بالذات بالانتقام والموت وكأنه هتلر في كتاب "كفاحي"). ثم أضاف أن المشير السلال قال له: (لكنني اعترافاً بالحقيقة وافقت يا ولد محمد أننا لو لم نبرح أولئك الطغاة من طريق الثورة لما انتصرت))( ).
ويؤكد (البيضاني) أن (السلال) اعترف بالموافقة على مذبحة نيف وأربعين قتيلاً من (حكام العهد البائد) وأن ما ذكره (الأكوع) في كتابه:
أصبح حجة أخرى تؤكد اعتراف الأخ السلال رحمه الله الذي أدلى به على نفسه فنشره عنه ابن أخته الأخ الفاضل العميد (الأكوع).
ثم يتبرأ (د. البيضاني) من المذبحة حيث يكتب:
((أما مذبحة رجال العهد الإمامي فقد وقعت في اليومين الأول والثاني بعد قيام الثورة (26 و 27 و 28) وكنت في ذلك الوقت في القاهرة في (اجتماعات متواصلة) مع الرئيس الراحل (جمال عبدالناصر) بشأن مهمة القوات المصرية))( ).
ويواصل:
((فلم أكن (الحاكم بأمره) الذي أعدم أحداً لأن إعدام رجال العهد الإمامي تم في غيابي ولم يكن ضمن خطة الثورة التي اتفقنا عليها، أما الأخ السلال فإنه اعترف بصراحة بأنه وافق على إعدامهم ووصفهم بالطغاة والفراعنة والآلهة وأنه لولا أن وافق (شخصياً) على إعدامهم لما انتصرت الثورة)).
ويتحسَّر (البيضاني) على الشهداء الملكيين متوجعاً:
((حسرتي على من قتلتهم الثورة قبل وصولي وكان الأولى بها أن تحافظ عليهم))( ).
ويدين الإعدامات الجماعية قائلاً:
((لكن واأسفاه، لقد تعجلت الثورة وأخطأت عندما أعدمت الكثيرين من رجالات اليمن ... وأحمد الله أنني سوف ألقاه ولا يسألني عن دماء هؤلاء التي سفكها المتشنجون وكنت لا أزال في طريقي إلى صنعاء بعد الثورة.))( ).
كما أردف (البيضاني) في ذات الصفحة:
((أحمد الله الذي وفقني بمجرد وصولي إلى صنعاء إلى وقف تلك المذبحة الوحشية)).
والحقيقة أن المجازر البشرية راح ضحيتها ليس مجرد (نيف وأربعين قاضياً وفقيهاً وعالماً) وإنما أكثر من (مائة وخمسين) من أولئك من مختلف أنحاء اليمن، وبالإضافة إلى أولئك هناك عدد غير معروف من الشهداء القضاة والمثقفين والعلماء والفقهاء، قتلوا بعيداً عن العاصمة (صنعاء) في المدن والقرى اليمنية الأخرى، ولكن معظمهم جرى اغتيالهم في (صنعاء).
وفي هذا الصدد يعترف أحد (الضباط الأحرار) مؤكداً أن:
((كل المجاميع الموجودة في (تعز) و (إب) اعتقلوا وكانت مهمة جداً، فلم تأت الساعة الثانية عشرة إلا وهم في سجن مبنى القيادة بتعز، وأرسلوا الساعة الثانية بعد ظهر اليوم الثاني إلى صنعاء. وفي الحديدة تم اعتقال (يحيى عبدالقادر - نائب الإمام هناك)، والمجموعة الأخرى الذين كانوا عاملين وموظفين مع الإمام، وقد قام باعتقالهم (محمد الرعيني) ومجموعة (التنظيم) في (الحديدة).))( ).
والجدير بالتنويه في هذا المقام أنه قد كتب عن المجازر البشرية الرهيبة آنذاك معظم الصحف العالمية وكبار الكتاب والمؤرخين( ).
كما أن تلك الإعدامات الوحشية، دون ذنب أو اتهام أو محاكمة قد حشدت معظم دول العالم ضد الانقلاب العسكري الذي وقع في (26 سبتمبر 1962م) وأدت إلى نفور من كان متعاطفاً معه ليلة حدوثه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يؤكد (البيضاني) أنه حتى الرئيس الأسبق لمصر (جمال عبدالناصر) قد احتج على الإعدامات الجماعية الوحشية للمدنيين العزل وفي مقدمتهم القضاة والفقهاء وكبار المثقفين تحت ذريعة أنهم من (الملكيين) وأبلغ (ناصر) (البيضاني) أنه:
((لا يستطيع مساندة ثورة تبدأ دموية لحظة مولدها، وأن ما حدث لم يكن ضمن خطة الثورة ولا منهجها الذي سبق أن أوضحته له فاقتنع به)).
المثقف الجبان والآخر الشجاع :
يعترف أحد المثقفين التقليديين بكونه كان جباناً حيث يتطلب الموقف الشجاعة ضد الباطل والطغيان:
((وفي اليوم الثالث أو الرابع توجهت إلى مبنى قيادة الثورة لكي أبارك للقائد (عبدالله السلال) وبقية الضباط بالنصر، وأشد على أيديهم. وقال القائد وهو يبتسم (ابسر على فَعْله( )!) قلت له: إنها (فعله) يباركها الله، فقد حدثت في موعدها. وقال هل تريد أن ترى مصارع الرجعيين؟ قلت يكفي إنهم قد لقوا مصيرهم. وفي هذه اللحظة جيء بالأمير (الحسن بن علي) رحمه الله، وكدت أتدخل لكي لا يقتل، ولكنني خفت من أن يقال بأنها عاطفة هاشمية، ولا سيما وفيها بعض المتهورين أمثال (هادي عيسى) عفى الله عنه))( ).
ويتضح من ذلك أن المذابح الجماعية ضد (الملكيين) استمرت بعد (26 سبتمبر) فترة طويلة وليس كما زعم (البيضاني) أنه أوقفها بمجرد وصوله إلى صنعاء.
والآن نستعرض موقفاً بطولياً لمثقف شجاع حدث في ذات الفترة المفعمة بالإرهاب والظلم.
يروي أحد ضباط الأمن الواقعة التاريخية التالية:
عُيِّنت بقرار من مجلس قيادة الثورة مدعياً عاماً أمام محكمة الشعب التي تشكلت في 30 أكتوبر عام 1962م بالإضافة إلى إدارة الأمن العام. فقد كان البعض يقوم بالاعتقالات أو حتى الإعدامات بدون محاكمات أو إجراءات قانونية. وكان الدافع لتشكيل المحكمة قصة عجيبة، حضرت حدثها عند زيارتي للقيادة العامة بمبنى المدرسة الحربية، في هذه الأثناء أخرجوا
ويؤكد (البيضاني) أن (السلال) اعترف بالموافقة على مذبحة نيف وأربعين قتيلاً من (حكام العهد البائد) وأن ما ذكره (الأكوع) في كتابه:
أصبح حجة أخرى تؤكد اعتراف الأخ السلال رحمه الله الذي أدلى به على نفسه فنشره عنه ابن أخته الأخ الفاضل العميد (الأكوع).
ثم يتبرأ (د. البيضاني) من المذبحة حيث يكتب:
((أما مذبحة رجال العهد الإمامي فقد وقعت في اليومين الأول والثاني بعد قيام الثورة (26 و 27 و 28) وكنت في ذلك الوقت في القاهرة في (اجتماعات متواصلة) مع الرئيس الراحل (جمال عبدالناصر) بشأن مهمة القوات المصرية))( ).
ويواصل:
((فلم أكن (الحاكم بأمره) الذي أعدم أحداً لأن إعدام رجال العهد الإمامي تم في غيابي ولم يكن ضمن خطة الثورة التي اتفقنا عليها، أما الأخ السلال فإنه اعترف بصراحة بأنه وافق على إعدامهم ووصفهم بالطغاة والفراعنة والآلهة وأنه لولا أن وافق (شخصياً) على إعدامهم لما انتصرت الثورة)).
ويتحسَّر (البيضاني) على الشهداء الملكيين متوجعاً:
((حسرتي على من قتلتهم الثورة قبل وصولي وكان الأولى بها أن تحافظ عليهم))( ).
ويدين الإعدامات الجماعية قائلاً:
((لكن واأسفاه، لقد تعجلت الثورة وأخطأت عندما أعدمت الكثيرين من رجالات اليمن ... وأحمد الله أنني سوف ألقاه ولا يسألني عن دماء هؤلاء التي سفكها المتشنجون وكنت لا أزال في طريقي إلى صنعاء بعد الثورة.))( ).
كما أردف (البيضاني) في ذات الصفحة:
((أحمد الله الذي وفقني بمجرد وصولي إلى صنعاء إلى وقف تلك المذبحة الوحشية)).
والحقيقة أن المجازر البشرية راح ضحيتها ليس مجرد (نيف وأربعين قاضياً وفقيهاً وعالماً) وإنما أكثر من (مائة وخمسين) من أولئك من مختلف أنحاء اليمن، وبالإضافة إلى أولئك هناك عدد غير معروف من الشهداء القضاة والمثقفين والعلماء والفقهاء، قتلوا بعيداً عن العاصمة (صنعاء) في المدن والقرى اليمنية الأخرى، ولكن معظمهم جرى اغتيالهم في (صنعاء).
وفي هذا الصدد يعترف أحد (الضباط الأحرار) مؤكداً أن:
((كل المجاميع الموجودة في (تعز) و (إب) اعتقلوا وكانت مهمة جداً، فلم تأت الساعة الثانية عشرة إلا وهم في سجن مبنى القيادة بتعز، وأرسلوا الساعة الثانية بعد ظهر اليوم الثاني إلى صنعاء. وفي الحديدة تم اعتقال (يحيى عبدالقادر - نائب الإمام هناك)، والمجموعة الأخرى الذين كانوا عاملين وموظفين مع الإمام، وقد قام باعتقالهم (محمد الرعيني) ومجموعة (التنظيم) في (الحديدة).))( ).
والجدير بالتنويه في هذا المقام أنه قد كتب عن المجازر البشرية الرهيبة آنذاك معظم الصحف العالمية وكبار الكتاب والمؤرخين( ).
كما أن تلك الإعدامات الوحشية، دون ذنب أو اتهام أو محاكمة قد حشدت معظم دول العالم ضد الانقلاب العسكري الذي وقع في (26 سبتمبر 1962م) وأدت إلى نفور من كان متعاطفاً معه ليلة حدوثه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل يؤكد (البيضاني) أنه حتى الرئيس الأسبق لمصر (جمال عبدالناصر) قد احتج على الإعدامات الجماعية الوحشية للمدنيين العزل وفي مقدمتهم القضاة والفقهاء وكبار المثقفين تحت ذريعة أنهم من (الملكيين) وأبلغ (ناصر) (البيضاني) أنه:
((لا يستطيع مساندة ثورة تبدأ دموية لحظة مولدها، وأن ما حدث لم يكن ضمن خطة الثورة ولا منهجها الذي سبق أن أوضحته له فاقتنع به)).
المثقف الجبان والآخر الشجاع :
يعترف أحد المثقفين التقليديين بكونه كان جباناً حيث يتطلب الموقف الشجاعة ضد الباطل والطغيان:
((وفي اليوم الثالث أو الرابع توجهت إلى مبنى قيادة الثورة لكي أبارك للقائد (عبدالله السلال) وبقية الضباط بالنصر، وأشد على أيديهم. وقال القائد وهو يبتسم (ابسر على فَعْله( )!) قلت له: إنها (فعله) يباركها الله، فقد حدثت في موعدها. وقال هل تريد أن ترى مصارع الرجعيين؟ قلت يكفي إنهم قد لقوا مصيرهم. وفي هذه اللحظة جيء بالأمير (الحسن بن علي) رحمه الله، وكدت أتدخل لكي لا يقتل، ولكنني خفت من أن يقال بأنها عاطفة هاشمية، ولا سيما وفيها بعض المتهورين أمثال (هادي عيسى) عفى الله عنه))( ).
ويتضح من ذلك أن المذابح الجماعية ضد (الملكيين) استمرت بعد (26 سبتمبر) فترة طويلة وليس كما زعم (البيضاني) أنه أوقفها بمجرد وصوله إلى صنعاء.
والآن نستعرض موقفاً بطولياً لمثقف شجاع حدث في ذات الفترة المفعمة بالإرهاب والظلم.
يروي أحد ضباط الأمن الواقعة التاريخية التالية:
عُيِّنت بقرار من مجلس قيادة الثورة مدعياً عاماً أمام محكمة الشعب التي تشكلت في 30 أكتوبر عام 1962م بالإضافة إلى إدارة الأمن العام. فقد كان البعض يقوم بالاعتقالات أو حتى الإعدامات بدون محاكمات أو إجراءات قانونية. وكان الدافع لتشكيل المحكمة قصة عجيبة، حضرت حدثها عند زيارتي للقيادة العامة بمبنى المدرسة الحربية، في هذه الأثناء أخرجوا
(علي مانع) للإعدام، وصادف ذلك مع عودة (جبر بن جبر) إلى القيادة من خولان، حيث كان يعمل مع القوات العسكرية والقبلية الموجودة هناك، وعندما رأى (علي مانع) يجر إلى ساحة الإعدام، أمسك به وقال لا يمكن أن يعدم هذا الرجل الحر النـزيه رغم أنه كان قريباً من الإمام أحمد. خرج المشير السلال من القيادة عندما سمع الضجة، لأن (جبر) كان يصيح بأعلى صوته، والجنود يشدون (علي مانع)، وكان الواقفون في الساحة من عسكريين ومدنيين يضجون متعاطفين مع (جبر بن جبر).
دعا المشير السلال رحمه الله (جبراً) ليستفهم منه، فقال له (جبر): ((هذا الرجل أنقذني من الموت عندما أمر الإمام بدفني حياً، ولما كان الحكم على وشك التنفيذ، جاء (علي مانع) دون علم الإمام وقال للجلاد، إن الإمام قد عفا عن (جبر بن جبر)، فأعادوني إلى السجن، وذهب (علي مانع) للإمام يستعطفه في العفو عني ثم صدر عفو الإمام. هكذا كان لـ (علي مانع) فضل في إنقاذ حياتي)).
نبه هذا الحدث المشير (السلال) ومجلس قيادة الثورة إلى ضرورة تشكيل محكمة الثورة تحت شعار (نحاكم عهداً ولا نحاكم أفراداً) وتم الاتفاق في مجلس قيادة الثورة على أن لا يعدم أحد، وإنما ينقلون بعد محاكمتهم إلى قلعة المقاطرة.
كان الغرض من إنشاء المحكمة هو إيقاف الأوامر الارتجالية والمزاجية والفوضى، وإيقاف الثارات. وحتى لا تكون فرصة لتصفية الحسابات والأحقاد الشخصية( ).
كتب (د. عبدالرحمن البيضاني):
(السلال) اعترف بالموافقة على مذبحة نيف وأربعين قتيلاً من حاكمي العهد البائد، فلقد اعترف الأخ اللواء (عبدالله جزيلان)، بالاشتراك والإشراف على تنفيذها، ودليل ذلك على سبيل المثال أنه قال في كتابه (التاريخ السري للثورة اليمنية - ص 129) أثناء الحديث مع الزعيم (عبدالله السلال) جاء الرائد (السيد غالب الشرعي) ومعه (رئيس الاستئناف) وابنه، وقد تحرك الرائد السيد غالب الشرعي بسرعة وقبض عليهما وأحضرهما إلى الكلية الحربية، وعندما وقع نظر الزعيم عبدالله السلال على وجه رئيس الاستئناف قال هذه ثورة وقد ظلمت الشعب وعبثت بالمقدسات ولم تتركوا أي شيء في تعذيب الشعب إلا فعلتموه، ولم يرد رئيس الاستئناف ولم يبد أي حركة واشتد حماس الزعيم (السلال) فأمر بإطلاق النار عليه وانطلقت رصاصات من مسدس الرائد (السيد غالب الشرعي)، لتعلن نهاية حكم الكهنوت والعفن. وحاول (ابن رئيس الاستئناف) الهرب فأطلقت عليه الرصاص من مسدسي. وقد أكبرت موقف الزعيم (عبدالله السلال) وموقف الرائد (السيد غالب الشرعي)، وشعرت بالثقة بعد مقتل رئيس الاستئناف( ).
رواية مختلفة وتبرير الجرائم :
أمر الإعدام غمزة عين؟!
يروي أحد ضباط الانقلاب البعثيين (واللواء الراعي) جريمة قتل (رئيس الاستئناف) على نحو مغاير لما سبق أن زعمه (السلال) في روايته عن الإعدامات الجماعية ومن ذلك قتل رئيس المحكمة الاستئنافية:
((وقد ذهب المقدم (يحيى الشراعي)( ) إلى بيت (رئيس الاستئناف) وأخبره أن هناك اجتماعاً في (العرضي) لكبار شخصيات اليمن من عسكرية ومدنية لتدارس وضع التذمر الذي يسود ربوع اليمن ولاتخاذ الحلول الملائمة والمناسبة من واقع وظروف البلاد وإمكانياتها.
وعندما خرج رئيس الاستئناف وكان طاعناً في السن ويضع تحت عمامته (شاشة) شأنه شأن من يخرج من الحمام، كذلك كان يحمل في يده عصا لا تفارقه( )، ويمشي وهو يتمتم ويحرك شفائفه كمن يقرأ باستمرار، وكانت تلك العادة متبعة في العهد البائد.
وعندما وصل رئيس الاستئناف إلى باب المدرسة أوقفت سيارته ونزل ماشياً واتجه نحو (مبنى القيادة)، وكانت غرفة الإدارة في المدرسة، ولما أُخْبِر (السلال) بقدومه أشار إلى أنه لا حاجة لدخوله، وغمز بعينه إشارة إلى إعدامه( ).
وعندما كان داخلاً من بوابة المبنى كانت الرصاص تنهال عليه من كل جانب، أما أحد أحفاده الذي كان برفقته فقد فر في اتجاه الجاراج وتبعته طلقات من هنا وهناك سقط على إثرها قتيلاً، وكانت هذه أولى عمليات الإعدام.))( ).
ثم أكد اللواء (الراعي):
هذه الإعدامات ساعدت كثيراً على انتصار الثورة، والتفاف الجماهير حولها صباح الثورة، فالناس صاروا أمام أمر واقع، كان إعدام (يحيى محمد عباس) (رئيس الاستئناف) شيئاً كبيراً، فالرجل عندما كان يحكم لم يكن أحداً يستطيع النظر إليه، فما بالك بقتله، فمشاهدة المواطنين جثته مرمية في الحفرة أحدث تحولاً كبيراً في مشاعرهم، كلهم نزلوا إلى الحفرة.
كان سبب إعدام رئيس الاستئناف، إذن، أنه كان ذو هيبة عندما يجلس على منصة القضاء فلا يستطيع أحد النظر إليه؟! حسب تعبير أحد الضباط الأحرار.
وعندما يسأل الصحفي (الراعي) عن عملية الإعدام:
* كيف، هل دفنوا جماعياً؟
يجيب الضابط البعثي الهمام دون أدنى ندم أو حسرة أو إحساس بالخطأ:
- عُمِلت حفرة كبيرة لهم في منطقة (نادي الضباط) و (مقبرة خزيمة) حالياً، وكان من يعدم يرمى إلى داخل الحفرة، ثم تم دفنهم جميعاً.
وعندما سأله أحد الصحافيين:
* كيف تعاملتم مع من تم اعتقالهم من أنصار الإمام وأعوانه في ذلك ا
دعا المشير السلال رحمه الله (جبراً) ليستفهم منه، فقال له (جبر): ((هذا الرجل أنقذني من الموت عندما أمر الإمام بدفني حياً، ولما كان الحكم على وشك التنفيذ، جاء (علي مانع) دون علم الإمام وقال للجلاد، إن الإمام قد عفا عن (جبر بن جبر)، فأعادوني إلى السجن، وذهب (علي مانع) للإمام يستعطفه في العفو عني ثم صدر عفو الإمام. هكذا كان لـ (علي مانع) فضل في إنقاذ حياتي)).
نبه هذا الحدث المشير (السلال) ومجلس قيادة الثورة إلى ضرورة تشكيل محكمة الثورة تحت شعار (نحاكم عهداً ولا نحاكم أفراداً) وتم الاتفاق في مجلس قيادة الثورة على أن لا يعدم أحد، وإنما ينقلون بعد محاكمتهم إلى قلعة المقاطرة.
كان الغرض من إنشاء المحكمة هو إيقاف الأوامر الارتجالية والمزاجية والفوضى، وإيقاف الثارات. وحتى لا تكون فرصة لتصفية الحسابات والأحقاد الشخصية( ).
كتب (د. عبدالرحمن البيضاني):
(السلال) اعترف بالموافقة على مذبحة نيف وأربعين قتيلاً من حاكمي العهد البائد، فلقد اعترف الأخ اللواء (عبدالله جزيلان)، بالاشتراك والإشراف على تنفيذها، ودليل ذلك على سبيل المثال أنه قال في كتابه (التاريخ السري للثورة اليمنية - ص 129) أثناء الحديث مع الزعيم (عبدالله السلال) جاء الرائد (السيد غالب الشرعي) ومعه (رئيس الاستئناف) وابنه، وقد تحرك الرائد السيد غالب الشرعي بسرعة وقبض عليهما وأحضرهما إلى الكلية الحربية، وعندما وقع نظر الزعيم عبدالله السلال على وجه رئيس الاستئناف قال هذه ثورة وقد ظلمت الشعب وعبثت بالمقدسات ولم تتركوا أي شيء في تعذيب الشعب إلا فعلتموه، ولم يرد رئيس الاستئناف ولم يبد أي حركة واشتد حماس الزعيم (السلال) فأمر بإطلاق النار عليه وانطلقت رصاصات من مسدس الرائد (السيد غالب الشرعي)، لتعلن نهاية حكم الكهنوت والعفن. وحاول (ابن رئيس الاستئناف) الهرب فأطلقت عليه الرصاص من مسدسي. وقد أكبرت موقف الزعيم (عبدالله السلال) وموقف الرائد (السيد غالب الشرعي)، وشعرت بالثقة بعد مقتل رئيس الاستئناف( ).
