الإمام يحيى والجنوب وبريطانيا
استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله لـ «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب»، تشبه تماماً تفاصيل احتلاله لمناطق «اليمن الأسفل»، وكما قاومت المقاطرة توغله لعامين، قاومت ردفان وأخواتها توغله لعامين.
طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى دائماً ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.
في عدن ثمة مقبرة باسم «أحمد بن الحسن»، احتوت ضحايا الحملة التي قادها ذات الأمير «1646»، وفي أحور قتل الأهالي القائد محمد بن أبي الرجال، ومعه عشرات العساكر، وفي يافع رفض الشيخ عبدالله هررة الخضوع للائمة «1654»، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، ليطردوا بعد سنتين عامل الإمام حافياً، بعد أن قتلوا بعض أصحابه.
وفي يافع أيضاً، قاد الشيخان «الناخبي» و«ابن العفيف» المقاومة ضد القوات الإمامية، هُزم الأخير، وصمد «الناخبي»، قتل عشرات العساكر، جلهم من «آنس»، وحين استسلم، وأعطي الأمان، قتله أبناء ذات القبيلة غدراً، انتقاماً لقتلاهم.
توالت تمردات أهالي يافع، وكللت بطرد عامل الإمام للمرة الثانية «1682»، ثم قاموا بثورة شاملة «1686»، ليموت على إثرها الأمير الحسين بن أحمد بن الحسن كمداً، بعد فشل إحدى حملاته، قويت بعد ذلك شوكة الثوار، سيطروا بقيادة السلطان قحطان معوضة على لحج وعدن «1702»، إلا أن «المهدي» محمد بن أحمد بن الحسن نجح في ذات العام باستعادتها.
وحدها ردفان ظلت حينها عصية على السقوط، استمات ثوارها بالدفاع والمقاومة، وكبدوا الغزاة عشرات الضحايا، وفي جبالها الوعرة سقط عامر بن صالح ـ قائد الحملة الإمامية ـ بحصانه من على مرتفع شاهق، سميت المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «الحقفة»، انتصرت حينها ردفان، وعاد الغزاة من حيث أتوا.
قاد السلطان ناصر بن صالح هررة بعد ذلك ثورة يافع الكبرى «1705»، سيطر على لحج وحكمها لـ «22» عاماً، وامتدت سيطرته إلى أغلب مناطق الجنوب، وفي نفس العام أيضاً توجه «6,000» مقاتل يافعي صوب حضرموت، بطلب من «الكثيريين»، طردوا العساكر الإمامية منها، وحكموا ساحلها حتى العام «1866»، تحت مسمى الدولة «البريكية».
صحيح أن «المنصور» الحسين بن القاسم استعاد لحج وعدن «1727»، إلا أن فضل العبدلي تمكن بعد أربع سنوات من قتل عامله على لحج، ثم تحالف مع سلطان يافع سيف بن قحطان، واستعادها بسرعة خاطفة «1732»، بمساعدة مائزة من الأخير، معلناً قيام «السلطنة اللحجية».
كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية، مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة «21 أغسطس1919»، إلا أن أبناء «قبيلة القُحري» التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء، وذلك خوفاً من ربط مصيرهم بالإمام.
كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه، إن هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـ «قبيلة القُحري»، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم ـ بعد أكثر من عام ـ إلا أن سلموا الحديدة لعدوه اللدود «الإدريسي».
قبل ذلك، سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الأنسي عاملاً عليها، وفيها تمرد أهالي «مريس»، وأصلوا الجحافل الغازية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـ يحيى بن محمد ـ حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية ـ بالتوجه جنوباً، قاومه في البدء أهالي منطقة «الجليلة» من «بلاد الشاعري»، لينجح بداية العام «1920» في اجتياح إمارة الضالع.
الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، رغم احتلالهم لها في العام «1902»، بل أن أميرها ناصر سيف تلقى دعماً من قبل الإمام يحيى لمحاربتهم، وقد فعل ذلك، ثم ما لبثا أن اختلفا، والسبب، عدم رغبة «ناصر» الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر «نصر» إلى الأمير علي الوزير، طالباً منه التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى «لواء تعز»، إلا أن الإمام رفض ذلك، فكانت الحرب.
