غوي هيلمنغر وقصص من الحياة اليومية في اليمن:
اليمن- بلاد الغرق السعيدة؟
عاش الكاتب غوي هيلمنغر أربعة أسابيع في اليمن. في مقاله الذي كتبه لموقعنا يسرد قصصه عن الصومالية السعيدة وسائق التاكسي ذي الأخلاق الحميدة والإمام البشوش، وعن كتّاب لم يقوموا بتأليف كتب ولا أحد يتبتانهم ولا يرعاهم
في المطبخ الذي يحتوي على موقد غاز موضوع على هيئة منضدة في التجويف القديم الذي كان مخصصا لموقد النار يتكدس مخزون المواد الغذائية. وفي المطبخ تقف إيمان، الخادمة، أمام حوض الغسيل وتلقي علي التحية بالانجليزية في أول يوم لي في اليمن. هذه الصومالية الأصل كانت قد فرّت مع أسرتها إلى اليمن بعد نشوب الحرب الأهلية في الصومال.
وهي لا تدري كم كان عمرها آنذاك، ربما خمسة عشر عاما. قُبيل الوصول إلى الشاطئ بكيلومتر واحد أجبر المهربون كل ركاب القارب على القفز في البحر والسباحة إلى الشاطئ. وتروي إيمان: "كثير منهم غرقوا. والشيء الوحيد الذي أتذكره بالفعل هو خوفي". منذ ذلك الحين تعيش في صنعاء عيشة سعيدة. لقد شاهدت في هذا كثيرا من الأوروبيين يمشون خلال البيت، ومعظمهم موظفين لدى منظمات المساعدة على التنمية. تلبس إيمان سترة رمادية من الصوف وحذاء رياضيا وسروالا واسعا وقبعة.
عندما سألتها أين يمكنني شراء خبز، خلعت القفاز البلاستيك من يديها ونزلت السلم لتحضر لي خبزا صغيرا. ولما قلت لها: "لا، يمكنني أن أقوم بذلك بنفسي"، ردت قائلة: "إنك لا تعرف من أين"، وذهبت. "في اليمن ل ايحتاج المرء سوى ثلاث كلمات".
بعد خمس دقائق سمعتها تنادي من سلم البيت وتقول: "لا تخف!"، ثم دخلت المطبخ ضاحكة بينما كانت تغطي جسمها بملابس سوداء ولا يُرى من جسمها إلا بياض عينيها. وبعد بضعة دقائق كانت تقف ثانية أمام حوض الغسيل مرتدية سترة الصوف الرمادية.
وأرادت أن تعرف "إذا كنت أتحدث العربية" فأجبت "لا"، وعلى إثرها قالت "إنها سهلة جدا". وأردفت تقول: "إن عمي قال ذات مرة عندما سأله بعض أصدقائه في الصومال بعد أن قضى هنا عدة سنوات إذا كان يتكلم العربية، فأجاب: "إن المرء في اليمن لا يحتاج إلا لثلاث كلمات، ألا وهن عمل؟ والكلمتان الأخريان هما لفهم الإجابة نعم أو لا".
جامع كبير لمحاربة الفقر
هذا الجامع يعد مؤسسة كبيرة لمحاربة الفقر
تقول إيمان إن كثيرا من بني جلدتها عاشوا في مخيمات اللاجئين. وعلى الرغم من أن اليمن يستقبل كل الصوماليين الذين يستطيعون الوصول إليه، إلا أن المرء عليه أن يقوم بتدبير أموره بنفسه. في الواقع يحاول كثير من اليمنيين أيضا كسب قوت يومهم ويقفون أياما على قارعة الطريق أمام باب اليمن المؤدي إلى المدينة القديمة يقفون حاملين عدة العمل ينتظرون الحصول على عمل يومي، وبعضهم يحمل عشرة جاكتات على كتفه – كشماعة للملابس. وفي الوقت نفسه آخرون يعرضون خناجر مقوسة للبيع أيضا. كما تقوم النساء والأطفال بالتسول عند تقاطع الطرق ويحاولون بيع المناديل الورقية.
على الرغم من أن اليمن يُعتبر من أفقر بلاد العالم، إلا أن الرئيس قام ببناء جامع آخر لا يوجد أكبر ولا أفخم منه. ولكن يُحكى في شوارع صنعاء أن الرئيس قام بتمويل البناء من ماله الخاص. يقول محمد، سائق التاكسي الذي يُسمع منه صوت قراءة القرآن المسجل عبر نوافذ السيارة: "إننا بحاجة إلى مرافق جيدة في المستشفيات"، ويضيف "نظام التعليم سيئ. وعندما أذهب إلى الجامع أذهب إلى الذي في حيّنا".
"إنهم يمضغون مثل الماعز"
على جانب الطريق يجلس البائعون تحت المظلات يبيعون بطاريات وأدوات منزلية وساعات، وشدقهم الأيمن مملوء بأوراق القات، كما لو كانت بها كرة تنس. ويستنكر محمد ذلك قائلا: "إنهم يمضغون مثل الماعز". ويتساءل: "ما فائدة ذلك، فبدلا من شراء اللحم والفاكهة لأطفالهم يبددون معظم أجرتهم اليومية في شراء مثل هذه الأوراق حتى ينتشون بعض الوقت". يضغط على آلة التنبيه، ولكن محلك سر. ويتساءل: "ما رأي ألمانيا في مثل هذا البلد" ويقلب شريط الكاسيت كما لو كان لا ينتظر إجابة مني. وأرد عليه قائلا: "لا يعرف معظم الناس في ألمانيا أين يقع اليمن، ولكن إذا ذكر بلدكم في التلفاز فلسبب واحد، ألا وهو أن أحد الأشخاص اختطف".
"لا تذكر هتلر مرة أخرى"
يهز محمد رأسه ويصيح قائلا: "نعم، الاختطافات، لا يفعل ذلك إلا المجانين. إن بلدهم جيد ولكنهم لا يعرفون كيف يستغلونه. إنني ألعن وطني كثيرا، ولكن عندما يأتي أناس إلى هنا مثلك ويعطوني أعينهم فسوف أرى جمال البلد".
ويتابع قائلا: "من الممكن أن تكون السياحة شيئا جيدا لليمن، ولكنهم يفسدونها بأفعالهم الحمقاء. يوجد حقا سفهاء في كل مكان. إن ما اقترفه الإسرائيليون في قطاع غزة يعد من الفظاعة بمكان. لهذا السبب يحب كثير من العرب هتلر، لأنه كان يكره اليهود كما تعرف". وصحت قائلا: "لا تذكر هتلر مرة أخرى". وفهم ما أقصد.
أمامنا يشير أحد رجال الشرطة لطابور السيارات حتى يتحرك إلى الأمام، ولكن السيارات التي تأتي من الشارع الجانبي سدت الشارع، لهذا يكتفي محمد بالقرب قدر ال
اليمن- بلاد الغرق السعيدة؟
عاش الكاتب غوي هيلمنغر أربعة أسابيع في اليمن. في مقاله الذي كتبه لموقعنا يسرد قصصه عن الصومالية السعيدة وسائق التاكسي ذي الأخلاق الحميدة والإمام البشوش، وعن كتّاب لم يقوموا بتأليف كتب ولا أحد يتبتانهم ولا يرعاهم
في المطبخ الذي يحتوي على موقد غاز موضوع على هيئة منضدة في التجويف القديم الذي كان مخصصا لموقد النار يتكدس مخزون المواد الغذائية. وفي المطبخ تقف إيمان، الخادمة، أمام حوض الغسيل وتلقي علي التحية بالانجليزية في أول يوم لي في اليمن. هذه الصومالية الأصل كانت قد فرّت مع أسرتها إلى اليمن بعد نشوب الحرب الأهلية في الصومال.
وهي لا تدري كم كان عمرها آنذاك، ربما خمسة عشر عاما. قُبيل الوصول إلى الشاطئ بكيلومتر واحد أجبر المهربون كل ركاب القارب على القفز في البحر والسباحة إلى الشاطئ. وتروي إيمان: "كثير منهم غرقوا. والشيء الوحيد الذي أتذكره بالفعل هو خوفي". منذ ذلك الحين تعيش في صنعاء عيشة سعيدة. لقد شاهدت في هذا كثيرا من الأوروبيين يمشون خلال البيت، ومعظمهم موظفين لدى منظمات المساعدة على التنمية. تلبس إيمان سترة رمادية من الصوف وحذاء رياضيا وسروالا واسعا وقبعة.
عندما سألتها أين يمكنني شراء خبز، خلعت القفاز البلاستيك من يديها ونزلت السلم لتحضر لي خبزا صغيرا. ولما قلت لها: "لا، يمكنني أن أقوم بذلك بنفسي"، ردت قائلة: "إنك لا تعرف من أين"، وذهبت. "في اليمن ل ايحتاج المرء سوى ثلاث كلمات".
بعد خمس دقائق سمعتها تنادي من سلم البيت وتقول: "لا تخف!"، ثم دخلت المطبخ ضاحكة بينما كانت تغطي جسمها بملابس سوداء ولا يُرى من جسمها إلا بياض عينيها. وبعد بضعة دقائق كانت تقف ثانية أمام حوض الغسيل مرتدية سترة الصوف الرمادية.
وأرادت أن تعرف "إذا كنت أتحدث العربية" فأجبت "لا"، وعلى إثرها قالت "إنها سهلة جدا". وأردفت تقول: "إن عمي قال ذات مرة عندما سأله بعض أصدقائه في الصومال بعد أن قضى هنا عدة سنوات إذا كان يتكلم العربية، فأجاب: "إن المرء في اليمن لا يحتاج إلا لثلاث كلمات، ألا وهن عمل؟ والكلمتان الأخريان هما لفهم الإجابة نعم أو لا".
جامع كبير لمحاربة الفقر
هذا الجامع يعد مؤسسة كبيرة لمحاربة الفقر
تقول إيمان إن كثيرا من بني جلدتها عاشوا في مخيمات اللاجئين. وعلى الرغم من أن اليمن يستقبل كل الصوماليين الذين يستطيعون الوصول إليه، إلا أن المرء عليه أن يقوم بتدبير أموره بنفسه. في الواقع يحاول كثير من اليمنيين أيضا كسب قوت يومهم ويقفون أياما على قارعة الطريق أمام باب اليمن المؤدي إلى المدينة القديمة يقفون حاملين عدة العمل ينتظرون الحصول على عمل يومي، وبعضهم يحمل عشرة جاكتات على كتفه – كشماعة للملابس. وفي الوقت نفسه آخرون يعرضون خناجر مقوسة للبيع أيضا. كما تقوم النساء والأطفال بالتسول عند تقاطع الطرق ويحاولون بيع المناديل الورقية.
على الرغم من أن اليمن يُعتبر من أفقر بلاد العالم، إلا أن الرئيس قام ببناء جامع آخر لا يوجد أكبر ولا أفخم منه. ولكن يُحكى في شوارع صنعاء أن الرئيس قام بتمويل البناء من ماله الخاص. يقول محمد، سائق التاكسي الذي يُسمع منه صوت قراءة القرآن المسجل عبر نوافذ السيارة: "إننا بحاجة إلى مرافق جيدة في المستشفيات"، ويضيف "نظام التعليم سيئ. وعندما أذهب إلى الجامع أذهب إلى الذي في حيّنا".
