالدراسة، من بينهم فضيلة القاضي محمد عقيل الإرياني أطال الله في عمره، والذي كان حينها حاكم النادرة، والقاضي محمد الغرباني، الذي كان عامل في النادرة (مدير المديرية)، والمرحوم نصر الطيب (السوادي)؛ لأنهم كانوا يلاحظون عليّ الاهتمام بالدراسة، خاصة وأن الالتزامات اليومية التي كنت أقوم بها للبيت والمجيء بها من المدينة التي كانت تبعد عن الحصن نحو كيلومتر تقريباً جعلتهم يخافون عليّ من أن تجرفني هذه الالتزامات وتبعدني عن الدراسة.

 

* هل كان قرار الخروج إلى صنعاء قراراً ذاتياً أم بدفع من الآخرين؟

- ل
م يكن قراراً ذاتياً، بقدر ما كان عبارة عن نصائح من الآخرين، كنت أسمعها من كثيرين وأحاول أن أتبناها، لكن ليس بمفهوم اليوم، بل بمفهوم ما كانت عليه الأوضاع في تلك الفترة؛ كان حديث الناس عن أنني فلان ابن فلان، وحثهم لي على الطلوع للدراسة في صنعاء أو تعز حافزاً لي ورغبةً بترك النادرة وخوض مغامرة جديدة، وكان ما كان.

 

* أنت ابن شيخ، لكنك كنت راعي غنم، كيف كانت تُقرأ هذه المعادلة؟

- هناك مبالغة في وضع المشايخ باليمن، المشايخ ليسوا كلهم أغنياء، فقد يكون ابن الشيخ أفقر من ابن أصغر تاجر في المنطقة؛ لكنني لا أدعي الفقر في تلك الفترة، فمقارنة بالآخرين كانت أحوالي طيبة، لهذا فإن آلية الانتماء ليس لها تأثير كبير، ما كنت أشعر به هو عطف الناس عليّ بكوني يتيم الأب؛ مع ذلك فإن أكبر تركة تركها لنا والدنا هي السمعة الطيبة؛ فكما عرفت من الجميع أنه كان محبوباً في المنطقة وكان يقدم الخدمات للآخرين بدون مقابل.

 

* هل تتذكر أنك كنت طفلاً مشاغباً مقارنة ببقية إخوتك وأقرانك في تلك الفترة؟

- نعم، كنت مشاغباً ونتيجة لمشاغباتي حصل لي بعض المواقف؛ فقد أصبت في صدري وأنا طفلا صغيرا عندما كنت ألعب بالقرب من المنزل، ولم أشعر بذلك إلا عندما ذهبت إلى مصر للدراسة في كلية الشرطة، حينها رفضت الهيئة الطبية قبولي في الكلية في القاهرة، فاضطررت للذهاب إلى مكتب الرئيس أنور السادات لمعالجة الأمر.

 

كان يومها هناك ما يسمى "مشروع تعليم أبناء المشايخ" أعده الإخوان المصريون أيام الرئيس المشير السلال على أساس كسب ولاء المشايخ للنظام الجمهوري، وقد دخلت مع أخي ضمن هذا المشروع، فذهبت لمقابلة الرئيس السادات، والذي كان المسؤول عن شؤون اليمن، واستقبلني مدير مكتبه رحمه الله اللواء حافظ أبو الشهود، الذي أدخلني لمقابلته، ووجه بقبولي في الكلية بطريقة استثنائية.

 

*عشت رمضان القرية ورمضان المدينة، هل تشعر بفرق بين رمضاني هنا وهناك؟

- المدينة حياتها أكبر ونشاطها أوسع وأصدقاؤها أكثر، لكن الروحانية في تقديري هي أجمل في القرية، لأنه لا يوجد فيها جو ملوث، ولا سيارات كثيرة، ثم أيضاً تتجدد ذكرياتك مع الناس الذين عرفوك وعرفتهم طوال سنوات حياتك وعرفوا أهلك، منهم من ما يزال حياً، صحيح أن حالة السمر محدودة لا تطول في الريف، لكن أيضاً فيها متعة، ثم فيها حياة البساطة، فأنت تعود إلى مطبخ عادي طبيعي ليس كما هو في المدينة.

 

الجانب الروحاني في الريف يهيئ لك الفرصة أن تعود إلى الله سبحانه وتعالى أكثر؛ لأن حياة القرية فيها هدوء وسكينة ووداعة، ما يساعدك في قراءة بعض الكتب الدينية سواءً في السيرة أو الفقه وتلاوة القرآن الكريم، هذه مظاهر توجد في الريف أكثر بكثير مما هو عليه الحال في المدينة. أمنيتي أن (أرمض) العام القادم في القرية، كأنك قرأت أفكاري.

 

* متى يجتاحك الحنين للعودة إلى القرية فتقرر فجأة العودة إليها؟

- أتمنى أن أعود إلى القرية بشكل دائم، لكن تكاليف الحياة تجبرك على أن تكون رحلاتك قصيرة، فمهما تحركت اليوم إلى أية منطقة في اليمن فلا بد من صرفيات والتزامات، وهذا مسألة تجعلك تباعد بين رحلاتك إلى القرية.

 

ليس بالضرورة أن يكون هناك هدف معين لتقرر الذهاب إلى القرية، وإنما للخروج والفسحة، وكأنك تجدد حياتك، أو كأنك تريد النزول إلى مدينة ساحلية مثل عدن أو المكلا أو الحديدة، هي نفس المشاعر، لكنها تكون أجمل عندما تصل إلى بيتك، فذلك لن يكلفك عناء البحث عن فندق لتأوي إليه، ولا البحث عن مطعم لتأكل فيه، فأنت تصل إلى البيت وفيه كل شيء، وعندما تصل إلى منطقة وادي بنا؛ فإنك تشاهد حديقة طبيعية مجانية، وهي ملك للناس جميعاً.

 

* أما من أناشيد كنتم ترددونها وأنتم صغارا؟

- كان هناك بعض الأناشيد التي تربينا عليها، وأتذكر أن الأستاذ حميد العلفي رحمه الله، وكان أستاذي في النادرة وأستاذي في الأيتام، كان يركز على أنشودة "بلاد العرب أوطاني"، فهذه الأنشودة كانت تشدك إلى واقع أمتك وإلى آفاق واسعة دون أن تدري أين هي مصر أو الشام أو نجد أو بغداد، التي كنا نرددها في الأنشودة، لكننا كنا نحفظها غيباً.

 

* ما هي القصص والحكايات التي كانت تروى لكم في فترة الطفولة من قبل الجدة أو الأم مثلاً، ولا تزال عالقة في ذهنك حتى اليوم؟

- في خاطري أشياء كثيرة جداً، لكن يصعب الإجابة على ذلك في الوقت الحاضر؛ لأن تفكيري لم يعد تفكير ذلك الطفل الذي كان يسمع الحكايات والقصص؛ لكنني أتذكر أن أمي كانت تلجأ إلى تخويفنا ونحن صغارا من "خلوة الدار"، وهي أشبه بـ"طاهش الحوبان"، خاصة وأن المنازل كانت عند حلول الليل تبدو مظلمة وموحشة؛ إذ لم تكن هناك في ذلك الوقت كهرباء ولا إنارة. وهناك مخوفات أخرى، مثل وجود جن وغيرها، حتى يتم ردع الأطفال عن الخروج ليلاً والنوم مبكراً.

