اليمن_تاريخ_وثقافة
14.3K subscribers
150K photos
361 videos
2.28K files
25.3K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
مروان الغفوري

"يا وشاحُ ..

استعذ من رفاقِ السلاح

وانتشر في تخوم الكلام،

وكن حربةً في الظلام."



كان الوشاحُ طائراً في يد الإمام

يحطّ على دم الموتى، ورقاب الفارين من السجون

وكان الإمامُ حربةً في يد الوشاح

تسوقُ الغفرانَ من السماء إلى القبر

وتجلبُ الملائكةَ، وأبناء النبي.



"امسح جبينَك يا وشاحْ

نبتَ الصباحُ على الأنوفِ

وأنتَ مفترق الصباح.

.. واكنُس طريقَ المؤمنين،

اكْنُس فروجَ الأرضِ من هذي الرياحْ."

.. كان الوشاحُ صغيراً، مثل كل الجبال

وعندما كبُر غادرتُه الغيومُ، والأغنام

وتركته الأمطارُ وحيداً في بلدةٍ عالية.



قيلَ له: الدمُ ابنُ الإله،

فأطلق أبناء الإله من أوعية الإنسان.

ولم يعُد يصدّق، بالمطلقِ، ما تعلمه قديماً

من أن الدمَ ابن الإنسان،

وأن الإنسان هو البلدةُ العالية

التي بناها الله، وخرّبتها السيوف.



"وللوشاحِ ظلمةٌ ونور

وكلمةٌ صغيرةٌ تخرجُ من أحشائها النسور.

للوشاحِ سيفُه القديمُ، قلبُه الجديد

يجرّه حصانُ مولاهُ إلى فنائه السعيد

للوشاحِ معناهُ المشتقّ من رهافةِ الخوفِ

ومن أجنحةِ الطيور..

بالأمسِ كان يحفِرُ الحبّ على الأوجهِ،

في مخابئ النسوانِ، في الصخور

وكان يشتري الأحلامَ من متاجرِ الموتى،

ويحرقُ السوادَ في مدافِن العبيد. "



لا يتذكر الوشاحُ ذلك اليومَ

الذي دهس فيه أول دمٍ على البئر.

ولا أول حكم بالإعدام، اصطكّت له قدماه

.. بيد أنه لا ينسى كيف خرج أطفال كثيرون من بين أصابعه

في تلك الليلة.



"لقد حاولت إرجاعهم إلى أصابعي، فأكلهم الضبابُ"



" يقول ملَك القتلى لأذُنِ الوشاح:

ستخرجُ الأرواحُ، مثل الدودْ

تحفِر في السماءِ أخدوداً لهذه الأجسادِ

تسكبُ العويلَ والرياحَ في الأخدود..

وتضربُ الأقداح".



.. كان طويلاً، نحيل الجسد.

قيل إن أباه استسقى به، في طفولته،

ففاضت القريةُ بالأخشاب

يتذكر الوشاح جيّداً

كيف استمتعوا، بعد ذلك، بلعبة السيوف الخشبية.



كان يهزم رفاقه

فيرى أجسادهم البضّةَ وقد تحوّلت إلى أبواب ومتاريس.

حتى في تلك الساعة التي قُتِل فيها على يد وشاحٍ جديد

فقد قيل إن آخر كلمة لفظها:

أذوبُ الآن، أنا آخر المتاريس،

أنا خاتمة الأبواب.



"وذات مرّة يطلبه مولاهُ:

- كم فتحت، يا وشاح؟

- فتحتُ كل بابٍ في طريق مولاي الأمير.

- وكم تركتَ، يا وشاح، للسماءِ والسرير؟

- تركتُ أوهاماً تطيرُ في الرؤوسِ،

عنواناً يغوصُ في الأيام.

- كيف ترى الأيام، يا منتجعَ الأيام؟

- أرى بلاداً تغزلُ الكلامَ بالكلام

وتمزجُ الظلمةَ بالغدير.