رواية مختلفة وتبرير الجرائم :
أمر الإعدام غمزة عين؟!
يروي أحد ضباط الانقلاب البعثيين (واللواء الراعي) جريمة قتل (رئيس الاستئناف) على نحو مغاير لما سبق أن زعمه (السلال) في روايته عن الإعدامات الجماعية ومن ذلك قتل رئيس المحكمة الاستئنافية:
((وقد ذهب المقدم (يحيى الشراعي)( ) إلى بيت (رئيس الاستئناف) وأخبره أن هناك اجتماعاً في (العرضي) لكبار شخصيات اليمن من عسكرية ومدنية لتدارس وضع التذمر الذي يسود ربوع اليمن ولاتخاذ الحلول الملائمة والمناسبة من واقع وظروف البلاد وإمكانياتها.
وعندما خرج رئيس الاستئناف وكان طاعناً في السن ويضع تحت عمامته (شاشة) شأنه شأن من يخرج من الحمام، كذلك كان يحمل في يده عصا لا تفارقه( )، ويمشي وهو يتمتم ويحرك شفائفه كمن يقرأ باستمرار، وكانت تلك العادة متبعة في العهد البائد.
وعندما وصل رئيس الاستئناف إلى باب المدرسة أوقفت سيارته ونزل ماشياً واتجه نحو (مبنى القيادة)، وكانت غرفة الإدارة في المدرسة، ولما أُخْبِر (السلال) بقدومه أشار إلى أنه لا حاجة لدخوله، وغمز بعينه إشارة إلى إعدامه( ).
وعندما كان داخلاً من بوابة المبنى كانت الرصاص تنهال عليه من كل جانب، أما أحد أحفاده الذي كان برفقته فقد فر في اتجاه الجاراج وتبعته طلقات من هنا وهناك سقط على إثرها قتيلاً، وكانت هذه أولى عمليات الإعدام.))( ).
ثم أكد اللواء (الراعي):
هذه الإعدامات ساعدت كثيراً على انتصار الثورة، والتفاف الجماهير حولها صباح الثورة، فالناس صاروا أمام أمر واقع، كان إعدام (يحيى محمد عباس) (رئيس الاستئناف) شيئاً كبيراً، فالرجل عندما كان يحكم لم يكن أحداً يستطيع النظر إليه، فما بالك بقتله، فمشاهدة المواطنين جثته مرمية في الحفرة أحدث تحولاً كبيراً في مشاعرهم، كلهم نزلوا إلى الحفرة.
كان سبب إعدام رئيس الاستئناف، إذن، أنه كان ذو هيبة عندما يجلس على منصة القضاء فلا يستطيع أحد النظر إليه؟! حسب تعبير أحد الضباط الأحرار.
وعندما يسأل الصحفي (الراعي) عن عملية الإعدام:
* كيف، هل دفنوا جماعياً؟
يجيب الضابط البعثي الهمام دون أدنى ندم أو حسرة أو إحساس بالخطأ:
- عُمِلت حفرة كبيرة لهم في منطقة (نادي الضباط) و (مقبرة خزيمة) حالياً، وكان من يعدم يرمى إلى داخل الحفرة، ثم تم دفنهم جميعاً.
وعندما سأله أحد الصحافيين:
* كيف تعاملتم مع من تم اعتقالهم من أنصار الإمام وأعوانه في ذلك ا
ليوم، هل شكلت محكمة لمحاكمتهم؟
أجاب الانقلابي:
- كان هناك رأي أن تشكل محكمة من عسكريين وعلماء ومشايخ لمحاكمتهم، لكن ذلك لم يحدث. (ليس ضرورياً)( )؟!
ثم أردف الضابط (الراعي) بنشوة همجية:
الذي وفق الثورة بالنجاح وجعل الجماهير تلتف حولها وتهتف وتصفق لها عندما رأت أعناق رموز الرجعية والإمامة مرمية في الساحة، فتمت الإعدامات فوراً ومباشرة دون أخذ ورد.
واستطرد قائلاً في مذكراته التي هي بمثابة وثيقة إدانة ضده:
هذه كانت خطوة كبيرة جداً فالناس سلموا بعدها بشيء اسمه ثورة ونظام جمهوري بدلاً من الإمامة المتعمقة في النفس والقلب 1200 سنة، لولا هذه الإعدامات لما حظيت الثورة بالتأييد الجماهيري.
أعطيك مثلاً على ما قمنا به وندمنا عليه فيما بعد، جاءوا بأمراء صغار (أطفال) منهم (محمد بن المحسن) وأخذهم الصليب الأحمر وأوصلهم إلى المملكة العربية السعودية.
ذكر (الراعي) في تبريره لعدم محاكمة القضاة والفقهاء والأمراء الملكيين وغيرهم وإعدامهم جماعياً دون ذنب أو محاكمة بأن الإمامين (يحيى) و (أحمد) لم يحاكما أحد، وأن قتل (بيت حميد الدين) وأنصارهم كان واجباً ثورياً؟! [ص 59 - 61] من كتاب (الراعي)( ).
وما أورده (الراعي) منافٍ للحقيقة. فالإمام (يحيى) لم يثبت أنه قتل أحداً من خصومه السياسيين، أما فيما يخص الإمام (أحمد) فإنه يوجد تحت أيدينا حكم استئنافي ضد الذين باشروا قتل أبيه الإمام (يحيى) وأولاده( ) وأحفاده ورئيس وزرائه أو تمالئوا على ذلك، وقد سبق (الحكم الاستنئافي)، كما يتضح من وقائعه وحيثياته (حكم ابتدائي) ولكنه وقع ضحية الاغتيال أيضاً فلم نعثر له حتى الآن على أثر، ليس ذلك وحسب، بل إنه قد جرت تحقيقات مع القتلة وشركائهم وأعوانهم والمشتبه بهم ولكننا لم نعثر لها على أثر أيضاً ولا بد أنها قد اختفت مع الحكم الابتدائي من قصر الإمام (أحمد) وأرشيفه بفعل فاعل بعد انقلاب (26 سبتمبر 1962م).
ورحم الله الشاعر الكبير (محمد مهدي الجوهري) إذ يقول( ):
أتعلم أم أنت لا تعلم
أتعلم أن جراح الشهيد
بأن جراح الضحايا فَم
تظل عن الثأر تستفهم
ملحوظة: راجع دراسة موجزة لاحقاً للكاتب عن الحكم القضائي الاستئنافي الصادر ضد قتلة الإمام (يحيى) والذي بسببه تم قتل رئيس المحكمة القاضي العلامة الشهيد (يحيى بن علي الشهاري) حيث اعترف، في بعض الوثائق الخطية المحفوظة لدى الكاتب، المشير (عبدالله السلال) قائد الانقلاب أنه تم قتل القاضي المذكور بسبب الحكم المشار إليه أعلاه؟! مع إيراد نص الحكم.
ثم يتحسر (الراعي) على أنه لم يتم إعدام جميع الملكيين وأنصارهم حتى المثقفين الثوريين وأبناء الشهداء منهم، قائلاً:
مثال آخر يتمثل في (علي بن إبراهيم)، فقد كان ضمن المعتقلين وسلمناه للصليب الأحمر في صنعاء، وكنا نعامله معاملة حسنة باعتباره ابن الشهيد (سيف الإسلام الحق إبراهيم)، وكان ولداً مثقفاً، واعياً ومتأثراً بالاتجاه الماركسي، متمرداً على أسرته وتركيبتها الاجتماعية والدينية والثقافية، وكنا نمده بالكتب إلى سجن القلعة، فعندما جاءت قضية (عبدالكريم السكري) الذي أسر في معركة (رازح) عام 1965م مع مجموعته من الضباط، أصبح (علي بن إبراهيم) في مقدمة من يتم التبادل به مقابل (السكري)، فخرج من السجن، وأصبح من أشرس المقاتلين الملكيين وأشجعهم وأصلبهم في جبل (عيال يزيد)، فقد كاد يسقط (عمران) ويحتلها، وقاتل حتى تمت التسوية في عام 1970م.
ولكن (الراعي) يعود بعد فترة من الحوار ليعترف بأن جرائم القتل الجماعي للقضاة والفقهاء و غيرهم قد وصم (الثورة) بالدموية وأصحابها بالقتلة.
* ألم تكن هذه نقطة تحول باتجاه تكوين أعداء للثورة؟
- كانت نقطة تحول لصالح البدر، فقد سمعنا فيما بعد من ينتقد القتل وأننا ما قتلنا وأعدمنا إلا من جانب الهاشميين، وحتى الآن يصموا الثورة بالدم والقتل( ).
وأخيراً يعترف (الراعي) أن عدداً كبيراً من العلماء والقضاة والفقهاء تم قتلهم رغم أنهم وصلوا إلى القادة العسكر لإعلان تأييدهم لهم كما حدث في عام 1948م وعام 1955م:
((وهناك من ذهب لاعتقال رئيس الاستئناف (يحيى محمد عباس الشهاري)( ) وغيره، ومنهم من أتى إلى مبنى القيادة لتسليم نفسه، مثل (زيد عقبات( )، عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب( )، محمد صالح العلفي) وغيرهم، وقد اعتقلوا عقب وصولهم مباشرة. أما بقية سيوف الإسلام في صنعاء فتم اعتقالهم، ولعب (علي عبدالله السلال) دوراً في اعتقالهم، فلم يأت ظهر يوم الثورة إلا وجميعهم معتقلون في مبنى القيادة من وزراء وحكام وأعوان للإمام وغيرهم. أما في تعز فتم اعتقالهم مباشرة من قبل قيادة التنظيم هناك، عاونهم النقيب (علي بن علي الجائفي) الذي كان قائداً للحرس الملكي، ولعب الإخوان (أحمد الكبسي) و (محمد الخاوي) و (علي الضبعي) و (سعد الأشول) دوراً في هذا الجانب))( ).
وفي الآونة الأخيرة ظهر مثقفون حداثيون شجعان يتصدون لتزييف التاريخ اليمني ويدينون إرهاب (الدولة) المتمثل في المذابح الجماعية للقضاة والفقهاء وغيره
أجاب الانقلابي:
- كان هناك رأي أن تشكل محكمة من عسكريين وعلماء ومشايخ لمحاكمتهم، لكن ذلك لم يحدث. (ليس ضرورياً)( )؟!
ثم أردف الضابط (الراعي) بنشوة همجية:
الذي وفق الثورة بالنجاح وجعل الجماهير تلتف حولها وتهتف وتصفق لها عندما رأت أعناق رموز الرجعية والإمامة مرمية في الساحة، فتمت الإعدامات فوراً ومباشرة دون أخذ ورد.
واستطرد قائلاً في مذكراته التي هي بمثابة وثيقة إدانة ضده:
هذه كانت خطوة كبيرة جداً فالناس سلموا بعدها بشيء اسمه ثورة ونظام جمهوري بدلاً من الإمامة المتعمقة في النفس والقلب 1200 سنة، لولا هذه الإعدامات لما حظيت الثورة بالتأييد الجماهيري.
أعطيك مثلاً على ما قمنا به وندمنا عليه فيما بعد، جاءوا بأمراء صغار (أطفال) منهم (محمد بن المحسن) وأخذهم الصليب الأحمر وأوصلهم إلى المملكة العربية السعودية.
ذكر (الراعي) في تبريره لعدم محاكمة القضاة والفقهاء والأمراء الملكيين وغيرهم وإعدامهم جماعياً دون ذنب أو محاكمة بأن الإمامين (يحيى) و (أحمد) لم يحاكما أحد، وأن قتل (بيت حميد الدين) وأنصارهم كان واجباً ثورياً؟! [ص 59 - 61] من كتاب (الراعي)( ).
وما أورده (الراعي) منافٍ للحقيقة. فالإمام (يحيى) لم يثبت أنه قتل أحداً من خصومه السياسيين، أما فيما يخص الإمام (أحمد) فإنه يوجد تحت أيدينا حكم استئنافي ضد الذين باشروا قتل أبيه الإمام (يحيى) وأولاده( ) وأحفاده ورئيس وزرائه أو تمالئوا على ذلك، وقد سبق (الحكم الاستنئافي)، كما يتضح من وقائعه وحيثياته (حكم ابتدائي) ولكنه وقع ضحية الاغتيال أيضاً فلم نعثر له حتى الآن على أثر، ليس ذلك وحسب، بل إنه قد جرت تحقيقات مع القتلة وشركائهم وأعوانهم والمشتبه بهم ولكننا لم نعثر لها على أثر أيضاً ولا بد أنها قد اختفت مع الحكم الابتدائي من قصر الإمام (أحمد) وأرشيفه بفعل فاعل بعد انقلاب (26 سبتمبر 1962م).
ورحم الله الشاعر الكبير (محمد مهدي الجوهري) إذ يقول( ):
أتعلم أم أنت لا تعلم
أتعلم أن جراح الشهيد
بأن جراح الضحايا فَم
تظل عن الثأر تستفهم
ملحوظة: راجع دراسة موجزة لاحقاً للكاتب عن الحكم القضائي الاستئنافي الصادر ضد قتلة الإمام (يحيى) والذي بسببه تم قتل رئيس المحكمة القاضي العلامة الشهيد (يحيى بن علي الشهاري) حيث اعترف، في بعض الوثائق الخطية المحفوظة لدى الكاتب، المشير (عبدالله السلال) قائد الانقلاب أنه تم قتل القاضي المذكور بسبب الحكم المشار إليه أعلاه؟! مع إيراد نص الحكم.
ثم يتحسر (الراعي) على أنه لم يتم إعدام جميع الملكيين وأنصارهم حتى المثقفين الثوريين وأبناء الشهداء منهم، قائلاً:
مثال آخر يتمثل في (علي بن إبراهيم)، فقد كان ضمن المعتقلين وسلمناه للصليب الأحمر في صنعاء، وكنا نعامله معاملة حسنة باعتباره ابن الشهيد (سيف الإسلام الحق إبراهيم)، وكان ولداً مثقفاً، واعياً ومتأثراً بالاتجاه الماركسي، متمرداً على أسرته وتركيبتها الاجتماعية والدينية والثقافية، وكنا نمده بالكتب إلى سجن القلعة، فعندما جاءت قضية (عبدالكريم السكري) الذي أسر في معركة (رازح) عام 1965م مع مجموعته من الضباط، أصبح (علي بن إبراهيم) في مقدمة من يتم التبادل به مقابل (السكري)، فخرج من السجن، وأصبح من أشرس المقاتلين الملكيين وأشجعهم وأصلبهم في جبل (عيال يزيد)، فقد كاد يسقط (عمران) ويحتلها، وقاتل حتى تمت التسوية في عام 1970م.
ولكن (الراعي) يعود بعد فترة من الحوار ليعترف بأن جرائم القتل الجماعي للقضاة والفقهاء و غيرهم قد وصم (الثورة) بالدموية وأصحابها بالقتلة.
* ألم تكن هذه نقطة تحول باتجاه تكوين أعداء للثورة؟
- كانت نقطة تحول لصالح البدر، فقد سمعنا فيما بعد من ينتقد القتل وأننا ما قتلنا وأعدمنا إلا من جانب الهاشميين، وحتى الآن يصموا الثورة بالدم والقتل( ).
وأخيراً يعترف (الراعي) أن عدداً كبيراً من العلماء والقضاة والفقهاء تم قتلهم رغم أنهم وصلوا إلى القادة العسكر لإعلان تأييدهم لهم كما حدث في عام 1948م وعام 1955م:
((وهناك من ذهب لاعتقال رئيس الاستئناف (يحيى محمد عباس الشهاري)( ) وغيره، ومنهم من أتى إلى مبنى القيادة لتسليم نفسه، مثل (زيد عقبات( )، عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب( )، محمد صالح العلفي) وغيرهم، وقد اعتقلوا عقب وصولهم مباشرة. أما بقية سيوف الإسلام في صنعاء فتم اعتقالهم، ولعب (علي عبدالله السلال) دوراً في اعتقالهم، فلم يأت ظهر يوم الثورة إلا وجميعهم معتقلون في مبنى القيادة من وزراء وحكام وأعوان للإمام وغيرهم. أما في تعز فتم اعتقالهم مباشرة من قبل قيادة التنظيم هناك، عاونهم النقيب (علي بن علي الجائفي) الذي كان قائداً للحرس الملكي، ولعب الإخوان (أحمد الكبسي) و (محمد الخاوي) و (علي الضبعي) و (سعد الأشول) دوراً في هذا الجانب))( ).
وفي الآونة الأخيرة ظهر مثقفون حداثيون شجعان يتصدون لتزييف التاريخ اليمني ويدينون إرهاب (الدولة) المتمثل في المذابح الجماعية للقضاة والفقهاء وغيره
م من المواطنين في مطلع انقلاب (26 سبتمبر 1962م) دون ذنب أو محاكمة، ويعتبرون تلك الإعدامات جرائم ضد الإنسانية( ).
اعـــتراف ووحشيـــة :
لسنا وحدنا من يدين الإعدامات الجماعية للقضاة والعلماء والفقهاء وسائر المثقفين والمواطنين بتهمة (المَلَكية) بل ها هو أحد قواد الانقلاب العسكري - القبلي يدين الإعدامات الجماعية للأبرياء دون ذنب أو محاكمة فيصرخ قائلاً:
((وفي اليوم الثاني عدنا إلى مدرسة الأسلحة وأعدنا المدافع إلى مكانها المحدد، وشاهدت في مرآب المدفعية منظراً لن أنساه حينما وجدت جثث أشخاص تم إعدامهم.
تأثرت جداً لطريقة الإعدام التي لم نعرف عنها شيئاً، ولا من الآمر بذلك، لأن أولئك الأشخاص لم يحاكموا، ولم يصدر قرار بإعدامهم، وبعضهم لا يستحقون الإعدام، وتركت أثراً سلبياً على الثورة، ولكني شاهدت أمامي جثثاً مضرجة بالدماء في مرآب المدفعية وتألمت لتلك الطريقة المؤسفة والمحزنة التي تركت أثراً سلبياً على سمعة الثورة وعدالتها.))( ).
ويتضح من كلام الضابط (المسوري) عدم صحة ما أورده الضابطان (السلال) و (الراعي) من أن الإعدامات الوحشية كانت ذات أثر إيجابي على الانقلاب وأصحابه، بل العكس من ذلك هو الصحيح، أي أنها تركت أثراً سلبياً ألحق باليمن واليمنيين وتطلعاتهم الثورية والتقدمية أفدح الأضرار.
كما تكشف ذكريات الضابط (المسوري)، آنفة الذكر، أن الإعدامات الجماعية للأبرياء المدنيين تمت في كل مكان من مدينة صنعاء وليس في القيادة أو (خزيمة) فقط.
والثابت تاريخياً أن مجال الاعتقال والإعدام كان مفتوحاً لا يحكمه ضابط من شرع أو عرف أو قانون، كما أن الإعدامات تمت في كل مكان كما ترويه شهادات ضباط الانقلاب ومنهم الضابط (حسين المسوري) في مذكراته.
* كان في تنظيم الضباط شخصيات مثقفة وواعية تدرك خطورة مثل هذه الأعمال والأخطاء؟
- ما هي الأخطاء؟
* قضية الإعدامات مثلاً ورمي جثث الناس (العلماء والقضاة والفقهاء) في حفر بشكل جماعي؟
ولكن الضابط (المسوري) يعود إلى طبيعته البدائية فيستيقظ وحش الثأر والهمجية في أعماقه، كما يتضح ذلك من إجابته اللاحقة لسؤال الصحفي التالي:
* هل كان من الصعب على (التنظيم) أن يحدد الأشخاص ويحاكمهم محاكمة ولو صورية؟
- كان لا بد من تعميق الثورة والجمهورية في نفوس الناس، ولم يكن سيتحقق ذلك إلا برؤية المواطنين لرموز العهد القديم جثثاً أمامهم( ).
ولا حاجة بنا لأن نوضح مدى ما تنطوي عليه إجابة الضابط (المسوري) من وحشية وتزييف للوعي ومجافاة للحقيقة.
وعلى الرغم من أن أحد زملاء (المسوري) من (الضباط الأحرار) قد شرب من نفس الكأس التي سقى منها العلماء والقضاة والفقهاء الذين اشترك في إعدامهم بعد انقلاب (26 سبتمبر 1962م)، إلا أن الضابط (المسوري) يتحسر على السفاح (هادي عيسى) ويستنكر إعدامه (دون محاكمة) ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق؟!! مؤكداً أن الإعدام دون محاكمة ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق إساءة إلى النظام الجمهوري ولكل القيم والأخلاق( )، وما كان أحرى بالضابط (المسوري) أن يعلم أن ذلك كله ينطبق، من باب أولى، على الإعدامات الجماعية الوحشية للعلماء والفقهاء والقضاة بتهمة (المَلَكِيَّة) و (الهاشميين) والذين كانوا نجوماً زاهرة في العلم والزهد والثقافة والأخلاق وأعظم، ولا نريد أن نقول قياساً بقاتليهم.
كتب الصحفي الشهير (رياض الريس) عن (هادي عيسى) ما يلي:
((وهادي عيسى كان في يوم ما من أكبر مَن يدعمون (السلال) وأهمهم، وهو بطّاش كبير، في عنقه آلاف الضحايا الأبرياء، وكان (السلال) يهدد به القبائل والناس، ويقول للذين يقامونه: سأرسل لكم (هادي عيسى). وأروني في صنعاء بجوار باب اليمن خارج المدينة بئراً اسمها (بئر هادي عيسى) كان يلقي بها الناس أحياء ثم يقذف فوقهم قنابل محرقة ويتركهم يموتون أشلاء في القعر، ومع (هادي عيسى) أعدم سيافه (محمد العميسي).))( ).
