مروان الغفوري
"يا وشاحُ ..
استعذ من رفاقِ السلاح
وانتشر في تخوم الكلام،
وكن حربةً في الظلام."
كان الوشاحُ طائراً في يد الإمام
يحطّ على دم الموتى، ورقاب الفارين من السجون
وكان الإمامُ حربةً في يد الوشاح
تسوقُ الغفرانَ من السماء إلى القبر
وتجلبُ الملائكةَ، وأبناء النبي.
"امسح جبينَك يا وشاحْ
نبتَ الصباحُ على الأنوفِ
وأنتَ مفترق الصباح.
.. واكنُس طريقَ المؤمنين،
اكْنُس فروجَ الأرضِ من هذي الرياحْ."
.. كان الوشاحُ صغيراً، مثل كل الجبال
وعندما كبُر غادرتُه الغيومُ، والأغنام
وتركته الأمطارُ وحيداً في بلدةٍ عالية.
قيلَ له: الدمُ ابنُ الإله،
فأطلق أبناء الإله من أوعية الإنسان.
ولم يعُد يصدّق، بالمطلقِ، ما تعلمه قديماً
من أن الدمَ ابن الإنسان،
وأن الإنسان هو البلدةُ العالية
التي بناها الله، وخرّبتها السيوف.
"وللوشاحِ ظلمةٌ ونور
وكلمةٌ صغيرةٌ تخرجُ من أحشائها النسور.
للوشاحِ سيفُه القديمُ، قلبُه الجديد
يجرّه حصانُ مولاهُ إلى فنائه السعيد
للوشاحِ معناهُ المشتقّ من رهافةِ الخوفِ
ومن أجنحةِ الطيور..
بالأمسِ كان يحفِرُ الحبّ على الأوجهِ،
في مخابئ النسوانِ، في الصخور
وكان يشتري الأحلامَ من متاجرِ الموتى،
ويحرقُ السوادَ في مدافِن العبيد. "
لا يتذكر الوشاحُ ذلك اليومَ
الذي دهس فيه أول دمٍ على البئر.
ولا أول حكم بالإعدام، اصطكّت له قدماه
.. بيد أنه لا ينسى كيف خرج أطفال كثيرون من بين أصابعه
في تلك الليلة.
"لقد حاولت إرجاعهم إلى أصابعي، فأكلهم الضبابُ"
" يقول ملَك القتلى لأذُنِ الوشاح:
ستخرجُ الأرواحُ، مثل الدودْ
تحفِر في السماءِ أخدوداً لهذه الأجسادِ
تسكبُ العويلَ والرياحَ في الأخدود..
وتضربُ الأقداح".
.. كان طويلاً، نحيل الجسد.
قيل إن أباه استسقى به، في طفولته،
ففاضت القريةُ بالأخشاب
يتذكر الوشاح جيّداً
كيف استمتعوا، بعد ذلك، بلعبة السيوف الخشبية.
كان يهزم رفاقه
فيرى أجسادهم البضّةَ وقد تحوّلت إلى أبواب ومتاريس.
حتى في تلك الساعة التي قُتِل فيها على يد وشاحٍ جديد
فقد قيل إن آخر كلمة لفظها:
أذوبُ الآن، أنا آخر المتاريس،
أنا خاتمة الأبواب.
"وذات مرّة يطلبه مولاهُ:
- كم فتحت، يا وشاح؟
- فتحتُ كل بابٍ في طريق مولاي الأمير.
- وكم تركتَ، يا وشاح، للسماءِ والسرير؟
- تركتُ أوهاماً تطيرُ في الرؤوسِ،
عنواناً يغوصُ في الأيام.
- كيف ترى الأيام، يا منتجعَ الأيام؟
- أرى بلاداً تغزلُ الكلامَ بالكلام
وتمزجُ الظلمةَ بالغدير.
- وشاحُ، أيها الغلامُ...!
- أنا لمولايَ الحدوةُ، والسرجُ، الصهيلُ والخطامُ...
مُرْني بما ترى، ستهبطُ الأسماءُ من عليائها،
وتصهلُ الأبواب...
حلُم الإمام بالوشاح يمتصّ ريق طائر.
