الإمام يحيى والجنوب وبريطانيا
استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله لـ «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب»، تشبه تماماً تفاصيل احتلاله لمناطق «اليمن الأسفل»، وكما قاومت المقاطرة توغله لعامين، قاومت ردفان وأخواتها توغله لعامين.
طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى دائماً ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.
في عدن ثمة مقبرة باسم «أحمد بن الحسن»، احتوت ضحايا الحملة التي قادها ذات الأمير «1646»، وفي أحور قتل الأهالي القائد محمد بن أبي الرجال، ومعه عشرات العساكر، وفي يافع رفض الشيخ عبدالله هررة الخضوع للائمة «1654»، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، ليطردوا بعد سنتين عامل الإمام حافياً، بعد أن قتلوا بعض أصحابه.
وفي يافع أيضاً، قاد الشيخان «الناخبي» و«ابن العفيف» المقاومة ضد القوات الإمامية، هُزم الأخير، وصمد «الناخبي»، قتل عشرات العساكر، جلهم من «آنس»، وحين استسلم، وأعطي الأمان، قتله أبناء ذات القبيلة غدراً، انتقاماً لقتلاهم.
توالت تمردات أهالي يافع، وكللت بطرد عامل الإمام للمرة الثانية «1682»، ثم قاموا بثورة شاملة «1686»، ليموت على إثرها الأمير الحسين بن أحمد بن الحسن كمداً، بعد فشل إحدى حملاته، قويت بعد ذلك شوكة الثوار، سيطروا بقيادة السلطان قحطان معوضة على لحج وعدن «1702»، إلا أن «المهدي» محمد بن أحمد بن الحسن نجح في ذات العام باستعادتها.
وحدها ردفان ظلت حينها عصية على السقوط، استمات ثوارها بالدفاع والمقاومة، وكبدوا الغزاة عشرات الضحايا، وفي جبالها الوعرة سقط عامر بن صالح ـ قائد الحملة الإمامية ـ بحصانه من على مرتفع شاهق، سميت المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «الحقفة»، انتصرت حينها ردفان، وعاد الغزاة من حيث أتوا.
قاد السلطان ناصر بن صالح هررة بعد ذلك ثورة يافع الكبرى «1705»، سيطر على لحج وحكمها لـ «22» عاماً، وامتدت سيطرته إلى أغلب مناطق الجنوب، وفي نفس العام أيضاً توجه «6,000» مقاتل يافعي صوب حضرموت، بطلب من «الكثيريين»، طردوا العساكر الإمامية منها، وحكموا ساحلها حتى العام «1866»، تحت مسمى الدولة «البريكية».
صحيح أن «المنصور» الحسين بن القاسم استعاد لحج وعدن «1727»، إلا أن فضل العبدلي تمكن بعد أربع سنوات من قتل عامله على لحج، ثم تحالف مع سلطان يافع سيف بن قحطان، واستعادها بسرعة خاطفة «1732»، بمساعدة مائزة من الأخير، معلناً قيام «السلطنة اللحجية».
كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية، مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة «21 أغسطس1919»، إلا أن أبناء «قبيلة القُحري» التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء، وذلك خوفاً من ربط مصيرهم بالإمام.
كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه، إن هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـ «قبيلة القُحري»، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم ـ بعد أكثر من عام ـ إلا أن سلموا الحديدة لعدوه اللدود «الإدريسي».
قبل ذلك، سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الأنسي عاملاً عليها، وفيها تمرد أهالي «مريس»، وأصلوا الجحافل الغازية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـ يحيى بن محمد ـ حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية ـ بالتوجه جنوباً، قاومه في البدء أهالي منطقة «الجليلة» من «بلاد الشاعري»، لينجح بداية العام «1920» في اجتياح إمارة الضالع.
الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، رغم احتلالهم لها في العام «1902»، بل أن أميرها ناصر سيف تلقى دعماً من قبل الإمام يحيى لمحاربتهم، وقد فعل ذلك، ثم ما لبثا أن اختلفا، والسبب، عدم رغبة «ناصر» الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر «نصر» إلى الأمير علي الوزير، طالباً منه التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى «لواء تعز»، إلا أن الإمام رفض ذلك، فكانت الحرب.
من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة لمواجهتا، بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغلها، فأكمل الغزاة احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل «جبل جحاف» الذي أعلن شيخ
استراحة مُحارب لا أكثر، هكذا كانت الحرب العالمية الأولى بالنسبة للإمام يحيى حميد الدين، ليدخل بعد انتهائها في حروب طويلة مع اليمنيين، تفاصيل احتلاله لـ «الضالع، الشعيب، الأجعود، القطيب»، تشبه تماماً تفاصيل احتلاله لمناطق «اليمن الأسفل»، وكما قاومت المقاطرة توغله لعامين، قاومت ردفان وأخواتها توغله لعامين.
طيلة جولاته التفاوضية مع الإنجليز، كان الإمام يحيى دائماً ما يطالبهم بأراضي أجداده، مُستدلاً بسيطرة الأمير أحمد بن الحسن قائد جيوش «المتوكل» إسماعيل على الجنوب، قبل أكثر من قرنين ونصف من الزمن، ناسياً أن أبناء تلك المناطق تعاملوا مع أجداده كمحتلين، قاوموهم من أول لحظة، وطردوهم شرَّ طرده، وقتلوا منهم الكثير.
في عدن ثمة مقبرة باسم «أحمد بن الحسن»، احتوت ضحايا الحملة التي قادها ذات الأمير «1646»، وفي أحور قتل الأهالي القائد محمد بن أبي الرجال، ومعه عشرات العساكر، وفي يافع رفض الشيخ عبدالله هررة الخضوع للائمة «1654»، واحتمى ومن معه بالشواهق العالية، ليطردوا بعد سنتين عامل الإمام حافياً، بعد أن قتلوا بعض أصحابه.
وفي يافع أيضاً، قاد الشيخان «الناخبي» و«ابن العفيف» المقاومة ضد القوات الإمامية، هُزم الأخير، وصمد «الناخبي»، قتل عشرات العساكر، جلهم من «آنس»، وحين استسلم، وأعطي الأمان، قتله أبناء ذات القبيلة غدراً، انتقاماً لقتلاهم.
توالت تمردات أهالي يافع، وكللت بطرد عامل الإمام للمرة الثانية «1682»، ثم قاموا بثورة شاملة «1686»، ليموت على إثرها الأمير الحسين بن أحمد بن الحسن كمداً، بعد فشل إحدى حملاته، قويت بعد ذلك شوكة الثوار، سيطروا بقيادة السلطان قحطان معوضة على لحج وعدن «1702»، إلا أن «المهدي» محمد بن أحمد بن الحسن نجح في ذات العام باستعادتها.
وحدها ردفان ظلت حينها عصية على السقوط، استمات ثوارها بالدفاع والمقاومة، وكبدوا الغزاة عشرات الضحايا، وفي جبالها الوعرة سقط عامر بن صالح ـ قائد الحملة الإمامية ـ بحصانه من على مرتفع شاهق، سميت المنطقة التي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة بـ «الحقفة»، انتصرت حينها ردفان، وعاد الغزاة من حيث أتوا.
قاد السلطان ناصر بن صالح هررة بعد ذلك ثورة يافع الكبرى «1705»، سيطر على لحج وحكمها لـ «22» عاماً، وامتدت سيطرته إلى أغلب مناطق الجنوب، وفي نفس العام أيضاً توجه «6,000» مقاتل يافعي صوب حضرموت، بطلب من «الكثيريين»، طردوا العساكر الإمامية منها، وحكموا ساحلها حتى العام «1866»، تحت مسمى الدولة «البريكية».
صحيح أن «المنصور» الحسين بن القاسم استعاد لحج وعدن «1727»، إلا أن فضل العبدلي تمكن بعد أربع سنوات من قتل عامله على لحج، ثم تحالف مع سلطان يافع سيف بن قحطان، واستعادها بسرعة خاطفة «1732»، بمساعدة مائزة من الأخير، معلناً قيام «السلطنة اللحجية».
كان ثمة توجه انجليزي بتسليم الإمام يحيى أغلب المحميات الجنوبية، مع الحصول منه على بعض الامتيازات، الكرنل هارولد جيكوب كان من أكبر الداعين لذلك، عزم على التوجه إليه عبر الحديدة «21 أغسطس1919»، إلا أن أبناء «قبيلة القُحري» التهامية احتجزوه لأربعة أشهر، وحالوا رغم المغريات والتهديدات دون وصوله إلى صنعاء، وذلك خوفاً من ربط مصيرهم بالإمام.
كانت الحديدة حينها تحت سيطرة الإنجليز، احتفظوا بها لأنفسهم، وسلموا باقي مناطق تهامة لحليفهم محمد الإدريسي، ووعدوا الإمام يحيى بتسليمها إياه، إن هو رضخ لشروطهم، لم يرضخ الأخير، غضب من عدم تأديبهم لـ «قبيلة القُحري»، وجدد العزم على احتلال الضالع، وبعض المحميات المجاورة لها، فما كان منهم ـ بعد أكثر من عام ـ إلا أن سلموا الحديدة لعدوه اللدود «الإدريسي».
قبل ذلك، سقطت قعطبة بيد قوات الإمام يحيى دون قتال، وعُين أحمد محمد الأنسي عاملاً عليها، وفيها تمرد أهالي «مريس»، وأصلوا الجحافل الغازية نار غضبهم، وحين دارت الدائرة عليهم، ولوا هاربين إلى الشعيب، لتأتي الأوامر المتوكلية لـ يحيى بن محمد ـ حفيد الإمام عباس بن عبد الرحمن، وأمير الجيش في تلك الناحية ـ بالتوجه جنوباً، قاومه في البدء أهالي منطقة «الجليلة» من «بلاد الشاعري»، لينجح بداية العام «1920» في اجتياح إمارة الضالع.