نقرأ في مذكرات الضابط المذكور:
((أما ما حدث للشهيد العميد (هادي عيسى) فقد كان متوقعاً أن يحدث، لأنه - يرحمه الله كان معروفاً بانفعاله وتشدده في بعض المواقف( ) وبخلافاته السابقة مع القيادة المصرية ومع المشير (عبدالله السلال). وما مارسه في ظل المرحلة الأولى من قيام الثورة لم يكن قراره وحده( )، وبعد شهر من قيام الثورة كبرت مكانته وذاع صيته بأنه المنفذ لكثير من الإعدامات)).
ثم يضيف الضابط المذكور:
أعدموه بلا مبرر، هذه المسرحية العبثية ليس لها مبرر، وكانت تصرفات هوجاء من غير محاكمات، ولم يحدث شيء من هؤلاء الناس، والتهم التي عليهم لا يقبلها عقل ولا منطق ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق، وأساءت إلى النظام الجمهوري، ولكل القيم والأخلاق( ).
وكان المعروف عن (هادي عيسى) ومعه مساعده ضباط الأمن (عبدالقادر الخطري) وأعوانهما جرائم القتل أو الاغتيال الفردي والجماعي للمواطنين اليمنيين دون ذنب أو محاكمة وفي مقدمة الاغتيالات الفردية والجماعية تلك التي قادها (هادي عيسى) ومن لف لفه ضد القضاة والفقهاء والموظفين خلال الحكم الملكي
اعـــتراف ووحشيـــة :
لسنا وحدنا من يدين الإعدامات الجماعية للقضاة والعلماء والفقهاء وسائر المثقفين والمواطنين بتهمة (المَلَكية) بل ها هو أحد قواد الانقلاب العسكري - القبلي يدين الإعدامات الجماعية للأبرياء دون ذنب أو محاكمة فيصرخ قائلاً:
((وفي اليوم الثاني عدنا إلى مدرسة الأسلحة وأعدنا المدافع إلى مكانها المحدد، وشاهدت في مرآب المدفعية منظراً لن أنساه حينما وجدت جثث أشخاص تم إعدامهم.
تأثرت جداً لطريقة الإعدام التي لم نعرف عنها شيئاً، ولا من الآمر بذلك، لأن أولئك الأشخاص لم يحاكموا، ولم يصدر قرار بإعدامهم، وبعضهم لا يستحقون الإعدام، وتركت أثراً سلبياً على الثورة، ولكني شاهدت أمامي جثثاً مضرجة بالدماء في مرآب المدفعية وتألمت لتلك الطريقة المؤسفة والمحزنة التي تركت أثراً سلبياً على سمعة الثورة وعدالتها.))( ).
ويتضح من كلام الضابط (المسوري) عدم صحة ما أورده الضابطان (السلال) و (الراعي) من أن الإعدامات الوحشية كانت ذات أثر إيجابي على الانقلاب وأصحابه، بل العكس من ذلك هو الصحيح، أي أنها تركت أثراً سلبياً ألحق باليمن واليمنيين وتطلعاتهم الثورية والتقدمية أفدح الأضرار.
كما تكشف ذكريات الضابط (المسوري)، آنفة الذكر، أن الإعدامات الجماعية للأبرياء المدنيين تمت في كل مكان من مدينة صنعاء وليس في القيادة أو (خزيمة) فقط.
والثابت تاريخياً أن مجال الاعتقال والإعدام كان مفتوحاً لا يحكمه ضابط من شرع أو عرف أو قانون، كما أن الإعدامات تمت في كل مكان كما ترويه شهادات ضباط الانقلاب ومنهم الضابط (حسين المسوري) في مذكراته.
* كان في تنظيم الضباط شخصيات مثقفة وواعية تدرك خطورة مثل هذه الأعمال والأخطاء؟
- ما هي الأخطاء؟
* قضية الإعدامات مثلاً ورمي جثث الناس (العلماء والقضاة والفقهاء) في حفر بشكل جماعي؟
ولكن الضابط (المسوري) يعود إلى طبيعته البدائية فيستيقظ وحش الثأر والهمجية في أعماقه، كما يتضح ذلك من إجابته اللاحقة لسؤال الصحفي التالي:
* هل كان من الصعب على (التنظيم) أن يحدد الأشخاص ويحاكمهم محاكمة ولو صورية؟
- كان لا بد من تعميق الثورة والجمهورية في نفوس الناس، ولم يكن سيتحقق ذلك إلا برؤية المواطنين لرموز العهد القديم جثثاً أمامهم( ).
ولا حاجة بنا لأن نوضح مدى ما تنطوي عليه إجابة الضابط (المسوري) من وحشية وتزييف للوعي ومجافاة للحقيقة.
وعلى الرغم من أن أحد زملاء (المسوري) من (الضباط الأحرار) قد شرب من نفس الكأس التي سقى منها العلماء والقضاة والفقهاء الذين اشترك في إعدامهم بعد انقلاب (26 سبتمبر 1962م)، إلا أن الضابط (المسوري) يتحسر على السفاح (هادي عيسى) ويستنكر إعدامه (دون محاكمة) ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق؟!! مؤكداً أن الإعدام دون محاكمة ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق إساءة إلى النظام الجمهوري ولكل القيم والأخلاق( )، وما كان أحرى بالضابط (المسوري) أن يعلم أن ذلك كله ينطبق، من باب أولى، على الإعدامات الجماعية الوحشية للعلماء والفقهاء والقضاة بتهمة (المَلَكِيَّة) و (الهاشميين) والذين كانوا نجوماً زاهرة في العلم والزهد والثقافة والأخلاق وأعظم، ولا نريد أن نقول قياساً بقاتليهم.
كتب الصحفي الشهير (رياض الريس) عن (هادي عيسى) ما يلي:
((وهادي عيسى كان في يوم ما من أكبر مَن يدعمون (السلال) وأهمهم، وهو بطّاش كبير، في عنقه آلاف الضحايا الأبرياء، وكان (السلال) يهدد به القبائل والناس، ويقول للذين يقامونه: سأرسل لكم (هادي عيسى). وأروني في صنعاء بجوار باب اليمن خارج المدينة بئراً اسمها (بئر هادي عيسى) كان يلقي بها الناس أحياء ثم يقذف فوقهم قنابل محرقة ويتركهم يموتون أشلاء في القعر، ومع (هادي عيسى) أعدم سيافه (محمد العميسي).))( ).
نقرأ في مذكرات الضابط المذكور:
((أما ما حدث للشهيد العميد (هادي عيسى) فقد كان متوقعاً أن يحدث، لأنه - يرحمه الله كان معروفاً بانفعاله وتشدده في بعض المواقف( ) وبخلافاته السابقة مع القيادة المصرية ومع المشير (عبدالله السلال). وما مارسه في ظل المرحلة الأولى من قيام الثورة لم يكن قراره وحده( )، وبعد شهر من قيام الثورة كبرت مكانته وذاع صيته بأنه المنفذ لكثير من الإعدامات)).
ثم يضيف الضابط المذكور:
أعدموه بلا مبرر، هذه المسرحية العبثية ليس لها مبرر، وكانت تصرفات هوجاء من غير محاكمات، ولم يحدث شيء من هؤلاء الناس، والتهم التي عليهم لا يقبلها عقل ولا منطق ولا قانون ولا شرع ولا أخلاق، وأساءت إلى النظام الجمهوري، ولكل القيم والأخلاق( ).
وكان المعروف عن (هادي عيسى) ومعه مساعده ضباط الأمن (عبدالقادر الخطري) وأعوانهما جرائم القتل أو الاغتيال الفردي والجماعي للمواطنين اليمنيين دون ذنب أو محاكمة وفي مقدمة الاغتيالات الفردية والجماعية تلك التي قادها (هادي عيسى) ومن لف لفه ضد القضاة والفقهاء والموظفين خلال الحكم الملكي
وغيرهم من المثقفين، كذلك انتهاك أعراض الناس ونهب حقوقهم وممتلكاتهم.
وقد روى أحد كبار الصحفيين عملية الإعدام والصلب الوحشيتين لـ (هادي عيسى) على النحو التالي:
((شاهد على الإعدامات: صنعاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 1966م
شهدْتُ أول عملية إعدام بالرصاص في تاريخ اليمن، تحت راية الأمم المتحدة، في ميدان التحرير في صنعاء. فقد تم إعدام سبعة أشخاص في أقل من ربع ساعة هم: العقيد هادي عيسى والعميد محمد الرعيني، والمدنيون حسين الأهجري وحسين العواجي وعبدالحميد الرياشي وعلي محسن هارون ومحمد أحمد العميسي. وكان الجلاد يحمل المحكومين من مصفحة قريبة مكبّلين بالسلاسل ويلقيهم على الأرض حيث كان النقيب سعيد ريحان يطلق النار عليهم من مدفع رشاش في الظهر أو في الرأس.
كنت من بين ثلاثة صحفيين مصريين حضروا خصيصاً لتغطية عملية الإعدام. وصادرت السلطات المصرية الفيلم الذي صورته وأتلفته، بينما سمحت للمصريين بالتصوير. وبعد الإعدام هجمت الجماهير على الجثث وسحلتها في الشوارع إلى مقر الجانب السعودي في لجنة السلام اليمنية. ثم عُلقت الجثث على باب السور. كل الذين أعدموا كانوا من العناصر المعادية للمصريين وللسلال، والمتهمة بالتعامل مع السعودية.
(الرعيني) كان من أخطر الذين أعدموا. فهو وزير لشئون القبائل في الحكومة التي أعدمته، وهو نائب سابق لرئيس الجمهورية وقائم بأعمال الرئاسة فترة طويلة إبان غيبة من غيبات (السلال) الطويلة في القاهرة. وله أنصار كثيرون، وخاصة من بين القبائل( ).)).
وفي الهامش أورد الصحفي الشهير في شهادته عن (هادي عيسى) ما يلي:
((هادي عيسى كان يشغل نائب وزير الحربية، وكان يتجاوز بتصرفاته سلطاته المخولة له من قبل رؤسائه بمن فيهم السلال. وتحكي حكايات كثيرة وغريبة عن تصرفاته ضد الناس العاديين الذين تعرضوا للتضليل وا لذين كان بالإمكان إعادتهم إلى جادة الصواب بالطرق والوسائل المقنعة.
هادي عيسى كما تؤكد الروايات تعامل مع هؤلاء بقسوة مثل إلقاء من يتم القبض عليهم في بعض الآبار أحياءً أو إعدامهم فوراً بدون محاكمة. ولذلك فإن إعدامه قوبل بالارتياح في أوساط الناس.))( ).
شجاعـــة مثقـــف :
من الشهادات المؤثرة التي نشرها أحد المثقفين اليمنيين الشجعان في مضمار إدانة الإعدامات الوحشية للفقهاء والعلماء والضاة وسائر المثقفين والمواطنين اليمنيين الشهادة التالية:
((وضربوا (الانقلابيون) القصر، وشعروا أن (البدر) نجى (نجا)، ماذا يعملون؟ دعوا كل الذين كانوا متعاونيين مع (البدر)، من عمه سيف الإسلام (علي) وكان مسكيناً في بيته لا شأن له في شيء، وعمه الآخر (إسماعيل)، وابن عمه (الحسن بن علي)، وأجهزوا عليهم جميعاً. جلبوهم من البيوت وأطلقوا عليهم الرصاص بطريقة وحشية فظيعة. (حسن إبراهيم) و (عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب)، يعني العناصر البارزة))( ).
ثم يضيف المثقف شهادة أخرى لصالح أحد كبار علماء وفقهاء ذلك الزمن وهو (عبدالملك المتوكل - نائب الإمام أحمد) في لواء (محافظة) حجة:
((فكان في هذه الفترة يطلب مني أن أعلم أولاده. وكان يأنس بالرسائل التي أرسلها للإمام ويقرأها قبل أن ترسل، تمر عن طريقه فيستشف منها بأنه يوجد هناك روح الإخلاص ويتفاءل بأنه لا بد من الإفراج عن المحكومين. فتثبتت العلاقة. وكان لهذه العلاقة أثر كبير في استرجاع عواطف (الإمام) إلى حد كبير. وكان هذا النائب (نائب الإمام أحمد في لواء حجة العلامة عبدالملك المتوكل) شيخاً في السبعين من عمره، ولكن يتمتع بذكاء مفرط. وظل أولاده في صحبتنا يقرءون الأدب والتاريخ والجغرافيا، ويتعلمون الخط والحساب. إن هذه العلوم كانت تنقص اليمن. تواصلت العلاقة بيني وبينهم إلى أن غادرنا السجن. وقد كان من شفعائي عند الإمام. وكان أولاده يبعثون الكتب إلى المساجين. هذه كانت سنة أطلقت من بعده. ومن حسن علاقتهم بالمساجين أنهم كانوا يمدونهم بالكتب، ويأمرون السجانين بالتخفيف عنهم. يطلبون من أبيهم أن يعطيهم نوعاً من المساعدات. ولما جاءت الثورة ذبحت أكبرهم وهو (حمود بن عبدالملك)، وأخوهم الثاني تشرد ولم يرجع إلى الآن (عاد في أواخر الستينات). وصودرت أموالهم وأملاكهم. فهذا نائب حجة ممن قدموا مساعدة كبيرة للأحرار، وإذا بأبنائه يجدون المكافأة بهذا الشكل))( ).
تواتـــر الشهـــادات :
يتسع نطاق شهادات الإدانة للإعدامات الوحشية الجماعية الظالمة التي طالت العلماء والقضاة والمثقفين من أعلام العهد الملكي المشهود لهم بالكفاءة والعدالة بل والعظمة الإنسانية في أروع صورها، كما يؤكد ذلك أحد المثقفين فيما يلي:
((بعد قيام (ثورة 26 سبتمبر 1962م) بثلاثة أيام وكنت مع الأصدقاء في (عدن) كما ذكرت، كنا نصيخ السمع باهتمام بالغ إلى إذاعة (صنعاء) وهي تذيع الأنباء، وحينها استمعت إلى تنفيذ الإعدامات فسمعت من بين الذين أعدموا اسم (عبدالله عبدالكريم) وهنا أجشهت بالبكاء وبشهيق، ثم انتبهت إلى أحد الأصدقاء يهزني، ويربت على كتفي قائلاً: لماذا تبكي على قتل رجعي مثل (عبدالله عبدا
وقد روى أحد كبار الصحفيين عملية الإعدام والصلب الوحشيتين لـ (هادي عيسى) على النحو التالي:
((شاهد على الإعدامات: صنعاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 1966م
شهدْتُ أول عملية إعدام بالرصاص في تاريخ اليمن، تحت راية الأمم المتحدة، في ميدان التحرير في صنعاء. فقد تم إعدام سبعة أشخاص في أقل من ربع ساعة هم: العقيد هادي عيسى والعميد محمد الرعيني، والمدنيون حسين الأهجري وحسين العواجي وعبدالحميد الرياشي وعلي محسن هارون ومحمد أحمد العميسي. وكان الجلاد يحمل المحكومين من مصفحة قريبة مكبّلين بالسلاسل ويلقيهم على الأرض حيث كان النقيب سعيد ريحان يطلق النار عليهم من مدفع رشاش في الظهر أو في الرأس.
كنت من بين ثلاثة صحفيين مصريين حضروا خصيصاً لتغطية عملية الإعدام. وصادرت السلطات المصرية الفيلم الذي صورته وأتلفته، بينما سمحت للمصريين بالتصوير. وبعد الإعدام هجمت الجماهير على الجثث وسحلتها في الشوارع إلى مقر الجانب السعودي في لجنة السلام اليمنية. ثم عُلقت الجثث على باب السور. كل الذين أعدموا كانوا من العناصر المعادية للمصريين وللسلال، والمتهمة بالتعامل مع السعودية.
(الرعيني) كان من أخطر الذين أعدموا. فهو وزير لشئون القبائل في الحكومة التي أعدمته، وهو نائب سابق لرئيس الجمهورية وقائم بأعمال الرئاسة فترة طويلة إبان غيبة من غيبات (السلال) الطويلة في القاهرة. وله أنصار كثيرون، وخاصة من بين القبائل( ).)).
وفي الهامش أورد الصحفي الشهير في شهادته عن (هادي عيسى) ما يلي:
((هادي عيسى كان يشغل نائب وزير الحربية، وكان يتجاوز بتصرفاته سلطاته المخولة له من قبل رؤسائه بمن فيهم السلال. وتحكي حكايات كثيرة وغريبة عن تصرفاته ضد الناس العاديين الذين تعرضوا للتضليل وا لذين كان بالإمكان إعادتهم إلى جادة الصواب بالطرق والوسائل المقنعة.
هادي عيسى كما تؤكد الروايات تعامل مع هؤلاء بقسوة مثل إلقاء من يتم القبض عليهم في بعض الآبار أحياءً أو إعدامهم فوراً بدون محاكمة. ولذلك فإن إعدامه قوبل بالارتياح في أوساط الناس.))( ).
شجاعـــة مثقـــف :
من الشهادات المؤثرة التي نشرها أحد المثقفين اليمنيين الشجعان في مضمار إدانة الإعدامات الوحشية للفقهاء والعلماء والضاة وسائر المثقفين والمواطنين اليمنيين الشهادة التالية:
((وضربوا (الانقلابيون) القصر، وشعروا أن (البدر) نجى (نجا)، ماذا يعملون؟ دعوا كل الذين كانوا متعاونيين مع (البدر)، من عمه سيف الإسلام (علي) وكان مسكيناً في بيته لا شأن له في شيء، وعمه الآخر (إسماعيل)، وابن عمه (الحسن بن علي)، وأجهزوا عليهم جميعاً. جلبوهم من البيوت وأطلقوا عليهم الرصاص بطريقة وحشية فظيعة. (حسن إبراهيم) و (عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب)، يعني العناصر البارزة))( ).
ثم يضيف المثقف شهادة أخرى لصالح أحد كبار علماء وفقهاء ذلك الزمن وهو (عبدالملك المتوكل - نائب الإمام أحمد) في لواء (محافظة) حجة:
((فكان في هذه الفترة يطلب مني أن أعلم أولاده. وكان يأنس بالرسائل التي أرسلها للإمام ويقرأها قبل أن ترسل، تمر عن طريقه فيستشف منها بأنه يوجد هناك روح الإخلاص ويتفاءل بأنه لا بد من الإفراج عن المحكومين. فتثبتت العلاقة. وكان لهذه العلاقة أثر كبير في استرجاع عواطف (الإمام) إلى حد كبير. وكان هذا النائب (نائب الإمام أحمد في لواء حجة العلامة عبدالملك المتوكل) شيخاً في السبعين من عمره، ولكن يتمتع بذكاء مفرط. وظل أولاده في صحبتنا يقرءون الأدب والتاريخ والجغرافيا، ويتعلمون الخط والحساب. إن هذه العلوم كانت تنقص اليمن. تواصلت العلاقة بيني وبينهم إلى أن غادرنا السجن. وقد كان من شفعائي عند الإمام. وكان أولاده يبعثون الكتب إلى المساجين. هذه كانت سنة أطلقت من بعده. ومن حسن علاقتهم بالمساجين أنهم كانوا يمدونهم بالكتب، ويأمرون السجانين بالتخفيف عنهم. يطلبون من أبيهم أن يعطيهم نوعاً من المساعدات. ولما جاءت الثورة ذبحت أكبرهم وهو (حمود بن عبدالملك)، وأخوهم الثاني تشرد ولم يرجع إلى الآن (عاد في أواخر الستينات). وصودرت أموالهم وأملاكهم. فهذا نائب حجة ممن قدموا مساعدة كبيرة للأحرار، وإذا بأبنائه يجدون المكافأة بهذا الشكل))( ).
تواتـــر الشهـــادات :
يتسع نطاق شهادات الإدانة للإعدامات الوحشية الجماعية الظالمة التي طالت العلماء والقضاة والمثقفين من أعلام العهد الملكي المشهود لهم بالكفاءة والعدالة بل والعظمة الإنسانية في أروع صورها، كما يؤكد ذلك أحد المثقفين فيما يلي:
((بعد قيام (ثورة 26 سبتمبر 1962م) بثلاثة أيام وكنت مع الأصدقاء في (عدن) كما ذكرت، كنا نصيخ السمع باهتمام بالغ إلى إذاعة (صنعاء) وهي تذيع الأنباء، وحينها استمعت إلى تنفيذ الإعدامات فسمعت من بين الذين أعدموا اسم (عبدالله عبدالكريم) وهنا أجشهت بالبكاء وبشهيق، ثم انتبهت إلى أحد الأصدقاء يهزني، ويربت على كتفي قائلاً: لماذا تبكي على قتل رجعي مثل (عبدالله عبدا
لكريم)؟ إنه من أركان العهد البائد وبالتالي فإنه متزوج بنت الإمام (أحمد) الطاغية الراحل، فالتفت إليه، وهنا أتذكر أنه الأخ المناضل المرحوم (محمد أحمد شعلان)، فقلت له: اسمع يارفيق دربي، أود منك أولاً أن تفسر لي معنى الرجعية بمفهومها الصحيح؟ ثم ما هي الجرائم التي ارتكبها (عبدالله عبدالكريم)؟
هل زواجه من بنت الإمام أحمد جريمة؟ وفي التاريخ أمثلة كثيرة عن الارتباط الأسري بين أناس مشاربهم مختلفة. ثم إني يا صحبي، أبكي الأخلاق والقيم والمثل والطهارة التي كان يتحلى بها هذا الإنسان، وأيضاً يجب أن تفهم بأن هذا الإنسان كان ذا عواطف جياشة، ولقد عرفته عام 1958م عندما كان مع (البدر) وفي الوفد الذاهب لتوقيع (الاتحاد الفيدرالي) مع (ج. ع. م)، ثم عرفته عندما كنت مسجوناً في (الحديدة) بعد محاولة اغتيال الإمام (أحمد) أيام (العلفي) و (اللقية) و (الهنداونة)، وكان حينذاك رئيساً للجنة المحاكمة.))( ).