- وشاحُ، أيها الغلامُ...!

- أنا لمولايَ الحدوةُ، والسرجُ، الصهيلُ والخطامُ...

مُرْني بما ترى، ستهبطُ الأسماءُ من عليائها،

وتصهلُ الأبواب...



حلُم الإمام بالوشاح يمتصّ ريق طائر.

في الليلة التالية،

كان الوشاحُ يحلم بطائرٍ يمتص ريق الإمام

.. حتى بعد موت الرفيقين

فإنهما ظلاّ يحلمان بالطريقة ذاتها

ويفسران حلميهما:

الإمام ينتظر الساعة التي سيطير فيها الوشاح

والوشاحُ يرتقبُ اللحظة التي سيتوقف عندها الإمام عن الطيران.

وكلاهما يسند ظهره إلى رتاج الجنّة،

ويتبوّل في الجحيم.



قلبي يطيرُ وأنتَ أين تطيرُ؟... جزعي هُناكَ، حديثنا المغدورُ

لا تتركِ الموتى على أعقابِنا... قتلى، وآجالٌ هناك تدورُ

للأرضِ أول منزلٍ ولمنزلي... في الأرض أول منزلٍ، وقبورُ



قرأ الوشاحُ على باب السجن، من الداخل:

هُنا تنبتُ الأجنحة

وتغسلُ الملائكةُ الجدرانَ باللبن.

فتمنّى لو أنه استطاع أن يكتب تحت هذا النص:

الدمُ للترابِ، واللبن للجدران

وصدري للسجناء ولمداخن القرى.



أيها الوشاحُ! قال الإمامُ في منامه:

تزوّد قبل الموتى بالأحياء

وانكأ خاصرة السيفِ بخضراء الأعمال

ضوّع سيفَك بغبار الآباء،

سيعدُك الموتى برمالٍ تشرقُ في رئتيك،

وأنتَ يمينُ التوحيد، وفاصلةُ الآجال..

فتفتّح، كالقُرآنِ، على برَكِ التأويلِ

ولا تقبِر هذا الخفَرَ الرباني على شفتيك.



.. كتب بحّارٌ مريض على الماء:

أمشي، وتنهرني الآمادُ والمؤنُ

كقطرةٍ من دمي تجتازُها المدنُ

أكلتُ خبز بلادي يوم غفوتها

وقد علمتُ بأني، حينها، الوسنُ.



يتذكر الوشاحُ أنه قال للإمام:

"لعنتُ الماءَ قبل الفجر

فعاد الصدى بُعيدَ صلاة العصر".

لم يقُل الإمام شيئاً،

فقط كان يستذكر مقولة جارته، في الجبل:

"الحاقدون ثلاثة: الماء والجمَل والدم".

بعد هنيهة انتفض الإمام:

لا تكتب شيئاً على الماء، يا وشاح!

لا تنبس ببنت شفةٍ

وأنت ترفع الرؤوس عن الأجساد، لتحيّي العدالة..

ولا تنفرد بجمل، أو صحراء..!



أيضاً، عن الوشاح:

لم ينم الوشاح، تلك الليلة

فكّر في أن يحدّث الإمام عن الحب

والعدالة،

فقد وجد نصّاً بخط اليد، على ظهر كتاب في المسجد:



أيتها المرآة النبوية، يا نشيد الإنشاد، ويا فاتحة الأعياد

أنت قبّة الملائكة، وبخور العارفين...

تجلّي، أكثر، في هذه الساعة..

كي تغسل ملائكة الصحراء بالحناء أناملك

وتعقِل أحصنتها على ساقيك.

دع
ي لي هذا المساء، فهو كلمتي الشاردة

أتقي بها الناس والمدافن

وأنتِ.. الوقت المقدس النبيل

المعتم المضيء

الشجرة الهاربة.. من الصحراء إلى مملكة الرب،

حيثُ يعيش الناسُ على أطراف قلوبِهم

ويغزلون المدينة تحت أصابع العاشقين

تحسسي كتفي... إلخ.