الضالع حينها لم تكن ضمن السلطنات الجنوبية الخاضعة لحماية الإنجليز، رغم احتلالهم لها في العام «1902»، بل أن أميرها ناصر سيف تلقى دعماً من قبل الإمام يحيى لمحاربتهم، وقد فعل ذلك، ثم ما لبثا أن اختلفا، والسبب، عدم رغبة «ناصر» الدخول تحت وصاية الأمير يحيى عباس، وقد أرسل لذات الغرض شقيقة الأصغر «نصر» إلى الأمير علي الوزير، طالباً منه التدخل، والمطالبة بضم الضالع إلى «لواء تعز»، إلا أن الإمام رفض ذلك، فكانت الحرب.
من اللحظات الأولى لاجتياح القوات المتوكلية منطقة الضالع، تداعى رجال القبائل المجاورة لمواجهتا، بقيادة الأمير ناصر، فشلوا في إيقاف توغلها، فأكمل الغزاة احتلالهم لباقي المناطق، لتسقط بعضها دون قتال، مثل «جبل جحاف» الذي أعلن شيخ
ه علي طه الاستسلام، وكذلك «جبل حرير»، وما والاه من «بلاد المفلحي»، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعين محمد الشامي عاملاً على الضالع.
أما «الشعيب»، فقد انقسم الأهالي هناك إلى فريقين، فريق خنع، وفريق قاوم، وهؤلاء حضوا بدعم ومساندة من «مشايخ يافع»، كان «حصن شُكُع» مقرهم المنيع، وعلى تخومه دارت أولى المعارك، صمدوا فيها ليومين، لينسحبوا بعد سقوط الحصن إلى أطراف منطقتهم، مجددين العزم لجولة حاسمة.
كثف الثوار من استعداداتهم للمواجهة، تمركزوا في «حصون القزعة»، وما هي إلا أيام معدودة حتى أقبل إليهم الجند الإمامي بحشده الكثيف، فقد تكاثروا وتجاوز عددهم الـ «5,000» مقاتل، وكان غالبيتهم من قبائل «نهم، وخولان، وجبل عيال يزيد، وبني عبد»، لتدور بين الجانبين معركة كبرى استمرت لثمانية أيام، كان النصر في النهاية حليف القوات الغازية، التي نجحت بعد ذلك في السيطرة على «حصن حالمين»، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعيين محمد علي إسحاق عاملاً على الشعيب.
كان «مشايخ يافع» يعتبرون الشعيب من المناطق الخاضعة لسيطرتهم، استمروا بمراسلة الإمام يحيى مطالبين إياه بإعادتها إليهم، وحين يأسوا، ذكروه ببطولاتهم في دحر قوات أسلافه من لحج إلى حضرموت، وهددوه: «واليوم جاء دوركم»، وأضافوا: «لقد اعتديتم على حدودنا، وقتلتم أنساب من أهلنا، وتعلمون أن أكثركم عندنا قليل، ومقامكم عندنا ذليل، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، واحمدوا الله إذ خاطبناكم قبل أن تطرح الحرب بأوزارها».
خلال العام «1921» بدأت المقاومة اليافعية المُنظمة، تصدرها هؤلاء المشايخ، وتداعى لها رجالات «الأجعود، والقطيب»، وبعضاً من أهالي الشعيب، وكونوا قوةً ضارية، قوامها «8,000» مقاتل، قسموها إلى ثلاث مجموعات، مجموعة توجهت إلى الأجعود بقيادة ناصر بن سيف، وأقدمت هناك على قتل مجموعة من العساكر، وإلى الشعيب توجهت قوات أخرى بقيادة أبوبكر النقيب، وقد حاصرت العامل إسحاق ومن معه فيها لأسابيع، أما المجموعة الثالثة فقد توجهت صوب «جُبن»، وتولى قيادتها الشيخ صالح البكري.
أيقن حينها الغزاة بالهلاك، وما هي إلا أيام معدودة، حتى وصلهم المدد تلو المدد، بقيادة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، توجه الأخير بمن معه إلى الشعيب، وإلى الأجعود توجهت قوات أخرى بقيادة «عامل الضالع» الشامي، نجح الأخير بالسيطرة عليها، أما «قائد» فلم يستعيد الشعيب، ويفك الحصار عن أصحابه، إلا بعد عناء.
أجبرت الزحوفات الإمامية المتتالية الثوار المرابطين في «جُبن» على العودة إلى الشعيب، لنصرة أصحابهم هناك، لتدور في أحراش وشعاب تلك المنطقة معركة كبرى، خسر فيها الفريقين عشرات الضحايا، وكان النصر كالعادة حليف القوات الغازية.
يصف المؤرخ المُتوكلي عبدالكريم مطهر تلك الواقعة: «كانت ملحمةً كبرى، ويوماً من أيام الله التي لا يزال يتردد لها في العالمين ذكرى، أسفر عن إنزال الله نصره على المؤمنين، وهزيمة الباغين والمتفرنجين»، وأضاف: «وانقشعوا عن الشعيب كله ـ يقصد الثوار ـ ولم يستقروا إلا في بلادهم، وكفى الله المؤمنين شرهم، وانتهب المجاهدون ما وجدوه من أموالهم ومهماتهم، وتعدى النهب إلى أموال أهل الشعيب».
أعلنت الأجعود دخولها حضيرة دولة الإمامة، وبذل مشايخها رهائن الطاعة، أما القوات الغازية فقد أكملت تقدمها، ولم يعترض طريقها سوى قلة من الثوار، لتبدأ مع وصولها تخوم ردفان مُقاومة شرسة، تصدرتها قبائل «العبدلي والقطيب»، وقد تولى الشيخ محمد صالح القطيبي مهمة قيادتها.
فشل الغزاة بقيادة «الشامي» ـ عامل الضالع ـ بتجاوز «دار الخروف»، عززوا تواجدهم بالمدفعية، وبقوات أكثر فاعلية، بقيادة قائد بن راجح، لتدور على مشارف الدار عدة معارك، انتقلت المواجهات بعد ذلك إلى «الحصن»، و«رهوة المنقل»، و«جبل حقلة»، وبعد سقوط تلك المواقع، تحصن الثوار في «الداعري والضنبري»، الأكثر وعورة.
كانت معركة «الحصن» هي الأشهر، سقط فيها «الرويشان»، قائد الغزاة الأبرز، أدركه المُقاومون وهو يحتضر، وفي ذلك قال أحدهم:
والعبدلي بالحصن سي ليه
لما وصل عند الرويشاني
قال اسقني وتبرء الذمه
والموت قد شفته بلعياني
يقول المؤرخ الردفاني، سالم راشد ذيبان: «كان الزيود يتصلون بمراكزهم بواسطة النفير، ويتفاهمون به، وقد أكثروا من ضرب الطبول والهيد، وكانوا يهتفون بأصوات مُرتفعة: يا إماماه.. يا متوكلاه.. وكلما سقطت منطقة، تمركزوا في منازل المواطنين، وفرضوا المصروفات عليهم».
في تلك الأثناء وصلت رسالة من الإمام يحيى إلى مقاتليه، حثهم فيها على اسقاط «جبل ودنه»، وذكرهم بنصر الله الذي مكن المجاهدين ـ قبل أربعة أشهر ـ من الاستيلاء عنوة على قلعة المقاطرة، وأن «ودنة» ليس بأمنع منها، ولا المجاهدون هنالك بأرغب منهم في ابتغاء ما أعد الله لهم من الأجر والثواب.
تحفز بعد ذلك الغزاة لاجتياح «جبل ودنه»، وقرروا الهجوم عليه ليلاً «16 فبراير 1922»، بعد أن اقتسموا لثلاث فرق، فرقة بقيادة قائد بن راجح وأصحابه من خولان، ومهمتها الهجوم على الجبل
أما «الشعيب»، فقد انقسم الأهالي هناك إلى فريقين، فريق خنع، وفريق قاوم، وهؤلاء حضوا بدعم ومساندة من «مشايخ يافع»، كان «حصن شُكُع» مقرهم المنيع، وعلى تخومه دارت أولى المعارك، صمدوا فيها ليومين، لينسحبوا بعد سقوط الحصن إلى أطراف منطقتهم، مجددين العزم لجولة حاسمة.
كثف الثوار من استعداداتهم للمواجهة، تمركزوا في «حصون القزعة»، وما هي إلا أيام معدودة حتى أقبل إليهم الجند الإمامي بحشده الكثيف، فقد تكاثروا وتجاوز عددهم الـ «5,000» مقاتل، وكان غالبيتهم من قبائل «نهم، وخولان، وجبل عيال يزيد، وبني عبد»، لتدور بين الجانبين معركة كبرى استمرت لثمانية أيام، كان النصر في النهاية حليف القوات الغازية، التي نجحت بعد ذلك في السيطرة على «حصن حالمين»، لتأتي الأوامر المتوكلية بتعيين محمد علي إسحاق عاملاً على الشعيب.
كان «مشايخ يافع» يعتبرون الشعيب من المناطق الخاضعة لسيطرتهم، استمروا بمراسلة الإمام يحيى مطالبين إياه بإعادتها إليهم، وحين يأسوا، ذكروه ببطولاتهم في دحر قوات أسلافه من لحج إلى حضرموت، وهددوه: «واليوم جاء دوركم»، وأضافوا: «لقد اعتديتم على حدودنا، وقتلتم أنساب من أهلنا، وتعلمون أن أكثركم عندنا قليل، ومقامكم عندنا ذليل، فلا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، واحمدوا الله إذ خاطبناكم قبل أن تطرح الحرب بأوزارها».