ويروي المثقف (الجمهوري) المذكور بعض المواقف الإنسانية العظيمة لإحدى الشخصيات الملكية، في مضمار الحرص على تحقيق العدالة في أكثر المواقف خطورة وسوداوية:
((كان رئيس لجنة المحاكمة هو (السيد عبدالله عبدالكريم) وعندما استدعيت للاستجواب، ومنهم مثلاً: المشير (عبدالله السلال) و (محمد علي عثمان) و (عبدالله الضبي) و (محمد الذاري) وآخرون، فسألت عن (عبدالله عبدالكريم)، فقيل لي سوف يأتي قريباً، وعندما انتهوا من استجوابي، إذا بي أفاجأ بوصول (عبدالله عبدالكريم)، فأمر بأن أذهب بمعيته إلى غرفة منفردة، ثم بدأ كالعادة مع المسجونين، اسمع يا محمد: لماذا تتآمرون على الإمام وتكتبون المنشورات وترسلون المتفجرات إلى (تعز) و (إب) ومناطق أخرى ثم تقدمون على قتل الإمام؟ وهنا أجبته وأنا مثقل بالقيود. اسمع يا سيدي، أولاً أنا لم أقتل حتى قطة في كل أدوار حياتي فكيف أقدم على قتل إنسان لا سيما إذا كان هو (الإمام).
ولست خائفاً غير أني حزين جداً جداً على والدتي التي ودعتني وهي باكية صارخة تمزق ثيابها وتنفش شعرها صارخة: وا ولداه، وا وحيداه، وهنا كعادتي انفجرت باكياً لذكر الموقف، فقال لي: إن الرجال لا يبكون فلماذا تبكي( )؟.
وهنا توقف ذلك الإنسان عن بقية الأسئلة التي ربما كان يريد أن يسألني، وقد والله شاهدت على وجهه علامة الحزن وقد غابت عنه ابتسامته التي عرف بها، ثم ماذا؟ وبعد أن انتقلت وزملائي إلى (تعز) بعد انتقال الإمام (أحمد) في مَحفّة وهو مثخن بجراحه إليها نقلوني وأصحابي إلى (تعز)، إذا بالمفاجأة المذهلة تحدث لي، ماذا أرى يا ترى، أرى من أرى يا ترى أيها القارئ أرى وأنظر ولا أكاد أصدق عيني، أرى (عبدالله عبدالكريم) يدخل السجن ليزورني، ويتحول من محاكم إلى مدافع، ثم ماذا يريد مني هذا الحاكم؟ كنت أحدث نفسي هكذا: هل جاء لينهال عليّ بأسئلة جديدة؟ وكنت رابط الجأش فقال لي: ولا ولن أنسى تلك النبرة الحزينة التي قالها في مجمل حديثه: يا (محمد) سوف تطلق من السجن غداً أو بعد غدٍ، ولولا أني رئيس اللجنة لضمنتك.
وإن كنت سأنسى فلن أنسى أنه قال لي قبل مغيب الشمس يا (محمد) إني لا أزال متأثراً بما حكيته لي عن والدتك الحزينة فأرجو أن تسرع بالعودة إليها لكي تستقبلك، وكأنك خلقت من جديد.))( ).
ويستطرد المثقف (الراحل) في سرد صفات بعض (المَلَكيين) الذين تم إعدامهم بوحشية ودون ذنب أو محاكمة:
((وفي مطلع عام 1972م حدثني قائلاً: إن (عبدالله عبدالكريم)، دخل عليهم السجن في حجة، فاستدعى الأستاذ (أحمد محمد نعمان) وقال له: يا أستاذ هذه برقية من الإمام الناصر لدين الله الإمام (أحمد) يقول فيها بالآتي: إن مولانا الإمام سوف يخفف عنك هذه الأثقال والقيود وما فيها من مشاق بالإضافة إلى أنه سوف ينقلك من (الرادع) إلى (نافع) حيث السجن هناك أخف وطأة، شريطة أن تكتب له أسماء الذين كانوا يتبرعون لكم ولحزب الأحرار وصحيفة (صوت اليمن) فأجابه الأستاذ (أحمد محمد نعمان) وهو رابط الجأش مكفهر الوجه، ومربده قائلاً: أناشدك الله يا (عبدالله عبدالكريم) أناشدك الله يا (عبدالله عبدالكريم): إني كما ترى في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فيه يبر الفاجر ويصدق الكافر، هل يجوز لي برغم ما تراه مني من هذا العذاب، أن أبوح أو أكشف عن أسماء أشخاص كانوا يتسللون ليلاً جنح الظلام لكي يدفعوا لنا مع زميلي (الزبيري) بعضاً من النقود نسد بها رمقنا من الجوع، فهل يا ترى يجوز لي شرعاً وإنسانية أن أسبب أذى لهؤلاء؟ وهنا تجلت عاطفة (عبدالله عبدالكريم) وإنسانيته فانصرف وإذا به يتحول إلى (مراجع)، وفعلاً لم يعدم (النعمان) بعد أن كان متأهباً للموت في أية لحظة، وبعد مضي ما يقرب من شهر خفف الإمام عن (النعمان) القيود وبعدها أفرج عنه عام 1955م وربما كان الإفراج عنه عام 1954م))( ).
شهـــادة تاجـــر :
يشترك بعض كبار التجار (الجمهوريين) في الشهادة على وحشية الإعدامات التي طالت بعض المثقفين والقضاة والفقهاء وكبار موظفي المملكة اليمنية دون ذنب أو محاكمة في الوقت الذي كانوا بح
هل زواجه من بنت الإمام أحمد جريمة؟ وفي التاريخ أمثلة كثيرة عن الارتباط الأسري بين أناس مشاربهم مختلفة. ثم إني يا صحبي، أبكي الأخلاق والقيم والمثل والطهارة التي كان يتحلى بها هذا الإنسان، وأيضاً يجب أن تفهم بأن هذا الإنسان كان ذا عواطف جياشة، ولقد عرفته عام 1958م عندما كان مع (البدر) وفي الوفد الذاهب لتوقيع (الاتحاد الفيدرالي) مع (ج. ع. م)، ثم عرفته عندما كنت مسجوناً في (الحديدة) بعد محاولة اغتيال الإمام (أحمد) أيام (العلفي) و (اللقية) و (الهنداونة)، وكان حينذاك رئيساً للجنة المحاكمة.))( ).
ويروي المثقف (الجمهوري) المذكور بعض المواقف الإنسانية العظيمة لإحدى الشخصيات الملكية، في مضمار الحرص على تحقيق العدالة في أكثر المواقف خطورة وسوداوية:
((كان رئيس لجنة المحاكمة هو (السيد عبدالله عبدالكريم) وعندما استدعيت للاستجواب، ومنهم مثلاً: المشير (عبدالله السلال) و (محمد علي عثمان) و (عبدالله الضبي) و (محمد الذاري) وآخرون، فسألت عن (عبدالله عبدالكريم)، فقيل لي سوف يأتي قريباً، وعندما انتهوا من استجوابي، إذا بي أفاجأ بوصول (عبدالله عبدالكريم)، فأمر بأن أذهب بمعيته إلى غرفة منفردة، ثم بدأ كالعادة مع المسجونين، اسمع يا محمد: لماذا تتآمرون على الإمام وتكتبون المنشورات وترسلون المتفجرات إلى (تعز) و (إب) ومناطق أخرى ثم تقدمون على قتل الإمام؟ وهنا أجبته وأنا مثقل بالقيود. اسمع يا سيدي، أولاً أنا لم أقتل حتى قطة في كل أدوار حياتي فكيف أقدم على قتل إنسان لا سيما إذا كان هو (الإمام).
ولست خائفاً غير أني حزين جداً جداً على والدتي التي ودعتني وهي باكية صارخة تمزق ثيابها وتنفش شعرها صارخة: وا ولداه، وا وحيداه، وهنا كعادتي انفجرت باكياً لذكر الموقف، فقال لي: إن الرجال لا يبكون فلماذا تبكي( )؟.
وهنا توقف ذلك الإنسان عن بقية الأسئلة التي ربما كان يريد أن يسألني، وقد والله شاهدت على وجهه علامة الحزن وقد غابت عنه ابتسامته التي عرف بها، ثم ماذا؟ وبعد أن انتقلت وزملائي إلى (تعز) بعد انتقال الإمام (أحمد) في مَحفّة وهو مثخن بجراحه إليها نقلوني وأصحابي إلى (تعز)، إذا بالمفاجأة المذهلة تحدث لي، ماذا أرى يا ترى، أرى من أرى يا ترى أيها القارئ أرى وأنظر ولا أكاد أصدق عيني، أرى (عبدالله عبدالكريم) يدخل السجن ليزورني، ويتحول من محاكم إلى مدافع، ثم ماذا يريد مني هذا الحاكم؟ كنت أحدث نفسي هكذا: هل جاء لينهال عليّ بأسئلة جديدة؟ وكنت رابط الجأش فقال لي: ولا ولن أنسى تلك النبرة الحزينة التي قالها في مجمل حديثه: يا (محمد) سوف تطلق من السجن غداً أو بعد غدٍ، ولولا أني رئيس اللجنة لضمنتك.
وإن كنت سأنسى فلن أنسى أنه قال لي قبل مغيب الشمس يا (محمد) إني لا أزال متأثراً بما حكيته لي عن والدتك الحزينة فأرجو أن تسرع بالعودة إليها لكي تستقبلك، وكأنك خلقت من جديد.))( ).
ويستطرد المثقف (الراحل) في سرد صفات بعض (المَلَكيين) الذين تم إعدامهم بوحشية ودون ذنب أو محاكمة:
((وفي مطلع عام 1972م حدثني قائلاً: إن (عبدالله عبدالكريم)، دخل عليهم السجن في حجة، فاستدعى الأستاذ (أحمد محمد نعمان) وقال له: يا أستاذ هذه برقية من الإمام الناصر لدين الله الإمام (أحمد) يقول فيها بالآتي: إن مولانا الإمام سوف يخفف عنك هذه الأثقال والقيود وما فيها من مشاق بالإضافة إلى أنه سوف ينقلك من (الرادع) إلى (نافع) حيث السجن هناك أخف وطأة، شريطة أن تكتب له أسماء الذين كانوا يتبرعون لكم ولحزب الأحرار وصحيفة (صوت اليمن) فأجابه الأستاذ (أحمد محمد نعمان) وهو رابط الجأش مكفهر الوجه، ومربده قائلاً: أناشدك الله يا (عبدالله عبدالكريم) أناشدك الله يا (عبدالله عبدالكريم): إني كما ترى في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فيه يبر الفاجر ويصدق الكافر، هل يجوز لي برغم ما تراه مني من هذا العذاب، أن أبوح أو أكشف عن أسماء أشخاص كانوا يتسللون ليلاً جنح الظلام لكي يدفعوا لنا مع زميلي (الزبيري) بعضاً من النقود نسد بها رمقنا من الجوع، فهل يا ترى يجوز لي شرعاً وإنسانية أن أسبب أذى لهؤلاء؟ وهنا تجلت عاطفة (عبدالله عبدالكريم) وإنسانيته فانصرف وإذا به يتحول إلى (مراجع)، وفعلاً لم يعدم (النعمان) بعد أن كان متأهباً للموت في أية لحظة، وبعد مضي ما يقرب من شهر خفف الإمام عن (النعمان) القيود وبعدها أفرج عنه عام 1955م وربما كان الإفراج عنه عام 1954م))( ).
شهـــادة تاجـــر :
يشترك بعض كبار التجار (الجمهوريين) في الشهادة على وحشية الإعدامات التي طالت بعض المثقفين والقضاة والفقهاء وكبار موظفي المملكة اليمنية دون ذنب أو محاكمة في الوقت الذي كانوا بح
سب اعتراف هؤلاء التجار وحتى (د. البيضاني) يستحقون التكريم والرعاية:
ومرت الأيام والشهور وكاد الناس ينسون (عبدالله عبدالكريم) ما عدا أسرته، ولكن في مطلع هذا العام وفي شهر أبريل 1996م، وإذا بـ (علي محمد سعيد أنعم) يفاجئني بالقصة التالية:
قال لي: يا (محمد عبدالواسع)، أود هنا أن أضيف إلى ما حكيته لي عن (عبدالله عبدالكريم)، أنه عندما كان يبني منـزله المتواضع ولأول مرة في تعز (بالإسمنت المسلح) أن هذا الإنسان لم يكن يملك ما يتم به هذا المنـزل المتواضع في (تعز) آنذاك من ثمن الحديد والإسمنت، فاقترض مني مبلغاً يساوي ستة آلاف ريال (ماري تيريزا) وكان هذا المبلغ آنذاك مبلغاً كبيراً، فأقرضته ولم أعد أفكر في تقاضي ذلك المبلغ. ومرت السنون، وقامت الثورة وأعدم ذلك الإنسان.
وفي عام 1973م اتصل بي ولده لكي يقابلني وضربت له موعداً للمقابلة، وهنا كانت المفاجأة فقد أراني ولده دفتراً فيه المبلغ الذي أقرضته ويوصي من بعده أن يسددوه تبرئة للذمة.
وقد قال لي (علي محمد سعيد أنعم): أنت يا (محمد عبدالواسع) على حق عندما تبكيه، وتبكي الأخلاق( ).
إن هذه الشهادة تحمل دلالات مهمة أبرزها:
1- أن التاجر المذكور لم يعمل لأسباب لا مجال هنا لذكرها على منع الانقلابيين من الولوغ في دماء الأبرياء وخاصة القضاة والمثقفين والفقهاء باسم الثورة.
2- إن صهر الإمام (أحمد - ملك اليمن) كان فقيراً لا يملك ما يكفيه لبناء منـزل له، كذلك بيان الأخلاق الحميدة التي كان يتمتع بها حي الشهيد (عبدالله عبدالكريم) من خلال كتابة ديْن التاجر وإيصائه بسداده بعد موته.
3- أنه وكان على الرأسمالي المذكور، باعتباره عضواً في مجلس قيادة الثورة وأحد وزراء أول حكومة للانقلابيين عام 1968م وأحد الممولين الرئيسين لهم، العمل على وقف الإعدامات الوحشية التي تمت لفترة طويلة دون محاكمة أو ذنب راح ضحيتها المئات من الشهداء الفقهاء والقضاء والعلماء والمثقفين.
شهادة ضابط أمن :
لم يقتصر الأمر على شهادات المدنيين ضد الإعدامات الجماعية والظالمة والوحشية للفقهاء والقضاة والمثقفين والعلماء في بداية العهد الجمهوري، بل نجد أحد كبار ضباط الأمن يدين في مذاكراته القتل الجماعي بباعث عنصري للوطنيين والثائرين على حكم الإمامة دون ذنب سوى (جريمة النسب الهاشمي)، ويكاد يكون ضابط الأمن هذا وضابط الجيش (حسين المسوري) هما الوحيدين اللذين قدما في مذكراتهما نقداً ذاتياً للإعدامات الجماعية باسم (الثورة) للقضاة والفقهاء وغيرهم:
((وفي إحدى الأيام وكنت أعمل في أمن تعز ولم أشاهد الوالد (أحمد صالح القاضي) إلا وهو أمامي وكان يرتدي ملابس بدوي فاندهشت له وقلت له ما أتى بك ومن أين أتيت؟ فقال لقد أتيت من عند عامل يفرس (عبدالرحمن بن سيف الإسلام حميد الدين)، فقلت له ماذا تعمل عنده؟ فقال إنه صاحبي وهو رجل وطني ويكره الإمام وإخوانه وكل طرف يكره الآخر وهو من أحسن الوطنيين، وهو أيضاً يتطلع إلى الثورة، ومرة أخرى وصل إلى عندي في تعز الشيخ (علي طريق) وكان مطارداً من جواسيس عناصر الإمام وعندما سألته من أين أتيت؟ فقال لي من عند عامل ناحية يفرس (عبدالرحمن علي حميد الدين) فاستغربت من توافد هذه العناصر عليه وأنا أعرف الاثنين وعلى يقين من وعيهما ووطنيتهما الصادقة وأنه لا يبخل عليها بالتعاون معهما ومدهما بالمال إن تطلب الأمر ذلك لكي يتمكنا من مواصلة دورهما الوطني ومع الأسف الشديد فقد أعدم المذكور في أول الثورة لا لشيء إلا أن اسمه (حميد الدين).
فقد كان إعدامه من أكبر الغلطات التي وقعت نتيجة التهور غير المحسوب فإن قتل البريء جريمة كبرى "أقول ذلك من باب النقد الذاتي".))( ).
شهـــادة أكاديمية :
في رسالة دكتوراه بعنوان (اليمن تحت حكم الإمام أحمد، 1948 - 1962م) ورد ما يلي:
((وتم الاستيلاء على المرافق الحيوية للدولة، وقصور أفراد الأسرة الحاكمة (وحولها الضباط ومشائخ القبائل إلى ملكيات خاصة بهم)، وقدم للمحاكمة أرباب النظام القديم، وجرى إعدام بعض الأمراء وكبار رجال الدولة ومنهم: الأمير إسماعيل بن يحيى وحسن إبراهيم وزير الخارجية، وعبدالقادر ابن طاهر قائد جيس تعز وحمود الوشلي نائب الملك السابق في تعز، وزيد عباس وزير التربية، وأحمد يحيى عباس قاضي سابق، ويحيى عبدالقادر حاكم الحديدة، وحمود عبدالملك حاكم الحجرية( )، والأمير علي بن يحيى، والأمير الحسن بن علي الذي عُرف بمواقفه الوطنية والتحررية، وصودرت أملاكهم.
وتمكن من الفرار بعض المسئولين وواحد من الأمراء هو الأمير عبدالله بن الحسن( ). وكان الأمير الوحيد الذي دعا إلى تأييد الثورة هو الأمير الحسن بن القاسم( ). وبالرغم من أن الثوار حرصوا على تشكيل (محكمة شعب) لتنظر في جرائم قادة العهد الإمامي، إلا أن هذه المحكمة كانت في الواقع تتخذ قراراتها بالاتفاق مع قادة الثورة الآخرين، وكان وجودها رمزياً، أو صورياً.
لقد ارتكب الثوار خطيئة كبرى عندما تركوا لعواطفهم العنان، كان ينبغي أن تعطى للذين وقفوا أمام المحكمة ال
ومرت الأيام والشهور وكاد الناس ينسون (عبدالله عبدالكريم) ما عدا أسرته، ولكن في مطلع هذا العام وفي شهر أبريل 1996م، وإذا بـ (علي محمد سعيد أنعم) يفاجئني بالقصة التالية:
قال لي: يا (محمد عبدالواسع)، أود هنا أن أضيف إلى ما حكيته لي عن (عبدالله عبدالكريم)، أنه عندما كان يبني منـزله المتواضع ولأول مرة في تعز (بالإسمنت المسلح) أن هذا الإنسان لم يكن يملك ما يتم به هذا المنـزل المتواضع في (تعز) آنذاك من ثمن الحديد والإسمنت، فاقترض مني مبلغاً يساوي ستة آلاف ريال (ماري تيريزا) وكان هذا المبلغ آنذاك مبلغاً كبيراً، فأقرضته ولم أعد أفكر في تقاضي ذلك المبلغ. ومرت السنون، وقامت الثورة وأعدم ذلك الإنسان.
وفي عام 1973م اتصل بي ولده لكي يقابلني وضربت له موعداً للمقابلة، وهنا كانت المفاجأة فقد أراني ولده دفتراً فيه المبلغ الذي أقرضته ويوصي من بعده أن يسددوه تبرئة للذمة.
وقد قال لي (علي محمد سعيد أنعم): أنت يا (محمد عبدالواسع) على حق عندما تبكيه، وتبكي الأخلاق( ).
إن هذه الشهادة تحمل دلالات مهمة أبرزها:
1- أن التاجر المذكور لم يعمل لأسباب لا مجال هنا لذكرها على منع الانقلابيين من الولوغ في دماء الأبرياء وخاصة القضاة والمثقفين والفقهاء باسم الثورة.
2- إن صهر الإمام (أحمد - ملك اليمن) كان فقيراً لا يملك ما يكفيه لبناء منـزل له، كذلك بيان الأخلاق الحميدة التي كان يتمتع بها حي الشهيد (عبدالله عبدالكريم) من خلال كتابة ديْن التاجر وإيصائه بسداده بعد موته.
3- أنه وكان على الرأسمالي المذكور، باعتباره عضواً في مجلس قيادة الثورة وأحد وزراء أول حكومة للانقلابيين عام 1968م وأحد الممولين الرئيسين لهم، العمل على وقف الإعدامات الوحشية التي تمت لفترة طويلة دون محاكمة أو ذنب راح ضحيتها المئات من الشهداء الفقهاء والقضاء والعلماء والمثقفين.
شهادة ضابط أمن :
لم يقتصر الأمر على شهادات المدنيين ضد الإعدامات الجماعية والظالمة والوحشية للفقهاء والقضاة والمثقفين والعلماء في بداية العهد الجمهوري، بل نجد أحد كبار ضباط الأمن يدين في مذاكراته القتل الجماعي بباعث عنصري للوطنيين والثائرين على حكم الإمامة دون ذنب سوى (جريمة النسب الهاشمي)، ويكاد يكون ضابط الأمن هذا وضابط الجيش (حسين المسوري) هما الوحيدين اللذين قدما في مذكراتهما نقداً ذاتياً للإعدامات الجماعية باسم (الثورة) للقضاة والفقهاء وغيرهم:
((وفي إحدى الأيام وكنت أعمل في أمن تعز ولم أشاهد الوالد (أحمد صالح القاضي) إلا وهو أمامي وكان يرتدي ملابس بدوي فاندهشت له وقلت له ما أتى بك ومن أين أتيت؟ فقال لقد أتيت من عند عامل يفرس (عبدالرحمن بن سيف الإسلام حميد الدين)، فقلت له ماذا تعمل عنده؟ فقال إنه صاحبي وهو رجل وطني ويكره الإمام وإخوانه وكل طرف يكره الآخر وهو من أحسن الوطنيين، وهو أيضاً يتطلع إلى الثورة، ومرة أخرى وصل إلى عندي في تعز الشيخ (علي طريق) وكان مطارداً من جواسيس عناصر الإمام وعندما سألته من أين أتيت؟ فقال لي من عند عامل ناحية يفرس (عبدالرحمن علي حميد الدين) فاستغربت من توافد هذه العناصر عليه وأنا أعرف الاثنين وعلى يقين من وعيهما ووطنيتهما الصادقة وأنه لا يبخل عليها بالتعاون معهما ومدهما بالمال إن تطلب الأمر ذلك لكي يتمكنا من مواصلة دورهما الوطني ومع الأسف الشديد فقد أعدم المذكور في أول الثورة لا لشيء إلا أن اسمه (حميد الدين).