 

* هل كان ظلام القرية في الليل يمنحك الشجاعة لأن تسير بدون خوف؟

- بالتأكيد، خاصة فيما يسمى "الثلاث البيض"، وهي الأيام: 13، 14، و15، من كل شهر، وهي عادة جميلة في ال
منطقة، فبعد العشاء يصل المزارعون من الوادي فيتناولون الطعام ثم يخرجون إلى القرية لإحياء "البالة "، وفيها تصطف الفتيات في صف مقابل صف آخر بطريقة جميلة، ثم ينشدن نشيداً لا أتذكر للأسف شيئاً منه، لكنه كان إنشاداً من أجمل ما يكون.

 

كانت البنات يخرجن بكامل زينتهن، وكان الشباب ينظرون إليهن نظرة طبيعية وفي حالة من حالات الاستمتاع، وكانت النظرة أنقى من نظرات اليوم وأكثر براءة، وليس هناك أي تفكير من الذي يفكر فيه شباب اليوم، كانت هناك طهارة وصفاء ذهني وتقدير واحترام للمرأة بشكل لا يتصور.

 

* عندما يعود عبد الحميد الحدي إلى مسقط رأسه، ما هي الأماكن التي مازالت محفورة في ذاكرته، التي يشعر وكأنه يعيشها اليوم؟

- من أهم الأشياء التي أتذكرها وأشعر بالحنين إليها شلالات المياه في النادرة، فقد كانت فيها متعة غير عادية، خاصة عندما كانت منطقتنا غزيرة المياه والأمطار، وليست بحالها اليوم، فقد كنا ونحن أطفالا نسبح في البرك التي تتشكل بفعل الأمطار. كما كنا نطرب لسماع كثير من الطيور وهي تغرد، وهذه كانت متعة بالنسبة لي، بالإضافة إلى التمتع بالوجبات الغذائية الطبيعية وسط الحقول، خاصة أنها كانت تترافق مع شعور بالجوع.

 

وأتذكر أنني عندما كنت أرعى الغنم كان عندي شيء اسمه "القمطي" وهو أشبه بـ"الجحينة" في صنعاء، نأكلها، من الذرة الشامية أو الذرة البيضاء أو الحمراء، أو "الملوج" من الشعير أو البر، وأضع عليها حليبا في "الطنجرة" الخاصة بالماء، والتي أسقي بها الغنم، وأحلب المعزة، وحليبها أفضل من حليب الشاة، وأقوم بفتها وأكلها.

 

باختصار: كان الواحد في ذلك الوقت يشعر وكأنه ملك الدنيا كلها. لكن هذا الأمر لم يعد موجوداً اليوم، أو ربما إحساسنا به لم يعد كذلك.

 

* ما ذا عن ارتباطك بالأرض؟ هل مازال عندك الحنين نفسه، الذي كان وأنت طفلا؟

- الحمد لله هذا الإحساس مازال موجوداً، لكن ليس بنية التملك، بل بنية الاستمتاع بها، للأسف معظم الخلافات بين الأسر سببها الأرض والإرث، وحتى أسرتي المحدودة المحصورة بأبناء العمومة لم نطلب حتى الآن قسمة التركة؛ لأنني أدرك أن واحداً من أسباب التمزق والخلافات والصراعات وما نتج عنها فيما بعد في المناطق الوسطى كان الخلاف على الأرض.

 

أنا أحب الأرض وأستمتع بالزراعة وأتمنى لو يدور الزمن وأشهد عملية ما يسمى "الذري"، أي عندما يذرون الذرة أو الحب؛ لأنها عادة جميلة جداً في المنطقة، فكل من يقوم بالذري يومها في الأرض يجهز نفسه لذلك، فهو يذهب مع ابنه إلى الحقل وتلحقه زوجته أو ابنته بغداء متميز فيه السمن البلدي والمرق، وهذه لا تكون في كل يوم، فقد كانت نادرة، وكانت تتم خلال يوم في الأسبوع، عادة تكون يوم الجمعة؛ لكن يوم الذري أصلاً له نكهة خاصة، ونساء المنطقة يُجدن عملية العصيد والهريش، حيث تكون بشكل يشبه الشكل الهرمي وتأتي بما تسمى "الجفنة" وهي من الفخار أو من الطين وتأتي بشكل جميل جداً ثم يسكب فوقها المرق وتؤكل في وقت الجوع وبمن حضر، حتى لو كان أحدهم ماراً في الطريق فإنه يدعى لتناول الغداء مع الجميع؛ لأن الطعام يكون كثيراً، وهي تكون بمثابة مباركة لعملية الذري
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
من أغاني وألعاب الأطفال في محافظة تعز :

1- أغنية الغمامة
وَا غَمَامَهْ , سُودي نُودي
وانْديْ لِي منْ حَقْ سِيْدِي
وَ سِيِدي سَرَحْ مَكَّهْ
وَ عَبيدُهْ وِقْرَ الدَّكَّهْ
وَ انْدَى لِي زِنْبِيْلْ قَّعْقَعْ
فَرَّقْتُهْ حَبَّهْ ... حَبَّهْ
ما سِئرَتْ إلاَّ حَبَّهْ
وَ الحَبَّهْ فَلَتَتْ البِيرْ
وَ البِيْرُ تِشتِي مُفْتَاح
وَ المُفْتَاحْ عنْدَ النَّجَارْ
وَالنَّجَارْ يِشْتِي سَمْنُ