خلال العام «1921» بدأت المقاومة اليافعية المُنظمة، تصدرها هؤلاء المشايخ، وتداعى لها رجالات «الأجعود، والقطيب»، وبعضاً من أهالي الشعيب، وكونوا قوةً ضارية، قوامها «8,000» مقاتل، قسموها إلى ثلاث مجموعات، مجموعة توجهت إلى الأجعود بقيادة ناصر بن سيف، وأقدمت هناك على قتل مجموعة من العساكر، وإلى الشعيب توجهت قوات أخرى بقيادة أبوبكر النقيب، وقد حاصرت العامل إسحاق ومن معه فيها لأسابيع، أما المجموعة الثالثة فقد توجهت صوب «جُبن»، وتولى قيادتها الشيخ صالح البكري.
أيقن حينها الغزاة بالهلاك، وما هي إلا أيام معدودة، حتى وصلهم المدد تلو المدد، بقيادة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، توجه الأخير بمن معه إلى الشعيب، وإلى الأجعود توجهت قوات أخرى بقيادة «عامل الضالع» الشامي، نجح الأخير بالسيطرة عليها، أما «قائد» فلم يستعيد الشعيب، ويفك الحصار عن أصحابه، إلا بعد عناء.
أجبرت الزحوفات الإمامية المتتالية الثوار المرابطين في «جُبن» على العودة إلى الشعيب، لنصرة أصحابهم هناك، لتدور في أحراش وشعاب تلك المنطقة معركة كبرى، خسر فيها الفريقين عشرات الضحايا، وكان النصر كالعادة حليف القوات الغازية.
يصف المؤرخ المُتوكلي عبدالكريم مطهر تلك الواقعة: «كانت ملحمةً كبرى، ويوماً من أيام الله التي لا يزال يتردد لها في العالمين ذكرى، أسفر عن إنزال الله نصره على المؤمنين، وهزيمة الباغين والمتفرنجين»، وأضاف: «وانقشعوا عن الشعيب كله ـ يقصد الثوار ـ ولم يستقروا إلا في بلادهم، وكفى الله المؤمنين شرهم، وانتهب المجاهدون ما وجدوه من أموالهم ومهماتهم، وتعدى النهب إلى أموال أهل الشعيب».
أعلنت الأجعود دخولها حضيرة دولة الإمامة، وبذل مشايخها رهائن الطاعة، أما القوات الغازية فقد أكملت تقدمها، ولم يعترض طريقها سوى قلة من الثوار، لتبدأ مع وصولها تخوم ردفان مُقاومة شرسة، تصدرتها قبائل «العبدلي والقطيب»، وقد تولى الشيخ محمد صالح القطيبي مهمة قيادتها.
فشل الغزاة بقيادة «الشامي» ـ عامل الضالع ـ بتجاوز «دار الخروف»، عززوا تواجدهم بالمدفعية، وبقوات أكثر فاعلية، بقيادة قائد بن راجح، لتدور على مشارف الدار عدة معارك، انتقلت المواجهات بعد ذلك إلى «الحصن»، و«رهوة المنقل»، و«جبل حقلة»، وبعد سقوط تلك المواقع، تحصن الثوار في «الداعري والضنبري»، الأكثر وعورة.
كانت معركة «الحصن» هي الأشهر، سقط فيها «الرويشان»، قائد الغزاة الأبرز، أدركه المُقاومون وهو يحتضر، وفي ذلك قال أحدهم:
والعبدلي بالحصن سي ليه
لما وصل عند الرويشاني
قال اسقني وتبرء الذمه
والموت قد شفته بلعياني
يقول المؤرخ الردفاني، سالم راشد ذيبان: «كان الزيود يتصلون بمراكزهم بواسطة النفير، ويتفاهمون به، وقد أكثروا من ضرب الطبول والهيد، وكانوا يهتفون بأصوات مُرتفعة: يا إماماه.. يا متوكلاه.. وكلما سقطت منطقة، تمركزوا في منازل المواطنين، وفرضوا المصروفات عليهم».
في تلك الأثناء وصلت رسالة من الإمام يحيى إلى مقاتليه، حثهم فيها على اسقاط «جبل ودنه»، وذكرهم بنصر الله الذي مكن المجاهدين ـ قبل أربعة أشهر ـ من الاستيلاء عنوة على قلعة المقاطرة، وأن «ودنة» ليس بأمنع منها، ولا المجاهدون هنالك بأرغب منهم في ابتغاء ما أعد الله لهم من الأجر والثواب.
تحفز بعد ذلك الغزاة لاجتياح «جبل ودنه»، وقرروا الهجوم عليه ليلاً «16 فبراير 1922»، بعد أن اقتسموا لثلاث فرق، فرقة بقيادة قائد بن راجح وأصحابه من خولان، ومهمتها الهجوم على الجبل
من الجهة الشرقية، وفرقة بقيادة الشيخ علي بن مصلح العبدي، وأصحابه من «بني عبد ـ حاشد»، ومهمتها الهجوم من الجنوب، ومجموعة ثالثة من حاشد أيضاً، مع بعض عساكر النظام، ومهمتها الهجوم من جهة الشمال.
يقول «مطهر»: «وأعان الله الأنصار على النهوض إلى أعلى الجبل، والاستيلاء عليه، وطرد المخالفين، بعد مصادمة شديدة، وجلادٍ عنيف.. فاستولوا على غنائم كثيرة، وأحرقوا بعض البيوت، ورتب المجاهدون جبل ودنه، وقد فازوا بما راموه بحول الله ومنِّه».
بعد سقوط «جبل ودنه»، قام «800» مقاوم بهجوم ليلي مباغت على «جبل حقلة»، استولوا على بعض المواقع، وقتلوا ثمانية من العساكر، وحاصروا من تبقى في أحد الحيود، ثم كان انسحابهم بعد وصول قوات إمامية كبيرة لإنقاذ المحاصرين، وقد أدت تلك الحادثة إلى هروب بعض العساكر إلى بلدانهم، وتخليهم عن الخدمة في الجيش الإمامي.
نجح الغزاة بعد ذلك في اختراق «وادي تيم»، وعلى ضفافه دارت أشرس المعارك، استمرت لشهرين، نقل الشاعر سعيد الحجيلي تفاصيلها بقصيدة طويلة، نقتطف منها:
شهرين ذي ضلت طوارفنا وكد
والنار بتوقد بحر أشعالها
ضرب المدافع والمرافع والهيد
زيدة بني مزيد وكثر انسالها
عاهيه جثثهم باقية في كل حد
للكلبة تجلس تعيّش حالها
وحين لم «يتمكن الأنصار من التقدم إلى جبل ردفان، ومناجزة من فيه من الأعداء اللئام» ـ حد توصيف «مطهر» ـ رأى الأمير محمد يحيى عباس أن يتوجه إلى هناك بنفسه، ومعه المدد من بشر وعتاد، ليقوم بمجرد وصوله بتقسم جيشه الجرار إلى عدة مجموعات، أشرف بنفسه على سير المعارك، وعلى يدية سقط جبل ردفان، وذلك منتصف العام «1922».
مَشايخ كُثر قَدموا الطاعة للإمام، وتبعاً لذلك تَدخل بعضهم لإيقاف سعير المُواجهات، تنكر الغزاة لجهودهم، ولم يقبلوا شفاعتهم، يقول «ذيبان»: «تقدم جيش الزيود وهدموا دار الشيخ صالح عبدالحبيب، ولم يتمكن الشيخ ثابت عثمان في اقناعهم بالعدول عن ذلك»، الأمر الذي ولد ثارات وأحقاد، اُتهم «ثابت» بالتواطؤ مع الغزاة، قتله المقامون، وكذلك فعلوا بالشيخ صالح أسعد البكري، فيما بعد.
لم يخسر المشايخ الخانعون بلدهم وأهاليهم فحسب، بل خسروا أنفسهم، تعرضوا لصنوف شتى من الإذلال، صيرهم الغزاة ورعاياهم كعبيد لتوفير المؤن، وإيصالها مع الذخائر إلى أماكن المواجهات، ومن تخاذل منهم كان مصيره السجن.
وهذا الشيخ محمد صالح لخرم، صحيح أن الأئمة أحسنوا استقباله ـ حين أعلن طاعته بادئ الأمر ـ وأطلقت له المدفعية في قعطبة أربع طلقات ترحيبية، وخصوه بمرتب شهري، وعينوه حاكماً على بلاده، إلا أنهم ـ فيما بعد ـ لم يرحموا كُهولته، حبسوه لسبعة أشهر، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن افتدى نفسه بمال عظيم، وكذلك فعلوا بالشيخ عبدالنبي العلوي، والشيخ مقبل عبدالله، وقد نُقل عن الأخير قوله وهو في سجنه بصنعاء:
قال أبو سيف من صنعاء ذكرت البلاد
وني كما الحيد ذي مابتليَّن حجاره
كان ذلك التخاذل من أهم أسباب سقوط ردفان، وفي ذلك قال «ذيبان»: «تمكن الزيود من التمركز وبناء المراتب في بلاد البكري، وفي سليك، حيث استخدموا الناس بالسخري.. فقدمت القبائل المقاومة الطاعة، وسلمت الرهائن..».