من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة لمواجهتا، بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغلها، فأكمل الغزاة احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل «جبل جحاف» الذي أعلن شيخ
استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله لـ «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب»، تشبه تماماً تفاصيل احتلاله لمناطق «اليمن الأسفل»، وكما قاومت المقاطرة توغله لعامين، قاومت ردفان وأخواتها توغله لعامين.
طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى دائماً ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.
في عدن ثمة مقبرة باسم «أحمد بن الحسن»، احتوت ضحايا الحملة التي قادها ذات الأمير «1646»، وفي أحور قتل الأهالي القائد محمد بن أبي الرجال، ومعه عشرات العساكر، وفي يافع رفض الشيخ عبدالله هررة الخضوع للائمة «1654»، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، ليطردوا بعد سنتين عامل الإمام حافياً، بعد أن قتلوا بعض أصحابه.
وفي يافع أيضاً، قاد الشيخان «الناخبي» و«ابن العفيف» المقاومة ضد القوات الإمامية، هُزم الأخير، وصمد «الناخبي»، قتل عشرات العساكر، جلهم من «آنس»، وحين استسلم، وأعطي الأمان، قتله أبناء ذات القبيلة غدراً، انتقاماً لقتلاهم.
توالت تمردات أهالي يافع، وكللت بطرد عامل الإمام للمرة الثانية «1682»، ثم قاموا بثورة شاملة «1686»، ليموت على إثرها الأمير الحسين بن أحمد بن الحسن كمداً، بعد فشل إحدى حملاته، قويت بعد ذلك شوكة الثوار، سيطروا بقيادة السلطان قحطان معوضة على لحج وعدن «1702»، إلا أن «المهدي» محمد بن أحمد بن الحسن نجح في ذات العام باستعادتها.
وحدها ردفان ظلت حينها عصية على السقوط، استمات ثوارها بالدفاع والمقاومة، وكبدوا الغزاة عشرات الضحايا، وفي جبالها الوعرة سقط عامر بن صالح ـ قائد الحملة الإمامية ـ بحصانه من على مرتفع شاهق، سميت المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «الحقفة»، انتصرت حينها ردفان، وعاد الغزاة من حيث أتوا.
قاد السلطان ناصر بن صالح هررة بعد ذلك ثورة يافع الكبرى «1705»، سيطر على لحج وحكمها لـ «22» عاماً، وامتدت سيطرته إلى أغلب مناطق الجنوب، وفي نفس العام أيضاً توجه «6,000» مقاتل يافعي صوب حضرموت، بطلب من «الكثيريين»، طردوا العساكر الإمامية منها، وحكموا ساحلها حتى العام «1866»، تحت مسمى الدولة «البريكية».
صحيح أن «المنصور» الحسين بن القاسم استعاد لحج وعدن «1727»، إلا أن فضل العبدلي تمكن بعد أربع سنوات من قتل عامله على لحج، ثم تحالف مع سلطان يافع سيف بن قحطان، واستعادها بسرعة خاطفة «1732»، بمساعدة مائزة من الأخير، معلناً قيام «السلطنة اللحجية».
كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية، مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة «21 أغسطس1919»، إلا أن أبناء «قبيلة القُحري» التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء، وذلك خوفاً من ربط مصيرهم بالإمام.
كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه، إن هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـ «قبيلة القُحري»، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم ـ بعد أكثر من عام ـ إلا أن سلموا الحديدة لعدوه اللدود «الإدريسي».
قبل ذلك، سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الأنسي عاملاً عليها، وفيها تمرد أهالي «مريس»، وأصلوا الجحافل الغازية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـ يحيى بن محمد ـ حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية ـ بالتوجه جنوباً، قاومه في البدء أهالي منطقة «الجليلة» من «بلاد الشاعري»، لينجح بداية العام «1920» في اجتياح إمارة الضالع.
الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، رغم احتلالهم لها في العام «1902»، بل أن أميرها ناصر سيف تلقى دعماً من قبل الإمام يحيى لمحاربتهم، وقد فعل ذلك، ثم ما لبثا أن اختلفا، والسبب، عدم رغبة «ناصر» الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر «نصر» إلى الأمير علي الوزير، طالباً منه التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى «لواء تعز»، إلا أن الإمام رفض ذلك، فكانت الحرب.
من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة لمواجهتا، بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغلها، فأكمل الغزاة احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل «جبل جحاف» الذي أعلن شيخ