في الظهيرة نهره الإمام،

وأجبره على أن يحمّم قطّه الأبيض.



وقبل أن يعود مولاهُ الإمام..

كي يكلّم السماء،

يدهنَ العبيد بالفوسفور والأزلام

قاله له الوشاحُ:

يا إمام!

يا أوّل الموحّدين! يا مملكة الأيتام!

دلّني إلى الغفران والخطيئة الأولى

لأحرس الحصون بالإيمانِ،

والإيمان بالرماح!



لم يعِش الوشاحُ ليشهد الحصونَ وهي تتآكل

مثل السيوف،

ولا أردية النسوان وهي تطيرُ فوق أعناق الغزاة...

لقد كان حلماً عنيفاً ذلك الذي رآه،

وظل ينادي طيلة الليل:

ستسقط الأعناقُ عن أعناقكم

وتسحبُ الدماءُ، باسم اللهِ، للصحراء

مقبرة الآباء،

فانطلقوا، يا أيها الأعداء، في الحارات والبيوت

وانسكبوا، لا تتركوا دليلاً

على وجودِنا.. وانطلقوا بظلنا نحو سماءِ الله، في الجبال

سيخرجُ الآباءُ من قبورِهم، ويخرجُ الزمانُ فارداً يديه،

بين هذه الأسمال

يا أيها الأعداء.. يا سلالةً من الدمِ المغشوش

والخطايا

كيف تسكرون عند باب مولانا الإمام


حيثُ يجلسُ الظلامُ، كل ليلٍ، يحرسُ العقيدة

وينهرُ التأويل

.. حيثُ يغسلُ الحلم عصا مولاي؟!



.. فسّر الإمام حلمه، كعادته:

ستهربُ الخيولُ، يا وشاح،

للجبال والوديان

وتوقدُ النسوةُ لحمنا على أسنّة الرمّاحِ

للغزاةِ، والغربان.

و.. يعبثُ الموتى ببكْرةِ الميزان
كان الوشاح هو مَن يجري أمر الله في مخالفي ومعارضي الإمام أحمد رحمه الله ..
وما كان بين أن يكون رأس المعارض في الأرض وبقائه إلاّ أن يقول " أحمد يا جناه " : أجر أمر الله يا وشاح ..
فيجري أمر الله ..

وجرى أمر الله على الوشاح ايضا ..!!!!
فقد شرِبَ رفيقه من قُلته بدون إذنه فقتله فحُكم عليه بالإعدام ..
فأراد - كما قيل - الإمام أن يُجنّبَ سيّافه الإعدام فبعثَ معارضوا الإمام بمنشورات تقول أن الإمام يريد أن يُبطل حدا من حدود الله مجاملة لسيافه الوشاح ..!!
وهي اليد التي أوجعتِ الإمام , فهو يُعدم مناوئيه لأنهم اساسا كما يقول يدعون لتبديل شرع الإسلام فكيف يكون هو من يُبدله !!؟
فاضطر الإمام لقتل الوشاح وأجرى أمر الله عليه
"الوشاح"، سياف الإمام أحمد الأوحد. قفزت من مرقدي وأنا غير مصدق: لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟...

* * *

الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!

* * *

هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.

كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!

هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:

- شد حزامك! مولانا معك!

وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.

لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.

كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:

- كن أسداً!

وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".

انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.





هكذا كانت نهاية "الوشاح"، سياف الإمام الذي قطع رؤوس العشرات من الأحرار اليمنيين... وهكذا كانت بداية النهاية لعصر الظلم والاستبداد

منقول من الروائي اليمني الكبير: زيد مطيع دماج 
الوشاح و #الجبة

قال الحلاج: ليس في الجبة غير الله..