في الليلة التالية،
كان الوشاحُ يحلم بطائرٍ يمتص ريق الإمام
.. حتى بعد موت الرفيقين
فإنهما ظلاّ يحلمان بالطريقة ذاتها
ويفسران حلميهما:
الإمام ينتظر الساعة التي سيطير فيها الوشاح
والوشاحُ يرتقبُ اللحظة التي سيتوقف عندها الإمام عن الطيران.
وكلاهما يسند ظهره إلى رتاج الجنّة،
ويتبوّل في الجحيم.
قلبي يطيرُ وأنتَ أين تطيرُ؟... جزعي هُناكَ، حديثنا المغدورُ
لا تتركِ الموتى على أعقابِنا... قتلى، وآجالٌ هناك تدورُ
للأرضِ أول منزلٍ ولمنزلي... في الأرض أول منزلٍ، وقبورُ
قرأ الوشاحُ على باب السجن، من الداخل:
هُنا تنبتُ الأجنحة
وتغسلُ الملائكةُ الجدرانَ باللبن.
فتمنّى لو أنه استطاع أن يكتب تحت هذا النص:
الدمُ للترابِ، واللبن للجدران
وصدري للسجناء ولمداخن القرى.
أيها الوشاحُ! قال الإمامُ في منامه:
تزوّد قبل الموتى بالأحياء
وانكأ خاصرة السيفِ بخضراء الأعمال
ضوّع سيفَك بغبار الآباء،
سيعدُك الموتى برمالٍ تشرقُ في رئتيك،
وأنتَ يمينُ التوحيد، وفاصلةُ الآجال..
فتفتّح، كالقُرآنِ، على برَكِ التأويلِ
ولا تقبِر هذا الخفَرَ الرباني على شفتيك.
.. كتب بحّارٌ مريض على الماء:
أمشي، وتنهرني الآمادُ والمؤنُ
كقطرةٍ من دمي تجتازُها المدنُ
أكلتُ خبز بلادي يوم غفوتها
وقد علمتُ بأني، حينها، الوسنُ.
يتذكر الوشاحُ أنه قال للإمام:
"لعنتُ الماءَ قبل الفجر
فعاد الصدى بُعيدَ صلاة العصر".
لم يقُل الإمام شيئاً،
فقط كان يستذكر مقولة جارته، في الجبل:
"الحاقدون ثلاثة: الماء والجمَل والدم".
بعد هنيهة انتفض الإمام:
لا تكتب شيئاً على الماء، يا وشاح!
لا تنبس ببنت شفةٍ
وأنت ترفع الرؤوس عن الأجساد، لتحيّي العدالة..
ولا تنفرد بجمل، أو صحراء..!
أيضاً، عن الوشاح:
لم ينم الوشاح، تلك الليلة
فكّر في أن يحدّث الإمام عن الحب
والعدالة،
فقد وجد نصّاً بخط اليد، على ظهر كتاب في المسجد:
أيتها المرآة النبوية، يا نشيد الإنشاد، ويا فاتحة الأعياد
أنت قبّة الملائكة، وبخور العارفين...
تجلّي، أكثر، في هذه الساعة..
كي تغسل ملائكة الصحراء بالحناء أناملك
وتعقِل أحصنتها على ساقيك.
دع
"يا وشاحُ ..
استعذ من رفاقِ السلاح
وانتشر في تخوم الكلام،
وكن حربةً في الظلام."
كان الوشاحُ طائراً في يد الإمام
يحطّ على دم الموتى، ورقاب الفارين من السجون
وكان الإمامُ حربةً في يد الوشاح
تسوقُ الغفرانَ من السماء إلى القبر
وتجلبُ الملائكةَ، وأبناء النبي.
"امسح جبينَك يا وشاحْ
نبتَ الصباحُ على الأنوفِ
وأنتَ مفترق الصباح.
.. واكنُس طريقَ المؤمنين،
اكْنُس فروجَ الأرضِ من هذي الرياحْ."
.. كان الوشاحُ صغيراً، مثل كل الجبال
وعندما كبُر غادرتُه الغيومُ، والأغنام
وتركته الأمطارُ وحيداً في بلدةٍ عالية.
قيلَ له: الدمُ ابنُ الإله،
فأطلق أبناء الإله من أوعية الإنسان.