"إنهم يمضغون مثل الماعز"
على جانب الطريق يجلس البائعون تحت المظلات يبيعون بطاريات وأدوات منزلية وساعات، وشدقهم الأيمن مملوء بأوراق القات، كما لو كانت بها كرة تنس. ويستنكر محمد ذلك قائلا: "إنهم يمضغون مثل الماعز". ويتساءل: "ما فائدة ذلك، فبدلا من شراء اللحم والفاكهة لأطفالهم يبددون معظم أجرتهم اليومية في شراء مثل هذه الأوراق حتى ينتشون بعض الوقت". يضغط على آلة التنبيه، ولكن محلك سر. ويتساءل: "ما رأي ألمانيا في مثل هذا البلد" ويقلب شريط الكاسيت كما لو كان لا ينتظر إجابة مني. وأرد عليه قائلا: "لا يعرف معظم الناس في ألمانيا أين يقع اليمن، ولكن إذا ذكر بلدكم في التلفاز فلسبب واحد، ألا وهو أن أحد الأشخاص اختطف".
"لا تذكر هتلر مرة أخرى"
يهز محمد رأسه ويصيح قائلا: "نعم، الاختطافات، لا يفعل ذلك إلا المجانين. إن بلدهم جيد ولكنهم لا يعرفون كيف يستغلونه. إنني ألعن وطني كثيرا، ولكن عندما يأتي أناس إلى هنا مثلك ويعطوني أعينهم فسوف أرى جمال البلد".
ويتابع قائلا: "من الممكن أن تكون السياحة شيئا جيدا لليمن، ولكنهم يفسدونها بأفعالهم الحمقاء. يوجد حقا سفهاء في كل مكان. إن ما اقترفه الإسرائيليون في قطاع غزة يعد من الفظاعة بمكان. لهذا السبب يحب كثير من العرب هتلر، لأنه كان يكره اليهود كما تعرف". وصحت قائلا: "لا تذكر هتلر مرة أخرى". وفهم ما أقصد.
أمامنا يشير أحد رجال الشرطة لطابور السيارات حتى يتحرك إلى الأمام، ولكن السيارات التي تأتي من الشارع الجانبي سدت الشارع، لهذا يكتفي محمد بالقرب قدر ال
إمكان من الباب الجانبي للسيارة التي أمامه ويستعمل آلة التنبيه من جديد.
إحساس آخر بالوقت
جئت متأخرا نحو ساعة إلى لقاء عبده، إمام أحد المساجد في شمال صنعاء، الشيء الذي لم يضايقه كثيرا. ولما اعتذرت له مرارا رفع يده وقال: "هل جئت إلي لتعتذر؟". وضحكت، ثم قلت له أني لو كنت مكانه لما أتى متأخرا مثلما فعلت الآن. وعلى ذلك أجاب: "لستَ في اليمن". وتزين جانبا من غرفة الجلوس مكتبة عظيمة، أغلبها كتب دينية وخطب لرجال مشاهير، وأدب وشعر أيضا.
صراع الحضارات – رياضة الأغبياء
"ما فائدة مضغ القات، فبدلا من شراء اللحم والفاكهة لأطفالهم يبددون معظم أجرتهم اليومية في شراء مثل هذه الأوراق حتى ينتشون بعض الوقت"
أردت أن أعرف رأيه في الناس الذين يحاولون التوفيق بين الدين والإرهاب، فقال: "لا أعبأ بهم، إنهم ضلوا الطريق ويخالفون الله، إنها أقلية أضرت بالإسلام كثيرا في السنوات الماضية، وتقع على عاتقهم مسئولية خوف الغرب فجأة من أي ديانة يريد أتباعها أن يكونوا أناسا جيدين، مثلكم كمسيحيين". وأردف قائلا أن صراع الحضارات ليس إلا رياضة الأغبياء. فمن لا يريد أن يعرف شيئا عن الآخرين يعتبر شخصيا خطرا عليهم. وللأسف لا يريد كل من الطرفين معرفة شيء عن الآخر، ويكتفي كل منهم بالأحكام المسبقة.
كتّاب من دون كتب
لقد ثبت لي في يوم آخر صحة كلام رابطة الكتّاب اليمنيين، فلم يرغب كاتب في لقائي وتمت مقاطعة مؤتمر الأدب في البيت الألماني لأنهم يدعون أن الشعب الألماني والمثقفين لم يتخذوا موقفا تجاه الصراع في غزة. وهذا من الغرابة بمكان، حيث كانت هناك مظاهرات في المدن الألمانية الكبيرة، وعلى الأقل أنا ككاتب ألماني كنت أتناقش كل يوم مع التجار والكتاب وبائعي الجرائد حول الهجمات الإسرائيلية. لحسن الحظ لا يفكر كل الكتاب اليمنيين مثل رابطتهم.
يقول سعيد، أثناء شرب القهوة معه في مطعم إثيوبي، أن الموقف صعب بالنسبة للكتّاب المحليين. ففي الوقت الحالي لا تُوجد مطابع ولهذا فلا توجد كتب جديدة. ومن الأفضل أن يتكلم المرء حول النصوص على الأقل. ومن خلاله علمت أن اليمن لا يُوجد به مؤسسات للنشر أو للتوزيع، وأن كل الروايات والقصص ومجلدات الشعر تظهر لدى دور نشر خاصة. ويضيف سعيد: "من السهولة في ألمانيا أن يتكسب المرء كثيرا من الأدب"، وهذا ما لم أوافق عليه. أما المؤتمر فقد عُقد، ولكن بصورة أصغر مما كان مخططا له، ولهذا كانت المناقشات أكثر تركيزا، الشيء الذي يعتبر بداية جيدة.
غوي هيلمنغر
ترجمة: عبد اللطيف شعيب
2009
غوي هيلمنغر من مواليد عام 1963 وعرف بكتاباته المسرحية والنصوص الأدبية المسموعة. صدر له مؤخرا عن دار نشر زوركامب رواية "أفول الصباح".
إحساس آخر بالوقت
جئت متأخرا نحو ساعة إلى لقاء عبده، إمام أحد المساجد في شمال صنعاء، الشيء الذي لم يضايقه كثيرا. ولما اعتذرت له مرارا رفع يده وقال: "هل جئت إلي لتعتذر؟". وضحكت، ثم قلت له أني لو كنت مكانه لما أتى متأخرا مثلما فعلت الآن. وعلى ذلك أجاب: "لستَ في اليمن". وتزين جانبا من غرفة الجلوس مكتبة عظيمة، أغلبها كتب دينية وخطب لرجال مشاهير، وأدب وشعر أيضا.
صراع الحضارات – رياضة الأغبياء
"ما فائدة مضغ القات، فبدلا من شراء اللحم والفاكهة لأطفالهم يبددون معظم أجرتهم اليومية في شراء مثل هذه الأوراق حتى ينتشون بعض الوقت"
أردت أن أعرف رأيه في الناس الذين يحاولون التوفيق بين الدين والإرهاب، فقال: "لا أعبأ بهم، إنهم ضلوا الطريق ويخالفون الله، إنها أقلية أضرت بالإسلام كثيرا في السنوات الماضية، وتقع على عاتقهم مسئولية خوف الغرب فجأة من أي ديانة يريد أتباعها أن يكونوا أناسا جيدين، مثلكم كمسيحيين". وأردف قائلا أن صراع الحضارات ليس إلا رياضة الأغبياء. فمن لا يريد أن يعرف شيئا عن الآخرين يعتبر شخصيا خطرا عليهم. وللأسف لا يريد كل من الطرفين معرفة شيء عن الآخر، ويكتفي كل منهم بالأحكام المسبقة.
كتّاب من دون كتب
لقد ثبت لي في يوم آخر صحة كلام رابطة الكتّاب اليمنيين، فلم يرغب كاتب في لقائي وتمت مقاطعة مؤتمر الأدب في البيت الألماني لأنهم يدعون أن الشعب الألماني والمثقفين لم يتخذوا موقفا تجاه الصراع في غزة. وهذا من الغرابة بمكان، حيث كانت هناك مظاهرات في المدن الألمانية الكبيرة، وعلى الأقل أنا ككاتب ألماني كنت أتناقش كل يوم مع التجار والكتاب وبائعي الجرائد حول الهجمات الإسرائيلية. لحسن الحظ لا يفكر كل الكتاب اليمنيين مثل رابطتهم.
يقول سعيد، أثناء شرب القهوة معه في مطعم إثيوبي، أن الموقف صعب بالنسبة للكتّاب المحليين. ففي الوقت الحالي لا تُوجد مطابع ولهذا فلا توجد كتب جديدة. ومن الأفضل أن يتكلم المرء حول النصوص على الأقل. ومن خلاله علمت أن اليمن لا يُوجد به مؤسسات للنشر أو للتوزيع، وأن كل الروايات والقصص ومجلدات الشعر تظهر لدى دور نشر خاصة. ويضيف سعيد: "من السهولة في ألمانيا أن يتكسب المرء كثيرا من الأدب"، وهذا ما لم أوافق عليه. أما المؤتمر فقد عُقد، ولكن بصورة أصغر مما كان مخططا له، ولهذا كانت المناقشات أكثر تركيزا، الشيء الذي يعتبر بداية جيدة.
غوي هيلمنغر
ترجمة: عبد اللطيف شعيب
2009
غوي هيلمنغر من مواليد عام 1963 وعرف بكتاباته المسرحية والنصوص الأدبية المسموعة. صدر له مؤخرا عن دار نشر زوركامب رواية "أفول الصباح".
اليمن في عيون المستشرقين
ديسمبر 19, 2016
عرض/ خليل المعلمي
كانت اليمن وستظل محل أنظار العالم من الشرق أو الغرب، قصدها علماء الآثار والباحثون والرحالة والمغامرون من جميع بقاع العالم للتعرف على مكنونات هذا البلد الفريد والتعرف على حضارته وعاداته وتقاليده وتاريخه العريق، تنقلوا بين مناطق مختلفة من عدن إلى حضرموت ومن المخا إلى صنعاء ومارب، وخرجوا برؤى ودراسات انتربولوجية وتاريخية وكتبوا عن هذا البلد في مجالات عدة.
لقد سعى الكاتب والناقد هشام علي بن علي في جمع عدد من الدراسات والقراءات التي تبحث في صورة اليمن كما رآها هؤلاء المستشرقون والباحثون وقدم لنا قراءة في هذه الكتابات في كتاب اختار له الاسم “رؤية اليمن.. قراءة في الكتابات الاستشراقية والانتربولوجية”، تضمن ثمانية أجزاء ومقدمة.
دراسات الاستشراق
حاول الناقد هشام علي في هذا الكتاب التعرض لعدد من الكتب الغربية التي تناولت اليمن أو قدمت رؤية لليمن من خلال الرحلات والمذكرات أو دراسات الاستشراق والانتربولوجيا وقد قصر اهتمامه على الدراسات الحديثة، خاصة ما يتعلق بالانتربولوجيا والاستشراق، أي الكتابات التي تخلصت من كثير من منهجيات الاستشراق والتقليدي وعيوب الانتربولوجيا السابقة التي كانت تعتبر الآخر غير الأوروبي بدائياً بربرياً وتقيم خطابها على هذا الأساس.