فقد كان إعدامه من أكبر الغلطات التي وقعت نتيجة التهور غير المحسوب فإن قتل البريء جريمة كبرى "أقول ذلك من باب النقد الذاتي".))( ).
شهـــادة أكاديمية :
في رسالة دكتوراه بعنوان (اليمن تحت حكم الإمام أحمد، 1948 - 1962م) ورد ما يلي:
((وتم الاستيلاء على المرافق الحيوية للدولة، وقصور أفراد الأسرة الحاكمة (وحولها الضباط ومشائخ القبائل إلى ملكيات خاصة بهم)، وقدم للمحاكمة أرباب النظام القديم، وجرى إعدام بعض الأمراء وكبار رجال الدولة ومنهم: الأمير إسماعيل بن يحيى وحسن إبراهيم وزير الخارجية، وعبدالقادر ابن طاهر قائد جيس تعز وحمود الوشلي نائب الملك السابق في تعز، وزيد عباس وزير التربية، وأحمد يحيى عباس قاضي سابق، ويحيى عبدالقادر حاكم الحديدة، وحمود عبدالملك حاكم الحجرية( )، والأمير علي بن يحيى، والأمير الحسن بن علي الذي عُرف بمواقفه الوطنية والتحررية، وصودرت أملاكهم.
وتمكن من الفرار بعض المسئولين وواحد من الأمراء هو الأمير عبدالله بن الحسن( ). وكان الأمير الوحيد الذي دعا إلى تأييد الثورة هو الأمير الحسن بن القاسم( ). وبالرغم من أن الثوار حرصوا على تشكيل (محكمة شعب) لتنظر في جرائم قادة العهد الإمامي، إلا أن هذه المحكمة كانت في الواقع تتخذ قراراتها بالاتفاق مع قادة الثورة الآخرين، وكان وجودها رمزياً، أو صورياً.
لقد ارتكب الثوار خطيئة كبرى عندما تركوا لعواطفهم العنان، كان ينبغي أن تعطى للذين وقفوا أمام المحكمة ال
عسكرية فرصة للدفاع عن أنفسهم، وكان يجب أن تكون هذه الفرصة حقيقية لا شكلية، وكان من المفترض أن لا تصادق القيادة العليا للثورة على قرارات المحكمة العسكرية إن كانت هناك محكمة حقاً إلا بعد روية وتبصُّر، مع قدر عال من الحرص على عدم سفك المزيد من الدماء. وكان من المفترض التفريق بين من قاموا أو ارتكبوا أعمالاً إجرامية وبين من اعتقلوا من بيوتهم أو كانوا فارين واعتقلوا كما حدث للحسن بن علي، فما بالكم إذا كان الحسن بن علي هو ما كان عليه من اتصال وعلاقة طيبة مع الأحرار، وكان رجلاً معتدلاً بل ومتقدماً بمقاييس ذلك الزمان، وليس له سابقة ضد الأحرار، إن لم يكن قد حمى بعضهم من بطش الإمام وجبروته. لقد كانت هذه الممارسة بداية لتجربة امتد أثرها فيما بعد وعُرفت بثقافة العنف والعنف المضاد في التجربة الثورية اليمنية.))( ).
شهـــادة أمــيرة مثقفـــة :
نختتم الحديث عن هذه الكوكبة من الشهداء الملكيين بهذه الشهادة المؤثرة عن الإعدام الجماعي للآباء والأبناء والأحفاد من الأمراء الملكيين دون اتهام أو محاكمة أو ذنب، كذلك اغتيال رئيس المحكمة الاستئنافية آنذاك القاضي العلامة (يحيى الشهاري)، حيث ورد في مذكرات الأميرة (تقية) إحدى بنات الإمام (يحيى حميد الدين) المشهود لهن بالثقافة وخاصة في مجال الفقه وحسن السيرة والورع والتقوى ما يلي:
((وسمعت ويا هول ما سمعت: لقد تم تنفيذ حكم الإعدام بأخي (إسماعيل) بن الإمام يحيى، ثم لقد تم إعدام أخي (علي) بن الإمام يحيى، ثم إعدام ابنه (الحسن بن علي)، ثم لقد تم تنفيذ حكم الإعدام بالسيد (يحيى بن علي الشهاري)، رئيس محكمة الاستئناف، ثم لقد تم تنفيذ حكم الإعدام ... الخ.
فقد أعدم العشرات في اليوم الأول كوجبة سريعة، وما بين الإعدام والإعدام دقائق معدودة، وأعدم من العلماء والفقهاء والأعيان العديد العديد ... وممن أعدم التالية أسماؤهم:
حمود بن عبدالملك، عبدالله عبدالكريم، حمود الوشلي، أحمد بن عبدالرحمن الشامي، محمد بن أحمد الوزير محمد الكبسي، عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب، الشيخ عاطف المصلي (كبير همدان)، القاضي محمد عامر، عبدالرحمن السياغي، يحيى عبدالقادر، حسين الويسي، أحمد ناجي، (ضابط المقام)، يحيى حسين المنصور، حسن إبراهيم، محمد علي زبارة، محمد ساري، محمد الغيل، ومن آل أحمد قاسم حميد الدين قتلوا عبدالرحمن بن أحمد بن قاسم حميد الدين، أحمد محمد حميد الدين، أحمد بن حسين حميد الدين، وغيرهم ممن غابت عني أسماؤهم، ولما نادوا بخروج واحد إلى الميدان لقتله كان الغلط بواحد آخر، فقالوا: ليس هذا، فأجاب آخر: يا ألله، قد اسمه خرج، يعني ماشي الحال ما تهم الغلطة، اقتلوه.))( ).
ثم تستطرد صاحبة المذكرات:
عرفت أنه نودي على أخي (إسماعيل)، راعي الأيتام، من سجنه واقتيد إلى الساحة، وعذب ثم قتل صبراً في الساحة، (رحمه الله) شهيداً، ثم نودي على أخي (علي) وأطلق الرصاص عليه، أما ابنه (الحسن)، صاحب السيرة العطرة، فقد عذب بتدرج ثم أطلق الرصاص عليه، بدأ الإطلاق من أسفل رجليه صعوداً إلى رأسه ببطء وتأن، كنوع من التعذيب، بسبب حقد دفين وتصفية حسابات شخصية.
وتؤكد صاحبة المذكرات أهمية رئيس الاستئناف العلمية وتشهد على صلاحه وتقواه وعدالته كما وتتحسر على العدالة قائلة:
((وكان حزني على العلامة الشهيد القاضي (يحيى بن علي الشهاري)( )، يعادل أحزاني على إعدام إخواني، فإعدام رئيس محكمة الاستئناف، يعني إعدام للعدالة، أدركت عندها أن العدالة باتت شيئاً من الماضي، وإننا بانتظار مرحلة من الظلم والاستبداد والاضطهاد، اللهم الطف بعبادك يا رب العالمين)).
الشهداء الملكيون
[ ملحق ]
الشهيد (الحسن بن علي)
من كبار العلماء والمثقفين الملكيين الشباب الذين جرى قتلهم (اغتيالهم) دون ذنب أو محاكمة، الأمير المثقف الحداثي (الحسن بن علي) ووالده الأمير (علي بن يحيى حميد الدين)، وقد جرى قتل الأب والابن معاً في مشهد وحشي دون محاكمة أو ذنب خلال المجزرة الجماعية للقضاة والفقهاء التي جرت صبيحة اليوم التالي لانقلاب 26/9/1962م.
والثابت، حتى من خلال اعترافات بعض الضباط الانقلابيين، أن (الحسن) ووالده رحمهما الله كانا من أشد أنصار التغيير في اليمن ونشر الثقافة الحديثة والمناوئين لحكم الإمامين (يحيى وأحمد حميد الدين)، وقدم الأميران الشهيدان مساعدات عديدة للمتمردين على الحكم الإمامي بما في ذلك إنقاذ حياتهم من براثن الموت كذلك دفع ديات المحكوم عليهم بالإعدام قصاصاً ورفع الظلم عن المظلومين ... الخ.
ولن نذهب بعيداً فقد كتب عنه أحد أولئك الضباط الذين يرزحون تحت عبء الاتهام بالتعصب العنصري ضد الهاشميين ما يلي:
الأمير الحسن بن علي:
نشأ نشيطاً جميل المحيا ودوداً متعلماً لبقاً بارعاً في كسب العلاقات مع الناس رغم صغر سنه. وسرعان ما فهم الأوضاع وخاضها بجدارة محاولاً النجاح فيما فشل فيه والده وقد اجتهد في انقلاب 1955م كما أشيع أنه ولي عهد عمه (عبدالله) لو نجح الانقلاب ولقد ظل طموحه حتى بعد اس
شهـــادة أمــيرة مثقفـــة :
نختتم الحديث عن هذه الكوكبة من الشهداء الملكيين بهذه الشهادة المؤثرة عن الإعدام الجماعي للآباء والأبناء والأحفاد من الأمراء الملكيين دون اتهام أو محاكمة أو ذنب، كذلك اغتيال رئيس المحكمة الاستئنافية آنذاك القاضي العلامة (يحيى الشهاري)، حيث ورد في مذكرات الأميرة (تقية) إحدى بنات الإمام (يحيى حميد الدين) المشهود لهن بالثقافة وخاصة في مجال الفقه وحسن السيرة والورع والتقوى ما يلي:
((وسمعت ويا هول ما سمعت: لقد تم تنفيذ حكم الإعدام بأخي (إسماعيل) بن الإمام يحيى، ثم لقد تم إعدام أخي (علي) بن الإمام يحيى، ثم إعدام ابنه (الحسن بن علي)، ثم لقد تم تنفيذ حكم الإعدام بالسيد (يحيى بن علي الشهاري)، رئيس محكمة الاستئناف، ثم لقد تم تنفيذ حكم الإعدام ... الخ.
فقد أعدم العشرات في اليوم الأول كوجبة سريعة، وما بين الإعدام والإعدام دقائق معدودة، وأعدم من العلماء والفقهاء والأعيان العديد العديد ... وممن أعدم التالية أسماؤهم:
حمود بن عبدالملك، عبدالله عبدالكريم، حمود الوشلي، أحمد بن عبدالرحمن الشامي، محمد بن أحمد الوزير محمد الكبسي، عبدالرحمن عبدالصمد أبو طالب، الشيخ عاطف المصلي (كبير همدان)، القاضي محمد عامر، عبدالرحمن السياغي، يحيى عبدالقادر، حسين الويسي، أحمد ناجي، (ضابط المقام)، يحيى حسين المنصور، حسن إبراهيم، محمد علي زبارة، محمد ساري، محمد الغيل، ومن آل أحمد قاسم حميد الدين قتلوا عبدالرحمن بن أحمد بن قاسم حميد الدين، أحمد محمد حميد الدين، أحمد بن حسين حميد الدين، وغيرهم ممن غابت عني أسماؤهم، ولما نادوا بخروج واحد إلى الميدان لقتله كان الغلط بواحد آخر، فقالوا: ليس هذا، فأجاب آخر: يا ألله، قد اسمه خرج، يعني ماشي الحال ما تهم الغلطة، اقتلوه.))( ).
ثم تستطرد صاحبة المذكرات:
عرفت أنه نودي على أخي (إسماعيل)، راعي الأيتام، من سجنه واقتيد إلى الساحة، وعذب ثم قتل صبراً في الساحة، (رحمه الله) شهيداً، ثم نودي على أخي (علي) وأطلق الرصاص عليه، أما ابنه (الحسن)، صاحب السيرة العطرة، فقد عذب بتدرج ثم أطلق الرصاص عليه، بدأ الإطلاق من أسفل رجليه صعوداً إلى رأسه ببطء وتأن، كنوع من التعذيب، بسبب حقد دفين وتصفية حسابات شخصية.
وتؤكد صاحبة المذكرات أهمية رئيس الاستئناف العلمية وتشهد على صلاحه وتقواه وعدالته كما وتتحسر على العدالة قائلة:
((وكان حزني على العلامة الشهيد القاضي (يحيى بن علي الشهاري)( )، يعادل أحزاني على إعدام إخواني، فإعدام رئيس محكمة الاستئناف، يعني إعدام للعدالة، أدركت عندها أن العدالة باتت شيئاً من الماضي، وإننا بانتظار مرحلة من الظلم والاستبداد والاضطهاد، اللهم الطف بعبادك يا رب العالمين)).
الشهداء الملكيون
[ ملحق ]
الشهيد (الحسن بن علي)
من كبار العلماء والمثقفين الملكيين الشباب الذين جرى قتلهم (اغتيالهم) دون ذنب أو محاكمة، الأمير المثقف الحداثي (الحسن بن علي) ووالده الأمير (علي بن يحيى حميد الدين)، وقد جرى قتل الأب والابن معاً في مشهد وحشي دون محاكمة أو ذنب خلال المجزرة الجماعية للقضاة والفقهاء التي جرت صبيحة اليوم التالي لانقلاب 26/9/1962م.
والثابت، حتى من خلال اعترافات بعض الضباط الانقلابيين، أن (الحسن) ووالده رحمهما الله كانا من أشد أنصار التغيير في اليمن ونشر الثقافة الحديثة والمناوئين لحكم الإمامين (يحيى وأحمد حميد الدين)، وقدم الأميران الشهيدان مساعدات عديدة للمتمردين على الحكم الإمامي بما في ذلك إنقاذ حياتهم من براثن الموت كذلك دفع ديات المحكوم عليهم بالإعدام قصاصاً ورفع الظلم عن المظلومين ... الخ.
ولن نذهب بعيداً فقد كتب عنه أحد أولئك الضباط الذين يرزحون تحت عبء الاتهام بالتعصب العنصري ضد الهاشميين ما يلي:
الأمير الحسن بن علي:
نشأ نشيطاً جميل المحيا ودوداً متعلماً لبقاً بارعاً في كسب العلاقات مع الناس رغم صغر سنه. وسرعان ما فهم الأوضاع وخاضها بجدارة محاولاً النجاح فيما فشل فيه والده وقد اجتهد في انقلاب 1955م كما أشيع أنه ولي عهد عمه (عبدالله) لو نجح الانقلاب ولقد ظل طموحه حتى بعد اس
تشهاد عميه عبدالله والعباس.
وكان ممن يحذرهم الإمام (أحمد) حين تواجده بتعز ويروي ثقاة بأنه حاول اغتيال عمه الإمام (أحمد) وأن النساء تجمعن عليه وسلبن منه المسدس وكذلك اتصاله بالاتحاد اليمني بعدن كما بالكتاب.
وكان دوره في المرحلة السابقة للانقلاب تأمين الارتباط بين العناصر السياسية خاصة بين عمه (السيف عبدالله) والمقدم (أحمد يحيى الثلايا) ويأتي معه الأمير (الحسن بن الحسن) وقد نشرت عنه (سبأ) بأنه قام بتأسيس (مكتبة الشباب اليمني) متبرعاً لها بكتبه ودعى الآخرين بالتبرع بمكتباتهم لتنوير الأفكار والخروج من الجهالة إلى العلم ولكي يتقرب إلى ضباط وطلاب المدارس العسكرية كما ذكرت، وجريدة (النصر) والتي ظلت مع (سبأ) تورد اسمه بعد اسم (السيف عبدالله) مباشرة في كل المناسبات( ).
وعن الشهيد الأمير (علي بن يحيى حميد الدين) والد الشهيد (الحسن) كتب ذات الضابط ما يلي:
كان (علي بن يحيى حميد الدين) أديباً شجاعاً كريماً غريب الأطوار شاعراً ساخطاً على عهد أبيه حتى تمرد على أبيه في (القفلة) فأرسل إليه أخوه (أحمد) مع حملة عسكرية فاعتقله مع اثنين آخرين بدار السعادة بصنعاء وفي النوبة الطينية المسماة إلى الآن (نوبة علي) وكما سبق طلبه العون من السفير الأمريكي بجدة ليحل محل أبيه حسب (ريتشارت) غير أن اغتيال والده والانقلاب صرفه عن ذلك وكان الوحيد الذي أعاد جثمان والده ومن معه من موقع اغتيالهم بسواد حزيز 1948م ويقال أن الحكومة الدستورية قد أوكلت إليه إحدى الوزارات وساءت علاقته بأخيه الإمام بعد موت أخيهم (إبراهيم) المشبوه.
ويبدو أنه قد ضاق بالسياسة وصراعها فاعتزل الحياة واعتكف في داره الشامخ غرب وزارة الإعلام (دار الحمد) مكتفياً بالشعر الجزل في المناسبات وكان يحل المشاكل ودياً ويشتري المحكومين بالقصاص فيدفع دياتهم ما أمكنه ذلك( ).
ونحن بدورنا نتساءل:
إذا كان هؤلاء الأمراء من الأسرة الملكية في اليمن بهذه الصفات الحميدة، فلماذا أعدمهم (الضباط الأحرار) وأعوانهم؟!
ألم يكن اغتيال هذين الشهيدين أيضاً ظلماً وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم؟
وأي حقد دفين وقلوب صخرية سوداء الآمرين بالإعدام والمنفذين له إلى استباحة دم هذين الأميرين اللذين كانا يستحقان الاحترام والرعاية والوفاء؟!
وفي موضع آخر من مذكرات لاحقة لنفس الضابط كتب ما يلي عن الأمير المثقف الشهيد (الحسن بن علي):
الأمير الحسن بن علي بن الإمام يحيى:
كان جميل الخلق والخلق حتى أحبه الناس جميعاً، حتى عمه الإمام (أحمد) رغم نشاطه الكبير في مؤامرة الانقلاب عليه سنة 1955م. فلم يعدمه أو يعتقله. وإنما عاتبه فقط. وقد تولى وزارة المعارف. ولما يبلغ العشرين من عمره. والعجيب أنه كان له طموح في الإمامة بعد فشل انقلاب 1955م. فقد عرض على الأحرار بالاتحاد اليمني بعدن أن يؤيدوه إماماً دستورياً عادلاً. وأنه سيكون طوع أمرهم وينفذ مبادئهم. ولكنهم رفضوه ورفضوا الإمامة من حيث المبدأ، وأعلنوا الدعوة إلى الجمهورية. وقد أعدم بأول الثورة مع والده. رحمهما الله( ).
ويروي أحد المثقفين اليمنيين بعض ذكرياته عن الأمير المثقف الشهيد (الحسن بن علي) ما يلي:
ولقد جعل أهالي صنعاء والقرى المجاورة - الذين جبلوا أباً عن جد، على حب وتقدير الإمام (علي)، نظراً لتجرده عن المطامع، والهوى، ووقوفه إلى جانب الحق والعدل، ومناصرة المظلوم - جعلوا من هذه المناسبة (يوم الغدير) يوماً للبهجة والفرح، وإقامة المهرجانات الغنائية، والرقص والبرع، وإنشاد الأهازيج الجماعية المعبرة عن روح ومغزى هذه المناسبة التي كان يشارك فيها أيضاً كبار الشعراء، والخطباء المفوهين الكبار أمثال العالم الجليل (زيد الموشكي) وخطيب الجامع الكبير العلامة (محمد أبو طالب)، وكان أكثر مدعاة للسرور داخل صفوف الجماهير المحتشدة على (أكمة الجزارين) وما حولها من أراضي سهل (حزيز) الأخضر الفسيح هو مشاهدة سباق الخيل المثير الذي كان ينتظم فيه بعد الاحتفال عقد من الخيالة الشباب المحترفين، في مقدمتهم نجم السباق ومحبوب جمهور المشاهدين (الحسن بن علي بن الإمام يحيى) رحمه الله، الذي كان يفوز على الدوام في مثل هذا السباق المميز الخطر مخلفاً ورائه - بعد عشر جولات - بقية الفرسان، والاستئثار - بالتالي - لوحده بدائرة السباق قبل أن يلتقط السيف من الأرض من على ظهر جواده الأدهم الذي طاوع الانعطاف على جنبه الأيمن حتى كاد يلامس الأرض، متيحاً الفرصة لراكبه بالتقاط هذا السيف وهو في أقصى سرعة له والعرق يتصبب منه بغزارة كما تنـزف الدلاء الطالعة على التو من البئر( ).
وكان ممن يحذرهم الإمام (أحمد) حين تواجده بتعز ويروي ثقاة بأنه حاول اغتيال عمه الإمام (أحمد) وأن النساء تجمعن عليه وسلبن منه المسدس وكذلك اتصاله بالاتحاد اليمني بعدن كما بالكتاب.
وكان دوره في المرحلة السابقة للانقلاب تأمين الارتباط بين العناصر السياسية خاصة بين عمه (السيف عبدالله) والمقدم (أحمد يحيى الثلايا) ويأتي معه الأمير (الحسن بن الحسن) وقد نشرت عنه (سبأ) بأنه قام بتأسيس (مكتبة الشباب اليمني) متبرعاً لها بكتبه ودعى الآخرين بالتبرع بمكتباتهم لتنوير الأفكار والخروج من الجهالة إلى العلم ولكي يتقرب إلى ضباط وطلاب المدارس العسكرية كما ذكرت، وجريدة (النصر) والتي ظلت مع (سبأ) تورد اسمه بعد اسم (السيف عبدالله) مباشرة في كل المناسبات( ).
