Guarding the shopping Centre near Khormakser - late 1967
Thanks to Edward Boyle
Thanks to Edward Boyle
دراسة: "جيش عدن أبين".. حقيقة ام خرافة جرى استغلالها؟
لطالما كان تفسير النصوص المتطرف وانتقاء الفتاوى وإسقاطها على هذا العصر أو على جهات معينة، أحد أبرز وسائل استقطاب الشباب الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية، وللأسف كثيراً ما تؤتي هذه الوسائل ثمارها الشيطانية مفضية إلى نتائج خطيرة. وكيمنيين فإننا وبلا شك قد سمعنا مراراً وتكراراً عن حديث "جيش عدن أبيَـن" الذي لا يشتهر في بقية الدول العربية، بينما تردده هذه الجماعات على أسماعنا ليل نهار باعتباره نُبُوءة مقدسة لابد من تحقيقها يوماً ما. ولعل ما حشدت به القاعدة إلى صفوفها من شباب بتأثير هذا الحديث، هو أكثر من تأثير أي نص إسلامي آخر، مقدس أو غير مقدس. حتى بلغ استغلال هذا الحديث ذروته في إعلان "قاسم الريمي" المسؤول العسكري لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، عن إنشاء جيش أطلق عليه اسم جيش "عدن أبين".. ومحافظة أبين هي إحدى أهم معاقل القاعدة في اليمن منذ التسعينات، حيث أستخدم الرئيس السابق "علي صالح" هذا الحديث لجمع "المجاهدين" من أفغانستان في حربه ضد الجنوب اليمني عام 1994 وأغراهم بتسليمهم عدن، وهناك تقارير عن جماعة أطلقت على نفسها "جيش عدن أبين" قامت باختطاف 16 سائحاً من أبين عام 1998 تسببت بمقتل 4 منهم. ويعتقد أن هذه الجماعة متورطة بتفجير المدمرة الأمريكية كول في عدن عام 2000. إلا أن تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في أبين منذ عام 2010 تطلب تدخلاً عسكرياً يمني وأمريكي مما حوّلها إلى أرض معارك حقيقية وتسبب في نزوح 160 ألف مواطن، ودمار شامل للمدينة. وسنناقش في هذا المقال حقيقة هذا الحديث، الذي جرّ الشؤم على هذه المنطقة -وكاتب المقال ينتمي لها([1])- بعيداً عن تقنيات المحدثين في تتبع سلسلة الرواة، بل على ضوء المعطيات التاريخية وتركيب رواياته المختلفة، والأحاديث الأخرى المتعلقة به، شكلاً وموضوعاً. نار الحشر قبل استعراض أحاديث جيش عدن أبين، يجدر بنا الإشارة إلى أن مدينة "عدن أبين" كانت معروفة بهذا الإسم، وأقدم ذكر لها في المصادر الإسلامية التي بين أيدينا يعود إلى القرن الثاني الهجري على لسان الأصمعي حيث قال «جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق» ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب (الاستذكار) ونلاحظ أن الأصمعي قرن أبين بعدن، ربما للتمييز بينها وبين أي "عدنات" أخرى حول العالم. فلا معنى للحديث عن إعجاز إخباري بذكر عدن أو أبين، فقد كانت معروفة لدى الجميع. ولا يقتصر ذكر "عدن" في الأحاديث على جيش آخر الزمان الموعود، بل قد ارتبطت بسياق ذِكر النار التي تخرج آخر زمان كعلامة من علامة القيامة. جاء في (صحيح مسلم2901) إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» والمقصود ترحلهم إلى أرض المحشر: «نار من اليمن، من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» (سنن أبي داؤود4311) وأرض المحشر هي الشام (مسند أحمد27588) . وفي البخاري «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» (البخاري: 7118) «قال علي: بُصرَى بالشام» (ابن حبان 6841) وفي مصنف أبي شيبة زيادة على ذات الحديث: «فإذا سمعتم ذلك فاخرجوا إلى الشام» رواية