ولم يعُد يصدّق، بالمطلقِ، ما تعلمه قديماً
من أن الدمَ ابن الإنسان،
وأن الإنسان هو البلدةُ العالية
التي بناها الله، وخرّبتها السيوف.
"وللوشاحِ ظلمةٌ ونور
وكلمةٌ صغيرةٌ تخرجُ من أحشائها النسور.
للوشاحِ سيفُه القديمُ، قلبُه الجديد
يجرّه حصانُ مولاهُ إلى فنائه السعيد
للوشاحِ معناهُ المشتقّ من رهافةِ الخوفِ
ومن أجنحةِ الطيور..
بالأمسِ كان يحفِرُ الحبّ على الأوجهِ،
في مخابئ النسوانِ، في الصخور
وكان يشتري الأحلامَ من متاجرِ الموتى،
ويحرقُ السوادَ في مدافِن العبيد. "
لا يتذكر الوشاحُ ذلك اليومَ
الذي دهس فيه أول دمٍ على البئر.
ولا أول حكم بالإعدام، اصطكّت له قدماه
.. بيد أنه لا ينسى كيف خرج أطفال كثيرون من بين أصابعه
في تلك الليلة.
"لقد حاولت إرجاعهم إلى أصابعي، فأكلهم الضبابُ"
" يقول ملَك القتلى لأذُنِ الوشاح:
ستخرجُ الأرواحُ، مثل الدودْ
تحفِر في السماءِ أخدوداً لهذه الأجسادِ
تسكبُ العويلَ والرياحَ في الأخدود..
وتضربُ الأقداح".
.. كان طويلاً، نحيل الجسد.
قيل إن أباه استسقى به، في طفولته،
ففاضت القريةُ بالأخشاب
يتذكر الوشاح جيّداً
كيف استمتعوا، بعد ذلك، بلعبة السيوف الخشبية.
كان يهزم رفاقه
فيرى أجسادهم البضّةَ وقد تحوّلت إلى أبواب ومتاريس.
حتى في تلك الساعة التي قُتِل فيها على يد وشاحٍ جديد
فقد قيل إن آخر كلمة لفظها:
أذوبُ الآن، أنا آخر المتاريس،
أنا خاتمة الأبواب.
"وذات مرّة يطلبه مولاهُ:
- كم فتحت، يا وشاح؟
- فتحتُ كل بابٍ في طريق مولاي الأمير.
- وكم تركتَ، يا وشاح، للسماءِ والسرير؟
- تركتُ أوهاماً تطيرُ في الرؤوسِ،
عنواناً يغوصُ في الأيام.
- كيف ترى الأيام، يا منتجعَ الأيام؟
- أرى بلاداً تغزلُ الكلامَ بالكلام
وتمزجُ الظلمةَ بالغدير.
- وشاحُ، أيها الغلامُ...!
- أنا لمولايَ الحدوةُ، والسرجُ، الصهيلُ والخطامُ...
مُرْني بما ترى، ستهبطُ الأسماءُ من عليائها،
وتصهلُ الأبواب...
حلُم الإمام بالوشاح يمتصّ ريق طائر.
في الليلة التالية،
كان الوشاحُ يحلم بطائرٍ يمتص ريق الإمام
.. حتى بعد موت الرفيقين
فإنهما ظلاّ يحلمان بالطريقة ذاتها
ويفسران حلميهما:
الإمام ينتظر الساعة التي سيطير فيها الوشاح
والوشاحُ يرتقبُ اللحظة التي سيتوقف عندها الإمام عن الطيران.
وكلاهما يسند ظهره إلى رتاج الجنّة،
ويتبوّل في الجحيم.
قلبي يطيرُ وأنتَ أين تطيرُ؟... جزعي هُناكَ، حديثنا المغدورُ
لا تتركِ الموتى على أعقابِنا... قتلى، وآجالٌ هناك تدورُ
للأرضِ أول منزلٍ ولمنزلي... في الأرض أول منزلٍ، وقبورُ
قرأ الوشاحُ على باب السجن، من الداخل:
هُنا تنبتُ الأجنحة
وتغسلُ الملائكةُ الجدرانَ باللبن.
فتمنّى لو أنه استطاع أن يكتب تحت هذا النص:
الدمُ للترابِ، واللبن للجدران
وصدري للسجناء ولمداخن القرى.