وعن الشهيد الأمير (علي بن يحيى حميد الدين) والد الشهيد (الحسن) كتب ذات الضابط ما يلي:
كان (علي بن يحيى حميد الدين) أديباً شجاعاً كريماً غريب الأطوار شاعراً ساخطاً على عهد أبيه حتى تمرد على أبيه في (القفلة) فأرسل إليه أخوه (أحمد) مع حملة عسكرية فاعتقله مع اثنين آخرين بدار السعادة بصنعاء وفي النوبة الطينية المسماة إلى الآن (نوبة علي) وكما سبق طلبه العون من السفير الأمريكي بجدة ليحل محل أبيه حسب (ريتشارت) غير أن اغتيال والده والانقلاب صرفه عن ذلك وكان الوحيد الذي أعاد جثمان والده ومن معه من موقع اغتيالهم بسواد حزيز 1948م ويقال أن الحكومة الدستورية قد أوكلت إليه إحدى الوزارات وساءت علاقته بأخيه الإمام بعد موت أخيهم (إبراهيم) المشبوه.
ويبدو أنه قد ضاق بالسياسة وصراعها فاعتزل الحياة واعتكف في داره الشامخ غرب وزارة الإعلام (دار الحمد) مكتفياً بالشعر الجزل في المناسبات وكان يحل المشاكل ودياً ويشتري المحكومين بالقصاص فيدفع دياتهم ما أمكنه ذلك( ).
ونحن بدورنا نتساءل:
إذا كان هؤلاء الأمراء من الأسرة الملكية في اليمن بهذه الصفات الحميدة، فلماذا أعدمهم (الضباط الأحرار) وأعوانهم؟!
ألم يكن اغتيال هذين الشهيدين أيضاً ظلماً وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم؟
وأي حقد دفين وقلوب صخرية سوداء الآمرين بالإعدام والمنفذين له إلى استباحة دم هذين الأميرين اللذين كانا يستحقان الاحترام والرعاية والوفاء؟!
وفي موضع آخر من مذكرات لاحقة لنفس الضابط كتب ما يلي عن الأمير المثقف الشهيد (الحسن بن علي):
الأمير الحسن بن علي بن الإمام يحيى:
كان جميل الخلق والخلق حتى أحبه الناس جميعاً، حتى عمه الإمام (أحمد) رغم نشاطه الكبير في مؤامرة الانقلاب عليه سنة 1955م. فلم يعدمه أو يعتقله. وإنما عاتبه فقط. وقد تولى وزارة المعارف. ولما يبلغ العشرين من عمره. والعجيب أنه كان له طموح في الإمامة بعد فشل انقلاب 1955م. فقد عرض على الأحرار بالاتحاد اليمني بعدن أن يؤيدوه إماماً دستورياً عادلاً. وأنه سيكون طوع أمرهم وينفذ مبادئهم. ولكنهم رفضوه ورفضوا الإمامة من حيث المبدأ، وأعلنوا الدعوة إلى الجمهورية. وقد أعدم بأول الثورة مع والده. رحمهما الله( ).
ويروي أحد المثقفين اليمنيين بعض ذكرياته عن الأمير المثقف الشهيد (الحسن بن علي) ما يلي:
ولقد جعل أهالي صنعاء والقرى المجاورة - الذين جبلوا أباً عن جد، على حب وتقدير الإمام (علي)، نظراً لتجرده عن المطامع، والهوى، ووقوفه إلى جانب الحق والعدل، ومناصرة المظلوم - جعلوا من هذه المناسبة (يوم الغدير) يوماً للبهجة والفرح، وإقامة المهرجانات الغنائية، والرقص والبرع، وإنشاد الأهازيج الجماعية المعبرة عن روح ومغزى هذه المناسبة التي كان يشارك فيها أيضاً كبار الشعراء، والخطباء المفوهين الكبار أمثال العالم الجليل (زيد الموشكي) وخطيب الجامع الكبير العلامة (محمد أبو طالب)، وكان أكثر مدعاة للسرور داخل صفوف الجماهير المحتشدة على (أكمة الجزارين) وما حولها من أراضي سهل (حزيز) الأخضر الفسيح هو مشاهدة سباق الخيل المثير الذي كان ينتظم فيه بعد الاحتفال عقد من الخيالة الشباب المحترفين، في مقدمتهم نجم السباق ومحبوب جمهور المشاهدين (الحسن بن علي بن الإمام يحيى) رحمه الله، الذي كان يفوز على الدوام في مثل هذا السباق المميز الخطر مخلفاً ورائه - بعد عشر جولات - بقية الفرسان، والاستئثار - بالتالي - لوحده بدائرة السباق قبل أن يلتقط السيف من الأرض من على ظهر جواده الأدهم الذي طاوع الانعطاف على جنبه الأيمن حتى كاد يلامس الأرض، متيحاً الفرصة لراكبه بالتقاط هذا السيف وهو في أقصى سرعة له والعرق يتصبب منه بغزارة كما تنـزف الدلاء الطالعة على التو من البئر( ).
#قصص_حكايات_يمانية
سيف بن ذي يزن
سيرة شعبية خيالية تروي حكاية سيف بن ذي يزن الملك اليمني الذي طرد الأحباش من اليمن. وبعيداً عن التاريخ، تُحلق السيرة بعيداً في الأسطورة، فتلبس الملك سيف بن ذي يزن لباساً غير بشري، و تجعل له أصولاً جنية، فأمه إحدى ملكات الجن، و له أخت منهن. وتحكي السيرة عن زوجة سيف منية النفوس، و كيف اختطفها الأحباش و استعادها سيف منهم، كما تحكي عن ولده معد يكرب. وتجعل السيرة من سيف موحداً مسلماً على دين إبراهيم الخليل، و من الأحباش وثنيين يعبدون الكواكب و النجوم، رغم أن دين الأحباش كان النصرانية.
وفي السيرة إشارات قومية واضحة كما أن الخيال يجمح بها فيجعل من سيف بن ذي يزن ملكاً متوجاً على الإنس والجن. وتشير السيرة إلى اختفاء سيف في آخر أيامه لاحقاً بأمه في عالمها. امتدت تأثيرات هذه السيرة على امتداد العالم الإسلامي، فدخلت الأدب الماليزي على أنها سيرة الملك يوسف ذي الليزان، وأثرت في الأدب القصصي في تلك البلاد مع السير العربية الأخرى. تقع السيرة في تسعة عشر مجلداً، وهي واحدة من أطول السير العربية. أنتجت اليمن مسلسلاً عن سيرة حياة سيف بن ذي يزن بالتعاون مع خبرات فنية من سوريا.
"سيف بن ذي يزن"
ملك يمني حميري عاش في الفترة بين 516 – 574، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن، وتولى الملك فيها. نسبه الكلبي فقال: سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد، من أذواء حمير.
دخل سيف بن ذي يزن القصص الشعبية، فسيرته مشهورة، وهي من أضخم السير العربية، و فيها اختلط الخيال بالوقائع التاريخية، و جمح، فأصبح سيف بن ذي يزن ابناً لأم من الجن، و صاحب سيادة فيهم. وغير ذلك من أفانين الخيال.
حكم الأحباش اليمن فترة طويلة من الزمان، فطغوا وتجبروا، وأرهقوا أهل اليمن، فخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر الروم ليرجوه أن يكف يد الأحباش عن اليمن، ويولي عليها من يشاء من الروم، فأجابه أن الأحباش على دين النصارى كالروم. فعاد سيف ووفد على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة، فشكى إليه، واستمهله النعمان حتى وفادته على كسرى، فلما وفد قدمه إليه، وأخبره بمسألته، فقال كسرى عن أرض اليمن إنما هي أرض شاه وبعير، ولا حاجة لنا بها، وأعطى سيفاً بعض الدنانير فنثرها سيف، وقال: إنما جبال بلادي ذهب وفضة. فشاور كسرى رجاله في الأمر، فأشاروا عليه بإرسال السجناء الذي سجنوا لاتهامهم بالقتل للقتال مع سيف بن ذي يزن، فإن هلكوا، كان ذلك ما يريده كسرى، وإن ظفروا باليمن من الأحباش انضمت ولاية جديدة إلى أعمال فارس. فعمل كسرى بالمشورة، وأرسل مع سيف جيشاً من المحكومين بالقتل.
فنزل سيف باليمن، وجمع من قومه من استطاع جمعهم، فخرج إليه مسروق بن أبرهه في مائة ألف من الأحباش، ومن أوباش اليمن، فهزمهم سيف وأذهب ريحهم، وتملك على اليمن بأمر من كسرى على فريضة يؤديها له كل عام، وأبقى كسرى نائباً فارسياً للدولة في جماعة من الفرس في اليمن.
وجاءت وفود العرب إلى سيف بن ذي يزن لتهنئه بالملك، وفيهم وفد من قريش فيه عبد المطلب، فأكرم وفادتهم، و أجزل لهم العطايا.
وقيل إن سيفاً دخل الحبشة، فأمعن في أهلها تقتيلاً، و استرق جماعة من الرجال الأحباش فأخصاهم و جعلهم يمشون بين يديه و يتقدمون مواكبه.
وقيل قتله هؤلاء الرجال غدراً في غفلة منه عن مراقبتهم، فلما عرف بذلك نائب كسرى على اليمن ركب إليهم، وقتلهم، ثم جاءه كتاب كسرى أن يقتل كل الأحباش، وكل من انتسب إليهم في اليمن، ففعل، وتولى على اليمن، و بعدها صار الحكم للفرس، فزالت دولة العرب، و لم تقم لملوك حمير قائمة بعدها. وقيل تآمر الفرس على قتله لتصير اليمن ولاية فارسية بالكامل.
لمّا اشتد البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن وكنيته أبو مرة حتى قدم إلى قيصر الروم. وقد فضّل الذهاب إليه بدلا عن كسرى لإبطاء هذا الأخير عن نصر أبيه. فإن أباه كان قد قصد كسرى "أنوشروان" لما أُخِذت زوجته يستنصره على الحبشة فوعده فأقام ذو يزن عنده دون جدوى إلى أن مات على بابه.
وتربى سيف مع أمه في حجر أبرهة الحبشي وهو يحسب أنه ابنه فسبه ذات مرة ولد لأبرهة وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة بينهما فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين فعاد إلى كسرى فاعترضه يومًا وقد ركب فقال له: إن لي عندك ميراثًا فدعا به كسرى لما نزل فقال له: من أنت وما ميراثك قال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك فتلك العدة حق لي وميراث.
فرق كسرى له وقال له: بعدت بلادك عنا وقل خيرها والمسلك إليها وعرٌ ولست أغرر بجيشي.
وأمر له بمال فخرج وجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك فقال: لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان وإن جبال بلادنا ذهب وفضة.
فأعجب كسرى بقوله وقال: يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني واستشار وزراءه في توجيه
سيف بن ذي يزن
سيرة شعبية خيالية تروي حكاية سيف بن ذي يزن الملك اليمني الذي طرد الأحباش من اليمن. وبعيداً عن التاريخ، تُحلق السيرة بعيداً في الأسطورة، فتلبس الملك سيف بن ذي يزن لباساً غير بشري، و تجعل له أصولاً جنية، فأمه إحدى ملكات الجن، و له أخت منهن. وتحكي السيرة عن زوجة سيف منية النفوس، و كيف اختطفها الأحباش و استعادها سيف منهم، كما تحكي عن ولده معد يكرب. وتجعل السيرة من سيف موحداً مسلماً على دين إبراهيم الخليل، و من الأحباش وثنيين يعبدون الكواكب و النجوم، رغم أن دين الأحباش كان النصرانية.
وفي السيرة إشارات قومية واضحة كما أن الخيال يجمح بها فيجعل من سيف بن ذي يزن ملكاً متوجاً على الإنس والجن. وتشير السيرة إلى اختفاء سيف في آخر أيامه لاحقاً بأمه في عالمها. امتدت تأثيرات هذه السيرة على امتداد العالم الإسلامي، فدخلت الأدب الماليزي على أنها سيرة الملك يوسف ذي الليزان، وأثرت في الأدب القصصي في تلك البلاد مع السير العربية الأخرى. تقع السيرة في تسعة عشر مجلداً، وهي واحدة من أطول السير العربية. أنتجت اليمن مسلسلاً عن سيرة حياة سيف بن ذي يزن بالتعاون مع خبرات فنية من سوريا.
"سيف بن ذي يزن"
ملك يمني حميري عاش في الفترة بين 516 – 574، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن، وتولى الملك فيها. نسبه الكلبي فقال: سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد، من أذواء حمير.
دخل سيف بن ذي يزن القصص الشعبية، فسيرته مشهورة، وهي من أضخم السير العربية، و فيها اختلط الخيال بالوقائع التاريخية، و جمح، فأصبح سيف بن ذي يزن ابناً لأم من الجن، و صاحب سيادة فيهم. وغير ذلك من أفانين الخيال.
حكم الأحباش اليمن فترة طويلة من الزمان، فطغوا وتجبروا، وأرهقوا أهل اليمن، فخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر الروم ليرجوه أن يكف يد الأحباش عن اليمن، ويولي عليها من يشاء من الروم، فأجابه أن الأحباش على دين النصارى كالروم. فعاد سيف ووفد على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة، فشكى إليه، واستمهله النعمان حتى وفادته على كسرى، فلما وفد قدمه إليه، وأخبره بمسألته، فقال كسرى عن أرض اليمن إنما هي أرض شاه وبعير، ولا حاجة لنا بها، وأعطى سيفاً بعض الدنانير فنثرها سيف، وقال: إنما جبال بلادي ذهب وفضة. فشاور كسرى رجاله في الأمر، فأشاروا عليه بإرسال السجناء الذي سجنوا لاتهامهم بالقتل للقتال مع سيف بن ذي يزن، فإن هلكوا، كان ذلك ما يريده كسرى، وإن ظفروا باليمن من الأحباش انضمت ولاية جديدة إلى أعمال فارس. فعمل كسرى بالمشورة، وأرسل مع سيف جيشاً من المحكومين بالقتل.
فنزل سيف باليمن، وجمع من قومه من استطاع جمعهم، فخرج إليه مسروق بن أبرهه في مائة ألف من الأحباش، ومن أوباش اليمن، فهزمهم سيف وأذهب ريحهم، وتملك على اليمن بأمر من كسرى على فريضة يؤديها له كل عام، وأبقى كسرى نائباً فارسياً للدولة في جماعة من الفرس في اليمن.
وجاءت وفود العرب إلى سيف بن ذي يزن لتهنئه بالملك، وفيهم وفد من قريش فيه عبد المطلب، فأكرم وفادتهم، و أجزل لهم العطايا.
وقيل إن سيفاً دخل الحبشة، فأمعن في أهلها تقتيلاً، و استرق جماعة من الرجال الأحباش فأخصاهم و جعلهم يمشون بين يديه و يتقدمون مواكبه.
وقيل قتله هؤلاء الرجال غدراً في غفلة منه عن مراقبتهم، فلما عرف بذلك نائب كسرى على اليمن ركب إليهم، وقتلهم، ثم جاءه كتاب كسرى أن يقتل كل الأحباش، وكل من انتسب إليهم في اليمن، ففعل، وتولى على اليمن، و بعدها صار الحكم للفرس، فزالت دولة العرب، و لم تقم لملوك حمير قائمة بعدها. وقيل تآمر الفرس على قتله لتصير اليمن ولاية فارسية بالكامل.
لمّا اشتد البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن وكنيته أبو مرة حتى قدم إلى قيصر الروم. وقد فضّل الذهاب إليه بدلا عن كسرى لإبطاء هذا الأخير عن نصر أبيه. فإن أباه كان قد قصد كسرى "أنوشروان" لما أُخِذت زوجته يستنصره على الحبشة فوعده فأقام ذو يزن عنده دون جدوى إلى أن مات على بابه.
وتربى سيف مع أمه في حجر أبرهة الحبشي وهو يحسب أنه ابنه فسبه ذات مرة ولد لأبرهة وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة بينهما فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين فعاد إلى كسرى فاعترضه يومًا وقد ركب فقال له: إن لي عندك ميراثًا فدعا به كسرى لما نزل فقال له: من أنت وما ميراثك قال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك فتلك العدة حق لي وميراث.
فرق كسرى له وقال له: بعدت بلادك عنا وقل خيرها والمسلك إليها وعرٌ ولست أغرر بجيشي.
وأمر له بمال فخرج وجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك فقال: لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان وإن جبال بلادنا ذهب وفضة.
فأعجب كسرى بقوله وقال: يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني واستشار وزراءه في توجيه
الجند معه فقال له "موبذان موبذ: أيها الملك إن لهذا الغلام حقًا بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة وفي سجونك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرًا كان للملك وإن هلكوا فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم.
فقال كسرى: هذا الرأي.
فأمر بمن في السجون فأحضروا فكانوا ثمانمائة فقود عليهم قائدًا من أساورته يقال له "وهرز" وقيل: بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث فحبسه وكان يعدله بألف أسوار وأمر بحملهم في ثماني سفن فركبوا البحر فغرق سفينتان وخرجوا بساحل حضرموت ولحق بابن ذي يزن بشرٌ كثير وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب وجعل "وهرز" البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم وقال لأصحابه: إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه.
قالوا: بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر.
وقال لسيف بن ذي يزن: ما عندك قال: ما شئت من رجل عربي وسيف عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعًا.
قال: أنصفت.
فجمع إليه سيف من استطاع من قومه فكان أول من لحقه السكاسك من كندة.
وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده فعبأ "وهرز" أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم وقال: إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقًا.
وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئًا.
وكان وهرز كل بصره فقال: أروني عظيمهم.
فقالوا: هذا صاحب الفيل ثم ركب فرسًا فقالوا: ركب فرسًا ثم انتقل إلى بلغة فقالوا: ركب بغلة.
فقال وهرز: ذل وذل ملكه! وقال وهرز: ارفعوا لي حاجبي وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما له بعصابة ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال: أشيروا إلى مسروق فأشاروا إليه فقال لهم: سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوؤذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم.
ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه ورمى أصحابه فقتل مسروق وجماعة من اصحابه فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى.
وقال وهرز: كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحدًا.
وهرب رجل من الأعراب يومًا وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال: لأمك الويل! أبعدٌ أم طول مسير! وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف.
وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة وقيل: كان ملكهم نحوًا من مائتي سنة وقيل غير ذلك والأول أصح.
فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال وكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن وبعضهم يقول معدي كرب بن سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض عليه كسرى جزية وخراجًا معلومًا في كل عام فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى وأقام سيف على اليمن ملكًا يقتل الحبشة ويبقر بطون الحبال عن الحمل ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولًا فاتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بالحراب فمكث غير كثير ثم إنه خرج يومًا والحبشة يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه فكان ملكه خمس عشرة سنة ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد فلما بلغ ذاك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرًا أو كبيرًا ولا يدع رجلًا جعدًا قططًا قد شرك فيه السودان إلا قتله وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره وكتب إلى كسرى يخبره فأقره على ملك اليمن فكان يجيبها لكسرى حتى هلك وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان ثم أمر بعده خر خسرة بن التينجان بن المرزبان.
ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفًا كان لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل بها حتى بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن أنوشروان استعمل بعد وهرز زرين وكان مسرفًا إذا أراد أن يركب قتل قتيلًا ثم سار بين أصواله فمات أنوشروان وهو على اليمن فعزله ابنه هرمز.
خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن
سيف وشكواه لقيصر
فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكا إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم عنه
فقال كسرى: هذا الرأي.
فأمر بمن في السجون فأحضروا فكانوا ثمانمائة فقود عليهم قائدًا من أساورته يقال له "وهرز" وقيل: بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث فحبسه وكان يعدله بألف أسوار وأمر بحملهم في ثماني سفن فركبوا البحر فغرق سفينتان وخرجوا بساحل حضرموت ولحق بابن ذي يزن بشرٌ كثير وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب وجعل "وهرز" البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم وقال لأصحابه: إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه.
قالوا: بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر.
وقال لسيف بن ذي يزن: ما عندك قال: ما شئت من رجل عربي وسيف عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعًا.
قال: أنصفت.
فجمع إليه سيف من استطاع من قومه فكان أول من لحقه السكاسك من كندة.
وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده فعبأ "وهرز" أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم وقال: إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقًا.
وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئًا.
وكان وهرز كل بصره فقال: أروني عظيمهم.
فقالوا: هذا صاحب الفيل ثم ركب فرسًا فقالوا: ركب فرسًا ثم انتقل إلى بلغة فقالوا: ركب بغلة.
فقال وهرز: ذل وذل ملكه! وقال وهرز: ارفعوا لي حاجبي وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما له بعصابة ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال: أشيروا إلى مسروق فأشاروا إليه فقال لهم: سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوؤذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم.
ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه ورمى أصحابه فقتل مسروق وجماعة من اصحابه فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى.
وقال وهرز: كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحدًا.
وهرب رجل من الأعراب يومًا وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال: لأمك الويل! أبعدٌ أم طول مسير! وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف.
وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة وقيل: كان ملكهم نحوًا من مائتي سنة وقيل غير ذلك والأول أصح.
فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال وكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن وبعضهم يقول معدي كرب بن سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض عليه كسرى جزية وخراجًا معلومًا في كل عام فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى وأقام سيف على اليمن ملكًا يقتل الحبشة ويبقر بطون الحبال عن الحمل ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولًا فاتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بالحراب فمكث غير كثير ثم إنه خرج يومًا والحبشة يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه فكان ملكه خمس عشرة سنة ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد فلما بلغ ذاك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرًا أو كبيرًا ولا يدع رجلًا جعدًا قططًا قد شرك فيه السودان إلا قتله وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره وكتب إلى كسرى يخبره فأقره على ملك اليمن فكان يجيبها لكسرى حتى هلك وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان ثم أمر بعده خر خسرة بن التينجان بن المرزبان.
ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفًا كان لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل بها حتى بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن أنوشروان استعمل بعد وهرز زرين وكان مسرفًا إذا أراد أن يركب قتل قتيلًا ثم سار بين أصواله فمات أنوشروان وهو على اليمن فعزله ابنه هرمز.