أخرى من كتاب (الفتن لنعيم بن حماد) تقول «تظهر نار من عدن أبين». فهنا نرى اقتران عدن بأبين لكن ليس في سياق الحديث عن جيش، بل في إحدى علامات آخر الزمان. وفي نفس الكتاب أيضاً «يوشك نار تخرج باليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدو إذا غدوا، وتقيل إذا قالوا، وتروح إذا راحوا، تضيء منها أعناق الإبل ببُصرى، فإذا سمعت ذلك فاخرجوا إلى الشام» ويتكرر إقران عدن مع أبين في (سنن ابن ماجه: 4055) «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر». نلاحظ أن جميع هذه الروايات بمختلف صياغاتها تركز جميعها على الإتجاه نحو الشام، بغض النظر عن دقة تحديد موقع خروجها، فهي مرة تخرج من عدن، ومرة من عدن أبين، إنما غاية الرواية أن تخبر أن هذه النار سوف تحشر الناس إلى الشام.. وفي الحقيقة حتى تحديد مكان خروج النار وتوقيته يتشتت في روايات أخرى، فبعض الروايات تحدد خروجها من أماكن مختلفة في اليمن: «بحضرموت فتسوق الناس. قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام» (أحمد) وفي رواية لأحمد أيضاً: «نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكا ببُصرى». وعند ابن أبي شيبة «تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن» ويتشتت التوقيت عند أحمد نفسه الذي يروي روايتين متناقضتين، فمرة يقول هي أول العلامات، ومرة هي آخر العلامات، لكن المشترك الوحيد هو الشام، فما سر هذا التركيز على الشام؟ إلى درجة تضارب الروايات عن مصدر وتوقيت النار، في مقابل إتفاقها جميعاً على الوجهة.. ولمعرفة الجواب، يجب أن نستعرض المكانة السياسة للشام في العصر الأموي، عصر انتشار ظاهرة وضع الأحاديث لأغراض سياسية.([2]) لمحة عن الحال السياسي في العصر الأموي يرجع الأمويون في نسبهم إلى أميَّة بن عبد شمس من قبيلة قريش. و
لطالما كان تفسير النصوص المتطرف وانتقاء الفتاوى وإسقاطها على هذا العصر أو على جهات معينة، أحد أبرز وسائل استقطاب الشباب الذي تمارسه التنظيمات الإرهابية، وللأسف كثيراً ما تؤتي هذه الوسائل ثمارها الشيطانية مفضية إلى نتائج خطيرة. وكيمنيين فإننا وبلا شك قد سمعنا مراراً وتكراراً عن حديث "جيش عدن أبيَـن" الذي لا يشتهر في بقية الدول العربية، بينما تردده هذه الجماعات على أسماعنا ليل نهار باعتباره نُبُوءة مقدسة لابد من تحقيقها يوماً ما. ولعل ما حشدت به القاعدة إلى صفوفها من شباب بتأثير هذا الحديث، هو أكثر من تأثير أي نص إسلامي آخر، مقدس أو غير مقدس. حتى بلغ استغلال هذا الحديث ذروته في إعلان "قاسم الريمي" المسؤول العسكري لتنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، عن إنشاء جيش أطلق عليه اسم جيش "عدن أبين".. ومحافظة أبين هي إحدى أهم معاقل القاعدة في اليمن منذ التسعينات، حيث أستخدم الرئيس السابق "علي صالح" هذا الحديث لجمع "المجاهدين" من أفغانستان في حربه ضد الجنوب اليمني عام 1994 وأغراهم بتسليمهم عدن، وهناك تقارير عن جماعة أطلقت على نفسها "جيش عدن أبين" قامت باختطاف 16 سائحاً من أبين عام 1998 تسببت بمقتل 4 منهم. ويعتقد أن هذه الجماعة متورطة بتفجير المدمرة الأمريكية كول في عدن عام 2000. إلا أن تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في أبين منذ عام 2010 تطلب تدخلاً عسكرياً يمني وأمريكي مما حوّلها إلى أرض معارك حقيقية وتسبب في نزوح 160 ألف مواطن، ودمار