* حاليا مديرية حيفان.
و السَّمْنُ عِنْدَ البَقَرُ
و البَقَرُ تِشْتِي حَشِيْشُ
و الحَشِيْشُ عِنْدَ الجَبَلُ
و الجَبَلُ يِشْتِي مَطَرُ
و المَطَرُ مِنْ عِنْدَ اللَّهْ
لا إِله إلاَّ اللَّهْ
شرح الكلمات :-
1- سودي نودي : انتشري , والنود بضم النون : الرياح المبشرة بالمطر .
2- إندي لي : بكسر فسكون ففتح فياء ساكنة : اعطي للمؤنث أي اعطيني .
3- سيدي : بكسر فسكون فكسر : جدي أو سيدي بفتح السين .
4- سرح , بالتحريك : ذهب وسافر .
5- وقر , بكسر فسكون مرتين : مِلءْ .
6- الدكة , بفتح فتضعيف الكاف فسكون : رصيف الميناء.
7- أندي لي, بفتح فسكون والف مقصورة : اعطى للمذكر , أي أعطاني .
8- القعقع: الجوز ( عين الجمل ) .
9- سئرت, بكسر فهمزة مكسورة على الياء فسكون : بقت, أي ما بقت .
وقت أداء هذه الأغنية :-
تؤدى في الصباحات الغائمة , أي بعد ما يكون ثوب الغمام الرمادي قد لف القرية تحت أجناحه وحجب الرؤيا , وعادة ما تؤدى بشكل جماعي من قبل الأطفال وهم على سطوح الدور.
مقابلة هذه الأغنية بمثيلاتها في مناطق أخرى :
يقول حسين سالم باصديق في كتابه (( في التراث الشعبي اليمني ))صادر عن مركز الدراسات والبحوث بصنعاء ص145 ان هذه الأغنية مشهورة عند أطفال حضرموت وتسمى (( أغنية الحمامة )) وتقول كلماتها:-
يا حمامة حودي ونودي سلمي لي على سيدي
يوم سيدي سافر مكة جاب لي صندوق كعكع
والكعك سقط في البير والبير بغا خطاف
والخطاف بغا مره والمره بغت عيال
والعيال بغو لبن واللبن في البقرة
والبقرة بغت حشيش والحشيش في الجبل
والجبل بغا مطر والمطر عندك يالله
المطر عندك يا الله
(1) فلادمير بروب.
طبيعة الادب الشعبي مجلة التراث الشعبي العراقيه العدد الفصلي الرابع . حزيران 1998م.
************************
2- أغنية يا دجاجة عمَّتي. أو (( اللحمة ))
(2-4)
يَا دَجَاجَةْ عَمَّتِي
بَرْخِثِي لِكْ بَرْخِثي
وَ الْتَقَيِْ لِي لَحمْتِي
لَحمْتِي لَحْمَةْ ظُبَيْ
نِعْنَ أبُو مِنْ شِئِْكُلِهْ
شِئِْكُلِهْ صَاحِبْ خَدِيرْ
رَاعِيَ الدَّارْ الجَدِيْدْ
قُفْلُهْ وَارْكَانُهْ حَديْدْ
وَ البَنَادِق~ قَاح .. قَاحْ
مِثْلَمَا ضَرْطَ الرُّبَاحْ
شرح الكلمات:
1- برخثي, بفتح فسكون فكسر مرتين : اثيري التراب.
2- التقي, بكسر فسكون ففتح مرتين فياء ساكنة : تلقفي.
3- شئكله , بكسر الشين وهي ( سين سوف ) فسكون الهمزة اليائية فضم فكسر فسكون : من سيأكلها , أي اللحمة . وفي اللهجة يكسر الحرف قبل هاء الضمير للمؤنث , ويضم للمذكر.
4- خدير , فتح فكسر فسكون مرتين : ناحية من نواحي محافظة تعز على طريق عدن , والنسبة إليها (( خديري )) والجمع (( أخدور )) .
5- قاح , بفتح فسكون الحاء , صوت طلقات الرصاص ونحوها . اما الرباح ومفردها ربح فمعروفة : القرود
6- استدراك نعنْ بكسر فسكون مرتين : يلعن من اللعن.
وقت ترديد هذه الأغنية :
هذه الأغنية مشهورة بين أطفال اليمن وتؤدى بطرق ومناسبات مختلفة , أما في المنطقة التي جمعت منها , فكانت تردد بهذه الصيغة عند وصول قوافل الجمال إلى القرية (( الجبلية )) قادمة من ناحية خدير وهي محملة بالحبوب لبيعها للأهالي ويحدث ذلك غالبا بعد انتهاء مخزون القرية من الحبوب والذي كان يصادف أن ينتهي في الغالب قبيل حلول الموسم الزراعي التالي أو في الموسم الذي لا تنـزل فيه الأمطار فتجدب الأرض . وكان الأخدور يبيعون الحبوب للقرى الجبلية نظراً لخصوبة أرضهم (( حاليا يأتون بها على سيارات )) . ومن كلمات الأغنية يلاحظ الفرق بين مستوى دخول أهالي القرى الجبلية والقيعان الزراعية لأن أهالي الجبال يعتمدون على محصول أراضي المدرجات الزراعية الغير خصبة كأراضي القيعان , ولعل ذلك هو سر تهكم الأطفال البريء من بنادق أهالي خدير .
ومن أغاني الأطفال في الجمال , أغنية (( عمي طالب )) وتقول كلماتها :
دَيْلِبْ .. دَيْلِبْ
عَمِّي طَالِبْ
نَزَّلْ جَمَلُهْ
بَعْدَ المَغْرِبْ
يَسِيْرْ وْ يَقْلِبْ

وهذه الأغنية غالبا ما كانت تغنى بعد أن ينيخ الأخدور جمالهم وينزلون ما عليها من أحمال الحبوب , أو بعد أن يطلقوها لترعى في الجبل , الأمر الذي يغري الأطفال للحاق بها لغرض إثارتها عن طريق اداء هذه الأغنية مع بعض الإضافات كقولهم (( وَاَجَملْ الصَّيْدْ ..هَيْدْ, إبْحِرْ.. إبْحِرْ وُامَّكْ ضَرَّاطَهْ )) وفي اثناء ذلك يفتعلون حركات صبيانية لإيذاء الجمل وإثارته بغرض دفعه للوصول إلى حالة الهيجان . ولا يباشرون التحرش بالجمل الاَّ بعد ان يكونوا قد تأكدوا من أن ثمة مسافة كافية تفصلهم عنه , وان مواقعهم أوطأ
من موقع الجمل , لكي يتمكنوا من الهروب إلى الأسفل حالما يزبد الجمل ويرغي ثم يندفع نحوهم مهاجماً , عندئذ فقط تبلغ فرحتهم المشوبة بالخوف ذروتها , مع علمهم ان الجمل الهائج قد يقتل من يأتيه من مكان مرتفع للتحرش به أو إيذائه , فكل طفل يحفظ عن ظهر قلب نصيحة الأهل القائلة (( اهرب من الحنش إلى الأعلى ومن الجمل إلى الأسفل )) فالثعبان بطئ الحركة عند الصعود والجمل بطئ الحركة عند النزول لأن سيقانه ورقبته الطويلة لا تساعده على ذلك.
***********************
الألعاب(3-4)
1-لعبة كته .. كته.. عبد النبي.
- كلمات اللعبة :
أ-قُطَنِّمَهْ .. قُطَنِّمَهْ
ذَبّحْنَا رَاسْ غَنَمَهْ
كَشَحْنَوْ بِالدَّبْيَهْ
قَمَرْ و الاَّ ثُريَّه
وَبِنْتَنَا المُعَرِّسْ
عَلَى أحْمَدْ الفَارِسْ
ذي جَنْبِْيتُهْ حَلالِي
تُقَطَّعَ الرُّجُولِي
تُقّرِّبَ الاَجَالِي
يَاسِيْنْ عَلَى رُجَيْلِي
تُفَا .. تُفَا.. لُبَّانَهْ

ب- كُتَهْ .. كُتَهْ , عَبَد النَّبِي
كَسَرْ قَدَحْ
وَ قِيْمَتُهْ ارْبَعْ بَلَحْ
يَا هَذِي . شُلِّي هَذِي
مِن عَرْفَ المِسْكْ وَ الكَاذِي
إلاَّ بّاذِي

ج- جِدَّتِي عَيْشَهْ
نَزَلَ الوَادِي
تَقْطِفْ كَاذِي
لِأبْنَ الهاَدِي
شَعْرُهْ طَوَّلْ
إنْ كَانْ حَوَّلْ
حُلْ يَا لاَوَّلْ
د- وَقَحْ ..وَقَحْ , وَجِدَّتِي الصَّرُوَرهْ
جَالِسْ عَلىَ عَجُورَهْ
هـ- يَا رُكَيْبَاتِي قُولَيْنْ قَاْح ..قَاْح
وِالاَّ رَجَمْتُ بِكِنْ لَلضِّيَاحْ