خروج سيف بن ذي يزن وملك وهرز على اليمن
سيف وشكواه لقيصر
فلما طال البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكا إليه ما هم فيه وسأله أن يخرجهم عنه
ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم ، فيكون له ملك اليمن ، فلم يشكه .
شفاعة النعمان لدى كسرى
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة ، وما يليها من أرض العراق - فشكا إليه أمر الحبشة ، فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى ، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشفت عنه الثياب فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك.
كسرى يعاون ابن ذي يزن
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه؟ فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمي، لأنه يضيق عنه كل شيء.
قال ابن إسحاق: ثم قال له أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال له كسرى : أي الأغربة : الحبشة أم السند ؟ فقال بل الحبشة ، فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك ، قال بعدت بلادك مع قلة خيرها ، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر ذلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ، ثم بعث إليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس فقال وما أصنع بهذا ؟ ما جبال أرضي التي جثت منها إلا ذهب وفضة - يرغبه فيها
فجمع كسرى مرازبته فقال لهم ماذا ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟ فقال قائل أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا ازددته ، فبعث معه كسرى من كان في سجونه وكانوا ثمانمائة رجل .
سيف بن ذي يزن وكسرى وذكر سيف بن ذي يزن وخبره مع النعمان وكسرى ، وقد ذكرنا قصته في أول حديث الحبشة ، وأنه مات عند كسرى ، وقام ابنه مقامه في الطلب وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجح وهو
حمير بن سبأ ، وكسرى هذا هو أنوشروان بن قباذ ومعناه مجدد الملك لأنه جمع ملك فارس بعد شتات . والنعمان اسم منقول من النعمان الذي هو الدم . قاله صاحب العين والقنقل الذي شبه به التاج هو مكيال عظيم . قال الراجز يصف الكمأة
ما لك لا تجرفها بالقنقل لا خير في الكمأة إن لم تفعل
وفي الغربيين للهروي القنقل مكيال يسع ثلاثة وثلاثين منا ، ولم يذكر كم المنا ، وأحسبه وزن رطلين وهذا التاج قد أتى به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين استلب من يزدجرد بن شهريار تصير إليه من قبل جده أنوشروان المذكور فلما أتى به عمر رضي الله عنه دعا سراقة بن مالك المدلجي ، فحلاه بأسورة كسرى ، وجعل التاج على رأسه وقال له " قل الحمد لله الذي نزع تاج كسرى ، ملك الأملاك من رأسه ووضعه في رأس أعرابي من بني مدلج وذلك بعز الإسلام وبركته لا بقوتنا " وإنما خص عمر سراقة بهذا ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قال له " يا سراق كيف بك إذا وضع تاج كسرى على رأسك وإسواره في يديك " أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
انتصار سيف وقول الشعراء فيه
واستعمل عليهم رجلا يقال له وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا ، فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا ، أو نظفر جميعا . قال له وهرز أنصفت ، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن ، وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء ؟ قال نعم قالوا : ذاك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ، ثم قال علام هو ؟ قالوا : قد تحول على الفرس ، قال اتركوه . فوقفوا طويلا ، ثم قال علام هو ؟ قالوا : قد تحول على البغلة . قال وهرز بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا ، فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم . ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها ، وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه
ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس، وانهزموا، فقتلوا وهربوا في كل وجه وأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها، قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا،
شفاعة النعمان لدى كسرى
فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة ، وما يليها من أرض العراق - فشكا إليه أمر الحبشة ، فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى ، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت واللؤلؤ والزبرجد بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشفت عنه الثياب فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك.
كسرى يعاون ابن ذي يزن
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن سيفا لما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه؟ فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمي، لأنه يضيق عنه كل شيء.
قال ابن إسحاق: ثم قال له أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال له كسرى : أي الأغربة : الحبشة أم السند ؟ فقال بل الحبشة ، فجئتك لتنصرني ، ويكون ملك بلادي لك ، قال بعدت بلادك مع قلة خيرها ، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر ذلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ، ثم بعث إليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس فقال وما أصنع بهذا ؟ ما جبال أرضي التي جثت منها إلا ذهب وفضة - يرغبه فيها
فجمع كسرى مرازبته فقال لهم ماذا ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له ؟ فقال قائل أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا ازددته ، فبعث معه كسرى من كان في سجونه وكانوا ثمانمائة رجل .
سيف بن ذي يزن وكسرى وذكر سيف بن ذي يزن وخبره مع النعمان وكسرى ، وقد ذكرنا قصته في أول حديث الحبشة ، وأنه مات عند كسرى ، وقام ابنه مقامه في الطلب وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجح وهو
حمير بن سبأ ، وكسرى هذا هو أنوشروان بن قباذ ومعناه مجدد الملك لأنه جمع ملك فارس بعد شتات . والنعمان اسم منقول من النعمان الذي هو الدم . قاله صاحب العين والقنقل الذي شبه به التاج هو مكيال عظيم . قال الراجز يصف الكمأة
ما لك لا تجرفها بالقنقل لا خير في الكمأة إن لم تفعل
وفي الغربيين للهروي القنقل مكيال يسع ثلاثة وثلاثين منا ، ولم يذكر كم المنا ، وأحسبه وزن رطلين وهذا التاج قد أتى به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين استلب من يزدجرد بن شهريار تصير إليه من قبل جده أنوشروان المذكور فلما أتى به عمر رضي الله عنه دعا سراقة بن مالك المدلجي ، فحلاه بأسورة كسرى ، وجعل التاج على رأسه وقال له " قل الحمد لله الذي نزع تاج كسرى ، ملك الأملاك من رأسه ووضعه في رأس أعرابي من بني مدلج وذلك بعز الإسلام وبركته لا بقوتنا " وإنما خص عمر سراقة بهذا ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قال له " يا سراق كيف بك إذا وضع تاج كسرى على رأسك وإسواره في يديك " أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
انتصار سيف وقول الشعراء فيه
واستعمل عليهم رجلا يقال له وهرز وكان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا ، فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا ، أو نظفر جميعا . قال له وهرز أنصفت ، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن ، وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء ؟ قال نعم قالوا : ذاك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ، ثم قال علام هو ؟ قالوا : قد تحول على الفرس ، قال اتركوه . فوقفوا طويلا ، ثم قال علام هو ؟ قالوا : قد تحول على البغلة . قال وهرز بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا ، فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم . ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها ، وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه
ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس، وانهزموا، فقتلوا وهربوا في كل وجه وأقبل وهرز ليدخل صنعاء، حتى إذا أتى بابها، قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا،
ن فإن قلت: فيجمع على فعول مثل أسود فتقول شدوف ثم تجمع الجمع فتقول شدف قلنا : الجمع الكثير لا يجمع وإنما يجمع منه أبنية القليل . نحو أفعال وأفعل وأفعلة وأشبه ما يقال في هذا البيت إنه جمع على غير قياس هذا إن كان الشدف القسي، ويجوز أن يكون جمع شدفا على شدف مثل أسد وأسد، ثم حرك الدال وجائز أن يكون أراد المرح من الخيل كما تقدم . وجعلها كالغبط لإشراف ظهورها وعلوها.
وقوله يرمون عن شدف أي يدفعون عنها بالرمي ويكون الزمخر القسي ، أو النبل . والغبط الهوادج والزمخر القصب الفارسي.
وقوله في رأس غمدان. ذكر ابن هشام أن غمدان أسسه يعرب بن قحطان وأكمله بعده واحتله وائل بن حمير بن سبأ ، وكان ملكا متوجا كأبيه وجده .
وقوله شالت نعامتهم أي هلكوا، والنعامة باطن القدم وشالت ارتفعت ومن هلك ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامة قدمه تقول العرب: تنعمت إذا مشيت حافيا ، قال الشاعر
تنعمت لما جاءني سوء فعلهم ألا إنما البأساء للمتنعم
والنعامة أيضا: الظلمة والنعامة الدعامة التي تكون عليها البكرة والنعامة الجماعة من الناس وابن النعامة عرق في باطن القدم.
النابغة وعدي بن زيد
وذكر النابغة الجعدي واسمه قيس بن عبد الله وقيل إن اسمه حبان بن قيس بن عبد الله بن وحوح والوحوح في اللغة وسط الوادي ، قاله أبو عبيد وأبو حنيفة وهو أحد النوابغ وهم ثمانية ذكرهم البكري ، وذكر الأعاشي وهم خمسة عشر.
والنابغة شاعر معمر عاش مائتين وأربعين سنة أكثرها في الجاهلية وقدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنشاده إياه ودعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يفض الله فاه مشهور وفي كتب الأدب والخبر مسطور فلا معنى للإطالة به . وذكر شعر عدي بن زيد العبادي، نسب إلى العباد وهم من عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ، قيل إنهم انتسلوا من أربعة عبد المسيح وعبد كلال وعبد الله وعبد ياليل ، وكذلك سائرهم في اسم كل واحد منهم عبد وكانوا قدموا على ملك فتسموا له فقال أنتم العباد فسموا بذلك وقد قيل غير هذا .
وفي الحديث المسند أبعد الناس عن الإسلام الروم والعباد وأحسبهم هؤلاء لأنهم تنصروا ، وهم من ربيعة ، ثم من بني عبد القيس والله أعلم .
والذي ذكره الطبري في نسب عدي بن زيد أنه ابن زيد بن حماد بن أيوب بن مجروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وقد دخل بنو امرئ القيس بن زيد مناة في العباد. فلذلك ينسب عدي إليهم.
وقوله صوت النهام يريد ذكر اليوم وقاصبها: الذي يزمر في القصب. وقوله فيها: دون عرى الكائد يريد عرى السماء وأسبابها، ووقع في نسخة الشيخ عرى بفتح العين وهي الناحية وأضافها إلى الكائد وهو الذي كادهم والباري - سبحانه وتعالى - كيده متين . وقوله فوزت بالبغال أي ركبت المفاوز.
وقوله توسق بالحتف أي أوسق البغال الحتوف ، وتوالبها : جمع تولب وهو ولد الحمار والتاء في تولب بدل من واو كما في توأم وتولج وفي توراة على أحد القولين لأن اشتقاق التولب من الوالبة وهي ما يولده الزرع وجمعها : أوالب .
قوله من طرف المنقل أي من أعالي حصونها، والمنقال الخرج ينقل إلى الملوك من قرية إلى قرية فكأن المنقل من هذا ، والله أعلم .
وقوله مخضرة كتائبها. يعني من الحديد ومنه الكتيبة الخضراء.
وقوله ينادون آل بربر ; لأن البربر والحبشة من ولد حام . وقد قيل إنهم من ولد جالوت من العماليق.
وقد قيل في جالوت إنه من الخزر، وإن أفريقس لما خرج من أرض كنعان سمع لهم بربرة وهي اختلاط الأصوات فقال ما أكثر بربرتهم فسموا بذلك وقيل غير هذا.
وقوله والغرب أراد الغرب بضم الراء جمع: غراب وإن كان المعروف أغربة وغربان ولكن القياس لا يدفعه وعنى بهم السودان.
وقوله وبدل الفيج بالزرافة وهو المنفرد في مشيته والزرافة الجماعة وقيل في الزرافة التي هي حيوان طويل العنق إنه اختلط فيها النسل بين الإبل الوحشية والبقر الوحشية والنعام وإنها متولدة من هذه الأجناس الثلاثة . وكذلك ذكر الزبيدي وغيره وأنكر الجاحظ هذا في كتاب الحيوان له وقال إنما دخل هذا الغلط عليهم من تسمية الفرس لها " اشتر - كاو - ماه “.
والفرس إنما سمته بذلك لأن في خلقتها شبها من جمل ونعامة وبقرة فاشتر هو الجمل وكاو النعامة وماه البقرة والفرس تركب الأسماء وتمزج الألفاظ إذا كان في المسمى شبه من شيئين أو أشياء ويقال زرافة بتشديد الفاء حكاه أبو عبيد عن القناني.
وقوله بعد بني تبع بجاورة . هكذا في نسخة سفيان بن أبي العاص الأسدي مصححا عليه وقد كتب في الحاشية نخاورة في الأمين وفي الحاشية النخاورة الكرام وكذلك في المسموعة على ابن هشام يعني نسختي أبي الوليد الوقشي اللتين قابل بهما مرتين ويعني بالحاشية حاشية " تينك الأمين " وأن فيهما: نخاورة بالنون والخاء المنقوطة وهم الكرام كما ذكر .
ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن
مدة ملك الحبشة باليمن
قال ابن إسحاق : فأقام وهرز والفرس باليمن ، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس: الأبناء ا
وقوله يرمون عن شدف أي يدفعون عنها بالرمي ويكون الزمخر القسي ، أو النبل . والغبط الهوادج والزمخر القصب الفارسي.
وقوله في رأس غمدان. ذكر ابن هشام أن غمدان أسسه يعرب بن قحطان وأكمله بعده واحتله وائل بن حمير بن سبأ ، وكان ملكا متوجا كأبيه وجده .
وقوله شالت نعامتهم أي هلكوا، والنعامة باطن القدم وشالت ارتفعت ومن هلك ارتفعت رجلاه وانتكس رأسه فظهرت نعامة قدمه تقول العرب: تنعمت إذا مشيت حافيا ، قال الشاعر
تنعمت لما جاءني سوء فعلهم ألا إنما البأساء للمتنعم
والنعامة أيضا: الظلمة والنعامة الدعامة التي تكون عليها البكرة والنعامة الجماعة من الناس وابن النعامة عرق في باطن القدم.
النابغة وعدي بن زيد
وذكر النابغة الجعدي واسمه قيس بن عبد الله وقيل إن اسمه حبان بن قيس بن عبد الله بن وحوح والوحوح في اللغة وسط الوادي ، قاله أبو عبيد وأبو حنيفة وهو أحد النوابغ وهم ثمانية ذكرهم البكري ، وذكر الأعاشي وهم خمسة عشر.
والنابغة شاعر معمر عاش مائتين وأربعين سنة أكثرها في الجاهلية وقدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنشاده إياه ودعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يفض الله فاه مشهور وفي كتب الأدب والخبر مسطور فلا معنى للإطالة به . وذكر شعر عدي بن زيد العبادي، نسب إلى العباد وهم من عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ، قيل إنهم انتسلوا من أربعة عبد المسيح وعبد كلال وعبد الله وعبد ياليل ، وكذلك سائرهم في اسم كل واحد منهم عبد وكانوا قدموا على ملك فتسموا له فقال أنتم العباد فسموا بذلك وقد قيل غير هذا .
وفي الحديث المسند أبعد الناس عن الإسلام الروم والعباد وأحسبهم هؤلاء لأنهم تنصروا ، وهم من ربيعة ، ثم من بني عبد القيس والله أعلم .
والذي ذكره الطبري في نسب عدي بن زيد أنه ابن زيد بن حماد بن أيوب بن مجروف بن عامر بن عصية بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وقد دخل بنو امرئ القيس بن زيد مناة في العباد. فلذلك ينسب عدي إليهم.
وقوله صوت النهام يريد ذكر اليوم وقاصبها: الذي يزمر في القصب. وقوله فيها: دون عرى الكائد يريد عرى السماء وأسبابها، ووقع في نسخة الشيخ عرى بفتح العين وهي الناحية وأضافها إلى الكائد وهو الذي كادهم والباري - سبحانه وتعالى - كيده متين . وقوله فوزت بالبغال أي ركبت المفاوز.
وقوله توسق بالحتف أي أوسق البغال الحتوف ، وتوالبها : جمع تولب وهو ولد الحمار والتاء في تولب بدل من واو كما في توأم وتولج وفي توراة على أحد القولين لأن اشتقاق التولب من الوالبة وهي ما يولده الزرع وجمعها : أوالب .
قوله من طرف المنقل أي من أعالي حصونها، والمنقال الخرج ينقل إلى الملوك من قرية إلى قرية فكأن المنقل من هذا ، والله أعلم .
وقوله مخضرة كتائبها. يعني من الحديد ومنه الكتيبة الخضراء.
وقوله ينادون آل بربر ; لأن البربر والحبشة من ولد حام . وقد قيل إنهم من ولد جالوت من العماليق.
وقد قيل في جالوت إنه من الخزر، وإن أفريقس لما خرج من أرض كنعان سمع لهم بربرة وهي اختلاط الأصوات فقال ما أكثر بربرتهم فسموا بذلك وقيل غير هذا.
وقوله والغرب أراد الغرب بضم الراء جمع: غراب وإن كان المعروف أغربة وغربان ولكن القياس لا يدفعه وعنى بهم السودان.
وقوله وبدل الفيج بالزرافة وهو المنفرد في مشيته والزرافة الجماعة وقيل في الزرافة التي هي حيوان طويل العنق إنه اختلط فيها النسل بين الإبل الوحشية والبقر الوحشية والنعام وإنها متولدة من هذه الأجناس الثلاثة . وكذلك ذكر الزبيدي وغيره وأنكر الجاحظ هذا في كتاب الحيوان له وقال إنما دخل هذا الغلط عليهم من تسمية الفرس لها " اشتر - كاو - ماه “.
والفرس إنما سمته بذلك لأن في خلقتها شبها من جمل ونعامة وبقرة فاشتر هو الجمل وكاو النعامة وماه البقرة والفرس تركب الأسماء وتمزج الألفاظ إذا كان في المسمى شبه من شيئين أو أشياء ويقال زرافة بتشديد الفاء حكاه أبو عبيد عن القناني.
وقوله بعد بني تبع بجاورة . هكذا في نسخة سفيان بن أبي العاص الأسدي مصححا عليه وقد كتب في الحاشية نخاورة في الأمين وفي الحاشية النخاورة الكرام وكذلك في المسموعة على ابن هشام يعني نسختي أبي الوليد الوقشي اللتين قابل بهما مرتين ويعني بالحاشية حاشية " تينك الأمين " وأن فيهما: نخاورة بالنون والخاء المنقوطة وهم الكرام كما ذكر .
ذكر ما انتهى إليه أمر الفرس باليمن
مدة ملك الحبشة باليمن
قال ابن إسحاق : فأقام وهرز والفرس باليمن ، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس: الأبناء ا
اهدموا الباب فهدم ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري:
يظن الناس بالملكين أنهما قد التأما
ومن يسمع بلأمهما فإن الخطب قد فقما
قتلنا القيل مسروقا وروينا الكثيب دما
وإن القيل قيل النا س وهرز مقسم قسما
يذوق مشعشعا حتى يفيء السبي والنعما
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له.
وذكر قدوم سيف مع وهرز على صنعاء في ستمائة وقد قدمنا قول ابن قتيبة أنهم كانوا سبعة آلاف وخمسمائة وانضافت إليهم قبائل من العرب.
صنعاء
وذكر دخول وهرز صنعاء وهدمه بابها، وإنما كانت تسمى قبل ذلك أوال.
قال ابن الكلبي وسميت صنعاء لقول وهرز حين دخلها: صنعة صنعة يريد أن الحبشة أحكمت صنعها، قال ابن مقبل يذكر أوال:
وكأنها سفن بسيف أوال عمد الحداة بها لعارض قرية
وقال جرير
وشبهت الحدوج غداة قو سفين الهند روح من أوالا
وقال الأخطل
خوص كأن شكيمهن معلق بقنا ردينة أو جذوع أوال
وقد قيل إن صنعاء اسم الذي بناها، وهو صنعاء بن أوال بن عبير بن عابر بن شالخ فكانت تعرف تارة بأوال وتارة بصنعاء.
قال ابن إسحاق وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، قال ابن هشام: وتروى لأمية بن أبي الصلت
ريم في البحر للأعداء أحوالا ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن
فلم يجد عنده بعض الذي سالا يمم قيصر لما حان رحلته
من السنين يهين النفس والمالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة
إنك عمري لقد أسرعت قلقالا متى أتى ببني الأحرار يحملهم
لله درهم من عصبة خرجوا ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غلبا أساورة أسدا تربب في الغيضات أشبالا
بزمخر يعجل المرمي إعجالا يرمون عن شدف كأنها غبط
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا
وأسبل اليوم في برديك إسبالا واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا تلك المكارم لا قعبان من لبن
قال ابن هشام: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتا قوله:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
فإنه للنابغة الجعدي. واسمه [حبان بن] عبد الله بن قيس، أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، في قصيدة له .
قال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحيرى ، وكان أحد بني تميم . قال ابن هشام : ثم أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ، ويقال عدي من العباد من أهل الحيرة :
ما بعد صنعاء كان يعمرها
ولاة ملك جزل مواهبها
رفعها من بنى لدى قزع ال
مزن وتندى مسكا محاربها
محفوفة بالجبال دون عرى ال
كائد ما ترتقى غواربها
يأنس فيها صوت النهام إذا
جاوبها بالعشي قاصبها
ساقت إليه الأسباب جند بني الأح
رار فرسانها مواكبها
وفوزت بالبغال توسق بال
حتف وتسعى بها توالبها
حتى رآها الأقوال من طرف ال
منقل مخضرة كتائبها
يوم ينادون آل بربر وال
يكسوم لا يفلحن هاربها
وكان يوم باقي الحديث وزا
لت إمة ثابت مراتبها
وبدل الفيج بالزرافة والأيا
م جون جم عجائبها
بعد بني تبع نخاورة
قد اطمأنت بها مرازبها
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له . وأنشدني أبو زيد الأنصاري ورواه لي عن المفضل الضبي قوله يوم
ينادن آل بربر واليكسوم
وهذا الذي عنى سطيح بقوله " يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن “. والذي عنى شق بقوله " غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن "
شرح لامية ابن أبي الصلت
وقوله في شعر أمية بن أبي الصلت: ريم في البحر. أي أقام فيه ومنه الروايم وهي الأثافي، كذلك وجدته في حاشية الشيخ التي عارضها بكتابي " أبي الوليد الوقشي “، وهو عندي غلط لأن الروايم من رأمت إذا عطفت وريم ليس من رأم وإنما هو من الريم وهو الدرج أو من الريم الذي هو الزيادة والفضل أو من رام يريم إذا برح كأنه يريد غاب زمانا، وأحوالا ، ثم رجع للأعداء وارتقى في درجات المجد أحوالا إن كان من الريم الذي هو الدرج ووجدته في غير هذا الكتاب خيم مكان ريم فهذا معناه أقام . وقوله عمري. أراد لعمري وقد قال الطائي:
عمري لقد نصح الزمان وإنه لمن العجائب ناصح لا يشفق
وقوله أسرعت قلقالا بفتح القاف وكسرها، وكقول الآخر " وقلقل يبغي العز كل مقلقل " وهي شدة الحركة.