شامل للمدينة. وسنناقش في هذا المقال حقيقة هذا الحديث، الذي جرّ الشؤم على هذه المنطقة -وكاتب المقال ينتمي لها([1])- بعيداً عن تقنيات المحدثين في تتبع سلسلة الرواة، بل على ضوء المعطيات التاريخية وتركيب رواياته المختلفة، والأحاديث الأخرى المتعلقة به، شكلاً وموضوعاً. نار الحشر قبل استعراض أحاديث جيش عدن أبين، يجدر بنا الإشارة إلى أن مدينة "عدن أبين" كانت معروفة بهذا الإسم، وأقدم ذكر لها في المصادر الإسلامية التي بين أيدينا يعود إلى القرن الثاني الهجري على لسان الأصمعي حيث قال «جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق» ذكر ذلك ابن عبد البر في كتاب (الاستذكار) ونلاحظ أن الأصمعي قرن أبين بعدن، ربما للتمييز بينها وبين أي "عدنات" أخرى حول العالم. فلا معنى للحديث عن إعجاز إخباري بذكر عدن أو أبين، فقد كانت معروفة لدى الجميع. ولا يقتصر ذكر "عدن" في الأحاديث على جيش آخر الزمان الموعود، بل قد ارتبطت بسياق ذِكر النار التي تخرج آخر زمان كعلامة من علامة القيامة. جاء في (صحيح مسلم2901) إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات، وذكر منها «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» والمقصود ترحلهم إلى أرض المحشر: «نار من اليمن، من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» (سنن أبي داؤود4311) وأرض المحشر هي الشام (مسند أحمد27588) . وفي البخاري «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» (البخاري: 7118) «قال علي: بُصرَى بالشام» (ابن حبان 6841) وفي مصنف أبي شيبة زيادة على ذات الحديث: «فإذا سمعتم ذلك فاخرجوا إلى الشام» رواية أخرى من كتاب (الفتن لنعيم بن حماد) تقول «تظهر نار من عدن أبين». فهنا نرى اقتران عدن بأبين لكن ليس في سياق الحديث عن جيش، بل في إحدى علامات آخر الزمان. وفي نفس الكتاب أيضاً «يوشك نار تخرج باليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدو إذا غدوا، وتقيل إذا قالوا، وتروح إذا راحوا، تضيء منها أعناق الإبل ببُصرى، فإذا سمعت ذلك فاخرجوا إلى الشام» ويتكرر إقران عدن مع أبين في (سنن ابن ماجه: 4055) «ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر». نلاحظ أن جميع هذه الروايات بمختلف صياغاتها تركز جميعها على الإتجاه نحو الشام، بغض النظر عن دقة تحديد موقع خروجها، فهي مرة تخرج من عدن، ومرة من عدن أبين، إنما غاية الرواية أن تخبر أن هذه النار سوف تحشر الناس إلى الشام.. وفي الحقيقة حتى تحديد مكان خروج النار وتوقيته يتشتت في روايات أخرى، فبعض الروايات تحدد خروجها من أماكن مختلفة في اليمن: «بحضرموت فتسوق الناس. قلنا: يا رسول الله ما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام» (أحمد) وفي رواية لأحمد أيضاً: «نار من اليمن من جبل الوراق، تضيء منها أعناق الإبل بروكا ببُصرى». وعند ابن أبي شيبة «تخرج من أودية بني علي نار تقبل من قبل اليمن» ويتشتت التوقيت عند أحمد نفسه الذي يروي روايتين متناقضتين، فمرة يقول هي أول العلامات، ومرة هي آخر العلامات، لكن المشترك الوحيد هو الشام، فما سر هذا التركيز على الشام؟ إلى درجة تضارب الروايات عن مصدر وتوقيت النار، في مقابل إتفاقها جميعاً على الوجهة.. ولمعرفة الجواب، يجب أن نستعرض المكانة السياسة للشام في العصر الأموي، عصر انتشار ظاهرة وضع الأحاديث لأغراض سياسية.([2]) لمحة عن الحال السياسي في العصر الأموي يرجع الأمويون في نسبهم إلى أميَّة بن عبد شمس من قبيلة قريش. و