اليمن كما يراه الآخر
يشير المؤلف في هذا الجزء من الكتاب إلى أسماء كثيرة جاءت إلى اليمن أو عبرت اليمن نحو بلاد أخرى، كتب بعضهم عنها في مذكراته أو أبحاثه، وحمل بعضهم بعضاً من آثارها أو نقوشها إلى بلدانهم، وحفظ آخرون في الذاكرة تفاصيل رحلة أسطورية، قام آخرون بوصف بلاد اليمن ورسموا مشاهد لمدنها وقراها، وفي زمن السينما حمل المخرج العالمي بازوليني كاميرا التصوير إلى اليمن حيث عوالم ألف ليلة وليلة السحرية وكتب في دفتر ملاحظاته كثيراً من الرؤى الشعرية عن هذه المدن العابرة للزمن.
وفتح اتجاهاً لقراءة الكتابات الانتربولوجية عن اليمن خاصة الحديثة منها في فترة ما بعد الاستعمار، حيث بدأ يعيد التفكير في قضية معرفة الآخر ويبحث عن طريقة مختلفة في التعبير عنها، طريقة تتحرر من الماضي الاستعماري والمركزية الغربية والهيمنة.
وقدم المؤلف قراءة لإحدى الكتب التي تم ترجمتها وإصدارها تحت عنوان “اليمن كما يراه الآخر” ،ألفته الباحثة “لوسين تامينيان” وهي أمريكية الجنسية أردنية الأصل، وأوضح أن ما يلفت الانتباه فيه هو الطابع التجزيئي الذي يغلب على كثير من الدراسات المجموعة فيه، فهي في غالبها فصول أو أجزاء من كتب أو بحوث مطولة.
واستعرض المؤلف المقالات التي احتوى عليها الكتاب موضحاً أن محررة الكتاب قامت بعزل ما هو تاريخي وسياسي في هذه الدراسة وحولت الانتربولوجيا إلى استعراض افقي للمجتمع الحضرمي، جردت هذا الانقسام المجتمعي من بعده التاريخي ودور علاقات القوى في المجتمع وحولت الرأسمال الرمزي لفئة السادة إلى مفهوم مطلق، رغم اهتزازه حين انتقل الحضارم إلى مجتمع آخر في أندونيسيا.
وأضاف أنه من خلال هذه الدراسات يتضح صحة الإشارة إلى قدرة القبيلة على إعادة إنتاج نفسها وإعادة تشكيل الوعي القبلي والعمل على استمراره في فضاءات أخرى متخفية مثل النشاط السياسي أو التجاري أو الصراعات العقارية وغيرها.
تمثيل الذات وتمثيل الآخر
في هذا الجزء يضعنا المؤلف أمام رؤيتين لليمن الأولى تندرج ضمن تمثيلات الذات والثانية تقع في سياق تمثيلات الآخر، حيث وضعت أمام نسقين ثقافيين مختلفين ينتمي الأول إلى اليمن فيما ينتمي الثاني إلى الآخر الأجنبي.
ويقول المؤلف: في تصديره لكتاب “رؤية اليمن بين حبشوش وهاليفي” يحدد الأستاذ يحيى علي الإرياني أوجه الاختلاف بين رؤيتين، رؤية اليهودي اليمني حاييم حبشوش ورؤية جوزيف هاليفي اليهودي الفرنسي رغم اتفاق الاثنان في الانتماء للديانة اليهودية، إلا أن رؤية هاليفي تقع في سياق تمثيلات الآخر وترتهن لقناعة مسبقة ومنحازة ضد ما هو عربي وإسلامي، ويبدو انحياز الارياني واضحاً إلى جانب تقرير حبشوش الذي يجده متوهجاً بالموضوعية والصدق بينما يقع تقرير هاليفي في الزيف والخداع، ولم يكن انتماء الرجلين إلى ديانة واحدة كافياً لردم الاختلاف بين الرؤيتين.
الرحلة العربية
اختار المؤلف عنوان “الرحلة العربية” وهي عنوان للرحلة التي أطلقها ملك الدنمارك إلى اليمن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث انطلقت هذه الرحلة من كوبنهاجن إلى القسطينية، فالاسكندرية وبعد قضاء عامين في مصر انطلقت البعثة في سفينة حجاج إلى جدة ومن جدة ابحروا في مركب صغير إلى ميناء اللحية في اليمن ومن هناك بدأوا رحلتهم داخل الأراضي اليمنية.
يقول المؤلف: لقد شارك في هذه الرحلة خمسة أشخاص هم “فون هافن” دانمركي، “فورسكال” سويدي، “نيبور”، “كرامر” طبيب البعثة، “باورنفانيد” رسام البعثة، إضافة إلى خادم عسكري سويدي اسمه “برججرين”، وقد واجهت هذه الرحلة صعوبات منذ انطلاقها حتى وصولها إلى اليمن حيث فتكت الملاريا بأعضاء الفريق، فقد
ديسمبر 19, 2016
عرض/ خليل المعلمي
كانت اليمن وستظل محل أنظار العالم من الشرق أو الغرب، قصدها علماء الآثار والباحثون والرحالة والمغامرون من جميع بقاع العالم للتعرف على مكنونات هذا البلد الفريد والتعرف على حضارته وعاداته وتقاليده وتاريخه العريق، تنقلوا بين مناطق مختلفة من عدن إلى حضرموت ومن المخا إلى صنعاء ومارب، وخرجوا برؤى ودراسات انتربولوجية وتاريخية وكتبوا عن هذا البلد في مجالات عدة.
لقد سعى الكاتب والناقد هشام علي بن علي في جمع عدد من الدراسات والقراءات التي تبحث في صورة اليمن كما رآها هؤلاء المستشرقون والباحثون وقدم لنا قراءة في هذه الكتابات في كتاب اختار له الاسم “رؤية اليمن.. قراءة في الكتابات الاستشراقية والانتربولوجية”، تضمن ثمانية أجزاء ومقدمة.
دراسات الاستشراق
حاول الناقد هشام علي في هذا الكتاب التعرض لعدد من الكتب الغربية التي تناولت اليمن أو قدمت رؤية لليمن من خلال الرحلات والمذكرات أو دراسات الاستشراق والانتربولوجيا وقد قصر اهتمامه على الدراسات الحديثة، خاصة ما يتعلق بالانتربولوجيا والاستشراق، أي الكتابات التي تخلصت من كثير من منهجيات الاستشراق والتقليدي وعيوب الانتربولوجيا السابقة التي كانت تعتبر الآخر غير الأوروبي بدائياً بربرياً وتقيم خطابها على هذا الأساس.
اليمن كما يراه الآخر
يشير المؤلف في هذا الجزء من الكتاب إلى أسماء كثيرة جاءت إلى اليمن أو عبرت اليمن نحو بلاد أخرى، كتب بعضهم عنها في مذكراته أو أبحاثه، وحمل بعضهم بعضاً من آثارها أو نقوشها إلى بلدانهم، وحفظ آخرون في الذاكرة تفاصيل رحلة أسطورية، قام آخرون بوصف بلاد اليمن ورسموا مشاهد لمدنها وقراها، وفي زمن السينما حمل المخرج العالمي بازوليني كاميرا التصوير إلى اليمن حيث عوالم ألف ليلة وليلة السحرية وكتب في دفتر ملاحظاته كثيراً من الرؤى الشعرية عن هذه المدن العابرة للزمن.
وفتح اتجاهاً لقراءة الكتابات الانتربولوجية عن اليمن خاصة الحديثة منها في فترة ما بعد الاستعمار، حيث بدأ يعيد التفكير في قضية معرفة الآخر ويبحث عن طريقة مختلفة في التعبير عنها، طريقة تتحرر من الماضي الاستعماري والمركزية الغربية والهيمنة.
وقدم المؤلف قراءة لإحدى الكتب التي تم ترجمتها وإصدارها تحت عنوان “اليمن كما يراه الآخر” ،ألفته الباحثة “لوسين تامينيان” وهي أمريكية الجنسية أردنية الأصل، وأوضح أن ما يلفت الانتباه فيه هو الطابع التجزيئي الذي يغلب على كثير من الدراسات المجموعة فيه، فهي في غالبها فصول أو أجزاء من كتب أو بحوث مطولة.
واستعرض المؤلف المقالات التي احتوى عليها الكتاب موضحاً أن محررة الكتاب قامت بعزل ما هو تاريخي وسياسي في هذه الدراسة وحولت الانتربولوجيا إلى استعراض افقي للمجتمع الحضرمي، جردت هذا الانقسام المجتمعي من بعده التاريخي ودور علاقات القوى في المجتمع وحولت الرأسمال الرمزي لفئة السادة إلى مفهوم مطلق، رغم اهتزازه حين انتقل الحضارم إلى مجتمع آخر في أندونيسيا.
وأضاف أنه من خلال هذه الدراسات يتضح صحة الإشارة إلى قدرة القبيلة على إعادة إنتاج نفسها وإعادة تشكيل الوعي القبلي والعمل على استمراره في فضاءات أخرى متخفية مثل النشاط السياسي أو التجاري أو الصراعات العقارية وغيرها.
تمثيل الذات وتمثيل الآخر
في هذا الجزء يضعنا المؤلف أمام رؤيتين لليمن الأولى تندرج ضمن تمثيلات الذات والثانية تقع في سياق تمثيلات الآخر، حيث وضعت أمام نسقين ثقافيين مختلفين ينتمي الأول إلى اليمن فيما ينتمي الثاني إلى الآخر الأجنبي.
ويقول المؤلف: في تصديره لكتاب “رؤية اليمن بين حبشوش وهاليفي” يحدد الأستاذ يحيى علي الإرياني أوجه الاختلاف بين رؤيتين، رؤية اليهودي اليمني حاييم حبشوش ورؤية جوزيف هاليفي اليهودي الفرنسي رغم اتفاق الاثنان في الانتماء للديانة اليهودية، إلا أن رؤية هاليفي تقع في سياق تمثيلات الآخر وترتهن لقناعة مسبقة ومنحازة ضد ما هو عربي وإسلامي، ويبدو انحياز الارياني واضحاً إلى جانب تقرير حبشوش الذي يجده متوهجاً بالموضوعية والصدق بينما يقع تقرير هاليفي في الزيف والخداع، ولم يكن انتماء الرجلين إلى ديانة واحدة كافياً لردم الاختلاف بين الرؤيتين.
الرحلة العربية
اختار المؤلف عنوان “الرحلة العربية” وهي عنوان للرحلة التي أطلقها ملك الدنمارك إلى اليمن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، حيث انطلقت هذه الرحلة من كوبنهاجن إلى القسطينية، فالاسكندرية وبعد قضاء عامين في مصر انطلقت البعثة في سفينة حجاج إلى جدة ومن جدة ابحروا في مركب صغير إلى ميناء اللحية في اليمن ومن هناك بدأوا رحلتهم داخل الأراضي اليمنية.