«يا مُكسي العَاري ومُخضر العُود.. نَجي قَائد مِن حَرب لجْعُود»، هكذا كانت قد توسلت إلى الله تعالى زوجة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، بعد أن توجه الأخير بمجاميع كثيرة من قبيلته إلى جبال ردفان، تعزيزاً للقوات الإمامية المُنكسرة هناك، نجا «قائد»، إلا أن «جبال ردفان» ابتلعت مئات الجنود.
قبل سقوط ردفان بعدة أشهر، عُقد في القاهرة «مؤتمر الشرق الأوسط»، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطة الإمام على المحميات، إلا أن المقيم السياسي في عدن عارض ذلك وبشدة، وقد ساهم ذلك التخبط الانجليزي بفتح شهية الإمام، طالبهم صراحة بأراضي أجداده، وأبتدأ بمراسلة السلاطين، وحثهم على الانضمام إليه، وقد انخدع به البعض.
بفشل المُفاوضات بينه وبين الانجليز «1923»، أخذ الإمام يحيى «البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل العليا، والعواذل السفلى» من تحت أيديهم، كما تمكن من السيطرة على الحديدة «1925» دون قتال، زال بذلك مبرر وجوده في المحميات، حسب رؤية المقيم السياسي في عدن، فأرسل بداية العام التالي إلى صنعاء بالسير جلبرت كليتون، ليعود الأخير منها بعد «26» يوماً خائباً.
السماح للإمام يحيى بالبقاء في المناطق التي احتلها، سيحفزه أكثر لمعاودة القضم التدريجي لباقي المحميات، كانت هذه هي النتيجة التي استخلصها «كليتون» من محادثاته تلك، مُشدداً على ضرورة استخدام القوة لحل ذلك النزاع، وقد دون في مذكراته: «أن استخدام سلاح الطيران الملكي البريطاني ضد اليمن، أمر لا مفر منه».
بأسلوبه التقليدي المُذل، حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، وقد حمل المؤرخ ذيبان الإمام مسؤولية ذلك، قائلاً: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل الم
يقول «مطهر»: «وأعان الله الأنصار على النهوض إلى أعلى الجبل، والاستيلاء عليه، وطرد المخالفين، بعد مصادمة شديدة، وجلادٍ عنيف.. فاستولوا على غنائم كثيرة، وأحرقوا بعض البيوت، ورتب المجاهدون جبل ودنه، وقد فازوا بما راموه بحول الله ومنِّه».
بعد سقوط «جبل ودنه»، قام «800» مقاوم بهجوم ليلي مباغت على «جبل حقلة»، استولوا على بعض المواقع، وقتلوا ثمانية من العساكر، وحاصروا من تبقى في أحد الحيود، ثم كان انسحابهم بعد وصول قوات إمامية كبيرة لإنقاذ المحاصرين، وقد أدت تلك الحادثة إلى هروب بعض العساكر إلى بلدانهم، وتخليهم عن الخدمة في الجيش الإمامي.
نجح الغزاة بعد ذلك في اختراق «وادي تيم»، وعلى ضفافه دارت أشرس المعارك، استمرت لشهرين، نقل الشاعر سعيد الحجيلي تفاصيلها بقصيدة طويلة، نقتطف منها:
شهرين ذي ضلت طوارفنا وكد
والنار بتوقد بحر أشعالها
ضرب المدافع والمرافع والهيد
زيدة بني مزيد وكثر انسالها
عاهيه جثثهم باقية في كل حد
للكلبة تجلس تعيّش حالها
وحين لم «يتمكن الأنصار من التقدم إلى جبل ردفان، ومناجزة من فيه من الأعداء اللئام» ـ حد توصيف «مطهر» ـ رأى الأمير محمد يحيى عباس أن يتوجه إلى هناك بنفسه، ومعه المدد من بشر وعتاد، ليقوم بمجرد وصوله بتقسم جيشه الجرار إلى عدة مجموعات، أشرف بنفسه على سير المعارك، وعلى يدية سقط جبل ردفان، وذلك منتصف العام «1922».
مَشايخ كُثر قَدموا الطاعة للإمام، وتبعاً لذلك تَدخل بعضهم لإيقاف سعير المُواجهات، تنكر الغزاة لجهودهم، ولم يقبلوا شفاعتهم، يقول «ذيبان»: «تقدم جيش الزيود وهدموا دار الشيخ صالح عبدالحبيب، ولم يتمكن الشيخ ثابت عثمان في اقناعهم بالعدول عن ذلك»، الأمر الذي ولد ثارات وأحقاد، اُتهم «ثابت» بالتواطؤ مع الغزاة، قتله المقامون، وكذلك فعلوا بالشيخ صالح أسعد البكري، فيما بعد.
لم يخسر المشايخ الخانعون بلدهم وأهاليهم فحسب، بل خسروا أنفسهم، تعرضوا لصنوف شتى من الإذلال، صيرهم الغزاة ورعاياهم كعبيد لتوفير المؤن، وإيصالها مع الذخائر إلى أماكن المواجهات، ومن تخاذل منهم كان مصيره السجن.
وهذا الشيخ محمد صالح لخرم، صحيح أن الأئمة أحسنوا استقباله ـ حين أعلن طاعته بادئ الأمر ـ وأطلقت له المدفعية في قعطبة أربع طلقات ترحيبية، وخصوه بمرتب شهري، وعينوه حاكماً على بلاده، إلا أنهم ـ فيما بعد ـ لم يرحموا كُهولته، حبسوه لسبعة أشهر، ولم يفرجوا عنه إلا بعد أن افتدى نفسه بمال عظيم، وكذلك فعلوا بالشيخ عبدالنبي العلوي، والشيخ مقبل عبدالله، وقد نُقل عن الأخير قوله وهو في سجنه بصنعاء:
قال أبو سيف من صنعاء ذكرت البلاد
وني كما الحيد ذي مابتليَّن حجاره
كان ذلك التخاذل من أهم أسباب سقوط ردفان، وفي ذلك قال «ذيبان»: «تمكن الزيود من التمركز وبناء المراتب في بلاد البكري، وفي سليك، حيث استخدموا الناس بالسخري.. فقدمت القبائل المقاومة الطاعة، وسلمت الرهائن..».
«يا مُكسي العَاري ومُخضر العُود.. نَجي قَائد مِن حَرب لجْعُود»، هكذا كانت قد توسلت إلى الله تعالى زوجة الشيخ قائد بن راجح الخولاني، بعد أن توجه الأخير بمجاميع كثيرة من قبيلته إلى جبال ردفان، تعزيزاً للقوات الإمامية المُنكسرة هناك، نجا «قائد»، إلا أن «جبال ردفان» ابتلعت مئات الجنود.
قبل سقوط ردفان بعدة أشهر، عُقد في القاهرة «مؤتمر الشرق الأوسط»، وكان من أهم توصياته الاعتراف بسلطة الإمام على المحميات، إلا أن المقيم السياسي في عدن عارض ذلك وبشدة، وقد ساهم ذلك التخبط الانجليزي بفتح شهية الإمام، طالبهم صراحة بأراضي أجداده، وأبتدأ بمراسلة السلاطين، وحثهم على الانضمام إليه، وقد انخدع به البعض.
بفشل المُفاوضات بينه وبين الانجليز «1923»، أخذ الإمام يحيى «البيضاء، وإمارة العلوي، والأميري، والمسبعي، والعواذل العليا، والعواذل السفلى» من تحت أيديهم، كما تمكن من السيطرة على الحديدة «1925» دون قتال، زال بذلك مبرر وجوده في المحميات، حسب رؤية المقيم السياسي في عدن، فأرسل بداية العام التالي إلى صنعاء بالسير جلبرت كليتون، ليعود الأخير منها بعد «26» يوماً خائباً.
السماح للإمام يحيى بالبقاء في المناطق التي احتلها، سيحفزه أكثر لمعاودة القضم التدريجي لباقي المحميات، كانت هذه هي النتيجة التي استخلصها «كليتون» من محادثاته تلك، مُشدداً على ضرورة استخدام القوة لحل ذلك النزاع، وقد دون في مذكراته: «أن استخدام سلاح الطيران الملكي البريطاني ضد اليمن، أمر لا مفر منه».
بأسلوبه التقليدي المُذل، حكم الإمام يحيى تلك المحميات، عض حينها من ناصروه أصابع الندم، وتوجه بعضهم صوب الإنجليز طالبين المُساندة، وقد حمل المؤرخ ذيبان الإمام مسؤولية ذلك، قائلاً: «لو كان الإمام جعل حملته ذات طابع وطني، دون أن يُثقل كاهل الم
واطنين، ما تخلف عن أمره أحد».
وفي المقابل، كان «أمير اللواء» يحيى عباس، من كبار غلاة الزيدية، عمل أثناء توليه تلك النواحي، على إذلال الرعية، وإجبارهم بأن يتحاكموا بموجب المذهب الزيدي، وأن يزيدوا في الأذان بـ «حي على خير العمل»، بل ووصل به تعصبه بأن يفسخ زواج العلوية من غير العلوي، وقد اتهمه أحمد الشامي ـ ابن «عامل الضالع» ـ بأنه كان يحبذ سياسة القوة، والتشدد، وعدم الاقتناع بما في اليد، مما أدى إلى تجدد المواجهات.
وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن «1922»، التقى بمواطنين من «لحج، والحواشب، وماوية»، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، قدم حينها نصيحته الصادقة للأخير، قائلاً: «لو حكم الإمام يحيى حكماً مدنياً بحتاً، لا حكماً زيدياً، لتمكن من تحقيق مطامعه السياسة، أما اليوم فالشوافع في حكمه غير راضين».
وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها في كتابه «الرحلة اليمنية»، أثناء مروره من مدينة السياني «1924»، صحيح أن رجالها منعهم الخوف من الإفصاح عن مكنونات استيائهم من الإمام وعساكره، إلا أن النساء تحدثن له بقوة عن ذلك، قالت إحداهن: «وأما حكم الزيدية فنحن لن نرضى به أبداً، ولا يمكن أن يدوم، فهم بدويون لا يدرون قيمةً للحرية، ولا يذوقون طعماً للعدل، دأبهم أن ينهكوا كواهلنا بالجبايات، وينعموا بها».
وما أثار استغراب «الثعالبي» حينها، حنين أولئك النسوة لحكم الأتراك، وحديثهن بحسرة عن ماضيهم، وعن الخير الوفير الذي جادت به الأرض أثناء تواجودهم، وأنهن لم يعرفن في عهدهم مجاعة ولا استلاب، مُتسائلات: «متى يعود الأتراك؟!»، وحين قاطعهن: «كيف يعودوا وأنتم قاتلتموهم»، ردت ذات الفتاة: «لا تتهمنا باطلاً، فإننا لم نقاتل الأتراك، بل كنا نموت إلى جانبهم فداء لهم، وإنما قاتلهم الزيدية، وهم أعداؤنا وأعداؤهم».
اشتعلت جبال ردفان بداية العام «1928» بالثورة، وتمكن أبطالها الصناديد من طرد الحامية الإمامية في «حصن سليك»، أرسل عامل قعطبة بـ «900» مُقاتل، تعزيزاً للقوات المنهزمة هناك، هزمهم الثوار، قتلوا «18»، وأسروا ثمانية، وأتموا ثورتهم باستعادة «الحامورة، والردوع، والدمنة، والبكري»، الأخيرة سلماً، وهكذا تحقق لهم تحرير ردفان قبل تدخل الإنجليز.
وجد الانجليز في دعوة المشايخ لتدخلهم فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى، الذي سبق وتحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المتطورة، فيما قامت طائراتهم بـ «48» غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مدن شمالية، كـ «تعز، وقعطبة، والتربة، ويريم»، سقط بسببه أكثر من «300» شخص بين قتيل وجريح، وقد سميت تلك الحرب بـ «حرب الطائرات».
فرَّ عساكر الإمام بصورة مُخزية، ليعلن سيدهم الانسحاب التام، بعد ستة أسابيع من الحرب الغير مُعلنة «14 يوليو 1928»، أصيب العشرات منهم بالجنون، كونهم لم يألفوا أزيز الطائرات من قبل، ولا انفجارات «قنابرها» ـ حد تسميتهم ـ وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء، بأن الأسطول الانجليزي رابض في سواحل الحديدة، استعداداً لاحتلال اليمن، سارع الإمام بنقل معظم أمواله إلى شمال الشمال.
كان بعض السلاطين قد تعاطوا إيجاباً مع مبادرات الإمام يحيى، إلا أنهم بعد أن رأوا سوء أعماله، ارتموا في أحضان الإنجليز، وصاروا أكثر عمالة لهم، وأكثر رفضاُ للإمام، ولتدخلاته، عقدوا في العام التالي مؤتمرا كبيراً، وفيه أشهروا توجههم الجديد.
تبعاً لذلك فتح الانجليز صفحة جديدة مع الإمام، الذي انسحب سلماً من «العواذل، وبيحان»، اللتان بقيتا تحت سيطرته، وقعوا معه «معاهدة صنعاء»، اعترفوا له فيها باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية القائمة «11فبراير1934»، لتدخل قواته نهاية الشهر التالي في مواجهات مسلحة مع «آل سعود»، تعرض لهزيمة ماحقة، ضعفت بعد ذلك قوته، وتبددت هيبته، وأخذ الأحرار اليمنيون يفكرون جدياً في كيفية التخلص منه، مُعلنين بدأ العد التنازلي لطي صفحته
وفي المقابل، كان «أمير اللواء» يحيى عباس، من كبار غلاة الزيدية، عمل أثناء توليه تلك النواحي، على إذلال الرعية، وإجبارهم بأن يتحاكموا بموجب المذهب الزيدي، وأن يزيدوا في الأذان بـ «حي على خير العمل»، بل ووصل به تعصبه بأن يفسخ زواج العلوية من غير العلوي، وقد اتهمه أحمد الشامي ـ ابن «عامل الضالع» ـ بأنه كان يحبذ سياسة القوة، والتشدد، وعدم الاقتناع بما في اليد، مما أدى إلى تجدد المواجهات.
وهذا أمين الريحاني أثناء رحلته إلى اليمن «1922»، التقى بمواطنين من «لحج، والحواشب، وماوية»، استغرب من تفضيلهم للأتراك والإنجليز على الإمام، قدم حينها نصيحته الصادقة للأخير، قائلاً: «لو حكم الإمام يحيى حكماً مدنياً بحتاً، لا حكماً زيدياً، لتمكن من تحقيق مطامعه السياسة، أما اليوم فالشوافع في حكمه غير راضين».
وهي الصورة ذاتها التي عمد عبدالعزيز الثعالبي على نقلها في كتابه «الرحلة اليمنية»، أثناء مروره من مدينة السياني «1924»، صحيح أن رجالها منعهم الخوف من الإفصاح عن مكنونات استيائهم من الإمام وعساكره، إلا أن النساء تحدثن له بقوة عن ذلك، قالت إحداهن: «وأما حكم الزيدية فنحن لن نرضى به أبداً، ولا يمكن أن يدوم، فهم بدويون لا يدرون قيمةً للحرية، ولا يذوقون طعماً للعدل، دأبهم أن ينهكوا كواهلنا بالجبايات، وينعموا بها».
وما أثار استغراب «الثعالبي» حينها، حنين أولئك النسوة لحكم الأتراك، وحديثهن بحسرة عن ماضيهم، وعن الخير الوفير الذي جادت به الأرض أثناء تواجودهم، وأنهن لم يعرفن في عهدهم مجاعة ولا استلاب، مُتسائلات: «متى يعود الأتراك؟!»، وحين قاطعهن: «كيف يعودوا وأنتم قاتلتموهم»، ردت ذات الفتاة: «لا تتهمنا باطلاً، فإننا لم نقاتل الأتراك، بل كنا نموت إلى جانبهم فداء لهم، وإنما قاتلهم الزيدية، وهم أعداؤنا وأعداؤهم».
اشتعلت جبال ردفان بداية العام «1928» بالثورة، وتمكن أبطالها الصناديد من طرد الحامية الإمامية في «حصن سليك»، أرسل عامل قعطبة بـ «900» مُقاتل، تعزيزاً للقوات المنهزمة هناك، هزمهم الثوار، قتلوا «18»، وأسروا ثمانية، وأتموا ثورتهم باستعادة «الحامورة، والردوع، والدمنة، والبكري»، الأخيرة سلماً، وهكذا تحقق لهم تحرير ردفان قبل تدخل الإنجليز.
وجد الانجليز في دعوة المشايخ لتدخلهم فرصة ذهبية للانتقام من الإمام يحيى، الذي سبق وتحالف نكاية بهم مع الطليان، دعموا الثوار بالأسلحة المتطورة، فيما قامت طائراتهم بـ «48» غارة على الحاميات الإمامية بالجنوب، ولم يستثنِ القصف مدن شمالية، كـ «تعز، وقعطبة، والتربة، ويريم»، سقط بسببه أكثر من «300» شخص بين قتيل وجريح، وقد سميت تلك الحرب بـ «حرب الطائرات».
فرَّ عساكر الإمام بصورة مُخزية، ليعلن سيدهم الانسحاب التام، بعد ستة أسابيع من الحرب الغير مُعلنة «14 يوليو 1928»، أصيب العشرات منهم بالجنون، كونهم لم يألفوا أزيز الطائرات من قبل، ولا انفجارات «قنابرها» ـ حد تسميتهم ـ وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء، بأن الأسطول الانجليزي رابض في سواحل الحديدة، استعداداً لاحتلال اليمن، سارع الإمام بنقل معظم أمواله إلى شمال الشمال.
كان بعض السلاطين قد تعاطوا إيجاباً مع مبادرات الإمام يحيى، إلا أنهم بعد أن رأوا سوء أعماله، ارتموا في أحضان الإنجليز، وصاروا أكثر عمالة لهم، وأكثر رفضاُ للإمام، ولتدخلاته، عقدوا في العام التالي مؤتمرا كبيراً، وفيه أشهروا توجههم الجديد.