وقوله " يرمون عن شدف كأنها غبط " الشدف الشخص ويجمع على شدف ولم يرد ههنا إلا القسي وليس شدف جمعا لشدف وإنما هو جمع شدوف وهو النشيط المرح يقال شدف فهو شدف ثم تقول شدوف كما تقول مروح وقد يستعار المرح والنشاط للقسي لحسن تأتيها وجودة رميها وإصابتها، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا وثن ووث
يظن الناس بالملكين أنهما قد التأما
ومن يسمع بلأمهما فإن الخطب قد فقما
قتلنا القيل مسروقا وروينا الكثيب دما
وإن القيل قيل النا س وهرز مقسم قسما
يذوق مشعشعا حتى يفيء السبي والنعما
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له.
وذكر قدوم سيف مع وهرز على صنعاء في ستمائة وقد قدمنا قول ابن قتيبة أنهم كانوا سبعة آلاف وخمسمائة وانضافت إليهم قبائل من العرب.
صنعاء
وذكر دخول وهرز صنعاء وهدمه بابها، وإنما كانت تسمى قبل ذلك أوال.
قال ابن الكلبي وسميت صنعاء لقول وهرز حين دخلها: صنعة صنعة يريد أن الحبشة أحكمت صنعها، قال ابن مقبل يذكر أوال:
وكأنها سفن بسيف أوال عمد الحداة بها لعارض قرية
وقال جرير
وشبهت الحدوج غداة قو سفين الهند روح من أوالا
وقال الأخطل
خوص كأن شكيمهن معلق بقنا ردينة أو جذوع أوال
وقد قيل إن صنعاء اسم الذي بناها، وهو صنعاء بن أوال بن عبير بن عابر بن شالخ فكانت تعرف تارة بأوال وتارة بصنعاء.
قال ابن إسحاق وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، قال ابن هشام: وتروى لأمية بن أبي الصلت
ريم في البحر للأعداء أحوالا ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن
فلم يجد عنده بعض الذي سالا يمم قيصر لما حان رحلته
من السنين يهين النفس والمالا ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة
إنك عمري لقد أسرعت قلقالا متى أتى ببني الأحرار يحملهم
لله درهم من عصبة خرجوا ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غلبا أساورة أسدا تربب في الغيضات أشبالا
بزمخر يعجل المرمي إعجالا يرمون عن شدف كأنها غبط
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا في رأس غمدان دارا منك محلالا
وأسبل اليوم في برديك إسبالا واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا تلك المكارم لا قعبان من لبن
قال ابن هشام: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها، إلا آخرها بيتا قوله:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
فإنه للنابغة الجعدي. واسمه [حبان بن] عبد الله بن قيس، أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، في قصيدة له .
قال ابن إسحاق: وقال عدي بن زيد الحيرى ، وكان أحد بني تميم . قال ابن هشام : ثم أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ، ويقال عدي من العباد من أهل الحيرة :
ما بعد صنعاء كان يعمرها
ولاة ملك جزل مواهبها
رفعها من بنى لدى قزع ال
مزن وتندى مسكا محاربها
محفوفة بالجبال دون عرى ال
كائد ما ترتقى غواربها
يأنس فيها صوت النهام إذا
جاوبها بالعشي قاصبها
ساقت إليه الأسباب جند بني الأح
رار فرسانها مواكبها
وفوزت بالبغال توسق بال
حتف وتسعى بها توالبها
حتى رآها الأقوال من طرف ال
منقل مخضرة كتائبها
يوم ينادون آل بربر وال
يكسوم لا يفلحن هاربها
وكان يوم باقي الحديث وزا
لت إمة ثابت مراتبها
وبدل الفيج بالزرافة والأيا
م جون جم عجائبها
بعد بني تبع نخاورة
قد اطمأنت بها مرازبها
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له . وأنشدني أبو زيد الأنصاري ورواه لي عن المفضل الضبي قوله يوم
ينادن آل بربر واليكسوم
وهذا الذي عنى سطيح بقوله " يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن “. والذي عنى شق بقوله " غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن "
شرح لامية ابن أبي الصلت
وقوله في شعر أمية بن أبي الصلت: ريم في البحر. أي أقام فيه ومنه الروايم وهي الأثافي، كذلك وجدته في حاشية الشيخ التي عارضها بكتابي " أبي الوليد الوقشي “، وهو عندي غلط لأن الروايم من رأمت إذا عطفت وريم ليس من رأم وإنما هو من الريم وهو الدرج أو من الريم الذي هو الزيادة والفضل أو من رام يريم إذا برح كأنه يريد غاب زمانا، وأحوالا ، ثم رجع للأعداء وارتقى في درجات المجد أحوالا إن كان من الريم الذي هو الدرج ووجدته في غير هذا الكتاب خيم مكان ريم فهذا معناه أقام . وقوله عمري. أراد لعمري وقد قال الطائي:
عمري لقد نصح الزمان وإنه لمن العجائب ناصح لا يشفق
وقوله أسرعت قلقالا بفتح القاف وكسرها، وكقول الآخر " وقلقل يبغي العز كل مقلقل " وهي شدة الحركة.
وقوله " يرمون عن شدف كأنها غبط " الشدف الشخص ويجمع على شدف ولم يرد ههنا إلا القسي وليس شدف جمعا لشدف وإنما هو جمع شدوف وهو النشيط المرح يقال شدف فهو شدف ثم تقول شدوف كما تقول مروح وقد يستعار المرح والنشاط للقسي لحسن تأتيها وجودة رميها وإصابتها، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا وثن ووث
فأراه شهريار الكتاب الذي كتب له أبوه فيه فتواطآ عند ذلك على القيام على أبيهما ، وأرسلا إلى ملك الروم يستعينان به في خبر طويل فكان هذا بدء الشر ثم إن الفرس خلعت كسرى لأحداث أحدثها ، وولت ابنه شيرويه فكان كسرى أبرويز ربما أشار برأي من محبسه فقالت المرازبة لشيرويه لا يستقيم لك الملك إلا أن تقتل أباك ، فأرسل إليه من يقتله فيقال إنه كان يضرب بالسيف فما يعمل فيه شيئا ، ففتش فوجد على عضده حجر معلق كالخرزة فنزع فعملت فيه السلاح وكان قبل يقول لابنه يا قصير العمر فلم يدم أمره بعده إلا أقل من ستة أشهر - فيما ذكروا - والله أعلم .
كتاب الحجر
قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن - فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول " لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار لمن ملك ذمار؟ لقريش التجار “. وذمار: اليمن أو صنعاء.
قال ابن هشام: ذمار : بالفتح فيما أخبرني يونس .
الأعشى ونبوءة شق وسطيح
قال ابن إسحاق : وقال الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا
وكانت العرب تقول لسطيح الذئبي ، لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب .
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .
ذمار وحمير وفارس والحبشة
وقوله وجد بحجر باليمن: لمن ملك ذمار ؟
وحكى ابن هشام عن يونس ذمار بفتح الذال فدل على أن رواية ابن إسحاق بالكسر فإذا كان بكسر الذال فهو غير مصروف لأنه اسم لمدينة والغالب عليه التأنيث ويجوز صرفه أيضا ; لأنه اسم بلد وإذا فتحت الذال فهو مبني مثل رقاش وحذام وبنو تميم يعربون مثل هذا البناء فيقولون رقاش [وحذام ] في الرفع ورقاش وحذام في النصب والخفض يعربونه ولا يصرفونه فإذا كان لام الفعل راء اتفقوا مع أهل الحجاز على البناء والكسر . وذمار: من ذمرت الرجل إذا حرضته على الحرب .
وقوله لحمير الأخيار لأنهم كانوا أهل دين كما تقدم في حديث فيمون وابن الثامر.
وقوله لفارس الأحرار فلأن الملك فيهم متوارث من أول الدنيا من عهد جيومرت في زعمهم إلى أن جاء الإسلام لم يدينوا لملك من غيرهم ولا أدوا الأتاوة لذي سلطان من سواهم فكانوا أحرارا لذلك.
وأما قوله للحبشة الأشرار فلما أحدثوا في اليمن من العيث والفساد وإخراب البلاد حتى هموا بهدم بيت الله الحرام ، وسيهدمونه في آخر الزمان إذا رفع القرآن وذهب من الصدور الإيمان وهذا الكلام المسجع ذكره المسعودي منظوما .
حين شيدت ذمار قيل لمن أن ت فقالت لحمير الأخيار
ثم سيلت من بعد ذاك ؟ فقالت أنا للحبش أخبث الأشرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن ت ؟ فقالت لفارس الأحرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن ت فقالت إلى قريش التجار
وهذا الكلام الذي ذكر أنه وجد مكتوبا بالحجر هو - فيما زعموا - من كلام هود - عليه السلام - وجد مكتوبا في منبره وعند قبره حين كشفت الريح العاصفة عن منبره الرمل حتى طهر وذلك قبل ملك بلقيس بيسير وكان خطه بالمسند ويقال إن الذي بنى ذمار هو شمر بن الأملوك والأملوك هو مالك بن ذي المنار ويقال ذمار وظفار، ومنه المثل من دخل ظفار حمر أي تكلم بالحميرية
كتاب الحجر
قال ابن إسحاق: وكان في حجر باليمن - فيما يزعمون - كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول " لمن ملك ذمار ؟ لحمير الأخيار لمن ملك ذمار؟ للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار؟ لفارس الأحرار لمن ملك ذمار؟ لقريش التجار “. وذمار: اليمن أو صنعاء.
قال ابن هشام: ذمار : بالفتح فيما أخبرني يونس .
الأعشى ونبوءة شق وسطيح
قال ابن إسحاق : وقال الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة في وقوع ما قال سطيح وصاحبه
ما نظرت ذات أشفار كنظرتها حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا
وكانت العرب تقول لسطيح الذئبي ، لأنه سطيح بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب .
قال ابن هشام : وهذا البيت في قصيدة له .
ذمار وحمير وفارس والحبشة
وقوله وجد بحجر باليمن: لمن ملك ذمار ؟
وحكى ابن هشام عن يونس ذمار بفتح الذال فدل على أن رواية ابن إسحاق بالكسر فإذا كان بكسر الذال فهو غير مصروف لأنه اسم لمدينة والغالب عليه التأنيث ويجوز صرفه أيضا ; لأنه اسم بلد وإذا فتحت الذال فهو مبني مثل رقاش وحذام وبنو تميم يعربون مثل هذا البناء فيقولون رقاش [وحذام ] في الرفع ورقاش وحذام في النصب والخفض يعربونه ولا يصرفونه فإذا كان لام الفعل راء اتفقوا مع أهل الحجاز على البناء والكسر . وذمار: من ذمرت الرجل إذا حرضته على الحرب .
وقوله لحمير الأخيار لأنهم كانوا أهل دين كما تقدم في حديث فيمون وابن الثامر.
وقوله لفارس الأحرار فلأن الملك فيهم متوارث من أول الدنيا من عهد جيومرت في زعمهم إلى أن جاء الإسلام لم يدينوا لملك من غيرهم ولا أدوا الأتاوة لذي سلطان من سواهم فكانوا أحرارا لذلك.
وأما قوله للحبشة الأشرار فلما أحدثوا في اليمن من العيث والفساد وإخراب البلاد حتى هموا بهدم بيت الله الحرام ، وسيهدمونه في آخر الزمان إذا رفع القرآن وذهب من الصدور الإيمان وهذا الكلام المسجع ذكره المسعودي منظوما .
حين شيدت ذمار قيل لمن أن ت فقالت لحمير الأخيار
ثم سيلت من بعد ذاك ؟ فقالت أنا للحبش أخبث الأشرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن ت ؟ فقالت لفارس الأحرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أن ت فقالت إلى قريش التجار
وهذا الكلام الذي ذكر أنه وجد مكتوبا بالحجر هو - فيما زعموا - من كلام هود - عليه السلام - وجد مكتوبا في منبره وعند قبره حين كشفت الريح العاصفة عن منبره الرمل حتى طهر وذلك قبل ملك بلقيس بيسير وكان خطه بالمسند ويقال إن الذي بنى ذمار هو شمر بن الأملوك والأملوك هو مالك بن ذي المنار ويقال ذمار وظفار، ومنه المثل من دخل ظفار حمر أي تكلم بالحميرية
لذين باليمن اليوم . وكان ملك الحبشة باليمن، فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة ، اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة .
أمراء الفرس على اليمن
قال ابن هشام : ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزبان على اليمن ، ثم مات التينجان فأمر كسرى ابن التينجان على اليمن ، ثم عزله وأمر باذان فلم يزل باذان عليها حتى بعث الله محمدا النبي - صلى الله عليه وسلم -
حديث يتنبأ بقتل كسرى
فبلغني عن الزهري أنه قال كتب كسرى إلى باذان : أنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة ، يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر وقال إن كان نبيا ، فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال ابن هشام : قتل على يدي ابنه شيرويه وقال خالد بن حق الشيباني :
وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم أنى ، ولكل حاملة تمام
باذان يسلم
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت الرسل من الفرس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال أنتم منا وإلينا أهل البيت .
قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال فمن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلمان منا أهل البيت .
عود إلى شق وسطيح قال ابن هشام: فهو الذي عنى سطيح بقوله " نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي " . والذي عنى شق بقوله " بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل “.
باذان وكسرى
وذكر قصة باذان ، وما كتب به إلى كسرى ، وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ، ومعنى أبرويز بالعربية المظفر وهو الذي غلب الروم حين أنزل الله: الم غلبت الروم في أدنى الأرض [ أول الروم ] وهو الذي عرض على الله في المنام فقال له سلم ما في يديك إلى صاحب الهراوة فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بن المنذر بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهامة ، فعلم أن الأمر سيصير إليه حتى كان من أمره ما كان وهو الذي كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحفيده يزدجرد بن شهريار بن أبرويز وهو آخر ملوك الفرس ، وكان سلب ملكه وهدم سلطانه على يدي عمر بن الخطاب ، ثم قتل هو في أول خلافة عثمان ، وجد مستخفيا في رحى فقتل وطرح في قناة الرحى ، وذلك بمرو من أرض فارس .
وذكر حديث باذان ومقتل كسرى ، وكان مقتل كسرى حين قتله بنوه ليلة الثلاثاء لعشر من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة وأسلم باذان باليمن في سنة عشر وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأبناء يدعوهم إلى الإسلام فمن الأبناء وهب بن منبه بن سيج بن ذكبار ، وطاووس وذادويه وفيروز اللذان قتلا الأسود العنسي الكذاب وقد قيل في طاووس إنه ليس من الأبناء وإنه من حمير ، وقد قيل من فارس ، واسمه ذكوان بن كيسان وهو مولى بجير بن ريسان وقد قيل مولى الجعد وكان يقال له طاووس القراء لجماله . وقول خالد بن حق
تمخضت المنون له بيوم أنى ; ولكل حاملة تمام
المنون المنية وهو أيضا من أسماء الدهر وهو من مننت الحبل إذا قطعته، وفعول إذا كان بمعنى فاعل لم تدخل التاء في مؤنثه لسر بديع ذكرناه في غير هذا الكتاب فيقال امرأة صبور وشكور فمعنى المنون المقطوع وتمخضت أي حملت والمخاض الحمل ووزنه فعال ومخاضة الماء ومخاضة [ النهر ] وزنه مفعل من الخوض .
وقوله أنى ، أي حان وقد قلبوه فقالوا : آن يئين والدليل على أن آن يئين مقلوب من أنى يأنى ، قوله آناء الليل وواحدها : إنى وأنى وإني فالنون مقدمة على الياء في كل هذا ، وفي كل ما صرف منه نحو الإناء والآني : الذي بلغ أناه أي منتهى وقته في التسخين وهذا المعنى كقولهم في المثل الدهر حبلى لا يدري ما تضع إن كان أراد بالمنون في البيت الدهر وإن كان أراد بالمنون المنية فبعيد أن يقال تمخضت المنون له بهذا اليوم الذي مات فيه فإن موته منيته فكيف تتمخض المنية بالمنية إلا أن يريد أسبابها ، وما مني له أي قدر من وقتها ، فتصح الاستعارة حينئذ ويستقيم التشبيه .
وقول ابن حق وكسرى إذ تقسمه بنوه . وإنما كان قتله على يدي ابنه شيرويه لكن ذكر بنيه لأن بدء الشر بينه وبينهم أن فرخان رأى في النوم أنه قاعد على سرير الملك في موضع أبيه فبلغ أباه ذلك فكتب إلى ابنه شهريار - وكان واليا له على بعض البلاد أن اقتل أخاك فرخان فأخفى شهريار الكتاب من أخيه فكتب إليه مرة أخرى ، فأبى من ذلك فعزله وولى فرخان وأمره بقتل شهريار فعزم على ذلك
أمراء الفرس على اليمن
قال ابن هشام : ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان بن المرزبان على اليمن ، ثم مات التينجان فأمر كسرى ابن التينجان على اليمن ، ثم عزله وأمر باذان فلم يزل باذان عليها حتى بعث الله محمدا النبي - صلى الله عليه وسلم -
حديث يتنبأ بقتل كسرى
فبلغني عن الزهري أنه قال كتب كسرى إلى باذان : أنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة ، يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب توقف لينظر وقال إن كان نبيا ، فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال ابن هشام : قتل على يدي ابنه شيرويه وقال خالد بن حق الشيباني :
وكسرى إذ تقسمه بنوه بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم أنى ، ولكل حاملة تمام
باذان يسلم
قال الزهري : فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت الرسل من الفرس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال أنتم منا وإلينا أهل البيت .
قال ابن هشام : فبلغني عن الزهري أنه قال فمن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلمان منا أهل البيت .
عود إلى شق وسطيح قال ابن هشام: فهو الذي عنى سطيح بقوله " نبي زكي ، يأتيه الوحي من قبل العلي " . والذي عنى شق بقوله " بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل “.
باذان وكسرى
وذكر قصة باذان ، وما كتب به إلى كسرى ، وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ، ومعنى أبرويز بالعربية المظفر وهو الذي غلب الروم حين أنزل الله: الم غلبت الروم في أدنى الأرض [ أول الروم ] وهو الذي عرض على الله في المنام فقال له سلم ما في يديك إلى صاحب الهراوة فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بن المنذر بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهامة ، فعلم أن الأمر سيصير إليه حتى كان من أمره ما كان وهو الذي كتب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحفيده يزدجرد بن شهريار بن أبرويز وهو آخر ملوك الفرس ، وكان سلب ملكه وهدم سلطانه على يدي عمر بن الخطاب ، ثم قتل هو في أول خلافة عثمان ، وجد مستخفيا في رحى فقتل وطرح في قناة الرحى ، وذلك بمرو من أرض فارس .
وذكر حديث باذان ومقتل كسرى ، وكان مقتل كسرى حين قتله بنوه ليلة الثلاثاء لعشر من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة وأسلم باذان باليمن في سنة عشر وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأبناء يدعوهم إلى الإسلام فمن الأبناء وهب بن منبه بن سيج بن ذكبار ، وطاووس وذادويه وفيروز اللذان قتلا الأسود العنسي الكذاب وقد قيل في طاووس إنه ليس من الأبناء وإنه من حمير ، وقد قيل من فارس ، واسمه ذكوان بن كيسان وهو مولى بجير بن ريسان وقد قيل مولى الجعد وكان يقال له طاووس القراء لجماله . وقول خالد بن حق
تمخضت المنون له بيوم أنى ; ولكل حاملة تمام
المنون المنية وهو أيضا من أسماء الدهر وهو من مننت الحبل إذا قطعته، وفعول إذا كان بمعنى فاعل لم تدخل التاء في مؤنثه لسر بديع ذكرناه في غير هذا الكتاب فيقال امرأة صبور وشكور فمعنى المنون المقطوع وتمخضت أي حملت والمخاض الحمل ووزنه فعال ومخاضة الماء ومخاضة [ النهر ] وزنه مفعل من الخوض .
وقوله أنى ، أي حان وقد قلبوه فقالوا : آن يئين والدليل على أن آن يئين مقلوب من أنى يأنى ، قوله آناء الليل وواحدها : إنى وأنى وإني فالنون مقدمة على الياء في كل هذا ، وفي كل ما صرف منه نحو الإناء والآني : الذي بلغ أناه أي منتهى وقته في التسخين وهذا المعنى كقولهم في المثل الدهر حبلى لا يدري ما تضع إن كان أراد بالمنون في البيت الدهر وإن كان أراد بالمنون المنية فبعيد أن يقال تمخضت المنون له بهذا اليوم الذي مات فيه فإن موته منيته فكيف تتمخض المنية بالمنية إلا أن يريد أسبابها ، وما مني له أي قدر من وقتها ، فتصح الاستعارة حينئذ ويستقيم التشبيه .
وقول ابن حق وكسرى إذ تقسمه بنوه . وإنما كان قتله على يدي ابنه شيرويه لكن ذكر بنيه لأن بدء الشر بينه وبينهم أن فرخان رأى في النوم أنه قاعد على سرير الملك في موضع أبيه فبلغ أباه ذلك فكتب إلى ابنه شهريار - وكان واليا له على بعض البلاد أن اقتل أخاك فرخان فأخفى شهريار الكتاب من أخيه فكتب إليه مرة أخرى ، فأبى من ذلك فعزله وولى فرخان وأمره بقتل شهريار فعزم على ذلك