يقول المؤلف: لقد شارك في هذه الرحلة خمسة أشخاص هم “فون هافن” دانمركي، “فورسكال” سويدي، “نيبور”، “كرامر” طبيب البعثة، “باورنفانيد” رسام البعثة، إضافة إلى خادم عسكري سويدي اسمه “برججرين”، وقد واجهت هذه الرحلة صعوبات منذ انطلاقها حتى وصولها إلى اليمن حيث فتكت الملاريا بأعضاء الفريق، فقد
مات “فون هافن” في المخا، وتبعه “فورسكال” في يريم وفي طريق عودتهم عبر الهند مات اثنان من أعضاء البعثة في البحر بسبب الملاريا أيضاً، ثم مات طبيب البعثة “كرامر” بعد وصوله إلى بومباي، ولم يعد من أعضاء هذه البعثة سوى نيبور الذي قام بتدوين يوميات هذه الرحلة ورصد نتائجها العلمية في كتابين أصبح لهما شهرة كبيرة، وهما “وصف بلاد العرب”، و”وصف رحلة إلى بلاد العرب والبلدان المجاورة.
وقد سعى المؤلف إلى تتبع هذه الرحلة ودلالاتها العلمية والتاريخية والاستراتيجية واستخلاص المضامين العميقة التي يمكن أن تختفي في تفاصيل الرواية، وأكد أن هناك عاملين اثنين حددا هذه البعثة الأول هو روح التنوير والمعرفة والكشوف الجغرافية التي ميزت أوروبا أبان ذلك العصر، أما الثاني هو الوجه الآخر للمعرفة الاستشراقية وهو السياسة والصراع من أجل اكتساب مواقع استراتيجية وخطوط بحرية.
داخل أسواق صنعاء
أشار المؤلف في هذا الجزء إلى ما قدمه الباحث الفرنسي “فرانك مرييه” من دراسة مهمة عن مجتمع صنعاء من خلال بوابتها الرئيسية “أسواق صنعاء” باعتبار السوق بوابة المدينة وعتبتها الأولى، مركز تجارتها وفضاء لتشابك علاقتها مع محيطها القبلي المحلي ومع العالم الخارجي.
ويقول: لقد جمع الباحث الفرنسي في مقارابته للسوق الصنعانية مناهج عديدة وتاريخية وسوسيولوجية واثنولوجية وتعدد المناهج على هذا النحو يعكس اتساع الموضوع الذي يقوم بدراسته فالسوق هو مكان لاختزال المجتمع وتكثيف التاريخ ويهتم “مرييه” بالتحولات التي جرت داخل أسواق صنعاء، الناس والمهن والحرف وأشكال المعاملات التجارية وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية والحضرية، كما يبحث في علاقة السوق والجماعات الحضرية داخله بالسلطة السياسية وبالمحيط القبلي، وبالعلاقات الناشئة بين المدينة والريف، كما يولي اهتماماً بامتدادات صنعاء القديمة خارج أسوارها أي بالمراكز الحضرية والتجارية التي اتخذت تنمو وتتوسع منذ مطلع السبعينيات بالقرن الماضي لتشكل مدينة صنعاء في الوقت الحالي.
واستطرد الحديث عن “قانون صنعاء” الوثيقة التاريخية التي استفاد منها الباحث الفرنسي، حيث تعود هذه الوثيقة إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي، وتقدم معطيات تفصيلية عن التنظيم الإداري للمدينة وللسوق، كما تهدف الوثيقة إلى قوننة العلاقات الاقتصادية وتحديد صلاحيات الهيئات الحرفية والجماعات الأخرى والدفاع عن الملكية المشتركة وعن أمن المدينة.
عدن العربية
يأخذنا المؤلف إلى عنوان جديد “عدن العربية” وهو عنوان لكتاب ألفه الكاتب الفرنسي “بول نيزان” ونشره في العام 1932م، حيث قرر السفر إلى عدن وهو في العشرين من عمره فكان شاباً متمرداً على المجتمع والثقافة والعصر، وكانت له معرفة عميقة بالحركة الدادانية والسريالية وبالماركسية.
ويوضح أن هذا الكتاب يضعنا أمام سؤال يتعلق بطبيعة القراءة لهذا الكتاب الذي يوحي من خلال عنوانه وبعض فصوله أنه كتاب ينتمي إلى أدب الرحلات وبالتالي يظهر في ثناياه محاولات لتمثيل الآخر، العربي العدني كما يذكر العنوان، بينما تقول فصوله الأولى والأخيرة بشكل مختلف من الأدب أو النقد السياسي لا يتعلق بعدن والسفر إلى عدن، بل بأوروبا والنظام الرأسمالي، وفي عدن لا نجد العرب إلاّ عابرين، إن “نيزن” يتحدث عن الأوروبيين الذين سكنوا هذه البلاد من الانجليز والايطاليين والفرنسيين وكذلك من الأمريكان، وهذا ما يوضحه “نيزان” في خاتمة الكتاب فهو يكتشف فرنسا في عدن وهو يتساءل هل كان عليه السفر آلاف الأميال إلى عدن ليعرف طبيعة النظام الرأسمالي في فرنسا؟.
الاستشراق مؤنثاً
خصص المؤلف هذا الجزء من الكتاب للحديث عن الاستشراق المؤنث كما اسماه، مؤكداً أن للمرأة إسهام في رواية الآخر وتمثيلها حيث وصل إلى اليمن في بدايات القرن العشرين وفي فترات متقاربة ثلاث نساء أوروبيات يعتبرن رائدات كل في مجال عملها وهن: “جاكلين بيرت” في بحوثها الأركيولوجية، و”فريا ستارك” في مسارها العابر بين حضرموت وعدن والبصرة وغيرها من بلاد الجزيرة العربية وكانت تمزج السياسة بالتاريخ والجغرافيا وتقيم عددا من التحالفات القبلية والسياسية، و”كلوديا فايان” الطبيبة الفرنسية التي جاءت في مهمة إنسانية وارتبطت باليمن وأهلها ارتباطاً حميماً وعبرت عن ذلك الارتباط في كتاب أصبح وثيقة هامة عن اليمن في النصف الأول من القرن العشرين.
دولة الخط وهيمنة النص
يعتبر المؤلف كتاب “دولة الخط” للباحث الفرنسي “بريكلي ميسك” كتاباً منفرداً في الكتابات الغربية عن اليمن فهو لا ينحو منحى استشراقياً تقليدياً ولا يلتزم بمعطيات الانتروبولوجيا والاثنولوجيا ولكنه يهتم بتفكيك نصوص الشريعة والتاريخ والفتاوى وأحكام القضاء، كما تظهر في المجتمع اليمني ويعزز مدى علاقتها بالناس وعلى خلاف الخطاب الاستشراقي السائد الذي يهتم بقراءة النصوص ويقوم بإعادة إنتاج المجتمع والتاريخ على ضوء تلك النصوص وعلى وجه الخصوص النصوص التي ترتبط بالشريعة والدين.
ويؤكد أن الكتاب يقدم دراسة متميزة و
وقد سعى المؤلف إلى تتبع هذه الرحلة ودلالاتها العلمية والتاريخية والاستراتيجية واستخلاص المضامين العميقة التي يمكن أن تختفي في تفاصيل الرواية، وأكد أن هناك عاملين اثنين حددا هذه البعثة الأول هو روح التنوير والمعرفة والكشوف الجغرافية التي ميزت أوروبا أبان ذلك العصر، أما الثاني هو الوجه الآخر للمعرفة الاستشراقية وهو السياسة والصراع من أجل اكتساب مواقع استراتيجية وخطوط بحرية.
داخل أسواق صنعاء
أشار المؤلف في هذا الجزء إلى ما قدمه الباحث الفرنسي “فرانك مرييه” من دراسة مهمة عن مجتمع صنعاء من خلال بوابتها الرئيسية “أسواق صنعاء” باعتبار السوق بوابة المدينة وعتبتها الأولى، مركز تجارتها وفضاء لتشابك علاقتها مع محيطها القبلي المحلي ومع العالم الخارجي.
ويقول: لقد جمع الباحث الفرنسي في مقارابته للسوق الصنعانية مناهج عديدة وتاريخية وسوسيولوجية واثنولوجية وتعدد المناهج على هذا النحو يعكس اتساع الموضوع الذي يقوم بدراسته فالسوق هو مكان لاختزال المجتمع وتكثيف التاريخ ويهتم “مرييه” بالتحولات التي جرت داخل أسواق صنعاء، الناس والمهن والحرف وأشكال المعاملات التجارية وغير ذلك من المظاهر الاجتماعية والحضرية، كما يبحث في علاقة السوق والجماعات الحضرية داخله بالسلطة السياسية وبالمحيط القبلي، وبالعلاقات الناشئة بين المدينة والريف، كما يولي اهتماماً بامتدادات صنعاء القديمة خارج أسوارها أي بالمراكز الحضرية والتجارية التي اتخذت تنمو وتتوسع منذ مطلع السبعينيات بالقرن الماضي لتشكل مدينة صنعاء في الوقت الحالي.
واستطرد الحديث عن “قانون صنعاء” الوثيقة التاريخية التي استفاد منها الباحث الفرنسي، حيث تعود هذه الوثيقة إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي، وتقدم معطيات تفصيلية عن التنظيم الإداري للمدينة وللسوق، كما تهدف الوثيقة إلى قوننة العلاقات الاقتصادية وتحديد صلاحيات الهيئات الحرفية والجماعات الأخرى والدفاع عن الملكية المشتركة وعن أمن المدينة.
عدن العربية
يأخذنا المؤلف إلى عنوان جديد “عدن العربية” وهو عنوان لكتاب ألفه الكاتب الفرنسي “بول نيزان” ونشره في العام 1932م، حيث قرر السفر إلى عدن وهو في العشرين من عمره فكان شاباً متمرداً على المجتمع والثقافة والعصر، وكانت له معرفة عميقة بالحركة الدادانية والسريالية وبالماركسية.
ويوضح أن هذا الكتاب يضعنا أمام سؤال يتعلق بطبيعة القراءة لهذا الكتاب الذي يوحي من خلال عنوانه وبعض فصوله أنه كتاب ينتمي إلى أدب الرحلات وبالتالي يظهر في ثناياه محاولات لتمثيل الآخر، العربي العدني كما يذكر العنوان، بينما تقول فصوله الأولى والأخيرة بشكل مختلف من الأدب أو النقد السياسي لا يتعلق بعدن والسفر إلى عدن، بل بأوروبا والنظام الرأسمالي، وفي عدن لا نجد العرب إلاّ عابرين، إن “نيزن” يتحدث عن الأوروبيين الذين سكنوا هذه البلاد من الانجليز والايطاليين والفرنسيين وكذلك من الأمريكان، وهذا ما يوضحه “نيزان” في خاتمة الكتاب فهو يكتشف فرنسا في عدن وهو يتساءل هل كان عليه السفر آلاف الأميال إلى عدن ليعرف طبيعة النظام الرأسمالي في فرنسا؟.