شرح الكلمات :
1- قطنمه , بضم ففتح فشده مكسورة ثم سكون : لازمة للغناء .
2- كشحنو , بفتح مرتين فسكون ففتح فسكون , أصلها كشحنوه أو كشحناه , بهاء الضمير , أي أدخلناه وحشرناه , غير أن هاء الضمير لا تنطق احياناً في اللهجة .
3- الدبية , بضم ففتح فسكون ثم فتح وسكون : تمرة اليقطين الكبيرة , تيبس فيقسو غلافها الخارجي ويفرغ اللُّب من داخلها فتستخدم كوعاء لمخض اللبن واستخلاص الزبدة .
4- المعرس , بضم ففتح فشدة مكسورة على الراء فسكون : العروس وقت زفافها .
5- الجنبية , بفتح فسكون فكسر ففتح فسكون : الخنجر اليماني .
6- الحلالي : من أُسر صنعاء اشتهر منها عامل الإمام احمد في الأربعينيات على منطقة الحجرية بقسوة عساكره الذين كان ينفذهم على الأهالي ووقوفه إلى صف الإمام احمد في ثورة عام 1948م والجنبية منسوبة إليه .
7- الرجولي بضم الراء : الأرجل .
8- رجيلي بضم الراء تصغير رجلي بكسر الراء.
9- تفا بضم ففتح : تف بالبصاق .
10- لبانه بضم فشدة مفتوحة على الباء ففتح فسكون : العلكة أو اللَّبان, وهي عبارة يقولها الأطفال عادة لطرد الأرواح الشريرة .
11- كته, بضم ففتح فسكون : لازمة للغناء .
12- شلي, بضم فشدة مكسورة على الياء فسكون : خذي .
13- نزل أصلها نزلت أي جدتي عيشة. وقد لا تنطق الهاء , أو تقلب تاء التأنيث في اللهجة إلى هاء ساكنة.
14- الصرورة , بفتح فضم ففتح فسكون : الحدأة من الطيور الجارحة .
15- جالس , أصلها جالسة , أي الصرورة .
16- العجورة , بفتح فضم ففتح فسكون , والجمع عجور : قصب الذرة او الدخن , مشتقة من الاعجار في قصبة الزرع .
17- الضياح بكسر الضاد ومفردها ضاحة , بفتح الضاد : المهواة في الجبل التي لا يستطيع الإنسان طلوعها , والانزلاق منها مهلكة . أي المنحدر الصخري الذي تمر عليه شلالات السيول , وهي مأوى للقرود , ويعتقد أن الجن تسكن فيها.

طريقة اللعب
يؤدي هذه اللعبة أكثر من طفل , ويجلس الأطفال بجوار بعضهم البعض وأرجلهم ممدودة إلى الأمام . وغالبا ما يتولى الطفل الجالس في الوسط ترديد كلمات اللعبة .. كلمة أثر كلمة , وببطء , مستخدما أصبعة ( السبابة ) , يلمس بها ركب الأطفال , ركبة فركبة , ويشير بها إلى المركب البعيدة منه .والسبب في طول كلمات اللعبة وتكرار أداء كلماتها يعود إلى ضرورة أن تبقى سيقان الأطفال ممددة وفي حالة استرخاء أطول مدة ممكنة حتى تحدث عند الوقوف قرقعات , وهو الهدف من اللعبة .
وحالما يصل الطفل قائد المجموعة , مردد الكلمات إلى عبارة .. (( حُل ياالاول )) في المقطع(ج) , فان الطفل الذي توقفت اصبع قائد المجموعة على ركبته يرفع ساقه إلى الأعلى , ثم تتكرر اللعبة حتى يرفع جميع الأطفال ركبهم مع بقاء الاليتين على الأرض . بعدئذٍ تردد كلمات المقطع (د).. (( وقح .. وقح وجدتي الصرورة ..)) أي تصفيق , تصفيق لجدتي الحدأة القاعدة على قصبة الذرة اليابسة . ويكون ترديد هذا المقطع بشكل جماعي , مع لطم الركب براحتي الكفين , لطمة بعد كل كلمة من كلمات أغنية اللعبة . بعد ذلك يبدأ الأطفال في النهوض ببطء شديد وايديهم على ركبهم كأنهم يمنعونها من إحداث قرقعات مع انحناء الجذع الأعلى من الجسم إلى الأمام , ويرددون في غضون ذلك كلمات المقطع (هـ) .. (( يا ركيباتي قولين قاح.. قاح.. الخ )) , أي .. يا ركبي اصدري قرقعات مسموعة للجميع , مالم فسأرمي بكن إلى الهاوية . وفي التو يرفعون أيديهم عن ركبهم ويقفون كالألف . فيفوز في اللعبة من تقرقع ركبه . بيد أن ما يحدث في هذه اللعبة , هو أن تكثر الادعاءات
بتقصف الركب , حتى من قبل من لم تقرقع ركبه , لان كل طفل يكون مهتما في الأساس بسماع الصوت الذي ستحدثه ركبتيه دون أن يركز على سماع قرقعات ركب الآخرين , ومع ذلك تتم البهجة , ويستمتع الجميع بقضاء وقت جميل في اللعب والمرح .

لعبة المافي(4-4)
- المافي : هو التَّنور.. (( الَمَوْفَى )).
- كلمات اللعبة .
صوت منفرد : مِنَ كَلْ غَدَا سَالِمْ ؟ , أي . من أكل غداء سالم ؟
المجموعة : الدُّمَيْمَ . أي القط . والدميم بضم الدال ففتح فسكون مرتين تصغير الدِّم , بكسر الدال فسكون . وهو الهر باللهجة اليمنية .
- الأدوات المستخدمة في اللعبة
1- خرقة طويلة أو شال يعجر طرفه . وتقوم مقام أداة التعذيب وانزال العقاب في القط الشرير .
2- جفنة من خزف , أو قصعة مملؤة بالتراب أو نحوه , أو أي رمز آخر يقوم مقام جفنة الطعام .
طريقة اللعب
ينقسم الأطفال إلى فريقين (أ) و (ب) . الفريق (أ) يشكل دائرة في ساحة اللعب حول جفنة الطعام , وذلك بأن يقف كل طفل ويضع يديه على كتفي الطفلين المجاورين له في الدائرة , وترمز هذه الدائرة إلى (( المافي )) التنور . ويمثل أحد الإجفال دور (( الدم )) القط , و آخر دور سالم , مالك الأرض أو المضيف . أما المجموعة (( ب)) من الأطفال فتنتشر خارج الدائرة وتتفق فيما بينها إما على تمثيل دور ضيوف سالم , أو دور العمال الزراعيين في أرض سالم .
فان اتفقوا على تمثيل دور الضيوف , جلسوا على الأرض واتكأوا على الحجارة وتبادلوا أطراف الحديث في انتظار وجبة الطعام . وأن اتفقوا على تمثيل دور العمال الزراعيين باشروا العمل وأدوا حركات تنم عن العمل في حرث الأرض أو تنقية الزرع من الحشائش مع أداء الأغاني الزراعية المناسبة وبين الفينة والأخرى يسأل أحدهم عن موعد تناول الطعام . في تلك الأثناء يتسلل الطفل الذي يمثل دور ( الدم ) القط إلى وسط الدائرة ( المافي ) التنور ويأكل الطعام من الجفنة ثم يهرب ويختفي في مخبأ بعيد عن موقع دائرة التنور . بعد برهة من الوقت يدعو الطفل الذي يمثل دور سالم المضيف أو مالك الأرض ضيوفه أو عماله لتناول الطعام . وبعد أن يخرج الجفنة من وسط دائرة التنور ويقدمها لضيوفه أو لعماله , يجد بعد أن يفتح غطائها أنها خالية من الطعام فيصرخ الأطفال : (( من أكل غدا سالم )). آنئذ يمؤ القط من موضعه فيعرف الجميع انه المتهم في آكل غدائهم فيتوجه أطفال المجموعة (ب) مع سالم إلى حيث يختبئ ويمسكون به ثم يأتون به مجرورا إلى وسط دائرة التنور فيأخذ سالم الخرقة أو الشال – أداة التعذيب – فيما تنضم المجموعة (ب) إلى المجموعة (أ) وتتسع دائرة التنور , تسأل دائرة التنور : (( من كل غدا سالم )) فيجب سالم (( الدُّميم )) أي القط ويبدأ في إنزال العقاب بالقط وضربه , يهرب القط من خلال أفراد دائرة التنور ويتبعه سالم فيما كلمات اللعبة تتردد ويرتفع مواء القط من شدة العقاب الذي ينزله سالم به وهو يجري خلفه دخولاً وخروجاً من وسط الدائرة وإلى خارجها ثم العودة إلى وسطها حتى ينهار القط وتبلغ اللعبة ذروتها عندما يسقط القط في وسط دائرة التنور ويلفظ أنفاسه فتضج ساحة اللعب بالضحك والتصفيق دلالة على انتهاء هذه اللعبة الجميلة .
************************
* حاليا مديرية حيفان.
و السَّمْنُ عِنْدَ البَقَرُ
و البَقَرُ تِشْتِي حَشِيْشُ
و الحَشِيْشُ عِنْدَ الجَبَلُ
و الجَبَلُ يِشْتِي مَطَرُ
و المَطَرُ مِنْ عِنْدَ اللَّهْ
لا إِله إلاَّ اللَّهْ
************************
أمثلة شعبية من منطقة الوازعية .
هيا تغدى وتيني
لهذا المثل قصة طريفة
وهي أنه كان هناك بتول يلقب ( أم تيني ) من المشاولة ( الوازعية )،
كان يحرث أرضه بالضمد
وعندما حمي اليوم جاءته زوجته بالغداء ( فتة لبن وسمن )،
فجلس في وسط الحول
وجلست زوجته أمامه والغداء بينهما ..
وقبل أن يتناول البتول غداءه تلفت يمنة ويسرة فرأى
المكان فاضي .. فطلب من زوجته قبلة..فلم تستجب..
وألحت عليه كي يتغدى لأن الغداء سيبرد،
وحذرته من عمل الصبيان هذا، فلم يحذر وأبى إلا القبلة ..
فأومأ برأسه نحوها وأراد أن يتناولها بيديه لكي يضمها إليه لكي يقبلها ..
فقفد بالغداء برجليه بين التراب ..فقامت هي مغضبة، وهي تقول:
- هيا تغدى وتيني ..
والنتيجة لا غداء ولا قبلة
************************
اغنيه من التراث اليمني
امسيت اناجي القمر والناس جمعه رقود
ادعي لربي وقول ايحين حبيبي شعود