أيها الوشاحُ! قال الإمامُ في منامه:
تزوّد قبل الموتى بالأحياء
وانكأ خاصرة السيفِ بخضراء الأعمال
ضوّع سيفَك بغبار الآباء،
سيعدُك الموتى برمالٍ تشرقُ في رئتيك،
وأنتَ يمينُ التوحيد، وفاصلةُ الآجال..
فتفتّح، كالقُرآنِ، على برَكِ التأويلِ
ولا تقبِر هذا الخفَرَ الرباني على شفتيك.
.. كتب بحّارٌ مريض على الماء:
أمشي، وتنهرني الآمادُ والمؤنُ
كقطرةٍ من دمي تجتازُها المدنُ
أكلتُ خبز بلادي يوم غفوتها
وقد علمتُ بأني، حينها، الوسنُ.
يتذكر الوشاحُ أنه قال للإمام:
"لعنتُ الماءَ قبل الفجر
فعاد الصدى بُعيدَ صلاة العصر".
لم يقُل الإمام شيئاً،
فقط كان يستذكر مقولة جارته، في الجبل:
"الحاقدون ثلاثة: الماء والجمَل والدم".
بعد هنيهة انتفض الإمام:
لا تكتب شيئاً على الماء، يا وشاح!
لا تنبس ببنت شفةٍ
وأنت ترفع الرؤوس عن الأجساد، لتحيّي العدالة..
ولا تنفرد بجمل، أو صحراء..!
أيضاً، عن الوشاح:
لم ينم الوشاح، تلك الليلة
فكّر في أن يحدّث الإمام عن الحب
والعدالة،
فقد وجد نصّاً بخط اليد، على ظهر كتاب في المسجد:
أيتها المرآة النبوية، يا نشيد الإنشاد، ويا فاتحة الأعياد
أنت قبّة الملائكة، وبخور العارفين...
تجلّي، أكثر، في هذه الساعة..
كي تغسل ملائكة الصحراء بالحناء أناملك
وتعقِل أحصنتها على ساقيك.
دع
ي لي هذا المساء، فهو كلمتي الشاردة
أتقي بها الناس والمدافن
وأنتِ.. الوقت المقدس النبيل
المعتم المضيء
الشجرة الهاربة.. من الصحراء إلى مملكة الرب،
حيثُ يعيش الناسُ على أطراف قلوبِهم
ويغزلون المدينة تحت أصابع العاشقين
تحسسي كتفي... إلخ.
في الظهيرة نهره الإمام،
وأجبره على أن يحمّم قطّه الأبيض.
وقبل أن يعود مولاهُ الإمام..
كي يكلّم السماء،
يدهنَ العبيد بالفوسفور والأزلام
قاله له الوشاحُ:
يا إمام!
يا أوّل الموحّدين! يا مملكة الأيتام!
دلّني إلى الغفران والخطيئة الأولى
لأحرس الحصون بالإيمانِ،
والإيمان بالرماح!
لم يعِش الوشاحُ ليشهد الحصونَ وهي تتآكل
مثل السيوف،
ولا أردية النسوان وهي تطيرُ فوق أعناق الغزاة...
لقد كان حلماً عنيفاً ذلك الذي رآه،
وظل ينادي طيلة الليل:
ستسقط الأعناقُ عن أعناقكم
وتسحبُ الدماءُ، باسم اللهِ، للصحراء
مقبرة الآباء،
فانطلقوا، يا أيها الأعداء، في الحارات والبيوت
وانسكبوا، لا تتركوا دليلاً
على وجودِنا.. وانطلقوا بظلنا نحو سماءِ الله، في الجبال
سيخرجُ الآباءُ من قبورِهم، ويخرجُ الزمانُ فارداً يديه،
بين هذه الأسمال
يا أيها الأعداء.. يا سلالةً من الدمِ المغشوش
والخطايا
كيف تسكرون عند باب مولانا الإمام
حيثُ يجلسُ الظلامُ، كل ليلٍ، يحرسُ العقيدة
وينهرُ التأويل
.. حيثُ يغسلُ الحلم عصا مولاي؟!
.. فسّر الإمام حلمه، كعادته:
ستهربُ الخيولُ، يا وشاح،
للجبال والوديان
وتوقدُ النسوةُ لحمنا على أسنّة الرمّاحِ
للغزاةِ، والغربان.