الاستشراق مؤنثاً
خصص المؤلف هذا الجزء من الكتاب للحديث عن الاستشراق المؤنث كما اسماه، مؤكداً أن للمرأة إسهام في رواية الآخر وتمثيلها حيث وصل إلى اليمن في بدايات القرن العشرين وفي فترات متقاربة ثلاث نساء أوروبيات يعتبرن رائدات كل في مجال عملها وهن: “جاكلين بيرت” في بحوثها الأركيولوجية، و”فريا ستارك” في مسارها العابر بين حضرموت وعدن والبصرة وغيرها من بلاد الجزيرة العربية وكانت تمزج السياسة بالتاريخ والجغرافيا وتقيم عددا من التحالفات القبلية والسياسية، و”كلوديا فايان” الطبيبة الفرنسية التي جاءت في مهمة إنسانية وارتبطت باليمن وأهلها ارتباطاً حميماً وعبرت عن ذلك الارتباط في كتاب أصبح وثيقة هامة عن اليمن في النصف الأول من القرن العشرين.
دولة الخط وهيمنة النص
يعتبر المؤلف كتاب “دولة الخط” للباحث الفرنسي “بريكلي ميسك” كتاباً منفرداً في الكتابات الغربية عن اليمن فهو لا ينحو منحى استشراقياً تقليدياً ولا يلتزم بمعطيات الانتروبولوجيا والاثنولوجيا ولكنه يهتم بتفكيك نصوص الشريعة والتاريخ والفتاوى وأحكام القضاء، كما تظهر في المجتمع اليمني ويعزز مدى علاقتها بالناس وعلى خلاف الخطاب الاستشراقي السائد الذي يهتم بقراءة النصوص ويقوم بإعادة إنتاج المجتمع والتاريخ على ضوء تلك النصوص وعلى وجه الخصوص النصوص التي ترتبط بالشريعة والدين.
ويؤكد أن الكتاب يقدم دراسة متميزة و
جديدة من نواحي متعددة فهي تحاول دراسة السلطة الناشئة عن هيمنة النصوص وتبحث في العلاقة بين النص والتاريخ وتنظر إلى الشريعة كخطاب اجتماعي وكنص مفتوح يكتب وتتم إعادة كتابته بما ينشأ عليه من حواش وهوامش وإضافات.
الاستشراق والفن
في الجزء الأخير من الكتاب وتحت هذا العنوان “الاستشراق والفن” يشير الكاتب هشام علي بن علي إلى أن صورة اليمن تكونت في المخيلة الغربية متشحة بألوان الأسطورة والحلم وبتكوينات المقدس والمجهول بوصف الرحالة والمغامرين، وامتزج النص الاستشرافي بلوحات وتجريدات لجأ إلى تشكيلها بعض المستشرقين والرحالة والفنانين
الاستشراق والفن
في الجزء الأخير من الكتاب وتحت هذا العنوان “الاستشراق والفن” يشير الكاتب هشام علي بن علي إلى أن صورة اليمن تكونت في المخيلة الغربية متشحة بألوان الأسطورة والحلم وبتكوينات المقدس والمجهول بوصف الرحالة والمغامرين، وامتزج النص الاستشرافي بلوحات وتجريدات لجأ إلى تشكيلها بعض المستشرقين والرحالة والفنانين
انطباعات روسية- ألمانية عن اليمن 1929
11/05/2011
د. سعيد دبعي الذي كان سفير اليمن في موسكو، وضع ترجمة لواحدة من اهم الرحلات الأوروبية إلى اليمن والنص قام بتأليفه المخرج السينمائي التسجيلي الروسي فلاديمير شنايدروف، الذي كان على رأس بعثة سينمائية روسية المانية مشتركة، قامت بزيارة للمملكة المتوكلية اليمنية في أواخر عشرينات القرن العشرين، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم.
وتأتي الرحلة، عقدت إثر معاهدة الوداد والصداقة التي عقدت بين المملكة المتوكلية اليمنية والاتحاد السوفيتي، في الفاتح من نوفمبر (الأول من تشرين الثاني) عام 1928 والتي أرست الأسس للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين البلدين.
يصدر الكتاب عن المركز العربي للأدب الجغرافي في إطار سلسلة "شرق الغربيينط التي تعنى بنصوص الأوروبيين عن الشرق.
وقد كان اليمن في تلك الحقبة من التاريخ، وظل ما بعدها بعقود، بلدا مجهولا تقريباً بالنسبة للعالم، ولذلك لم يعتبر اعتباطا اكثر الدول غموضا في الشرق الأدنى ... فالطريق إليه مسدود عمليا في وجه الأجانب، والكتب المكرسة لليمن تعد على أصابع اليد حيث بذل الحكام كل ما في وسعهم لعزل هذا البلد عن العالم الخارجي، وتصعيب عملية الحصول على أية معلومات متعلقة بالوضع الاجتماعي أو الاقتصادي فيه مبررين تلك الإجراءات بمتطلبات النضال ضد القوى الاستعمارية،الطامعة والمتطاولة على استقلال هذا البلد .
ولقد حاول صحفيون ومصورون فوتوغرافيون وسينمائيون أمريكان وأوروبيون غربيون التسلل إلى أراضي اليمن، بيد إن محاولاتهم أنذاك باءت بالفشل.
ولم يكن ذلك يرجع إلى عدم وجود علاقات، أو بسبب البعد الجغرافي، الذي لا يشكل في الحقيقة، عائقا ثقافيا إطلاقا .
ولم يأت من فراغ اعتبار الرحالة الأوربيون الذين تمكنوا من زيارة " اليمن السعيد "، كما سمي هذا البلد في وقت من الأوقات، أبطالا، وذلك لصعوبة القيام بتلك المهمة لما تحمله الرحلة من أهوال ومشقات، وما يحف بها من مخاطر، حيث تعرض العديد من المستشرقين الذين زاروا المنطقة على شكل رحالة وسياح، لأخطار محققة، ومنهم من قضى نحبه وهو يقوم بمهامه، أما لسوء الأحوال الصحية أو لارتياب الناس في مقاصدهم فقضوا عليهم، أو نظرا للاضطرابات التي كانت تعم ربوع البلاد .
- اختلاف نمط الحياة، الذي لم يألفه الفرد الأوروبي الذي يبدو له غريبا، في أغلب الأحيان .
- المناخ الاستوائي القاسي، ولهيب الشمس القائضه، والصحارى اللاهبة والأمراض الاستوائية .
- وعورة الطريق، وعدم توفر وسائل المواصلات.
- تعنت الإقطاعيين المحليين، الذين كثيرا ما كانوا يرفضون الامتثال للسلطة المركزية.
- اعتبار البعض تلك الرحلات – المغامرات – بمثابة نوع من التطفل على حياة الشعوب، التي وجدت نفسها محاطة بأشخاص غرباء، لا تعرف عنهم شيئا، ولا تعرف مقاصدهم، ينقبون ويبحثون عن أدق تفاصيل حياتها، ومن هنا يمكننا فهم موقف بعض القبائل في رفض أية محاولة للتصوير في تجمعاتهم .
- بعض ممارسات التحايل التي صدرت عن دول استعمارية في التعامل مع اليمن: " لذا فليس اعتباطا أن يتوسم اليمنيون في الأوروبيين كافة أناسا نصابين . ولهم في ذلك كل المبررات " .
- وأخيرا، عدم توفر المعلومات الدقيقة، على قلتها، والأقاويل التي أرعبت وأثنت بعض الأوروبيين عن القيام برحلاتهم .
ولكن رغم صعوبات الرحلة ومخاطرها أوفدت مؤسسة " ميجراب بوم – فيلم " السينمائية السوفيتية، بالتعاون مع مؤسسة "برومتيوس" : الألمانية، في صيف عام 1929، بعثة خاصة إلى اليمن " لتصوير فيلم مهمته عرض الحياة اليومية في هذه الدولة العربية ونضالها البطولي في سبيل استقلالها بدون التدخل في تصوير الحقيقة ... في تجميلها أو إخفائها . كما أن فكرة الفيلم تهدف إلى فضح كل أكاذيب الصحافة الإمبريالية عن اليمن، ومناشدة بلدان الشرق تشديد نضالها في سبيل حريتها واستقلالها".
وهذا الكتاب الذي ألفه شنايدروف عن رحلته تلك، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم. وعند التطرق إلى ما وضع في السابق من كتب كثيرة عن اليمن من قبل الكتاب الغربيين والتي ترجم الكثير منها إلى العربية نلحظ اختلاف تقويمها من الناحية العلمية، حيث أنها لا تتعدى أن تكون ضربا من كتب الرحلات أو نوع من الانطباعات والمشاهدات التي دونها زوار أو رحالة مغامرون مروا باليمن أو امضوا فيه بعض الوقت. وما وصل إلينا من هذا النوع من المؤلفات يختلف من حيث قيمته وفائدته العلمية، ذلك أن اهتمامات الرواد الأوائل م
11/05/2011
د. سعيد دبعي الذي كان سفير اليمن في موسكو، وضع ترجمة لواحدة من اهم الرحلات الأوروبية إلى اليمن والنص قام بتأليفه المخرج السينمائي التسجيلي الروسي فلاديمير شنايدروف، الذي كان على رأس بعثة سينمائية روسية المانية مشتركة، قامت بزيارة للمملكة المتوكلية اليمنية في أواخر عشرينات القرن العشرين، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم.
وتأتي الرحلة، عقدت إثر معاهدة الوداد والصداقة التي عقدت بين المملكة المتوكلية اليمنية والاتحاد السوفيتي، في الفاتح من نوفمبر (الأول من تشرين الثاني) عام 1928 والتي أرست الأسس للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين البلدين.
يصدر الكتاب عن المركز العربي للأدب الجغرافي في إطار سلسلة "شرق الغربيينط التي تعنى بنصوص الأوروبيين عن الشرق.
وقد كان اليمن في تلك الحقبة من التاريخ، وظل ما بعدها بعقود، بلدا مجهولا تقريباً بالنسبة للعالم، ولذلك لم يعتبر اعتباطا اكثر الدول غموضا في الشرق الأدنى ... فالطريق إليه مسدود عمليا في وجه الأجانب، والكتب المكرسة لليمن تعد على أصابع اليد حيث بذل الحكام كل ما في وسعهم لعزل هذا البلد عن العالم الخارجي، وتصعيب عملية الحصول على أية معلومات متعلقة بالوضع الاجتماعي أو الاقتصادي فيه مبررين تلك الإجراءات بمتطلبات النضال ضد القوى الاستعمارية،الطامعة والمتطاولة على استقلال هذا البلد .
ولقد حاول صحفيون ومصورون فوتوغرافيون وسينمائيون أمريكان وأوروبيون غربيون التسلل إلى أراضي اليمن، بيد إن محاولاتهم أنذاك باءت بالفشل.
ولم يكن ذلك يرجع إلى عدم وجود علاقات، أو بسبب البعد الجغرافي، الذي لا يشكل في الحقيقة، عائقا ثقافيا إطلاقا .
ولم يأت من فراغ اعتبار الرحالة الأوربيون الذين تمكنوا من زيارة " اليمن السعيد "، كما سمي هذا البلد في وقت من الأوقات، أبطالا، وذلك لصعوبة القيام بتلك المهمة لما تحمله الرحلة من أهوال ومشقات، وما يحف بها من مخاطر، حيث تعرض العديد من المستشرقين الذين زاروا المنطقة على شكل رحالة وسياح، لأخطار محققة، ومنهم من قضى نحبه وهو يقوم بمهامه، أما لسوء الأحوال الصحية أو لارتياب الناس في مقاصدهم فقضوا عليهم، أو نظرا للاضطرابات التي كانت تعم ربوع البلاد .