تبعاً لذلك فتح الانجليز صفحة جديدة مع الإمام، الذي انسحب سلماً من «العواذل، وبيحان»، اللتان بقيتا تحت سيطرته، وقعوا معه «معاهدة صنعاء»، اعترفوا له فيها باستقلال مملكته، ونجحوا بانتزاع اعتراف منه بالحدود الشطرية القائمة «11فبراير1934»، لتدخل قواته نهاية الشهر التالي في مواجهات مسلحة مع «آل سعود»، تعرض لهزيمة ماحقة، ضعفت بعد ذلك قوته، وتبددت هيبته، وأخذ الأحرار اليمنيون يفكرون جدياً في كيفية التخلص منه، مُعلنين بدأ العد التنازلي لطي صفحته
معارك دارت بين القعيطي وقبيلة نوّح في وادي (حجر)
عقب ما اشترى السلطان غالب بن عوض القعيطي أرض ميفع ـ بالنيابة عن أبيه ـ إشتد طمعه في حجر , إلا أنها تمنًعت عليه بعقبة كأداء لا طريق لها إلا منها , فكلما أرسل القعيطي بجيش كمنوا له في مخاربها فأبادوه أو كسروه على الأقل حتى لقد جهّز لهم ثلاثة مئة وألف مقاتل
الحرب بين قبيلتي نوّح والقعيطي بوادي حجر
عقب ما اشترى السلطان غالب بن عوض القعيطي أرض ميفع ـ بالنيابة عن أبيه ـ إشتد طمعه في حجر , إلا أنها تمنًعت عليه بعقبة كأداء لا طريق لها إلا منها , فكلما أرسل القعيطي بجيش كمنوا له في مخاربها فأبادوه أو كسروه على الأقل حتى لقد جهّز لهم ثلاثة مئة وألف مقاتل بزادهم وعتادهم فلما كادوا يتسنموا تلك العقبة وأيقنوا بالظفر سيروا بالكتب للسلطان غالب بن عوض فأمر بإطلاق المدافع ودفع شارات الأفراح ولكن نوّح نذرت بهم فتداعت عليهم وحزمتهم وقتلت ثلاثين وأسرت ثلاثين وفرّ الباقون وكانت معداتهم غنيمة لنوّح وفي ذلك يقول شاعرهم :
ياحجر ريضي وارقبي واستأمني = ماداموا أصحابش يديرون النقوس
إلا ان بغيتي اليافعي من خاطرش = انا عليّ العقد وأمسي له عروس
والمراد بالنقوس البارود ولمّا لم يكن لنوّح ذرع بالمطاولة وكان السلطان عوض قويّ العزيمة , شديد الشكيمة ـ لا تنفسخ له نية من هزيمة ـ أخذ يوالي الزحوف , ويبذل الألوف , ويشتري ما يقدر عليه من الضمائر حتى انقطعت أسباب نوّح وتطلع معايشهم , فنجعوا لتحكيم السيد حسين بن أحمد العطاس صاحب عمد , والسيد أحمد بن حسن العطاس صاحب حريضة , وفي القعدة من سنة 1328 هـ توجه السيدان , وكان الأول محمولاً على الأعناق , لضعّفه , وكِبر سِنه , فحكما بأن جميع وادي حجر ونواحيه " كنينه " و " محمده " و " يوّن " وما تعلّق بها , يكون تحت سلطنة السلطان عوض بن عمر وأولاده غالب وعمر وصالح , وما تناسلوا , فلهم سلطان الأرض , ولنوّح إعفاء أموالهم الخاصة من جميع الرسوم الدولية , فلا عشور ولا مكوس عليهم , ولا على مناصبهم : آل البيتي , وآل العطاس , وآل باراس , وآل الشاطري , وبافقيه , وباعلوي , وابن مالك , وعلى أن يبقى عشور الشيخ سعيد بن عيسى العمودي بحجر على حاله , وعلى قبائل نوّح أن يضعوا رهائن من أولادهم للوفاء بذلك , من كل قبيلة , وهم : بامسعود , وبافقاس , وبادبيان , وبارشيد , وهذه هي أقوى قبائلهم , وفيها رئاستهم العامة , وعلى أن تكون الرهائن بنسبة القبائل كثرةً وقلةً , وكتب بينهم في ذلك عدة وثائق موجودة بنصها في الأصل . وبتمام الأمر انتهت البشارة إلى السلطان عوض بن عمر , وهو على فراش الموت , فقرت عينه , ولم يسلم روحه لبارئها إلا مثلوج الصدر من جهة حجر بارد الفؤاد , وكان اهتمامه بها يشغل أكبر موضع من باله , حتى لقد قال في حجه وهو متعلق بأستار الكعبة في سنة 1317 هـ " أخبرني بذلك السيد حسين بن حامد المحضار " قال أتوب إليك يا رب من كل ذنب إلا من حجر وحضرموت .
ولآل حجر عوارض قوية في الأشعار العامية كما يعرب مما مر , أخبرني السيد حسين بن حامد المحضار , بأنها كثيراً ما تحصل المهادنات بينهم ـ أثناء الحرب ـ فيتبادلون الزيارات بين الأراجيز ودوي البنادق , وإن كان الواحد ليرتحل العشرين بيتاً فلا تجزون إلا بالأخير منها , ومن الأشعار الدالة على الإباء قول أحدهم :
والقعيطي نطح بالراس لمّا تكسر = جاه خنتوب من حرب النمر في صنيفة
والسرانه عشا نوّح ومبقى ضحاهم = حاملين البنادق والمقاض اللطيفه
واللقاء والوفاء والوعد إلى رأس حوته = بانعارضه بانلقى حراوه وضيفه
لو يقع من مئة مقتول في قبر واحد = والنبي مالتوت يده لعقد الشريفه
فبقيت ـ من هذا ـ حزازة في نفس السيد حسين بن حامد لم يستطع أن ينفث بما يشفي صدره في جوابها إلا ليلة دخولهم إلى المكلا بعد إبرام المعاهدات فقال :
قالوا لي اليوم الشريفة وكّلت = من بعد ما غلبت وصاليها غلب
بيدي عوادي شاربين المسكرة = حملوا على حوته وحلفوا في السلب
وحوته هي العقبة الكأداء التي أعجزتهم عن أخذها عنوة , ولكن طفقوا يفتلون في الذرى والغوارب حتى وطأوا أكنافهم بالبذل , ولهذا أجابه بعضهم قبل أن يبلعه الريف بما نسيته في هذا المعنى , وكادوا يتواثبون إثر تلك المراجعات بالأراجيز الحارة ولكن هدئهم المناصب , وأخبرني السيد حسين بن حامد أنه قال في أحد مراجزه لهم في هدنة ذات الأيام :
ياحجر ابن دّغار ماشي معذرة = لوبا نرادف في المقابر من ثنين
إن عاد شي تركوب وإلاتّبصره = ولاّمع الله بالمطابق والكبين
فأجابه أحدهم لاعن ذل ولكن خضع الجناح شيئاً بما جبلوا عليه من كرم الضيافة فقال :
حيا وسهلا بالوجيه الزاهرة = بالسيد المحضار بن حامد حسين
أنتوا وصلتوا والبشارة ظاهرة = والزين يخرج منه إلا كل زين
قال : فأخجلني بهذا اللطيف , لأني نزيلهم على ضيافتهم , مع أنه لم يخضع صريحاً لاسيما والبشارة محتملة للطرفين , والمساجلات التي بينهم تدخل في جزء , وعلى السنة الرواة منها شيْ الكثير.
مقتبس من كتاب إدام القوت
عقب ما اشترى السلطان غالب بن عوض القعيطي أرض ميفع ـ بالنيابة عن أبيه ـ إشتد طمعه في حجر , إلا أنها تمنًعت عليه بعقبة كأداء لا طريق لها إلا منها , فكلما أرسل القعيطي بجيش كمنوا له في مخاربها فأبادوه أو كسروه على الأقل حتى لقد جهّز لهم ثلاثة مئة وألف مقاتل
الحرب بين قبيلتي نوّح والقعيطي بوادي حجر
عقب ما اشترى السلطان غالب بن عوض القعيطي أرض ميفع ـ بالنيابة عن أبيه ـ إشتد طمعه في حجر , إلا أنها تمنًعت عليه بعقبة كأداء لا طريق لها إلا منها , فكلما أرسل القعيطي بجيش كمنوا له في مخاربها فأبادوه أو كسروه على الأقل حتى لقد جهّز لهم ثلاثة مئة وألف مقاتل بزادهم وعتادهم فلما كادوا يتسنموا تلك العقبة وأيقنوا بالظفر سيروا بالكتب للسلطان غالب بن عوض فأمر بإطلاق المدافع ودفع شارات الأفراح ولكن نوّح نذرت بهم فتداعت عليهم وحزمتهم وقتلت ثلاثين وأسرت ثلاثين وفرّ الباقون وكانت معداتهم غنيمة لنوّح وفي ذلك يقول شاعرهم :
ياحجر ريضي وارقبي واستأمني = ماداموا أصحابش يديرون النقوس
إلا ان بغيتي اليافعي من خاطرش = انا عليّ العقد وأمسي له عروس
والمراد بالنقوس البارود ولمّا لم يكن لنوّح ذرع بالمطاولة وكان السلطان عوض قويّ العزيمة , شديد الشكيمة ـ لا تنفسخ له نية من هزيمة ـ أخذ يوالي الزحوف , ويبذل الألوف , ويشتري ما يقدر عليه من الضمائر حتى انقطعت أسباب نوّح وتطلع معايشهم , فنجعوا لتحكيم السيد حسين بن أحمد العطاس صاحب عمد , والسيد أحمد بن حسن العطاس صاحب حريضة , وفي القعدة من سنة 1328 هـ توجه السيدان , وكان الأول محمولاً على الأعناق , لضعّفه , وكِبر سِنه , فحكما بأن جميع وادي حجر ونواحيه " كنينه " و " محمده " و " يوّن " وما تعلّق بها , يكون تحت سلطنة السلطان عوض بن عمر وأولاده غالب وعمر وصالح , وما تناسلوا , فلهم سلطان الأرض , ولنوّح إعفاء أموالهم الخاصة من جميع الرسوم الدولية , فلا عشور ولا مكوس عليهم , ولا على مناصبهم : آل البيتي , وآل العطاس , وآل باراس , وآل الشاطري , وبافقيه , وباعلوي , وابن مالك , وعلى أن يبقى عشور الشيخ سعيد بن عيسى العمودي بحجر على حاله , وعلى قبائل نوّح أن يضعوا رهائن من أولادهم للوفاء بذلك , من كل قبيلة , وهم : بامسعود , وبافقاس , وبادبيان , وبارشيد , وهذه هي أقوى قبائلهم , وفيها رئاستهم العامة , وعلى أن تكون الرهائن بنسبة القبائل كثرةً وقلةً , وكتب بينهم في ذلك عدة وثائق موجودة بنصها في الأصل . وبتمام الأمر انتهت البشارة إلى السلطان عوض بن عمر , وهو على فراش الموت , فقرت عينه , ولم يسلم روحه لبارئها إلا مثلوج الصدر من جهة حجر بارد الفؤاد , وكان اهتمامه بها يشغل أكبر موضع من باله , حتى لقد قال في حجه وهو متعلق بأستار الكعبة في سنة 1317 هـ " أخبرني بذلك السيد حسين بن حامد المحضار " قال أتوب إليك يا رب من كل ذنب إلا من حجر وحضرموت .