كتبت لك الف خط ولا وصلني جواب
والقلب من فرقته خلا حياتي عذاب

بالله عليك وا مسافر اذا لقيت الحبيب
بلغ سلامي اليه وقولو كام شاتغيب
************************
أمثال شعبية يمنية باللهجة البلدي اليمنية

سوف أقوم بكتابة ما أذكره الأن من الأمثال الشعبية اليمنية باللهجة الخاصة بأصحاب الحجرية و كل واحد يكتب أمثال شعبية كلا حسب منطقته حتى أذا كان نفس المثل مذكور في المنطقة الأخري و لكن بلهجة مختلفة فالأفضل أن يذكر المثال و هذه دعوة لمشاركة الجميع ....

( إخبط الوطاف يفهم الحمار )
( قي كسبة قالوا نمر )
( قي كسب
ة و لو طارات )
( ألي مايدريش يقول بلسن )
( لو كأن حبيبك عسل ما تلحسوش كلة )
( مخطوا يجدمك زرو يعرفك )
( جزعت سعيدة وادي الغيل )
( ضربني و بكي و سبقني بالشكا )
( ضربتين بالراس توجع )
(من دق الباب لقاء جواب )
************************
ولد الويل ليوم الويل

عميا تخضب مجنونه والصورا تسمع

أبن ابني لي وأبن بنتي فلا
شعر في جوبا يدي وراحت ايدي لا

[قضى المحرات واجب

االخاله خلال

اابوزيد معروف بشملتة

صاحب ما ينفع مثل وطن مايزرع

من زبطه بندقه ما وجعه

لا تقول بر الا لا قده في الصر

جمل بميئه قال فروه

الديك الفصيح من البيضه يصيح

تنسب الخال ياتيك الولد والبنت تاتي لعماتها

المدن ولو جارت والعذارى ولو بارت

النسم تحب خناقها

لحيه احشمها ولحيه احشم نفسك منها
يومه عيده

اذا لك جار مؤذي اصبر وربي يزيله

قال اصبر قال قدي في الصابر

ويش الطاير ويش مرقه

شارد من الموت لا حضرموت

الحميد شارد من الموت ومامن الموت مشرد


مخطي بين اخوتك ولا وحدك مصيب

خيار العلم قولة مادريت

صاحب الحاجة أعنى بالطلب

لا انته علي وانا علي من يسوق الطلي

صبه رده

صحنا من طمطم جانا اخس والطم

يقصه في ظهر جمل

لا شفت صاحبك عسل خل منه وسل

ما يعرف رطني الا ابن بطني

الجنان تعلمه

من صوبه بأيده الله يزيده


(امثال شعبية يمنية
عمي تخضب مجنونه )

القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود
--------
عوره وبالروشن....

ياويل البدوي لتمسوق....

سمحنالها تتفرج قامت ترقص....

هب لما احور وجاب كلب اعور....

هبله ومسكوها طبله ...

قلنا ماشي ماء قالو اعصدوا....

قلنا ثور قالوا احلبو......

غن بصاع واسكت بذهب....

جينا بنكحلها عميناها....

ياشارد من الموت ياملاقينه....

انا واخوي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب...

مااخس من قديد الا عسفان....

جبنا العمي نباه يونسنا فزز عيونه وافزعنا....

اف صبرنا عليه بف لا.....

ذي ما يعرف الصقر يشويه ....

من شبع مرض رضي بالموت....
************************
من زرع الحيله حصد الفقر .
جني تعرفه ولا انسي ماتعرفه ..
خيابتي ولا ملاحة الناس .
الصاحب ساحب .
مثل اللي راح يجيب الذري ( طبعاً عاد وقت الحصاد  )
لامزوج سلي ولاعزب مستريح 
شاور في أمرك من يخاف الله ..
من ثنى ثلث 
لاتصادق عسكري ولاتبني امام بيتك شجرة ولاتعطي شورك لمره 
ماتحن إلا وبها لبن ..
من أراد الدادح مايقول أح ..
لو خفنا العصافير مازرعنا الذره .
************************
منيحين لك في القصر قال امس العصر