و.. يعبثُ الموتى ببكْرةِ الميزان
أتقي بها الناس والمدافن
وأنتِ.. الوقت المقدس النبيل
المعتم المضيء
الشجرة الهاربة.. من الصحراء إلى مملكة الرب،
حيثُ يعيش الناسُ على أطراف قلوبِهم
ويغزلون المدينة تحت أصابع العاشقين
تحسسي كتفي... إلخ.
في الظهيرة نهره الإمام،
وأجبره على أن يحمّم قطّه الأبيض.
وقبل أن يعود مولاهُ الإمام..
كي يكلّم السماء،
يدهنَ العبيد بالفوسفور والأزلام
قاله له الوشاحُ:
يا إمام!
يا أوّل الموحّدين! يا مملكة الأيتام!
دلّني إلى الغفران والخطيئة الأولى
لأحرس الحصون بالإيمانِ،
والإيمان بالرماح!
لم يعِش الوشاحُ ليشهد الحصونَ وهي تتآكل
مثل السيوف،
ولا أردية النسوان وهي تطيرُ فوق أعناق الغزاة...
لقد كان حلماً عنيفاً ذلك الذي رآه،
وظل ينادي طيلة الليل:
ستسقط الأعناقُ عن أعناقكم
وتسحبُ الدماءُ، باسم اللهِ، للصحراء
مقبرة الآباء،
فانطلقوا، يا أيها الأعداء، في الحارات والبيوت
وانسكبوا، لا تتركوا دليلاً
على وجودِنا.. وانطلقوا بظلنا نحو سماءِ الله، في الجبال
سيخرجُ الآباءُ من قبورِهم، ويخرجُ الزمانُ فارداً يديه،
بين هذه الأسمال
يا أيها الأعداء.. يا سلالةً من الدمِ المغشوش
والخطايا
كيف تسكرون عند باب مولانا الإمام
حيثُ يجلسُ الظلامُ، كل ليلٍ، يحرسُ العقيدة
وينهرُ التأويل
.. حيثُ يغسلُ الحلم عصا مولاي؟!
.. فسّر الإمام حلمه، كعادته:
ستهربُ الخيولُ، يا وشاح،
للجبال والوديان
وتوقدُ النسوةُ لحمنا على أسنّة الرمّاحِ
للغزاةِ، والغربان.
و.. يعبثُ الموتى ببكْرةِ الميزان
كان الوشاح هو مَن يجري أمر الله في مخالفي ومعارضي الإمام أحمد رحمه الله ..
وما كان بين أن يكون رأس المعارض في الأرض وبقائه إلاّ أن يقول " أحمد يا جناه " : أجر أمر الله يا وشاح ..
فيجري أمر الله ..
وجرى أمر الله على الوشاح ايضا ..!!!!
فقد شرِبَ رفيقه من قُلته بدون إذنه فقتله فحُكم عليه بالإعدام ..
فأراد - كما قيل - الإمام أن يُجنّبَ سيّافه الإعدام فبعثَ معارضوا الإمام بمنشورات تقول أن الإمام يريد أن يُبطل حدا من حدود الله مجاملة لسيافه الوشاح ..!!
وهي اليد التي أوجعتِ الإمام , فهو يُعدم مناوئيه لأنهم اساسا كما يقول يدعون لتبديل شرع الإسلام فكيف يكون هو من يُبدله !!؟
فاضطر الإمام لقتل الوشاح وأجرى أمر الله عليه
وما كان بين أن يكون رأس المعارض في الأرض وبقائه إلاّ أن يقول " أحمد يا جناه " : أجر أمر الله يا وشاح ..
فيجري أمر الله ..
وجرى أمر الله على الوشاح ايضا ..!!!!
فقد شرِبَ رفيقه من قُلته بدون إذنه فقتله فحُكم عليه بالإعدام ..
فأراد - كما قيل - الإمام أن يُجنّبَ سيّافه الإعدام فبعثَ معارضوا الإمام بمنشورات تقول أن الإمام يريد أن يُبطل حدا من حدود الله مجاملة لسيافه الوشاح ..!!