ولآل حجر عوارض قوية في الأشعار العامية كما يعرب مما مر , أخبرني السيد حسين بن حامد المحضار , بأنها كثيراً ما تحصل المهادنات بينهم ـ أثناء الحرب ـ فيتبادلون الزيارات بين الأراجيز ودوي البنادق , وإن كان الواحد ليرتحل العشرين بيتاً فلا تجزون إلا بالأخير منها , ومن الأشعار الدالة على الإباء قول أحدهم :
والقعيطي نطح بالراس لمّا تكسر = جاه خنتوب من حرب النمر في صنيفة
والسرانه عشا نوّح ومبقى ضحاهم = حاملين البنادق والمقاض اللطيفه
واللقاء والوفاء والوعد إلى رأس حوته = بانعارضه بانلقى حراوه وضيفه
لو يقع من مئة مقتول في قبر واحد = والنبي مالتوت يده لعقد الشريفه
فبقيت ـ من هذا ـ حزازة في نفس السيد حسين بن حامد لم يستطع أن ينفث بما يشفي صدره في جوابها إلا ليلة دخولهم إلى المكلا بعد إبرام المعاهدات فقال :
قالوا لي اليوم الشريفة وكّلت = من بعد ما غلبت وصاليها غلب
بيدي عوادي شاربين المسكرة = حملوا على حوته وحلفوا في السلب
وحوته هي العقبة الكأداء التي أعجزتهم عن أخذها عنوة , ولكن طفقوا يفتلون في الذرى والغوارب حتى وطأوا أكنافهم بالبذل , ولهذا أجابه بعضهم قبل أن يبلعه الريف بما نسيته في هذا المعنى , وكادوا يتواثبون إثر تلك المراجعات بالأراجيز الحارة ولكن هدئهم المناصب , وأخبرني السيد حسين بن حامد أنه قال في أحد مراجزه لهم في هدنة ذات الأيام :
ياحجر ابن دّغار ماشي معذرة = لوبا نرادف في المقابر من ثنين
إن عاد شي تركوب وإلاتّبصره = ولاّمع الله بالمطابق والكبين
فأجابه أحدهم لاعن ذل ولكن خضع الجناح شيئاً بما جبلوا عليه من كرم الضيافة فقال :
حيا وسهلا بالوجيه الزاهرة = بالسيد المحضار بن حامد حسين
أنتوا وصلتوا والبشارة ظاهرة = والزين يخرج منه إلا كل زين
قال : فأخجلني بهذا اللطيف , لأني نزيلهم على ضيافتهم , مع أنه لم يخضع صريحاً لاسيما والبشارة محتملة للطرفين , والمساجلات التي بينهم تدخل في جزء , وعلى السنة الرواة منها شيْ الكثير.
مقتبس من كتاب إدام القوت
السلطان اليافعي "محمد عيدروس عفيفي" أول ثائر على المستعمر في الجنوب
مناضلون بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل حرية الوطن وكرامته بالرغم من إمكانهم العيش بترف من خلال مواقعهم السياسية أو الاجتماعية وخاصة أولئك الذي كانوا يعيشون في كنف الاستعمار البريطاني فمن هؤلاء السلاطين والأمراء في محميات جنوب الوطن برز وبشكل مغاير صوت الثائر الشهيد البطل السلطان محمد بن عيدروس العفيفي سلطان سلطنة يافع بني قاصد بأبين قبل انطلاق ثورتي 62سبتمبر 1962م وال14من أكتوبر 1963م حيث أقدم هذا الثائر الجسور في ال17من ديسمبر 1957م بقيادة الانتفاضة الباسلة ضد الاحتلال البريطاني وأعوانه.
وكانت هذه الانتفاضة التي يتذكرها كل من عاشها من أهم الانتفاضات القبلية والمسلحة والتي عرفها وسطرها الكفاح المسلح في جنوب الوطن كانت هذه الانتفاضة من قبل هذا الثائر واحدة من المخاضات لثورة ال14من اكتوبر والتي فتحت آفاقا ثورية وعزيمة لا تلين أمام المناضلين من أمثال الثائر السلطان محمد عيدروس العفيفي حتى جاءت الثورة الأم صبيحة الخميس ال26من سبتمبر 1962م ضد الحكم الإمامي الكهنوتي في شمال الوطن فكانت هي السند الحقيقي لنصرة ثورة ال14من أكتوبر وثوار الكفاح المسلح بمختلف توجهاتهم السياسية وشرائحهم الاجتماعية حتى تم طرد الاستعمار البريطاني في ال30من نوفمبر 1967م ورحيل آخر جندي بريطاني من جنوب الوطن وكان هذا البطل الثائر الشهيد السلطان محمد بن عيدروس العفيفي أحد صناع هذا الانتصار العظيم لقيام الثورة الأكتوبرية والاستقلال في ال30من نوفمبر 1967م..
وسيظل التاريخ يتذكر هذا المناضل الثائر وغيره من المناضلين الشرفاء لثورتي سبتمبر وأكتوبر بصفحات من النور ولن يغفل تاريخ الانتفاضة المسلحة في 1957م والدور الوطني المشرف لقائدها مثلما يتذكره المناضلون ستذكره الأجيال جيلاً بعد جيل والكثير من أبناء الوطن في الشمال والجنوب تابعوا عن كثب الانتفاضة المسلحة للثائر السلطان محمد بن عيدروس العفيفي ودوره الوطني والمشرف بنصرة ثورة ال26من سبتمبر 1962م والجمهورية الوليدة من خلال دعوته لأبناء يافع للتوجه إلى البيضاء وتعز وإرسالهم إلى جبهات القتال لمطاردة القوات الملكية ويذكر هذه المواقف العديد من المناضلين الذين أجريت معهم لقاءات صحفية والذين شاركوا في الدفاع عن ثورة سبتمبر والجمهورية حيث أكدوا أن السلطان محمد بن عيدروس العفيفي عندما كان في تعز يستقبلهم ويرسلهم إلى صنعاء للالتحاق بجبهات القتال. كما أنه أيضاً كان يقوم ومن تعز بطباعة المنشورات التحريضية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن وإرسالها إلى يافع لتوزيعها وتسريبها إلى محميات أخرى ومنها عدن.
ومن خلال متابعتنا لما نشر عن الثائر واللقاءات الخاصة مع نجله الشيخ فضل محمد عيدروس عضو مجلس الشورى والوزير السابق للمغتربين ومع عدد من المناضلين بالإضافة إلى الوثائق الخاصة التي حصل عليها نجله والتي كانت موجودة في أرشيف الإدارة البريطانية وما تحمله من معلومات تقدم قصة كفاح الثائر الشهيد محمد عيدروس العفيفي ضد الاستعمار البريطاني وقصة اعتقاله واغتياله مع عدد من المناضلين والمشائخ من قبل نظام الحكم الشمولي في جنوب الوطن عام 1972م أثناء فترة التصفيات الجسدية بحق خيرة المناضلين والعلماء والمشائخ والوطنيين وغيرهم.
مشيخات وسلطنات
منذ أن وطأت أقدام الاحتلال البريطاني مدينة عدن في 19يناير 1839م لم تهدأ مقاومة صيادي صيرة والمظاهرات والعصيان المدني والانتفاضات القبلية المتفرقة وأهمها الانتفاضة التي قادها الثائر السلطان محمد عيدروس العفيفي عام 1957م التي استمرت حتى يوم الاستقلال الوطني المجيد.بعد ثورة ال14من أكتوبر ...رافضاً التدخل البريطاني الفعلي والمباشر في الأرياف أي المحميات خارج عدن لدعم سلطة الأمراء والمشايخ والسلاطين التي أصبحت ركيزة البريطانيين الأساسيين؛ إذ كان ما يزيد عن 90شيخاً وأميراً وسلطاناً يسيطرون على المشيخات والإمارات ويكرسون الخلافات والنزاعات العشائرية والقبلية منذ عام 1937م وحين عين لعدن حاكم وانتقلت تبعيتها من سيطرة إدارة كرزون في وزارة الخارجية البريطانية إلى سيطرة شرشل في وزارة المستعمرات البريطانية، المكتب الكولونيالي عام 1920م حيث كانت عدن في البدء منذ احتلالها عام 1839م محمية مباشرة تابعة كجزء إداري من الهند من قبل القبطان هنس.