سمحنا له دخل بحماره

ما من صياد لبن ولو زاعت

أعقم وينقم

أدينا العمي يونسنا بهرر عيونه وفجعنا

من لا يخاف الله خاف منه

من زرع الحيلة صرب الفقر


لو في الهند خير كان ضمت دراويشها

أخرج بثوبك ولا تخرج بجدك

من له عادة ما يبطلها

لا عرفك البدوي غلقت بابك
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
تاريخ اليمن .. مقبرة الغزاة
:للباحث / عبـدالله بـن عامـر
بحث مقارن لحملات الغزاة المتعاقبة على اليمن عبر التاريخ خلص إلى آن الغزاة لايستفيدون من التجارب
اليهود القدماء ومعاصروهم من مرتزقة العرب شاركوا الرومان العدوان على اليمن كما يفعل تماماً أحفادهم من يهود ومرتزقة العرب اليوم
ندرة النقوش القديمة التي تحدثت عن الغزو الروماني هو ما دفع الباحث ابن عامر للاعتماد على تحليل وقائع تلك الفترة لمعرفة ما حدث
المؤرخ الشماحي من أوائل من رصد تعاظم مؤشرات الخطر الروماني والخلافات الداخلية التي شجعته على عدوانه الفاشل لتنبه اليمنيين لما كان يدور حولهم بالتصدي للرومان ودحرهم
الغزو الروماني لليمن هو الفصل الأول من هذا البحث القيم «تاريخ اليمن.. مقبرة الغزاة» وفي الحلقة السابقة استعرضنا جزءاً من هذا الفصل وتعرفنا على القائد الروماني الاسكندر المقدوني أو ما كان يطلق عليه بالاسكندر الأكبر وهو أول من فكر في غزو اليمن وعرضنا ما ذكره الباحث عبدالله بن عامر من أسباب وغايات جرت هذا الإمبراطور ومن تلاه من أباطرة روما للتفكير في غزو اليمن ثم الشروع في الغزو وتوقفنا عند محاولة الرومان ضرب مصالح السبئيين بصورة غير مباشرة بشن عدوانهم على الفينيقيين حلفاء اليمن..
اليمن الذي كان يشكل حينها قطباً ينازع الرومان السيادة على العالم.. في هذه الحلقة سنستكمل العرض ونطلع على ردة فعل السبئيين على غزو الرومان لحلفائهم وما هي الإجراءات المتخذة محتسباً للخطر الخارجي فإلى الحصيلة:

عرض/ امين ابو حيدر
إجراءات في اليمن تحسباً للخطر الخارجي
أن يتمكن الإغريق من إسقاط الفينيقيين (حلفاء السبئيين) واحتلال معظم المنطقة المجاورة فذلك كان مؤشراً كافياً لمعرفة نوايا اليونانيين ومن بعدهم الرومان ومخططاتهم ودافعاً لليمنيين إلى اتخاذ إجراءات تحول دون تحقق تلك المخططات سيما والمضايقات الرومانية للتجارة اليمنية لم تتوقف وكان الوضع الدولي يعبر عن سيطرة مطلقة للإمبراطورية الرومانية إضافة إلى تعاظم مؤشرات الحالة العدوانية تجاه اليمن ، ويكاد يكون المؤرخ القاضي عبد الله الشماحي من القلائل الذين تحدثوا عن تلك الفترة من خلال قراءة ما كان يدور في اليمن من خلافات داخلية ومن خطوات تعبر عن الشعور بالخطر ، إذ لا يمكن أن تحدث كل تلك المتغيرات في المحيط الإقليمي ولا ينتبه إليها اليمنيون وهذا ما يجمع عليه الكثير من المؤرخين الذين حاولوا ملء الفراغ الذي فرضه غياب النقوش الموثقة لأحداث تلك الفترة وكان المؤرخ با فقيه قد أكد انه من الغريب أننا لا نجد لهذا الحادث الخطير (الحملة الرومانية) صدى في النقوش المعروفة حتى الآن (تاريخ اليمن القديم ص 74) ولهذا فإننا سنعتمد على التحليل من واقع أحداث تلك الفترة الممتدة من القرن الرابع قبل الميلاد حتى وقت الحملة الرومانية في القرن الأول قبل الميلاد والتي شهدت فيها اليمن تحولات عدة وصراعات وكذلك إنجازات وعلى ما يبدو أن التوسع الكبير لليونانيين في القرن الرابع قبل الميلاد وقضائهم على الفينيقيين في حرب تجاوزت العشرين عاما قد لفت انتباه السبئيين على وجه التحديد وغيرهم من القوى اليمنية وكذلك ظهور الإمبراطورية الرومانية وتوسعها في القرن الأول قبل الميلاد فمثل هذه الأحداث لا يمكن التغافل عنها سيما وقد برزت الحالة العدائية تجاه اليمن ولهذا نجد أن التحولات في تلك الفترة لها ارتباط بتلك الحالة العدائية فانتقال التجمعات السكانية الكبيرة من الأودية الشرقية المحاذية للصحراء من الشرق وللجبال من الغرب إلى المنطقة الجبلية الغربية له علاقة بالتهديدات المحلية والخارجية أيضاً.
وما يؤكد ما نذهب إليه هنا هو ظهور مدن وتجمعات عمرانية في تلك الفترة كصنعاء وظفار وغيمان أو بعد تلك الفترة بقليل وأشارت النقوش إلى ذلك ،وكذلك شهدت تلك الفترة بناء قصر غمدان (بناه اليشرح يحصب تاريخ صنعاء للرازي ص 79) ما يعني أن اليمنيين وقتها بدؤوا يتجهون إلى المناطق المحاطة بالجبال والمحصنة طبيعياً حتى تساعدهم هذه الطبيعة على التصدي لأي غزو وذلك يتضح من خلال اهتمامهم بالمدن الداخلية كصنعاء ، وذلك التحول جعل مأرب مدينة ثانوية بعد أن كانت العاصمة وعلى ما يبدو أن انتقال العاصمة مرده إلى أن سبأ أصبحت قوة ثانية بعد القوة الريدانية الحميرية التي كانت تتخذ من ظفار مركزاً لها وهنا يمكن أن نقول جملة أسباب أدت إلى ذلك التغيير منها ما طرأ على طرق التجارة البرية من تحول فرض على كافة التجمعات السكانية إلى التفكير بالانتقال إلى المناطق الجبلية إضافة إلى الأخطار العسكرية التي كانت تهدد مأرب على وجه التحديد وشعور السبئيين بضرره تأمين جبهتهم الداخلية عبر إنشاء تجمعات سكانية في المناطق المحصنة طبيعيا وإيقاف تمدد الريدانيين الحميريين ولهذا كانت صنعاء جبهة أمامية لقربها من الخط الفاصل بين القوتين وكان ذلك الخط يتمثل في نقيل يسلح (للمزيد في تاريخ العربية السعيدة ص 63).