وهي اليد التي أوجعتِ الإمام , فهو يُعدم مناوئيه لأنهم اساسا كما يقول يدعون لتبديل شرع الإسلام فكيف يكون هو من يُبدله !!؟
فاضطر الإمام لقتل الوشاح وأجرى أمر الله عليه
"الوشاح"، سياف الإمام أحمد الأوحد. قفزت من مرقدي وأنا غير مصدق: لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟...
* * *
الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!
* * *
هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.
كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!
هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:
- شد حزامك! مولانا معك!
وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.
لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.
كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:
- كن أسداً!
وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".
انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.

هكذا كانت نهاية "الوشاح"، سياف الإمام الذي قطع رؤوس العشرات من الأحرار اليمنيين... وهكذا كانت بداية النهاية لعصر الظلم والاستبداد
منقول من الروائي اليمني الكبير: زيد مطيع دماج
* * *
الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!
* * *
هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.
كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!
هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:
- شد حزامك! مولانا معك!
وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.
لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.
كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:
- كن أسداً!
وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".
انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.

هكذا كانت نهاية "الوشاح"، سياف الإمام الذي قطع رؤوس العشرات من الأحرار اليمنيين... وهكذا كانت بداية النهاية لعصر الظلم والاستبداد
منقول من الروائي اليمني الكبير: زيد مطيع دماج
الوشاح و #الجبة
قال الحلاج: ليس في الجبة غير الله..
سيترك الخرقة الخضراء ويندمج بالناس، ستلاحقه التهم، ويحكم عليه بأبشع طريقة قتل يمكن أن تحدث لإنسان، سيخلع الجبة، سيبدأ السياف بضرب أطرافه العليا، ثم أطرافه السفلى، وتركه ينزف على الخشبة إلى أن يموت، سيقطع السياف رأسه، ويعلق بأطراف المدينة.
الجبة للبرد، ولولم يكن الحلاج مستمسكًا بأفكاره، أو عاش إلى زمن المليشيا والمخلوع لقال:
ليس في الجبة غير الجيب الفارغ.
نحن جيل الموضة في القرية، عرفنا الجبب من العساكر، لقد كانوا يأخذون صرفهم العسكري من صنعاء ويرسلونها إلى الطاعنين بالسن ليدفئوا، وأحيانًا يشترونها من باب اليمن.
جبب على أزرارها الشعار الجمهوري، طير مذهب بجناحين، يدخل في شقوق الجبة ليشدها فيزداد الدفء.
بدأ البرد يتسلل إلى ليالينا، ستسمع صريره في الليل وقد تداخل مع خطوات الرجال. هم ليسوا رجالًا بمعنى تقدمهم في السن، ولكن بتماشيهم مع الظروف واستشعارهم مسؤولية تدبير المصروف لعوائلهم المتعففة.
برد، وفتيان بين العاشرة والعشرين، يمشون في الليل وعلى رؤوسهم أضوية الكشافات، هؤلاء كانوا طلبة مدارس يفترض أن يكون في مثل هذا الوقت نائمين كي يستيقظوا لطابور الصباح، لكنهم الآن في الطريق إلى الوادي كشقاة مع مقوت، يقطفون أغصان القات حتى انبلاج الصبح..
إنهم يتحدون البرد مجبرين، ستسمع أحدهم وهو يقول لصاحبه:
جلدي قشبب من السقعة.. وصدري أليم من الطل.
المعذرة.. خرجت عن الموضوع الذي أريد الكتابة عنه: الجبة المشؤومة التي تقتل صاحبها. وأشعر كما لو أنني أحرض على "المقوت"، لينتبه على الشقاة الصغار بأن يدبِّر لهم أردية الخز الثقيل لمجابهة قر الشتاء القارس.
هذا ليس لونًا جديدًا للكتابة، إذ يتداخل الخاص بالعام، القرية بالمدينة، القديم بالجديد، وإنما تشعبًا في الرأس نرجعه إلى طبيعة المرحلة لنقنع أنفسنا بالحاصل، وإلا ما دخل جبة الحلاج ببرد المبزغين.