سيترك الخرقة الخضراء ويندمج بالناس، ستلاحقه التهم، ويحكم عليه بأبشع طريقة قتل يمكن أن تحدث لإنسان، سيخلع الجبة، سيبدأ السياف بضرب أطرافه العليا، ثم أطرافه السفلى، وتركه ينزف على الخشبة إلى أن يموت، سيقطع السياف رأسه، ويعلق بأطراف المدينة.

الجبة للبرد، ولولم يكن الحلاج مستمسكًا بأفكاره، أو عاش إلى زمن المليشيا والمخلوع لقال:

ليس في الجبة غير الجيب الفارغ.

نحن جيل الموضة في القرية، عرفنا الجبب من العساكر، لقد كانوا يأخذون صرفهم العسكري من صنعاء ويرسلونها إلى الطاعنين بالسن ليدفئوا، وأحيانًا يشترونها من باب اليمن.

جبب على أزرارها الشعار الجمهوري، طير مذهب بجناحين، يدخل في شقوق الجبة ليشدها فيزداد الدفء.

بدأ البرد يتسلل إلى ليالينا، ستسمع صريره في الليل وقد تداخل مع خطوات الرجال. هم ليسوا رجالًا بمعنى تقدمهم في السن، ولكن بتماشيهم مع الظروف واستشعارهم مسؤولية تدبير المصروف لعوائلهم المتعففة.

برد، وفتيان بين العاشرة والعشرين، يمشون في الليل وعلى رؤوسهم أضوية الكشافات، هؤلاء كانوا طلبة مدارس يفترض أن يكون في مثل هذا الوقت نائمين كي يستيقظوا لطابور الصباح، لكنهم الآن في الطريق إلى الوادي كشقاة مع مقوت، يقطفون أغصان القات حتى انبلاج الصبح..

إنهم يتحدون البرد مجبرين، ستسمع أحدهم وهو يقول لصاحبه:

جلدي قشبب من السقعة.. وصدري أليم من الطل.

المعذرة.. خرجت عن الموضوع الذي أريد الكتابة عنه: الجبة المشؤومة التي تقتل صاحبها. وأشعر كما لو أنني أحرض على "المقوت"، لينتبه على الشقاة الصغار بأن يدبِّر لهم أردية الخز الثقيل لمجابهة قر الشتاء القارس.

هذا ليس لونًا جديدًا للكتابة، إذ يتداخل الخاص بالعام، القرية بالمدينة، القديم بالجديد، وإنما تشعبًا في الرأس نرجعه إلى طبيعة المرحلة لنقنع أنفسنا بالحاصل، وإلا ما دخل جبة الحلاج ببرد المبزغين.

لقد قرأت قصة غريبة عن جبة يمنية لم يُذكر لونها. جبة مشؤومة، هي جبة أحمد السياغي، القاضي السياغي سنة 1955، حرض العلماء على إرغام الإمام الطاغية أحمد للتنازل لأخيه، لم يكتف بذلك، بل ذهب إلى الإمام ليطلب مرسومًا خطيًا بالتنازل، كان واثقًا من حركة الأحرار التي قامت وقتئذ ومن نجاح ثورة الدستور، لكن الثورة فشلت، وقبض جنود الإمام على أحمد السياغي. وكما هو معروف عن الإمام سيرسله إلى ساحة الإعدام في ميدان الشهداء..

كان السياغي في الخمسين من العمر، يرتدي جبة ما يؤكد أن الطقس كان باردًا، لكن السياف المعروف بـ"الوشاح" أمره بخلعها، يعجبهم أن تموت والفرائص ترتعد من البرد، خلع السياغي جبته فقطع السياف رأس السياغي.

وأخذ الوشاح الجبة له.