الملك الذي تصدى للغزو الروماني
فكرة نقل العاصمة من مأرب تع
ود إلى الملك اليشرح يحصب الأول الذي رأى أن مأرب غير محصنة فسهلها مكشوف(35ق . م – 15 ق . م ) (للمزيد انظر الشماحي ص 54) وبعد أن تمكن من إنهاء الخلاف مع القوى المناهضة والساعية للسيطرة على الحكم المتحصنة في ذي ريدان ونجد أنها ذاتها المنطقة التي أصبحت تحمل اسم يحصب نسبه إلى هذا الملك (تاريخ اليمن الثقافي ج2 ص 58)وكان هناك محاولات لحل الخلافات وكذلك مساعٍ لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار جراء التحرك الروماني في البحار إضافة إلى بناء الجيش والاستعداد العسكري ناهيك عن عودة الاهتمام ببناء السدود وترميمها وتطوير الزراعة وهو ما يمكن استنتاجه مما ذكرته بعض النقوش ، ومما يؤكد أن الحملة الرومانية حدثت في عهد ملك سبأ وذو ريدان اليشرح يحصب «ما ورد في وصف تلك الحملة من الناحية التاريخية ووصف ماريابا بأنها مدينة الراماينتي (أريمان) التابعين لايلازاروس وهذا الاسم قد يقابل بالعربية اسم الشرح وهو ما ذهب إليه جام(مؤرخ) وبنى عليه تاريخ عهد اليشرح يحصب ملك سبأ وذو ريدان» (تاريخ اليمن القديم محمد عبد القادر بافقيه ص 75) ويذكر المؤرخ الإرياني أن اليشرح أو إيل شرح هو الذي تصدى للغزو الروماني ويطلق عليه اسم أيل شرح ذو ريمان وينتمي لنبي سخيم المذكورين في الكثير من النقوش المسندية فهم من الأقيال الذين كان لكبارهم دور في مختلف المراحل التاريخية ومنهم أسياد القصر ريمان وعلى رأسهم أيل شرح ذو ريمان (نقوش مسندية ص 505) ونحن بصدد تأكيد الاستعداد اليمني للحملة الرومانية عثرنا على تساؤلات منطقية طرحها المؤرخ محمد عبد القادر بافقيه ووجدنا ما يشبه إجابات لها في تناولات المؤرخ الشماحي للغزو الروماني وذلك من خلال تركيزه على الملك اليشرح يحصب الثاني وتقديمه له كبطل نظراً لما حققه من انتصارات واستعدادات ، وأطروحات بافقيه تؤكد استحالة أن يكون اليمنيون وقتها وعلى وقع خلافاتهم الداخلية قد تركوا بلادهم مفتوحة للغازي «أن زحفاً يستغرق ستة أشهر في الصحارى العربية لا يمكن أن يفاجأ به أهل اليمن ولا يسمعون به من قبل أن يصل إلى حدودهم فما هي يا ترى حقيقة تلك الغزوة الفاشلة؟» ( بافقيه ص 76)ويمكن الرد على القائلين بأن النقوش المسندية لم تتطرق إلى أي نتائج أو تداعيات للفتوحات التوسعية التي قادها الإسكندر أو أغسطس فيجب أن نتذكر أنه لا يمكن أن نعثر على كافة الأحداث في النقوش المكتشفة وهناك لا يزال الكثير منها لم يكتشف حتى الآن ثم إن المكانة المهمة التي كانت تحتلها اليمن وتطورها الاقتصادي والسياسي والحضاري لا يشجعنا أبدا على التسليم بما ورد في الكتابات الرومانية عن أحداث تلك الحملة بل إنه ومن غير المنطقي أن نرى مركزاً حضارياً رغم الخلافات فيه لا يهتم بأحداث العالم من حوله سيما وقد كانت أغلب المناطق إن لم يكن معظمها تحت الاحتلال الروماني ناهيك عما تخبرنا به الكتابات الرومانية من نوايا عدوانية تجاه اليمن إضافة إلى القضاء على حلفاء السبئيين واحتلال أراضٍ واسعة ظلت مناطق عبور للقوافل التجارية بفعل اتفاقيات ومعاهدات مع الدول اليمنية فهل يعقل أن كل ذلك يحدث في الوقت الذي لا تتحرك فيه الدولة اليمنية على الأقل لحماية نفسها ودرء الخطر عنها ثم إن الكتابات الرومانية كانت تتحدث وقتها أن اليمن لم تخضع من قبل لأي قوة وهذا يؤكد ما وصلت إليه اليمن من قوة عسكرية ونفوذ سياسي واقتصادي ولا تبلغ الدول تلك المرحلة من التطور إلا بفضل العقلية القيادية القادرة على التسيير والترتيب والتنظيم وإدارة البلاد وتطويرها ومن ضمن مهامها بالتأكيد استشعار الأخطار الخارجية والتعامل معها قبل حدوثها أي ولا تزال تلك الأخطار في مرحلة الإعداد المبكر ولهذا نجد أن القرن الأول وكذلك القرن الثاني قبل الميلاد كان مرحلة استشعار الخطر فلم تأتِ حملة أغسطس إلا وكانت اليمن قد مرت بمراحل عدة منها ما كان في إطار الاستعداد للمواجهة ومنها ما كان طارئاً بفعل الخلافات بين المراكز النافذة.

وتمثل أمامنا حقائق بشأن تلك المرحلة أبرزها :
الحقيقة الأولى : منذ القرن الأول قبل الميلاد (أي قبل الحملة الرومانية) شهدت المراكز الحضارية اليمنية عملية انتقال إلى المناطق الداخلية ورغم أن البعض يفسر ذلك بأنه كان نتيجة التحولات في طرق التجارة من جهة و الصراع بين اليمنيين أنفسهم من جهة أخرى كظهور الحميريين في ظفار وتصدع النفوذ السبئي في مأرب إلا أن جميع تلك الأسباب مجتمعة تشير إلى العقلية الحربية التي كان يتميز بها اليمنيون سواءً تعلق الأمر بصراعاتهم الداخلية أم بصراعهم من القوى الخارجية فانتقال المدن والتجمعات السكانية إلى ما بين الجبال يحمي تلك التجمعات من أي أخطار ويساهم في عملية الدفاع عنها.
الحقيقة الثانية : لم يسبق لأي قوة عسكرية أن وصلت إلى مأرب قبل الحملة الرومانية فقد كانت الممالك اليمنية تغزو المناطق الأخرى ولم تتعرض مناطقها للغزو الخارجي قبل ذلك التاريخ أبداً ثم إن وجود قوتين تتصارعان فيما بينهما أو أكثر خلال فترة زمنية واحدة على اللقب الملكي الذي
ا الرومان ضمن مقاطعاتهم أما في الوقت الحاضر(القرن الأول قبل الميلاد) فإن الأنباط والسبئيين قد أصبحوا أسوة بالسوريين ممن قدموا ولاءهم للرومان ، ويتضح من خلال هذا النص أن سترابون لم يذكر الحقيقة حين ادعى أن السبئيين قد أصبحوا ضمن النفوذ الروماني لأنه لو كان ذلك صحيحاً فلماذا الحملة العسكرية عليهم إذاً ؟ ويقول في هذا الدكتور عبد اللطيف الأدهم : شرع سترابون بعد هذه الفقرة مباشرة بالحديث عن الحملة الرومانية وأهدافها ولو كان السبئيون قد أصبحوا فعلا من بين من قدم الولاء للرومان فهل كان سيجري القيام بمثل هذه الحملة ؟ أما عن المشاركة اليهودية فقد كانت مملكة هيرود أيضا من الممالك المتحالفة مع الرومان وكان اليهود لهم نشاط تجاري ويسعون لتوسيع نفوذهم بأساليب عدة في مختلف البقاع.