لقد قرأت قصة غريبة عن جبة يمنية لم يُذكر لونها. جبة مشؤومة، هي جبة أحمد السياغي، القاضي السياغي سنة 1955، حرض العلماء على إرغام الإمام الطاغية أحمد للتنازل لأخيه، لم يكتف بذلك، بل ذهب إلى الإمام ليطلب مرسومًا خطيًا بالتنازل، كان واثقًا من حركة الأحرار التي قامت وقتئذ ومن نجاح ثورة الدستور، لكن الثورة فشلت، وقبض جنود الإمام على أحمد السياغي. وكما هو معروف عن الإمام سيرسله إلى ساحة الإعدام في ميدان الشهداء..
كان السياغي في الخمسين من العمر، يرتدي جبة ما يؤكد أن الطقس كان باردًا، لكن السياف المعروف بـ"الوشاح" أمره بخلعها، يعجبهم أن تموت والفرائص ترتعد من البرد، خلع السياغي جبته فقطع السياف رأس السياغي.
وأخذ الوشاح الجبة له.
بعد فترة اتُهِم سياف الإمام بقتل جندي من جنود الإمام، هي سياسة الإمام أحمد بتحويل القتل إلى تسلية ترهب معارضيه، حُكم على السياف الوشاح بالإعدام، وحين لم يجدوا من يعدمه، أخرجوا محبوسًا من الزرانيق كان في سجن الطاغية، كان الوشاح يرتدي جبة السياغي، أمره المحبوس الزرنوقي بخلعها، ثم ضرب عنقه.
أخذ الزرنوقي الجبة لنفسه.
وبعد أن قامت ثورة سبتمبر المجيدة عام 1962، وأطاحت بالإمامة وقامت الجمهورية، جاء الزرنوقي إلى المشير السلّال ليهنئه بالثورة، كان الزرنوقي يرتدي جبة السياغي، وبما أن السلال من قيادات ثورة سبتمبر والسياغي ضحى بنفسه عقب فشل ثورة الدستور، تجمعهما رابطة النضال ضد طاغوت واحد، كان على السلال أن يثأر للسياغي، لقد عرف الجبة التي يرتديها الزرنوقي.
خلع الزرنوقي الجبة، وأطلق عليه النار شخص اسمه الهدام.
الهدّام أخذ الجبة..
دخلت البلاد في فوضى، قُتل الهدام وهو يرتدي جبة السياغي. ثم لم يعرف أحد أين ذهبت الجبة فيما بعد.
هذه القصة نقلها أحد تلامذة مفتي الجمهورية العلامة محمد العمراني.
من يعرف شيئًا عن الجبة، فليمزقها خرقًا ويوزعها على الزعيم المخلوع ومعاونيه، وعلى قيادات المليشيا، وعلى فسدة الشرعية، ربما تنزل على الشعب بركة جبة السياغي!
أما نحن فإذا لم نجد الجاكيتات، فنفضل البقاء عرضة للبرد على أن نرتدي الجبب.. لا تهمنا الصحة يا عالم.
*المقال خاص بـ(يمن مونيتور)
قال الحلاج: ليس في الجبة غير الله..
سيترك الخرقة الخضراء ويندمج بالناس، ستلاحقه التهم، ويحكم عليه بأبشع طريقة قتل يمكن أن تحدث لإنسان، سيخلع الجبة، سيبدأ السياف بضرب أطرافه العليا، ثم أطرافه السفلى، وتركه ينزف على الخشبة إلى أن يموت، سيقطع السياف رأسه، ويعلق بأطراف المدينة.
الجبة للبرد، ولولم يكن الحلاج مستمسكًا بأفكاره، أو عاش إلى زمن المليشيا والمخلوع لقال:
ليس في الجبة غير الجيب الفارغ.
نحن جيل الموضة في القرية، عرفنا الجبب من العساكر، لقد كانوا يأخذون صرفهم العسكري من صنعاء ويرسلونها إلى الطاعنين بالسن ليدفئوا، وأحيانًا يشترونها من باب اليمن.
جبب على أزرارها الشعار الجمهوري، طير مذهب بجناحين، يدخل في شقوق الجبة ليشدها فيزداد الدفء.
بدأ البرد يتسلل إلى ليالينا، ستسمع صريره في الليل وقد تداخل مع خطوات الرجال. هم ليسوا رجالًا بمعنى تقدمهم في السن، ولكن بتماشيهم مع الظروف واستشعارهم مسؤولية تدبير المصروف لعوائلهم المتعففة.