بعد فترة اتُهِم سياف الإمام بقتل جندي من جنود الإمام، هي سياسة الإمام أحمد بتحويل القتل إلى تسلية ترهب معارضيه، حُكم على السياف الوشاح بالإعدام، وحين لم يجدوا من يعدمه، أخرجوا محبوسًا من الزرانيق كان في سجن الطاغية، كان الوشاح يرتدي جبة السياغي، أمره المحبوس الزرنوقي بخلعها، ثم ضرب عنقه.

أخذ الزرنوقي الجبة لنفسه.

وبعد أن قامت ثورة سبتمبر المجيدة عام 1962، وأطاحت بالإمامة وقامت الجمهورية، جاء الزرنوقي إلى المشير السلّال ليهنئه بالثورة، كان الزرنوقي يرتدي جبة السياغي، وبما أن السلال من قيادات ثورة سبتمبر والسياغي ضحى بنفسه عقب فشل ثورة الدستور، تجمعهما رابطة النضال ضد طاغوت واحد، كان على السلال أن يثأر للسياغي، لقد عرف الجبة التي يرتديها الزرنوقي.

خلع الزرنوقي الجبة، وأطلق عليه النار شخص اسمه الهدام.

الهدّام أخذ الجبة..

دخلت البلاد في فوضى، قُتل الهدام وهو يرتدي جبة السياغي. ثم لم يعرف أحد أين ذهبت الجبة فيما بعد.

هذه القصة نقلها أحد تلامذة مفتي الجمهورية العلامة محمد العمراني.

من يعرف شيئًا عن الجبة، فليمزقها خرقًا ويوزعها على الزعيم المخلوع ومعاونيه، وعلى قيادات المليشيا، وعلى فسدة الشرعية، ربما تنزل على الشعب بركة جبة السياغي!

أما نحن فإذا لم نجد الجاكيتات، فنفضل البقاء عرضة للبرد على أن نرتدي الجبب.. لا تهمنا الصحة يا عالم.

*المقال خاص بـ(يمن مونيتور)
#زيدمطيع #دماج

Zaid Muttee Dammaj -الانبهار والدهشة -كتاب مذكرات

سور تعز

كان سورها العظيم المشيد بالحجارة من الخارج والداخل بعرض يسمح بتحرك الجنود بمعداتهم، ويكاد الآن يسمح بمرور المصفحات، لمتانته، يحيط بالمدينة من كل الجوانب، ببابيه، وهما "باب موسى" و"الباب الكبير" اللذين كانا ومازالا آية رائعة لفن العمارة اليمنية. وعلى بعد كل خمسين متراً تبرز منه "نوبة" شبيهة بالقلعة. ويتجه مسار هذا السور مرتفعاً وحاضناً للمدينة صوب "قلعة القاهرة" الجبارة التي تطل على المدينة شامخة وحارسة لها كأنها "أبو الهول" حارس أهرام الجيزة بمصر.

لا أبالغ إن قلت إن هذا السور العظيم بقلعته الشامخة لا مثيل له في أي مدينة يمنية، سوى سور مدينة ثلاء وحصنها الذي يشبهه ولكن بصورة مصغرة جداً، وأنني لم أشاهد أو أعرف مثيلاً له في أي مدينة عربية أو أجنبية.

* * *

إذا كان "سور تعز" العظيم يعد أعظم أثر، فهنالك داخل المدينة، التي احتضنها هذا السور العظيم وقلعته الحارس الأمين، مآثر عديدة غاية في العظمة يتوقف أمامها الناس بدهشة وإعجاب، أعني بها الجوامع والمدارس والأضرحة ذات القباب الصغيرة والأخرى العملاقة ذات البناء المتميز بدقة زخارفه التي لا مثيل لها، والكتابات البديعة بألوان من الأصباغ اليمانية الشهيرة التي مازال بعضها قائماً منذ مئات السنين حتى عهد الإمام يحيى وبنيه الذين عمدوا إلى طمس تلك المعالم بحجة تبييضها بـ"النورة" البيضاء، كما فعل "الجار الكبير" عندما طمس معالم وزخارف وأعمدة الجامع الكبير (جامع الملكة أروى) في صنعاء و"جامع الجند" الذي أقامه معاذ بن جبل، ويعد أول جامع أقيمت فيه أول صلاة جمعة في شهر رجب، وهي الجمعة التي مازال اليمنيون يعدونها عيداً من أعيادهم المهمة.