- اختلاف نمط الحياة، الذي لم يألفه الفرد الأوروبي الذي يبدو له غريبا، في أغلب الأحيان .
- المناخ الاستوائي القاسي، ولهيب الشمس القائضه، والصحارى اللاهبة والأمراض الاستوائية .
- وعورة الطريق، وعدم توفر وسائل المواصلات.
- تعنت الإقطاعيين المحليين، الذين كثيرا ما كانوا يرفضون الامتثال للسلطة المركزية.
- اعتبار البعض تلك الرحلات – المغامرات – بمثابة نوع من التطفل على حياة الشعوب، التي وجدت نفسها محاطة بأشخاص غرباء، لا تعرف عنهم شيئا، ولا تعرف مقاصدهم، ينقبون ويبحثون عن أدق تفاصيل حياتها، ومن هنا يمكننا فهم موقف بعض القبائل في رفض أية محاولة للتصوير في تجمعاتهم .
- بعض ممارسات التحايل التي صدرت عن دول استعمارية في التعامل مع اليمن: " لذا فليس اعتباطا أن يتوسم اليمنيون في الأوروبيين كافة أناسا نصابين . ولهم في ذلك كل المبررات " .
- وأخيرا، عدم توفر المعلومات الدقيقة، على قلتها، والأقاويل التي أرعبت وأثنت بعض الأوروبيين عن القيام برحلاتهم .
ولكن رغم صعوبات الرحلة ومخاطرها أوفدت مؤسسة " ميجراب بوم – فيلم " السينمائية السوفيتية، بالتعاون مع مؤسسة "برومتيوس" : الألمانية، في صيف عام 1929، بعثة خاصة إلى اليمن " لتصوير فيلم مهمته عرض الحياة اليومية في هذه الدولة العربية ونضالها البطولي في سبيل استقلالها بدون التدخل في تصوير الحقيقة ... في تجميلها أو إخفائها . كما أن فكرة الفيلم تهدف إلى فضح كل أكاذيب الصحافة الإمبريالية عن اليمن، ومناشدة بلدان الشرق تشديد نضالها في سبيل حريتها واستقلالها".
وهذا الكتاب الذي ألفه شنايدروف عن رحلته تلك، يعد من بواكير مؤلفات الرحالة السوفييت عن اليمن، ويعتبر شهادة رائعة عن حياة اليمن في أواخر العشرينات، وتسجيلا صادقا ودقيقا عن نمط المعيشة، والطبيعة والحياة الاجتماعية، وهو مفعم بمشاعر الإعجاب الصادق بالناس البسطاء في اليمن وباحترام قيم حياتهم. وعند التطرق إلى ما وضع في السابق من كتب كثيرة عن اليمن من قبل الكتاب الغربيين والتي ترجم الكثير منها إلى العربية نلحظ اختلاف تقويمها من الناحية العلمية، حيث أنها لا تتعدى أن تكون ضربا من كتب الرحلات أو نوع من الانطباعات والمشاهدات التي دونها زوار أو رحالة مغامرون مروا باليمن أو امضوا فيه بعض الوقت. وما وصل إلينا من هذا النوع من المؤلفات يختلف من حيث قيمته وفائدته العلمية، ذلك أن اهتمامات الرواد الأوائل م
ن الأوروبيين في تلك الفترة المبكرة كانت تهدف من بين ما تهدف إليه، إلى الكشف عن الاثار وجمع النقوش ودراسة الحضارة اليمنية العريقة في جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام، ومن قبلة المسيحية بأكثر من نحو ألف عام .
وكما أن للرحلة نفسها هدفها الأخلاقي الكبير، حيث تهدف الرحلات إلى اكتشاف الذات والتعرف على الأخر، فان أدب الرحلات يتضمن، كنص أدبي، الكثير من المعاني، ويجمع الكثير من القضايا التي تعتمد على المشاهدة والملاحظة . فهو يتناول البشر في طبائعهم وابداعاتهم، ومجال الرحلة الذي يتناول فيه الجانب الوصفي التاريخي، ويتحدث عن جغرافية المنطقة .
وبما أن أدب الرحلات، الذي يعتبر فن من فنون الإنتاج الأدبي مثله مثل أدب القصة، والقصة القصيرة والرواية، والذي تمارس فيه ما يمكن تسميتها بديمقراطية تنوع المواضيع، قد غلب عليه في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن طابع تكثيف المعلومات، حيث تدون مجموعة الملاحظات والانطباعات باللغة العامية المستخدمة في تلك الفترة، وبأسلوب يختلف عن أساليب بقية فنون الإنتاج الأدبي، فقد جاء هذا الكتاب تشكيلة من الانطباعات والملاحظات الهامة التي خرج بها المؤلف من خلال زيارته، بأسلوب وبطريقة تتلائم وروح تلك الفترة .
وإذا كان أدب الرحلات بالنسبة للجيل الذي سبق عبارة عن مرئيات، حيث أهتم الكاتب في القرون السابقة، بالنسبة لأدب الرحلات، بالإطار الخارجي للناس، مثلاً ماذا يلبسون وماذا يأكلون .. وماذا شاهد وماذا لفت انتباهه من الأشياء الغريبة، فقد أصبحت مهمة كاتب الرحلات في وقتنا الحاضر صعبة بكثير، إذ أصبح الآن، مع تطور التكنولوجيا، يهتم بماذا يفكرون .. وماذا يريدون .. أي أنه أصبح على الكاتب أن يسافر في الناس ويغوص في أعماقهم .
لقد اختلفت مؤلفات الكتاب السوفييت من حيث جوهرها، وتحليلها للأحداث ودحض الأكاذيب وتثبيت الحقائق ونقل الصورة الصحيحة لأوضاع اليمن والصعوبات التي يواجهها في طريق بناء مستقبله الزاهر . بيد أننا لا ننكر بالطبع أنه ظهر عدد من الكتب السطحية والبسيطة، ألا أن عددها ضئيل جدا .
وتتجلى بوضوح، في كتب الرحالة الروس عن بلدان الشرق، خيرة تقاليد الروح الديمقراطية والمساواة بين البشر كافة، التي يتسم بها لا المثقفون السوفييت فحسب، بل والتي كانت من الصفات المميزة للمثقفين الروس في العقد السابق لثورة أكتوبر، والتي ميزتها عن معظم مؤلفات الكتاب الغربيين، وكانت هي السمة التي حددت طابع العمل الذي أنجزه شنايدروف .
كانت الدولة الروسية عند تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، انطلاقا من مصالحها في مجابهة خصومها التقليديين في الشرق، تسعى إلى إضعاف مواقع العثمانيين والمستعمرين الغربيين في المشرق العربي . وكان موقف روسيا ذاك يتجاوب مع مصالح الشعوب العربية . وهذه المصلحة المتبادلة بالذات، هي التي شكلت بالدرجة الأولى، خلفية الموقف الطيب، وشعور التعاطف المتبادل ونظرة الاحترام، التي أبدتها الشعوب العربية، في ذلك الزمن، تجاه ممثلي روسيا في العالم العربي كله، وميزت العلاقة المتبادلة بين الناس الروس والسكان المحليين، والتي اختلفت اختلافا تاما عما كان يبديه ممثلو الدول الاستعمارية الكبرى، وسائر دول أوروبا الغربية في المعاملة المتعجرفة والمتعالية واللاإنسانية تجاه العرب .
أما فيما يتعلق بالكتابات الحديثة عن اليمن والتي قام بتأليفها كتاب سوفييت، فقد ظهرت في الاتحاد السوفييتي وبالذات بعد عام 1962 الكثير من المؤلفات عن اليمن والتي تختلف اختلافا جوهريا عن مؤلفات كتاب الغرب أمثال سلفاتور ابونتي أو ويندل فيلبس التي لا علاقة لمؤلفاتهم بالكتابة التاريخية أو الدراسات العلمية، والتي لم يكن غرض الكثير منها ألا إشباع نهم القارئ الغربي وإرضاء فضوله عن اليمن – ارض الأساطير – أرض " أوفيـر " المجهولة .
وعندما قرر شنايدروف تنفيذ تلك المهمة الشاقة مزودا بذلك الوسيط الجديد - أي الكاميرا – " جهاز الكفار " ، كما سماها الأهالي، فقد كان هدف الرحلة تقديم دليل سينمائي توثيقي، يسعى إلى الخروج بصورة موضوعية عن الشرق، وتقديم مادة موضوعية توثق لحياة المجتمع اليمني، وتشكل مادة رئيسية تعني بها كتاباتهم باستمرار، وكان بذلك يضع اللبنات الأولى في أساس التعاون والصداقة السوفيتية العربية .
والفيلم هو أول محاولة للتحرر من انطباعات المدارس التقليدية، التي قدمت صورة نمطية للشرق وللإنسان في بلدانه العربية والإسلامية، ورسالة سياسية قوية مركزة على تقديم أمثله قوية، وهي نماذج تتناقض في جوهرها مع المفاهيم الغربية .
أن العرض السريع للكثير من الحوادث والملاحظات، وتدوين الحقائق من وجهة نظر كاتب سوفييتي، أوفد للقيام بتلك المهمة الشاقة والصعبة، في تلك الفترة وتحمل في سبيل تلك المهمة النبيلة الكثير من الصعاب، يعتبر إسهاما كبيرا في سبيل إثبات الحقائق ودحض الدعايات الإمبريالية الغربية الهادفة إلى تشويه التاريخ اليمني والحضارة اليمنية العريقة .
كان الطريق إلى صنعاء شاقاً ومتعباً، بيد أنه
وكما أن للرحلة نفسها هدفها الأخلاقي الكبير، حيث تهدف الرحلات إلى اكتشاف الذات والتعرف على الأخر، فان أدب الرحلات يتضمن، كنص أدبي، الكثير من المعاني، ويجمع الكثير من القضايا التي تعتمد على المشاهدة والملاحظة . فهو يتناول البشر في طبائعهم وابداعاتهم، ومجال الرحلة الذي يتناول فيه الجانب الوصفي التاريخي، ويتحدث عن جغرافية المنطقة .
وبما أن أدب الرحلات، الذي يعتبر فن من فنون الإنتاج الأدبي مثله مثل أدب القصة، والقصة القصيرة والرواية، والذي تمارس فيه ما يمكن تسميتها بديمقراطية تنوع المواضيع، قد غلب عليه في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن طابع تكثيف المعلومات، حيث تدون مجموعة الملاحظات والانطباعات باللغة العامية المستخدمة في تلك الفترة، وبأسلوب يختلف عن أساليب بقية فنون الإنتاج الأدبي، فقد جاء هذا الكتاب تشكيلة من الانطباعات والملاحظات الهامة التي خرج بها المؤلف من خلال زيارته، بأسلوب وبطريقة تتلائم وروح تلك الفترة .
وإذا كان أدب الرحلات بالنسبة للجيل الذي سبق عبارة عن مرئيات، حيث أهتم الكاتب في القرون السابقة، بالنسبة لأدب الرحلات، بالإطار الخارجي للناس، مثلاً ماذا يلبسون وماذا يأكلون .. وماذا شاهد وماذا لفت انتباهه من الأشياء الغريبة، فقد أصبحت مهمة كاتب الرحلات في وقتنا الحاضر صعبة بكثير، إذ أصبح الآن، مع تطور التكنولوجيا، يهتم بماذا يفكرون .. وماذا يريدون .. أي أنه أصبح على الكاتب أن يسافر في الناس ويغوص في أعماقهم .