كان لهم دورٌ هام في عهد الجاهلية وخلال العهد الإسلامي. أسلَم معاوية بن أبي سفيان في عهد الرسول، وتأسست الدولة الأموية على يده، وكان قبلاً واليًا على ((الشام)) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم نشب نزاع بينه وبين علي بن أبي طالب بعد فتنة مقتل عثمان، حتى تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية بعد مقتل أبيه، فتأسست الدولة بذلك. بعد وفاة يزيد اضطربت الأمور، فطالب ابن الزبير بالخلافة في ((مكة))، ثم تمكن عبد الملك بن مروان بن الحكم من هزمه وقتله في مكة سنة 73 هـ، فاستقرت الدولة مجدداً. كما تخللت فترة الحكم الأموي خروج ولاية اليمن على سيطرة الأمويين ودانت لسيطرة عبد الله بن الزبير الذي بويع بالخلافة في مكة (64 - 76 هـ)، وخلال مدة حكم ابن الزبير والتي لا تزيد عن تسع سنوات استطاع ابن الزبير أن يرسل إليها الولاة. ولعل ذلك ما سبب حنق الأمويين على أهل اليمن، فقد اتسمت فترة الحكم الأموي على ولاية اليمن بالقسوة الشديدة من أغلب الولاة، لدرجة أن محمد بن يسوف (أخو الحجاج) همّ بحرق المجذومين بصنعاء، إذ جمع حطباً عظيما لأجل ذلك، بيد أن منيته عاجلته قبل تنفيذ الحرق. ظاهرة وضع الأحاديث السياسية على ضوء المكانة الكبيرة للأحاديث النبوية في نفوس المسلمين، والرجوع إليها لحل قضاياهم بما فيها خلافاتهم السياسية التي بلغت ذروتها في هذا القرن. عمد كثيرون إلى استغلالها وتزوير الكثير منها دعماً لجماعاتهم أو مواقفهم السياسية. وهذا ثابت في التاريخ الإسلامي وعند جميع علماء الحديث، ومن ذلك ما ذكره الجوزي فقال: «قال المختار لرجل من أصحاب الحديث: ضع لي حديثا عن النبي ص أني كائن بعده خليفة وطالب له بترة ولده، وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم، فقال الرجل: أمّا عن النبي ص فلا، ولكن اختر من شئت من الصحابة واحطط من الثمن ما شئت» (تاريخ المنتظم) وتكمل رواية أخرى أن الذي رفض هو ابن عمار بن ياسر، فقتله المختار. وحادثة أخرى رواها البخاري تظهر المختار يحاول رشوة أحد لكي يضع له حديث قائلاً: «إنك شيخ أدركت النبي ص ولا تكذب بما حدثت عنه، فقونا بحديث النبي ص وهذه سبعمائة دينار» وتحدث كثير من الفقهاء والمحدثين عن ظاهرة وضع الأحاديث لبني أمية بالذات، منهم "شيخ الإسلام" ابن تيمية حيث قال: «وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي ص في ذلك كلها كذب» جيش عدن بعد هذه النبذة المختصرة عن الحالة السياسية للمنطقة، وانعكاساتها على الأحاديث النبوية، أصبح من الواضح للقارئ الفطن كيف يمكن لجهة ما (الشام الأموية) أن تستفيد من أحاديث تبشّر بخروج جيش نحوها من عدن أبين، الذي له عدة روايات مختلفة منها الراوية التالية: ذكرها نعيم بن حماد في كتاب الفتن قال ومسجد المدينة يُبنى: «والله لوددت أنه لا يبنى منه برج إلا سقط برج».. فنرى الراوي يتمنى بشكل غريب لو أن مسجد المدينة يتحطم! فقيل له «ألم تقل: إن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام؟» في إشارة إلى حديث البخاري «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» فكيف يتمنى تحطيمه وله هذه المكانة في الإسلام؟! فأجاب: «ولكن فتنة نزلت من السماء ليس بينها وبين أن تقع إلا شبرا، ولو قد فرغ من بناء هذا المسجد وقعت، وذلك عند قتل هذا الشيخ عثمان بن عفان».. وهنا تتبدّا علامات وضع الحديث، حيث يتنبأ بمقتل عثمان بن عفان بكل هدوء، ليس ذلك فحسب، بل يأتي الرد من أحدهم «أوليس قاتله كقاتل عمر؟» وهي نبؤة خطيرة أخرى تمر عليها الرواية ببساطة غريبة.. فقال كعب: «بلى، مائة ألف أو يزيدون، ((ثم يحل القتل ما بين عدن أبين إلى دروب الروم))، وجيش يخرج من الغرب، وجيش يخرج من المشرق، فيلتقون بأرض يقال لها صفين، فيكون بينهم ملحمة عظيمة، ثم لا يفترقون إلا عن حكمين» فنحن إذن أما رواية ركيكة مفضوحة الوضع إلى حد بعيد، تناقش مقتل الخليفتين ومعركة صفين بالاسم، وقضية التحكيم، بشكل مباشر ودون أي تورية. وفيها المقطع الذي يهمنا وهو أن القتل يحل بين عدن أبين إلى دروب الشام. وفي (سنن أبي داؤود2483) ثمة حديث لا تخفى دلالاته يقول: «سيصير الأمرُ إلى أن تكونوا جنُوداً مُجنَّدةً، جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق" قال ابن حَوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك، فقال: "عليك بالشامِ فإنها خِيَرةُ اللهِ من أرضِه» وهنا مرة أخرى نرى: الشام. وبالعودة للرواية الأشهر والتي يُفترض أنها الأصح لجيش عدن أبين، الواردة في (مسند أحمد:3079) : «يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفا، ينصرون الله ورسوله، هم خير من بيني وبينهم» من اللافت أن راوي الحديث هذا هو "المنذر بن النعمان" اليمني، كل الروايات ترويه عنه وحده! وقال أحمد: ليس في حديثه مسند غير هذا، وهذا قرينة كافية لإثارة الشكوك حول نسبة هذا الحديث إلى الرسول.. كما لا يمكننا التغافل عن إشارة غفل عنها كثيرون وهي أن عدد جيش عدن أبين الذي يقاتل إلى الشام و تحدده الرواية (اثنا عشر ألفاً) هو عدد الخوارج المنشقين
من جيش علي! (البداية والنهاية لابن كثير) وجيش الحسن كذلك المقاتلين للشام: «كنا في مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفا بمسكن مستميتين من الجد على قتال أهل الشام» لماذا عدن؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من العودة إلى معنى عدن في الكتاب المقدس الذي يسمي الجنة: عدن. أَشْجَارِ عَدْنٍ الَّتِي فِي جَنَّةِ اللهِ (حزقيال 31: 9). كما يصف الكتاب المقدس المنطقة التي طُرد إليها آدم بعد أن فُتِن أنها في الشرق: فَطَرَدَ الإِنْسَانَ وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ (سفر التكوين 3: 24). فلا عجب أن معظم هذه الأحاديث تصف الفتنة في الشرق، وقد جمعها البخاري في باب سمّاه (باب قول النبي: الفتنة من قبل المشرق) ويربط الكتاب المقدس جنة عدن بنبؤات ومعارك المسيح في آخر الزمان. وقرينتنا إلى هذه العودة؛ أن رواة أحاديث "عدن أبين" هم أحبار يهود: الأول هو كعب الأحبار، اليهودي اليمني الحميري (وعدن تقع ضمن مملكة حِميَر) العالم بالإسرائيليات والذي أسلم وأصبح من أبرز الرواة ومن حاشية الخليفة الأموي معاوية في الشام، ووضّاعاً للأحاديث السياسية، منها قوله أن وصف الرسول «محمد في التوراة مكتوب، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ومُلكه بالشام»([3]) (حلية الأولياء). وكعب هنا ينقل حرفياً من مطلع سفر إشعياء 42 بتصرفٍ منه في السياق البعيد كل البعد عمّا زعم. والثاني هو وهب بن منبه اليهودي اليمني العالم بالكتب السماوية راوي حديثَي نار عدن وجيش عدن. بالإضافة