مدرسة (أو جامع) الأشرفية

نسبة إلى الملك أشرف. يطل الجامع على المدينة من الجهة الجنوبية الشرقية، بمئذنتيه اللتين لا مثيل لهما في أي مدينة، بفن عمارتهما وزخارفهما الخارجية وقبابهما العديدة. وتحيط به من الجانبين "برندات" طويلة ذات عقود كبيرة مفتوحة على الهواء، وعند كل فتحة "دكة" من "القضاض" يجلس عليها المصلون والدارسون يستنشقون الهواء الطلق المنعش ويطلون منها على المدينة وضواحيها والجبال البعيدة الخضراء. وفي الخلف أحواض لدباغة الجلود التي اشتهرت بجودتها. وبداخل هذا الجامع أو المدرسة (الأشرفية) أعمدة وعقود يرتكز عليها البناء، وقبتان كبيرتان مزركشتان بالخط الملون، ومحاريب غاية في الإبداع.

جامع المظفر

نسبة إلى الملك (المظفر). يعد "جامع المظفر" أكبر جوامع المدينة. كانت له مئذنة شبيهة بمئذنتي مدرسة وجامع الأشرفية، بل تكاد تكون أكثر طولاً (التقطتُ صورة للمدينة والمئذنة مازالت قائمة عام 1960 قبل انهيارها، عندما خرجتُ مع الطلبة اليمنيين من مصر في أول إجازة لنا). كانت تقام في هذا الجامع الكبير جميع الصلوات، وبالذات صلاة الجمعة؛ ذلك أنه الوحيد الذي كان يستوعب سكان المدينة، لاتساعه، له بابان رئيسيان، أحدهما من الغرب، وهو أشهرهما جمالاً ورونقاً بعقوده المقوسة التي تشبه  "الأزهر" و"جامع القيروان" وقصور الأندلس وجوامعها المشهورة. والباب الآخر خشبي منحوت عليه -بخط بديع- آيات منتقاة من القرآن الكريم. وكان يقع أمام الباب، على بعد خمسة أمتار، الحمام البخاري التركي الذائع الصيت.

يمتاز "جامع المظفر" برواقه الكبير "المصلول" بالحجارة بـ"قضاض النورة" المتين، وبركته الفسيحة التي كنا نسبح فيها معظم الأيام، وبالماء الرقراق الذي ينساب إليها بساقية "مقضضة" بـ"النورة" من منحدرات "جبل صبر" الشامخ إلى "سبل" للشرب بقبابها "المقضضة" أيضاً، وتتوزع بميازيب إلى كل بركة صغيرة أو كبيرة يتوضأ فيها المصلون أو يغتسلون صباح كل يوم (من الجنابة). وأمام الجامع من الجهة "القبلية" (الشمالية) مقبرة أثرية مسورة تحتل مساحة واسعة،  تضم رفات جميع ملوك وعظماء اليمن في تلك الحقب، ويطل عليها الجامع بقبلته البارزة ذات القبة الصغيرة المزخرفة البديعة، وبجوارها من الخارج على اليسار بوابة صغيرة ذات أعمدة عليها قبة صغيرة أيضاً ليدخل منها الملوك والسلاطين والحكام وحاشياتهم مباشرةً إلى الصفوف الأمامية أمام المنبر لكي لا يطؤا رقاب المصلين.

في كل صلاة جمعة كان الإمام أحمد يخرج من قصر "دار الناصر" على صهوة جواده "الرعد" مع حاشيته وحشمه وعكفته وسواريه وعساكره "النظام" و"البراني" بزاملهم المعتاد وأصوات أبواق "البورزان" وعبيده المحيطين به، ومظلته المزركشة بمعذباتها المزينة بلون الذهب تدور فوق رأسه، يقوم بمهمة تدويرها عبد عملاق. ومع أن المسافة قصيرة ما بين "دار الناصر" وجامع "المظفر"،إذ لا يفصل بينهما إلا "ميدان الشبكة" إلا أن الإمام أحمد كان يريد بموكبه هذا أن يثبت لسكان المدينة أنه أجل مهابة وأعظم سطوة من ملوك بني رسول والغسانيين! لكن الناس والعامة منهم أيضاً يعرفون أنه كان يخرج من قصر "دار الناصر" الذي استولى عليه، ويتجه ليصلي في "جامع المظفر" في مد
ينة مسورة بسور عظيم لم يكن هو ولا والده قد عمرا مثله في تاريخهما المظلم المديد!

كان "جامع المظفر" منافساً لـ"جامع الأشرفية" بالزخارف والكتابات ذات الخط الجميل، بألوانها الزاهية على المساحات الفضائية لقبابه الثلاث الكبيرة، وقبابه الصغيرة أيضاً، من الداخل وعلى جوانب أعمدته التي تسند هذه القباب والسقف الكبير للجامع بأكمله. كنت عندما أحاول رفع رأسي إلى أعلى لقراءة الكتابة عليها أصاب بالدوار ويظل رأسي يدور وجسمي أيضاً حتى أكاد أسقط من الدوران.

المعتبية

تحيرت في الحديث عنها، هل أسميها جامعاً أم مسجداً أم مدرسة!؟

فهي تحمل كل الصفات لهذه المسميات. تعد "المعتبية" ثالث أكبر جامع في تعز بعد "جامع المظفر" الكبير و "جامع الأشرفية".

كانت هذه "المعتبية" أحد الأشياء التي كنت في ذلك الوقت اتساءل عنها: لماذا لم تعلُها مئذنتان كـ"الأشرفية" أو مئذنة واحدة كـ"المظفر" ولماذا لها قبتان فقط شبيهتان بالنهدين!؟ ولماذا سميت بالمعتبية؟!

ظلت هذه التساؤلات في ذاكرتي منذ كنت طالباً في "المدرسة الأحمدية"، حتى التقيت أخيراً وبالمصادفة الأستاذ الأديب "الغريب" السفير "محمد أنعم". قال لي، والعهدة عليه، إن اسم جامع أو مدرسة أو مسجد "المعتبية" منسوب لزوجة أحد ملوك تعز وكانت جارية واسمها "المعتب"، وهي التي أمرت ببنائه وسمي باسمها.

وعن سؤاله: لماذا لا توجد بأعلاه مئذنة؟ ولماذا اكتفت ببناء قبتين فوقه فقط؟ كان جوابه: لأن التي بنته كانت جارية، فمنع عليها زوجها الملك بناء مئذنة. وأما لماذا اكتفت بتتويجه بقبتين فقط على شكل نهدين، فلأنها كانت ذات حكمة ودهاء، حيث رمزت بأهم مناطق جسم المرأة جاذبية للملوك.

هذا ما قاله أستاذي الأديب الشاعر "محمد أنعم غالب". اعتبرت كلامه منطق خيال شاعر؛ لكنني قمت برحلة سريعة إلى ذاكرتي وأيقنت فعلاً بقول أستاذي الشاعر.