برد، وفتيان بين العاشرة والعشرين، يمشون في الليل وعلى رؤوسهم أضوية الكشافات، هؤلاء كانوا طلبة مدارس يفترض أن يكون في مثل هذا الوقت نائمين كي يستيقظوا لطابور الصباح، لكنهم الآن في الطريق إلى الوادي كشقاة مع مقوت، يقطفون أغصان القات حتى انبلاج الصبح..
إنهم يتحدون البرد مجبرين، ستسمع أحدهم وهو يقول لصاحبه:
جلدي قشبب من السقعة.. وصدري أليم من الطل.
المعذرة.. خرجت عن الموضوع الذي أريد الكتابة عنه: الجبة المشؤومة التي تقتل صاحبها. وأشعر كما لو أنني أحرض على "المقوت"، لينتبه على الشقاة الصغار بأن يدبِّر لهم أردية الخز الثقيل لمجابهة قر الشتاء القارس.
هذا ليس لونًا جديدًا للكتابة، إذ يتداخل الخاص بالعام، القرية بالمدينة، القديم بالجديد، وإنما تشعبًا في الرأس نرجعه إلى طبيعة المرحلة لنقنع أنفسنا بالحاصل، وإلا ما دخل جبة الحلاج ببرد المبزغين.
لقد قرأت قصة غريبة عن جبة يمنية لم يُذكر لونها. جبة مشؤومة، هي جبة أحمد السياغي، القاضي السياغي سنة 1955، حرض العلماء على إرغام الإمام الطاغية أحمد للتنازل لأخيه، لم يكتف بذلك، بل ذهب إلى الإمام ليطلب مرسومًا خطيًا بالتنازل، كان واثقًا من حركة الأحرار التي قامت وقتئذ ومن نجاح ثورة الدستور، لكن الثورة فشلت، وقبض جنود الإمام على أحمد السياغي. وكما هو معروف عن الإمام سيرسله إلى ساحة الإعدام في ميدان الشهداء..
كان السياغي في الخمسين من العمر، يرتدي جبة ما يؤكد أن الطقس كان باردًا، لكن السياف المعروف بـ"الوشاح" أمره بخلعها، يعجبهم أن تموت والفرائص ترتعد من البرد، خلع السياغي جبته فقطع السياف رأس السياغي.
وأخذ الوشاح الجبة له.
بعد فترة اتُهِم سياف الإمام بقتل جندي من جنود الإمام، هي سياسة الإمام أحمد بتحويل القتل إلى تسلية ترهب معارضيه، حُكم على السياف الوشاح بالإعدام، وحين لم يجدوا من يعدمه، أخرجوا محبوسًا من الزرانيق كان في سجن الطاغية، كان الوشاح يرتدي جبة السياغي، أمره المحبوس الزرنوقي بخلعها، ثم ضرب عنقه.
أخذ الزرنوقي الجبة لنفسه.
وبعد أن قامت ثورة سبتمبر المجيدة عام 1962، وأطاحت بالإمامة وقامت الجمهورية، جاء الزرنوقي إلى المشير السلّال ليهنئه بالثورة، كان الزرنوقي يرتدي جبة السياغي، وبما أن السلال من قيادات ثورة سبتمبر والسياغي ضحى بنفسه عقب فشل ثورة الدستور، تجمعهما رابطة النضال ضد طاغوت واحد، كان على السلال أن يثأر للسياغي، لقد عرف الجبة التي يرتديها الزرنوقي.
خلع الزرنوقي الجبة، وأطلق عليه النار شخص اسمه الهدام.
الهدّام أخذ الجبة..
دخلت البلاد في فوضى، قُتل الهدام وهو يرتدي جبة السياغي. ثم لم يعرف أحد أين ذهبت الجبة فيما بعد.
هذه القصة نقلها أحد تلامذة مفتي الجمهورية العلامة محمد العمراني.
من يعرف شيئًا عن الجبة، فليمزقها خرقًا ويوزعها على الزعيم المخلوع ومعاونيه، وعلى قيادات المليشيا، وعلى فسدة الشرعية، ربما تنزل على الشعب بركة جبة السياغي!
أما نحن فإذا لم نجد الجاكيتات، فنفضل البقاء عرضة للبرد على أن نرتدي الجبب.. لا تهمنا الصحة يا عالم.
*المقال خاص بـ(يمن مونيتور)