إلى أبو هريرة الدوسي اليمني شديد التأثر بكعب الأحبار حتى قيل « فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيتحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله»، والأوزاعي الحميري اليمني وهما اهم شخصيتين قاما بدور الدعاية الإعلامية للأمويين في جانبي القصص وتأليف الأحاديث. والثالث هو عبد الله بن سلام حبر اليهود، الذي كان من بني قينقاع، وهو صاحب الرواية التالية: «يكون على الروم ملك لا يعصونه فيجيء حتى ينزل بأرض كذا وكذا، ويستمد المؤمنون بعضهم بعضا حتى يمدهم أهل عدن أبين» قال عبد الله: «إنه لفي الكتاب مكتوب: فيقتتلون عشرا لا يحجز بينهم إلا الليل.. وبقيتهم يقاتل الدجال» (جامع معمر بن راشد 20813) نلاحظ أن عبدالله بن سلام يشير إلى أن جيش "عدن أبين" مذكور في الكتاب المقدس أنهم سيقاتلون المسيح الدجال. وإنما يعود هذا الربط بين عدن وقتال الدجال؛ إلى تشابه اسم (عدن اليمنية) ب(جنة عدن) التوراتية، والنفي إلى الشرق، مع ما في التوراة مع نبؤات لها علاقة بالدجال، رغبة من واضعي الحديث في توظيف هذه التصورات عن آخر الزمان لاستمالة اليمنيين إلى جيش الأمويين في الشام. فقد كان رجال اليمن هم قوام الغزوات، ورافد أساس للجيوش الإسلامية، وانظمامهم إلى الأمويين سيعطي قوة وثقل إضافي لهذا المعسكر. كما أن هناك احتمال آخر يفسر اختيار عدن وأبين لكل هذه النبؤات ، وهو وجود حكاية أسطورية عن أن ربيعة بن نصر اللخمي، أحد ملوك اليمن القدامى، رأى رؤيا فذهب لتفسيرها إلى الكاهنين الشهيرين "شق وسطيح"، فقالا له ضمن تفسيرهما أن الأحباش سيملكون ما بين أبين إلى جرش أو نجران، وأن إرم ذي يزن يخرج من عدن فلا يترك أحدا منهم باليمن. والمناطق المذكورة مناطق يمنية كما هو معروف. فيبدو أن موقع عدن وأبين بأقصى الجنوب قد ربطهما بالأساطير المستقبلية في الوعي الشعبي العربي حتى قبل الإسلام. يُنظر في ذلك: تاريخ دمشق لابن عساكر، وعجائب المخلوقات للقزويني. شامنا ويمننا يوجد حديث آخر من المفيد نقاشه في هذا الصدد وهو حديث: «اللهم بارك لنا في شامنا، وفي يمننا» الوارد في البخاري، ففيه تكملة مهمة حيث يسأل الصحابة الرسول: قالوا: وفي نجدنا؟: قال: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا» قالوا: وفي نجدنا؟: قال: «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» (البخاري1037) وفي رواية «قرن الشيطان أو قال قرن الشمس» وهناك توضيح أن "نجد" المقصودة في الحديث هي العراق. وهذا الحديث له رواية أخرى في "حلية الأولياء" بها تفاصيل توضح الغرض الأساسي منه، حيث نجد أن المباركة تختص بالمدينة ومكة واليمن والشام، وتُمنع عن العراق بالتحديد: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا» فقال رجل: يا رسول الله وفي عراقنا فأعرض عنه فقال: «فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان» فلدينا هنا حديث لا يقصد الإشادة باليمن بقدر ماهو يريد الحطّ من مكانة العراق، وحرمانها من فضل تناله عدة مدن غيرها، لأنها أرض "فتن"، والسبب السياسي لذلك أن أعداء الأمويين هم جيش علي في العراق، أما لماذا تركيز الرواية على "قرن شمس" فلأن الأمويين يرجع نسبهم إلى بن عبد شمس! فإذا عُرِف السبب بطُل العجب. أحاديث فضل أهل اليمن قد لا يروق تحليلنا هذا أهل اليمن الذي يعتزون كثيراً بفضلهم في الأحاديث النبوية، لكن ما آلت إليه الحال في