لقد اختلفت مؤلفات الكتاب السوفييت من حيث جوهرها، وتحليلها للأحداث ودحض الأكاذيب وتثبيت الحقائق ونقل الصورة الصحيحة لأوضاع اليمن والصعوبات التي يواجهها في طريق بناء مستقبله الزاهر . بيد أننا لا ننكر بالطبع أنه ظهر عدد من الكتب السطحية والبسيطة، ألا أن عددها ضئيل جدا .
وتتجلى بوضوح، في كتب الرحالة الروس عن بلدان الشرق، خيرة تقاليد الروح الديمقراطية والمساواة بين البشر كافة، التي يتسم بها لا المثقفون السوفييت فحسب، بل والتي كانت من الصفات المميزة للمثقفين الروس في العقد السابق لثورة أكتوبر، والتي ميزتها عن معظم مؤلفات الكتاب الغربيين، وكانت هي السمة التي حددت طابع العمل الذي أنجزه شنايدروف .
كانت الدولة الروسية عند تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، انطلاقا من مصالحها في مجابهة خصومها التقليديين في الشرق، تسعى إلى إضعاف مواقع العثمانيين والمستعمرين الغربيين في المشرق العربي . وكان موقف روسيا ذاك يتجاوب مع مصالح الشعوب العربية . وهذه المصلحة المتبادلة بالذات، هي التي شكلت بالدرجة الأولى، خلفية الموقف الطيب، وشعور التعاطف المتبادل ونظرة الاحترام، التي أبدتها الشعوب العربية، في ذلك الزمن، تجاه ممثلي روسيا في العالم العربي كله، وميزت العلاقة المتبادلة بين الناس الروس والسكان المحليين، والتي اختلفت اختلافا تاما عما كان يبديه ممثلو الدول الاستعمارية الكبرى، وسائر دول أوروبا الغربية في المعاملة المتعجرفة والمتعالية واللاإنسانية تجاه العرب .
أما فيما يتعلق بالكتابات الحديثة عن اليمن والتي قام بتأليفها كتاب سوفييت، فقد ظهرت في الاتحاد السوفييتي وبالذات بعد عام 1962 الكثير من المؤلفات عن اليمن والتي تختلف اختلافا جوهريا عن مؤلفات كتاب الغرب أمثال سلفاتور ابونتي أو ويندل فيلبس التي لا علاقة لمؤلفاتهم بالكتابة التاريخية أو الدراسات العلمية، والتي لم يكن غرض الكثير منها ألا إشباع نهم القارئ الغربي وإرضاء فضوله عن اليمن – ارض الأساطير – أرض " أوفيـر " المجهولة .
وعندما قرر شنايدروف تنفيذ تلك المهمة الشاقة مزودا بذلك الوسيط الجديد - أي الكاميرا – " جهاز الكفار " ، كما سماها الأهالي، فقد كان هدف الرحلة تقديم دليل سينمائي توثيقي، يسعى إلى الخروج بصورة موضوعية عن الشرق، وتقديم مادة موضوعية توثق لحياة المجتمع اليمني، وتشكل مادة رئيسية تعني بها كتاباتهم باستمرار، وكان بذلك يضع اللبنات الأولى في أساس التعاون والصداقة السوفيتية العربية .
والفيلم هو أول محاولة للتحرر من انطباعات المدارس التقليدية، التي قدمت صورة نمطية للشرق وللإنسان في بلدانه العربية والإسلامية، ورسالة سياسية قوية مركزة على تقديم أمثله قوية، وهي نماذج تتناقض في جوهرها مع المفاهيم الغربية .
أن العرض السريع للكثير من الحوادث والملاحظات، وتدوين الحقائق من وجهة نظر كاتب سوفييتي، أوفد للقيام بتلك المهمة الشاقة والصعبة، في تلك الفترة وتحمل في سبيل تلك المهمة النبيلة الكثير من الصعاب، يعتبر إسهاما كبيرا في سبيل إثبات الحقائق ودحض الدعايات الإمبريالية الغربية الهادفة إلى تشويه التاريخ اليمني والحضارة اليمنية العريقة .
كان الطريق إلى صنعاء شاقاً ومتعباً، بيد أنه
صر الأمير، ومخدعه، ومخدع الأميرة، يقول :
( .. أثاث قصر الأمير متواضع جداً، وغرفه تبدو فارغة ... وفي مخدع الأميرة، لا وجود لعلائم البذخ بتاتا .. ولعل القصر أكثر تواضعاً مما لدى العديد من التجار .. أما في باقي غرف الحريم، فلا شيء يسترعي الانتباه – مجرد غرف نظيفة فيها سجاد بسيطة ... ) .
إن كاتباً أوربياً غربياً ما كان ليفوت هذه الفرصة دون أن يطلق لخياله العنان، ويختلق مختلف الصور والأحداث، فالموضوع مغر وخلفيته في التخيل خصبه وثرية، والمقومات والعناصر متوفرة – مخدع الأمير .. ومخدع الأميرة .. والحريم .
وثمة لقطات فريدة التقطت في قاع اليهود، الذي لا يحبذ السكان المحليون كثيراً السماح للأجانب بزيارته، بل لقد أفلح السينمائيان حتى في حضور حفل زفاف محلي كانت صور الماضي تنبعث فيه إلى الحياة أمام الأنظار .. كان الناس، في اليمن، على إختلاف معتقداتهم الدينية يعيشون معاً بسلام، وهي تقاليد تستمد جذورها منذ صدر الإسلام .
ولعله من المفيد أن نشير إلى أن هذا المؤلَّف يتناول قضايا تاريخية وسياسية وإجتماعية وإقتصادية، ويضم إلى مكتبتنا اليمنية – العربية، التي افتقرت شديد الافتقار إلى الكتب المعَّربة أو المترجمة من اللغة الروسية وبالذات عن اليمن وتاريخه وحضارته القديمة، على الرغم من أن اليمن كان أول بلد عربي يعقد اتفاقية صداقة وتجارة مع الاتحاد السوفييتي .
ان الكثير من الأبحاث، والكتب الحديثة، التي صدرت في الاتحاد السوفييتي مؤخراً عن اليمن، لتستحق الدراسة والتأمل والتعميم، ولذلك فإن تعريب وترجمة أكبر قدر منها أمر ضروري لما فيه من فوائد علمية وثقافية، ونأمل أن نرى هذه الأعمال مُعرّبه قريباً .
وإذا كنتُ لم أقم، في سياق هذا التقديم، باستعراض أو تحليل كامل لفصول الكتاب، ووجهات نظر الكاتب في كثير من الأحداث والشخصيات التاريخية، فأنني أترك متعة قراءة ذلك وغيره من المعلومات والتفاصيل الأخرى للقارئ الكريم .
د. سعيـد
( .. أثاث قصر الأمير متواضع جداً، وغرفه تبدو فارغة ... وفي مخدع الأميرة، لا وجود لعلائم البذخ بتاتا .. ولعل القصر أكثر تواضعاً مما لدى العديد من التجار .. أما في باقي غرف الحريم، فلا شيء يسترعي الانتباه – مجرد غرف نظيفة فيها سجاد بسيطة ... ) .
إن كاتباً أوربياً غربياً ما كان ليفوت هذه الفرصة دون أن يطلق لخياله العنان، ويختلق مختلف الصور والأحداث، فالموضوع مغر وخلفيته في التخيل خصبه وثرية، والمقومات والعناصر متوفرة – مخدع الأمير .. ومخدع الأميرة .. والحريم .
وثمة لقطات فريدة التقطت في قاع اليهود، الذي لا يحبذ السكان المحليون كثيراً السماح للأجانب بزيارته، بل لقد أفلح السينمائيان حتى في حضور حفل زفاف محلي كانت صور الماضي تنبعث فيه إلى الحياة أمام الأنظار .. كان الناس، في اليمن، على إختلاف معتقداتهم الدينية يعيشون معاً بسلام، وهي تقاليد تستمد جذورها منذ صدر الإسلام .
ولعله من المفيد أن نشير إلى أن هذا المؤلَّف يتناول قضايا تاريخية وسياسية وإجتماعية وإقتصادية، ويضم إلى مكتبتنا اليمنية – العربية، التي افتقرت شديد الافتقار إلى الكتب المعَّربة أو المترجمة من اللغة الروسية وبالذات عن اليمن وتاريخه وحضارته القديمة، على الرغم من أن اليمن كان أول بلد عربي يعقد اتفاقية صداقة وتجارة مع الاتحاد السوفييتي .
ان الكثير من الأبحاث، والكتب الحديثة، التي صدرت في الاتحاد السوفييتي مؤخراً عن اليمن، لتستحق الدراسة والتأمل والتعميم، ولذلك فإن تعريب وترجمة أكبر قدر منها أمر ضروري لما فيه من فوائد علمية وثقافية، ونأمل أن نرى هذه الأعمال مُعرّبه قريباً .
وإذا كنتُ لم أقم، في سياق هذا التقديم، باستعراض أو تحليل كامل لفصول الكتاب، ووجهات نظر الكاتب في كثير من الأحداث والشخصيات التاريخية، فأنني أترك متعة قراءة ذلك وغيره من المعلومات والتفاصيل الأخرى للقارئ الكريم .
د. سعيـد
أتاح للرحالة فرصة فريدة لرؤية مناطق اليمن الداخلية، وحياة الفلاح اليمني المحب للعمل .
وقد بذل السينمائيان التسجيليان السوفييتيان الكثير من العناء والمخاطر الشخصية لتسجيل تفاصيل حياة السكان، وهموم القبائل، وقدما صوراً قوية معبرة، وساهما من جهة أخرى في توثيق الأحداث، والمتغيرات التي طرأت على مجتمعات تلك المناطق في تلك الفترة . وقاما بدراسة حياة البلد الغريبة عليهما، بشكل دقيق وبحماس وحب . وفي غضون ذلك سجلا صوراً أثنوغرافيه مثيرة، وصورا لقطات لا تقدر بثمن، شكلت مادة فريدة في إثنوغرافيا اليمن . وسجل شنايدروف، الذي جرى تقديمه بصفته صحفي ومستشرق جاء ليدرس نمط حياة وطبيعة البلد، بقدر الإمكان، انطباعاته وما تسنّى له إغترافهَ من معلومات، من أحاديثه مع السكان المحليين، ومع من زار اليمن من الباحثين والموظفين السوفييت قليلي العدد .
لقد وضع شنايدروف نصب عينيه مهمة عرض الوجه الحقيقي لليمن – ذلك البلد المستقل – وأوضاعه . وبالرغم من أنه لم يكن مستشرقاً متخصصاً في فرع من الفروع، أو باحثاً، أو مؤرخا، بل مخرجاً سينمائياً، إلا أن أراءه واستنتاجاته جاءت مقاربة كثيراً للواقع . وقد لا نوافقه تماماً على جميع تفسيراته للظواهر، إلا أننا نلاحظ أنه تناول الظواهر كما هي في الواقع .