خط سير الحملة
اخترقت الحملة الأودية والصحارى والجبال الوعرة في مناطق شمال الجزيرة العربية من جهتها الغربية في طريقها إلى نجران ومن ثم إلى الجوف فمأرب، وبحسب أغلب المصادر التاريخية منها الرومانية فإن الحملة تمكنت من المرور من المناطق الشمالية للجزيرة العربية بحكم تبعيتها للأنباط وكذلك أراضي الملك الحارث بسلام بل إن الملك الحارث استقبل الجيش وقدم له العون والمساعدة .
ويدعي استرابون أن الجيش الروماني أستمر في المسير إلى نجران لمدة ستة أشهر نتيجة سببين الأول تعمد مرشد الحملة الوزير سلي اتخاذ طرق وعرة وغير مأهولة إضافة إلى ما أصاب الجيش من الأمراض والتعب والإرهاق ويضيف : عند بلوغ الجيش نجران تمكن من اقتحامها بسهولة ومن ثم اتجه في ستة أيام إلى منطقة يؤكد الكثير من المؤرخين أنها غيل الخارد في محافظة الجوف شمال اليمن حالياً وفيها اندلعت المواجهات بين اليمنيين والرومان ومن معهم من المرتزقة، أعقب ذلك توجه الجيش الروماني نحو مأرب الذي تمكن من حصارها لمدة ستة أيام وهنا يتوقف سترابون عن سرد تفاصيل ما بعد ذلك سوى القول: إن الجيش انسحب دون أن يعطي تفاصيل عن عملية الانسحاب وأسبابها الحقيقية ، إلا أن معظم من كتبوا عن تلك المرحلة أكدوا أن الحملة الرومانية فشلت واندحرت على أسوار مأرب وتعرض الجيش الروماني لخسائر كبيرة ، وقبل أن نتحدث عن مسار العودة والفرار ينبغي أن نشير إلى أن أحد المؤرخين الرومانيين(بيستون) قد أشار إلى أن الجيش الروماني توجه إلى أرض البخور عبر طريق صعب إلى صحراء صهيد بحضرموت وهناك هزمت الحملة (يعتقد البعض أن مكان هزيمة الجيش الروماني هو منطقة العبر - قروم)
كان يجمع كلا القوتين (سبأ وذي ريدان) يعني أن حالة الشعور بالوحدة ظلت مرافقة لكافة القوى المحلية في تلك الفترة فكل قوة لا يمكن لها أن تستقل بنفسها عن الأخرى نتيجة ذلك الشعور بل قد تتجه إلى التصادم فيما بينها من أجل الحصول على كامل السلطة في ظل الوحدة وكان بإمكان كل مركز أو قوة أن تعلن نفسها دولة مستقلة وأن يتلقب ملكها بلقب خاص به إلا أن ذلك لم يحدث فقد ظل الصراع على اللقب الجامع حتى في تلك اللحظات التي كانت فيها القوى فعلياً تتقاسم المناطق والنفوذ وكانت شبه كيانات مستقلة.
الحقيقة الثالثة : وجدنا في قائمة ملوك سبأ وريدان (115ق . م – 275ب . م) (أحمد شرف الدين اليمن عبر التاريخ ص 91) أن الملك الذي شهدت فترته الغزو الروماني هو اليشرح يحصب بن فرع ينهب وهو ما ذكره بالفعل المؤرخ الشماحي وأشار إليه المؤرخ بافقيه وتطرق له كتاب الإكليل 8/19 بأن بناء قصر غمدان يعود إليه وهذا يؤكد إلى أن اليمنيين في تلك الفترة انتقلوا إلى المناطق الجبلية (شارل سان برو العربية السعيدة ص 24) ومن ضمن التجمعات الجديدة التي ظهرت في تلك الفترة أو بعدها بفترة بسيطة مدينة ذمار وتجمعات أخرى بين صنعاء وظفار (تاريخ اليمن الثقافي ج2 ص 66) وبالتأكيد أن هذا الانتقال كان لأغراض عسكرية وأيضا اقتصادية وسياسية.
وإضافة إلى ما سبق فإن الكتابات الرومانية نفسها تشير إلى قبيلة ريمان أو اسم ريمان وهو الاسم الذي أطلقه سترابون على مأرب لسبب هو أن الذي حارب ودافع عن مدينة مأرب هو قائد ريماني أي من ريمان فظن استرابون أنها مأرب مدينة من مدنه فنسبها إليه وكان ذلك في عهد الملك اليشرح يحصب (المفصل ج3 ص 57) وكل ذلك يشير إلى أن الريمانيين إضافة إلى قبائل من غيمان وغيرها تولت مهمة الدفاع عن مأرب أمام الغزو الروماني.

القوى المشاركة في الغزو
من خلال قراءة الكثير من المصادر عن الحملة الرومانية فإن الإمبراطورية الرومانية تولت مهمة التخطيط للحملة والإعداد لها ومن ثم السير في تنفيذها وتحقيق أهدافها مع المشاركين بها من الأتباع والحلفاء ، ومن خلال ما كتبه سترابون وكذلك من خلال الإطلاع على تركيبة الجيش الروماني فإن قائد الحملة اليوسجاليوس أستدعى أفضل الخبرات في الجيش الروماني للمشاركة في الحملة أي ما يعرف اليوم بقوات النخبة وتجمع الكثير من المصادر أن عدد الجنود من الجيش الروماني المشاركين في الحملة بلغ عشرة آلاف مقاتل(يذكر الأكوع في اليمن الخضراء مهد الحضارة قوام جيش الحملة 100 ألف مقاتل ص 344 ووجدنا في غالبية المراجع 10 آلاف فقط )وأشرف قائد الحملة على إعداد وبناء ما يقارب 80 سفينة ذوات طابقين وثلاثة طوابق وأربعة بمجدافين قبل أن يتراجع وعلى إثر الانتقادات الموجهة لبناء السفن الكبيرة إلى التوقف عن صناعة تلك السفن والتوجيه ببناء 130سفنية من السفن المخصصة لنقل الجنود.

مشاركة اليهود والمرتزقة العرب
كان الإعداد للحملة في مصر وإليها احتشدت القوات المختارة والتي كانت الأكثر تدريباً وتأهيلاً في الجيش الروماني برمته وبعد أن استكملت عملية بناء السفن جُمع الجيش ونقلت المؤن والعتاد من الأسلحة وكل ما يحتاجه الجيش إلى فوق السفن ، وأعطى القائد إشارته بالبدء في الإبحار والتوجه من ميناء ارسينوري/كليوباتريس(شمال شرق خليج السويس حالياً)إلى ميناء لوكي موكي على الساحل الشرقي للبحر الأحمر (في المنطقة ما بين جدة والعقبة) وقد استغرقت الرحلة 14 يوماً ، ولتأكيد تبعيته للرومان كان ملك الأنباط في استقبال الحملة الرومانية وعند وصولها أنضم إليها ألف جندي من عرب الشمال ليصبح عدد الحملة 11 ألف جندي قبل أن ينضم إليهم أيضا 500 من اليهود ، وقد تمثل دور مملكة الأنباط في المشاركة العسكرية عن طريق الجنود الألف المنضمين للحملة إضافة إلى الدعم اللوجيستي واستضافة الحملة وتقديم لها الطعام والمؤنة وكل ما تحتاجه لقطع شبه الجزيرة العربية والوصول إلى مأرب وأصبح الوزير سلي مرشداً للحملة وكان الرومان يثقون فيه ويبدو أنه كان يفكر في اعتلاء العرش بدلاً عن الملك عبادة الثاني بدعم الرومان له أو على الأقل يكون ممثلاً للرومان في جنوب الجزيرة العربية (محاضرات في تاريخ العرب القديم أ.د عبد الله الشيبة ص 152) فقد كان يحظى بثقة الإمبراطور ويعيد البعض أسباب مشاركة الأنباط في غزو اليمن إلى المنافسة التجارية والرغبة في إضعاف اليمن من أجل الحصول على منافع اقتصادية إضافة إلى أن مملكة الأنباط وقتها كانت أداة من أدوات القوة الرومانية الكبرى في المنطقة ولطالما اعتمد الرومان على حكام الأنباط في تنفيذ أجندتهم شمال الجزيرة العربية والشام وفلسطين ، وفي القرون الأولى قبل الميلاد كان الرومان يتهمون اليمنيين بشن غارات متكررة على مناطق نفوذهم فقد وصف سترابون السبئيين بأنهم أعظم قوم في بلاد العرب كما أن (اليمن) أخصب وأسعد جزء في (بلاد العرب) وقال إن الأنباط والسبئيين وهما أول ما نقابله من أقوام ما وراء سوريه يقومون بغارات متكررة على هذه الرقعة الأخيرة قبل أن يدخله
Forwarded from Deleted Account