لا تختلف هذه "المعتبية" عن "الأشرفية"، فهي صورة لها من الداخل والخارج، ماعدا المئذنتين وعدد القباب المتنوعة الأحجام. ولا تختلف "المعتبية" عن "المظفر" الجامع الكبير، إلا أنها أصغر منه حجماً وقباباً وأبواباً رئيسة واتساعاً. لكنني كنت عندما أزورها أشعر فيها براحة محببة إلى القلب، وعندما أطل من أروقتها الجانبية أشاهد عن بُعد "جبل التعكر" يحتضن قريتي وقرى أخرى. وتعتبر "المعتبية" متميزة بحيها وحارتها ذات البيوت النظيفة، القديمة منها أو المستحدثة، والمشجرة أيضاً.

قبة الحسينية العملاقة

هذه القبة- الضريح، العملاقة، الغاية في دقة فن عمارتها البديعة، لا أتذكر أنني صادفت مثلها في أي مكان. أتذكر أن هنالك قبتين كبيرتين في مدينة "موزع" إحداهما "قبة المحولي"، والأخرى لا أتذكر أسمها، مبنياتان بالحجر "الحبش".

لكن "قبة الحسينية" بمدينة تعز متميزة، فهي واسعة وقائمة على ستة أركان أو أكثر، بينما القباب الأخرى قائمة على أربعة أركان فقط.

تقع "قبة الحسينية" في ساحة شبه ميدان كنت مع زملائي نلعب فيه ونستأجر عجلة "السيكل" الدراجة الهوائية ونظل ندور بها في الساحة، وربما نصعد خارج باب المدينة إلى "العُر‘ضي" بصعوبة لكي نتمتع بعد ذلك بالعودة نزولاً مسرعين وبدون جهد!

لم نكن نستطيع الاقتراب منها أو الدخول إليها، لأن الإمام أحمد كان قد خصصها كمخزن كبير للمحروقات الخاصة به، ولـ"المحضار" الذي حاول جاهداً إيجاد مشروع حضاري بتوفير مولد كهربائي وتوفير المحروقات للسيارات القليلة ولحاجة الناس الضرورية من الكاز لمسارجهم "القماقم" أو "الفوانيس". ولأن الإمام أحمد كان حاقداً على كل مآثر هذه المدينة فقد أمر بأن تكون هذه القبة العملاقة (الحسينية) مخزناً للمحروقات بدلاً من أن يأمر بترميمها، وكأنه لم يجد بديلاً عنها، أو يأمر ببناء مخزن غيرها.

المنظار السحري

حين وجودي عصر كل يوم في ميدان "العُر‘ضي"، كانت إحدى متعي مشاهدة "الناظور" السحري الذي عاد به أحد  المغامرين من عدن في غفوة من الإمام أحمد الذي كان قد أصبح في ذلك الوقت مخدراً!

كان هذا المغامر يصيح بصوت عال:

-      أنظر!  أنظر! يا سلام! تعز العز، محل السلطنة... باريس بلاد الفرنسيس، محل الذهب والفضة... الخ.

أدفع نصف "بقشة" وأنظر في ذلك المنظار (السحري) الصغير بعد أن أضعه على عيني والرجل يصيح ويضغط بأصابعه لتحريك المناظر الملونة. كم كنت مبهوراً! تكاد الدهشة تغمرني وأنا أشاهد مدناً وشوارع وسيارات ونساء ورجالاً وأطفالاً يكادون يتحركون وينطقون، خلقهم الله في أحسن تقويم وأبدع، عز جلاله!

لم تكن هناك أي صورة لمدينة تعز في هذا المنظار السحري العجيب، فقد كانت الصور جميعها لمدن أوروبية؛ لكنني كنت أصدق بخيالي أن مدينة تعز موجودة في ذلك المنظار السحري العجيب!

بائعة البطاطا

كنت مع صديقي نخرج من المدرسة عصر بعض الأيام، ندخل من "الباب الكبير" للمدينة ونتجه عبر السائلة إلى "ميدان الشبكة" ونتقرفص أمام بائعة "البطاطا المقلية" الشابة الجميلة، لنأكل من بطاطها مع قليل من البهارات الحارقة ورذاذ من مسحوق الزعتر.

كان هناك