وبالإمكان استقراء الحذر في استخدام المفردات المتداولة أو القناعات السائدة، فيما يتعلق بالأحداث التاريخية، وفي التعليقات والشروحات لبعض الظواهر أو الطقوس غير المفهومة لدية. فهو يورد أحياناً الوقائع كما هي، وفي أحيان أخرى يرفقها بتقييماته. لكنه يبدي على الدوام قوة ملاحظة فريدة .
والمدهش، بالنسبة لتلك العهود، حين كان العالم لا يعرف عن اليمن إلا القليل، أنه لا يكاد يخطئ تقريباً : فالروح المهنية الخالصة لا تسمح له، بإستخدام معطيات مشكوك فيها، أو بإبلاغ القارئ بما يسمعه بشكل عابر .
وعلى الرغم من أن الكاتب قد أبرز بعض جوانب محاولات دولة الإمام يحي في الحفاظ على إستقلالها، حسب مفهوم تلك الفترة، بالنسبة لمواطن سوفييتي عايش نضالات الدولة السوفيتية الفتية لتثبيت أستقلالها والدفاع عن وحدة أراضيها، حيث أنه يثمن، بهذا الصدد، تثميناً إيجابياً مسعى الإمام إلى توحيد البلد وتعزيز السلطة المركزية، إلا أنه لم يغفل أن يتناول بالنقد المباشر اللاذع سلبيات الحياة الاجتماعية وحياة الفلاحين اليومية الشاقة والتخلف الإجتماعي الإقتصادي العام مثل غياب الكهرباء والماء وغيره .. فإلى جانب الإشادة بصفات اليمنيين القومية الجذابة التي نالت إعجابهما البالغ، وإلى جانب احترام الأنظمة السائدة في البلد، لم يتغاض السينمائيان السوفيتيان أيضاً عن الجوانب السلبية للحياة الإجتماعية، ولم يفتهما إبداء تعاطفهما وتضامنهما مع كادحي البلد .
وعندما يتناول شنايدروف النعرات القبلية الحادة والقاسية، وأثار التطاحنات الداخلية التي شهداها، لا نجده يدين أهالي اليمن . فهو يقول :
" أن مهمة الامبرياليين، وفي مقدمتهم الإنجليز، هي إضعاف قوى اليمن عن طريق الإثارة المفتعلة للنعرات القبلية، وعرقلة إدارة البلد المركزية، وخفض القدرة القتالية لدى الدولة " .
والكاتب في سياق تدوينه لملاحظاته، واستعراضه للأحداث، ونقله لما صادف في رحلاته وتنقلاته، يصور الحدث بأسلوب شيق ومثير وينقل الصورة إليك حتى لكانك تتابع لقطات سينمائية حيه من شريط سينمائي يعرض أمامك :
(... وتمر ساعة من الحركة البطيئة، ونرمي المرساه . وتجرى مرة أخرى عملية معاينة الجوازات ويحتفظ رجال البوليس بجوازاتنا لديهم .. ) .
ثم ما حدث للمؤلف مع المجنون :-
( .. ويقف هذا الرجل أمامي ويرفع يده ببطء ويشير إلىّ بسبابته ويقول بلهجة رصينه محددة متلفظاً الكلمات وكانه في سياق محادثة " ... ثم يصمتُ برهة ويلوح بسبابته حتى لكأنها تكاد تلامس أنفي، ويُعيد الكرة " ..).
ويستمر المؤلف في سرد أحداث حله وترحاله وتنقلاته على هذا المنوال، حتى لكأنه يكاد يشركك في النزاع الذي جرى بينه وبين الشاب اليمني في القرية :
( .. وهنا ينطلق نحوي شاب عربي محملقاً بعينيه ويلوح بيديه ويصرخ بشيء ما ... يهرع الجمهور في الشارع متفرقاً كل إلى حيث استطاع ... العامة وعدة جنود يهربون ...
( ... وانتظر عشر دقائق .. ثم أخرج وصراخ الصياد يلاحقني .. المح فاطمة وقد إنسلت من أحد الأزقة وأناولها ريالا فتطير من الفرح ... ) .
ثم وهو يصطلي بشمس تهامة المحرقة ...
( ... وهنا أمطرنا السائق بجميع الشتائم الروسية والعربية التي نعرفها ... ونجلس داخل السيارة منهوكي القوى ... الشمس تلفحنا بحرارتها بلا شفقة ... الظل يتضاءل مع مرور كل دقيقة ... ) .
وثمة ملاحظات ذكية بشأن أدب السلوك اليمني المتميز، وتحاشي تكدير مزاج رفيق السفر – المؤلف، بإبلاغه، مثلاً، بان السير إلى أقرب مركز سكاني يستغرق بضع ساعات ... :
يكرر شنايدروف، على دليله، نفس السؤال للمرة العاشرة .. :
- هل إقتربنا من مكان المبيت ؟
- إن شاء الله .. بعد نصف ساعة .
وعندما يصف ق
وقد بذل السينمائيان التسجيليان السوفييتيان الكثير من العناء والمخاطر الشخصية لتسجيل تفاصيل حياة السكان، وهموم القبائل، وقدما صوراً قوية معبرة، وساهما من جهة أخرى في توثيق الأحداث، والمتغيرات التي طرأت على مجتمعات تلك المناطق في تلك الفترة . وقاما بدراسة حياة البلد الغريبة عليهما، بشكل دقيق وبحماس وحب . وفي غضون ذلك سجلا صوراً أثنوغرافيه مثيرة، وصورا لقطات لا تقدر بثمن، شكلت مادة فريدة في إثنوغرافيا اليمن . وسجل شنايدروف، الذي جرى تقديمه بصفته صحفي ومستشرق جاء ليدرس نمط حياة وطبيعة البلد، بقدر الإمكان، انطباعاته وما تسنّى له إغترافهَ من معلومات، من أحاديثه مع السكان المحليين، ومع من زار اليمن من الباحثين والموظفين السوفييت قليلي العدد .
لقد وضع شنايدروف نصب عينيه مهمة عرض الوجه الحقيقي لليمن – ذلك البلد المستقل – وأوضاعه . وبالرغم من أنه لم يكن مستشرقاً متخصصاً في فرع من الفروع، أو باحثاً، أو مؤرخا، بل مخرجاً سينمائياً، إلا أن أراءه واستنتاجاته جاءت مقاربة كثيراً للواقع . وقد لا نوافقه تماماً على جميع تفسيراته للظواهر، إلا أننا نلاحظ أنه تناول الظواهر كما هي في الواقع .
وبالإمكان استقراء الحذر في استخدام المفردات المتداولة أو القناعات السائدة، فيما يتعلق بالأحداث التاريخية، وفي التعليقات والشروحات لبعض الظواهر أو الطقوس غير المفهومة لدية. فهو يورد أحياناً الوقائع كما هي، وفي أحيان أخرى يرفقها بتقييماته. لكنه يبدي على الدوام قوة ملاحظة فريدة .
والمدهش، بالنسبة لتلك العهود، حين كان العالم لا يعرف عن اليمن إلا القليل، أنه لا يكاد يخطئ تقريباً : فالروح المهنية الخالصة لا تسمح له، بإستخدام معطيات مشكوك فيها، أو بإبلاغ القارئ بما يسمعه بشكل عابر .
وعلى الرغم من أن الكاتب قد أبرز بعض جوانب محاولات دولة الإمام يحي في الحفاظ على إستقلالها، حسب مفهوم تلك الفترة، بالنسبة لمواطن سوفييتي عايش نضالات الدولة السوفيتية الفتية لتثبيت أستقلالها والدفاع عن وحدة أراضيها، حيث أنه يثمن، بهذا الصدد، تثميناً إيجابياً مسعى الإمام إلى توحيد البلد وتعزيز السلطة المركزية، إلا أنه لم يغفل أن يتناول بالنقد المباشر اللاذع سلبيات الحياة الاجتماعية وحياة الفلاحين اليومية الشاقة والتخلف الإجتماعي الإقتصادي العام مثل غياب الكهرباء والماء وغيره .. فإلى جانب الإشادة بصفات اليمنيين القومية الجذابة التي نالت إعجابهما البالغ، وإلى جانب احترام الأنظمة السائدة في البلد، لم يتغاض السينمائيان السوفيتيان أيضاً عن الجوانب السلبية للحياة الإجتماعية، ولم يفتهما إبداء تعاطفهما وتضامنهما مع كادحي البلد .
وعندما يتناول شنايدروف النعرات القبلية الحادة والقاسية، وأثار التطاحنات الداخلية التي شهداها، لا نجده يدين أهالي اليمن . فهو يقول :
" أن مهمة الامبرياليين، وفي مقدمتهم الإنجليز، هي إضعاف قوى اليمن عن طريق الإثارة المفتعلة للنعرات القبلية، وعرقلة إدارة البلد المركزية، وخفض القدرة القتالية لدى الدولة " .
والكاتب في سياق تدوينه لملاحظاته، واستعراضه للأحداث، ونقله لما صادف في رحلاته وتنقلاته، يصور الحدث بأسلوب شيق ومثير وينقل الصورة إليك حتى لكانك تتابع لقطات سينمائية حيه من شريط سينمائي يعرض أمامك :
(... وتمر ساعة من الحركة البطيئة، ونرمي المرساه . وتجرى مرة أخرى عملية معاينة الجوازات ويحتفظ رجال البوليس بجوازاتنا لديهم .. ) .
ثم ما حدث للمؤلف مع المجنون :-
( .. ويقف هذا الرجل أمامي ويرفع يده ببطء ويشير إلىّ بسبابته ويقول بلهجة رصينه محددة متلفظاً الكلمات وكانه في سياق محادثة " ... ثم يصمتُ برهة ويلوح بسبابته حتى لكأنها تكاد تلامس أنفي، ويُعيد الكرة " ..).
ويستمر المؤلف في سرد أحداث حله وترحاله وتنقلاته على هذا المنوال، حتى لكأنه يكاد يشركك في النزاع الذي جرى بينه وبين الشاب اليمني في القرية :
( .. وهنا ينطلق نحوي شاب عربي محملقاً بعينيه ويلوح بيديه ويصرخ بشيء ما ... يهرع الجمهور في الشارع متفرقاً كل إلى حيث استطاع ... العامة وعدة جنود يهربون ...
( ... وانتظر عشر دقائق .. ثم أخرج وصراخ الصياد يلاحقني .. المح فاطمة وقد إنسلت من أحد الأزقة وأناولها ريالا فتطير من الفرح ... ) .
ثم وهو يصطلي بشمس تهامة المحرقة ...
( ... وهنا أمطرنا السائق بجميع الشتائم الروسية والعربية التي نعرفها ... ونجلس داخل السيارة منهوكي القوى ... الشمس تلفحنا بحرارتها بلا شفقة ... الظل يتضاءل مع مرور كل دقيقة ... ) .
وثمة ملاحظات ذكية بشأن أدب السلوك اليمني المتميز، وتحاشي تكدير مزاج رفيق السفر – المؤلف، بإبلاغه، مثلاً، بان السير إلى أقرب مركز سكاني يستغرق بضع ساعات ... :
يكرر شنايدروف، على دليله، نفس السؤال للمرة العاشرة .. :
- هل إقتربنا من مكان المبيت ؟
- إن شاء الله .. بعد نصف ساعة .
وعندما يصف ق