فرق تسد
وعن انتفاضة الثائر السلطان الشهيد البطل محمد عيدروس العفيفي فإن جذور انتفاضته المسلحة تمتد إلى سنوات سابقة أي في 17ديسمبر 1957م؛ إذ كانت الأمور قد توترت وتدهورت مرات عديدة سابقاً بين سلطات الاحتلال البريطاني وبين سلطنة يافع بني قاصد والذي كان يحتلها السلطان عيدروس بن محسن العفيفي والد السلطان الثائر محمد بن عيدروس وقد وصل الوضع فيما بينهما إلى أقصاه في عام 1947م عندما حاولت سلطات الاحتلال تشجيع شخص آخر من آل البيت العفيفي ليحل محله بعد رفض السلطان عيدروس توقيع الاتفاقية الاستشارية مع قوات الاحتلال حينها قامت بريط
مناضلون بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل حرية الوطن وكرامته بالرغم من إمكانهم العيش بترف من خلال مواقعهم السياسية أو الاجتماعية وخاصة أولئك الذي كانوا يعيشون في كنف الاستعمار البريطاني فمن هؤلاء السلاطين والأمراء في محميات جنوب الوطن برز وبشكل مغاير صوت الثائر الشهيد البطل السلطان محمد بن عيدروس العفيفي سلطان سلطنة يافع بني قاصد بأبين قبل انطلاق ثورتي 62سبتمبر 1962م وال14من أكتوبر 1963م حيث أقدم هذا الثائر الجسور في ال17من ديسمبر 1957م بقيادة الانتفاضة الباسلة ضد الاحتلال البريطاني وأعوانه.
وكانت هذه الانتفاضة التي يتذكرها كل من عاشها من أهم الانتفاضات القبلية والمسلحة والتي عرفها وسطرها الكفاح المسلح في جنوب الوطن كانت هذه الانتفاضة من قبل هذا الثائر واحدة من المخاضات لثورة ال14من اكتوبر والتي فتحت آفاقا ثورية وعزيمة لا تلين أمام المناضلين من أمثال الثائر السلطان محمد عيدروس العفيفي حتى جاءت الثورة الأم صبيحة الخميس ال26من سبتمبر 1962م ضد الحكم الإمامي الكهنوتي في شمال الوطن فكانت هي السند الحقيقي لنصرة ثورة ال14من أكتوبر وثوار الكفاح المسلح بمختلف توجهاتهم السياسية وشرائحهم الاجتماعية حتى تم طرد الاستعمار البريطاني في ال30من نوفمبر 1967م ورحيل آخر جندي بريطاني من جنوب الوطن وكان هذا البطل الثائر الشهيد السلطان محمد بن عيدروس العفيفي أحد صناع هذا الانتصار العظيم لقيام الثورة الأكتوبرية والاستقلال في ال30من نوفمبر 1967م..
وسيظل التاريخ يتذكر هذا المناضل الثائر وغيره من المناضلين الشرفاء لثورتي سبتمبر وأكتوبر بصفحات من النور ولن يغفل تاريخ الانتفاضة المسلحة في 1957م والدور الوطني المشرف لقائدها مثلما يتذكره المناضلون ستذكره الأجيال جيلاً بعد جيل والكثير من أبناء الوطن في الشمال والجنوب تابعوا عن كثب الانتفاضة المسلحة للثائر السلطان محمد بن عيدروس العفيفي ودوره الوطني والمشرف بنصرة ثورة ال26من سبتمبر 1962م والجمهورية الوليدة من خلال دعوته لأبناء يافع للتوجه إلى البيضاء وتعز وإرسالهم إلى جبهات القتال لمطاردة القوات الملكية ويذكر هذه المواقف العديد من المناضلين الذين أجريت معهم لقاءات صحفية والذين شاركوا في الدفاع عن ثورة سبتمبر والجمهورية حيث أكدوا أن السلطان محمد بن عيدروس العفيفي عندما كان في تعز يستقبلهم ويرسلهم إلى صنعاء للالتحاق بجبهات القتال. كما أنه أيضاً كان يقوم ومن تعز بطباعة المنشورات التحريضية ضد الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن وإرسالها إلى يافع لتوزيعها وتسريبها إلى محميات أخرى ومنها عدن.
ومن خلال متابعتنا لما نشر عن الثائر واللقاءات الخاصة مع نجله الشيخ فضل محمد عيدروس عضو مجلس الشورى والوزير السابق للمغتربين ومع عدد من المناضلين بالإضافة إلى الوثائق الخاصة التي حصل عليها نجله والتي كانت موجودة في أرشيف الإدارة البريطانية وما تحمله من معلومات تقدم قصة كفاح الثائر الشهيد محمد عيدروس العفيفي ضد الاستعمار البريطاني وقصة اعتقاله واغتياله مع عدد من المناضلين والمشائخ من قبل نظام الحكم الشمولي في جنوب الوطن عام 1972م أثناء فترة التصفيات الجسدية بحق خيرة المناضلين والعلماء والمشائخ والوطنيين وغيرهم.
مشيخات وسلطنات
منذ أن وطأت أقدام الاحتلال البريطاني مدينة عدن في 19يناير 1839م لم تهدأ مقاومة صيادي صيرة والمظاهرات والعصيان المدني والانتفاضات القبلية المتفرقة وأهمها الانتفاضة التي قادها الثائر السلطان محمد عيدروس العفيفي عام 1957م التي استمرت حتى يوم الاستقلال الوطني المجيد.بعد ثورة ال14من أكتوبر ...رافضاً التدخل البريطاني الفعلي والمباشر في الأرياف أي المحميات خارج عدن لدعم سلطة الأمراء والمشايخ والسلاطين التي أصبحت ركيزة البريطانيين الأساسيين؛ إذ كان ما يزيد عن 90شيخاً وأميراً وسلطاناً يسيطرون على المشيخات والإمارات ويكرسون الخلافات والنزاعات العشائرية والقبلية منذ عام 1937م وحين عين لعدن حاكم وانتقلت تبعيتها من سيطرة إدارة كرزون في وزارة الخارجية البريطانية إلى سيطرة شرشل في وزارة المستعمرات البريطانية، المكتب الكولونيالي عام 1920م حيث كانت عدن في البدء منذ احتلالها عام 1839م محمية مباشرة تابعة كجزء إداري من الهند من قبل القبطان هنس.
فرق تسد
وعن انتفاضة الثائر السلطان الشهيد البطل محمد عيدروس العفيفي فإن جذور انتفاضته المسلحة تمتد إلى سنوات سابقة أي في 17ديسمبر 1957م؛ إذ كانت الأمور قد توترت وتدهورت مرات عديدة سابقاً بين سلطات الاحتلال البريطاني وبين سلطنة يافع بني قاصد والذي كان يحتلها السلطان عيدروس بن محسن العفيفي والد السلطان الثائر محمد بن عيدروس وقد وصل الوضع فيما بينهما إلى أقصاه في عام 1947م عندما حاولت سلطات الاحتلال تشجيع شخص آخر من آل البيت العفيفي ليحل محله بعد رفض السلطان عيدروس توقيع الاتفاقية الاستشارية مع قوات الاحتلال حينها قامت بريط
اضلين في جنوب الوطن خيراً وكان السلطان محمد من أوائل من ناصرها وأيدها وقد وجه أتباعه في يافع للطلوع إلى صنعاء والتطوع للدفاع عن الثورة والجمهورية الوليدة وفعلاً وصل من يافع حوالي “970” مقاتلاً على ثلاث دفعات وتم تنظيم أنفسهم وشكل السلطان محمد بن عيدروس مع المناضل محمد صالح المصلي والمناضل مقبل باعزب وآخرين هيئة تحرير جنوب الوطن المحتل في مطلع عام 1963م وأعطى لهم مقراً في المتحف الحربي حالياً بصنعاء ثم بعد ذلك بأشهر أعلن عن قيام الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل
انيا بتشكيل مجلس للسلطنة لتولي مقاليد الأمور في منطقة سلطنة يافع الساحل، وفي عام 1949توسط السلطان صالح بن حسين العوذلي بين السلطان عيدروس والسلطات البريطانية فاشترطت بريطانيا شروطاً بعودته إلى عامة السلطنة من ضمنها بقاء مجلس السلطنة الذي شكلته السلطات البريطانية عند غياب السلطان عيدروس وكذلك تعيين نائب للسلطان يقوم بإدارة الأمور إلى جانب السلطان حتى يسهل عليها التعامل معه، ثم في عام 1952م زار المندوب البريطاني في عدن المستر هوكم بوتن منطقة القارة بيافع وطلب من السلطان عيدروس تعيين نجله محمد بن عيدروس العفيفي نائباً للسلطنة بدلاً عن النائب الحالي حينها توافق السلطان ووافق نجله الشاب الأمير على ذلك ونزل من القارة بيافع إلى منطقة الحصن مركز السلطان وكان عمر الأمير الثائر محمد حينها “24” عاماً لكنه سرعان ما بدأ الاختلاف بين الأمير النائب الجديد وبين سلطات الاحتلال البريطانية ثم تطور شيئاً فشيئاً إلى المواجهة المباشرة وكانت من أهم أسباب الخلاف مع السلطات البريطانية هي:
تدخل الإدارة البريطانية في قرارات مجلس السلطنة فقد كان يحضر اجتماعات المجلس الضابط السياسي البريطاني في السلطنة وضابط سياسي عربي وأحياناً ضابطان سياسيان وكان أعضاء المجلس طوع أيديهم يمررون لهم ما يشاءون ويعترضون على ما يشاءون فكان الأمير محمد بن عيدروس يرى أن ذلك تدخل في شئون سلطنته.
لجنة أبين الزراعية كان يرأس إدارتها شخص إنجليزي بينما هي عبارة عن هيئة زراعية محلية تتبع السلطنتين اليافعية والفضلية وارتباطها بمزارعي دلتا أبين في السلطنتين وقد اتفق الأمير محمد بن عيدروس مع نائب سلطنة آل فضل حينها أحمد عبدالله الفضلي على أن تكون رئاسة لجنة أبين الزراعية متداولة بين الطرفين سنة بسنة ونجح في ذلك الاتفاق وهذا ما أثار غضب المعتمد البريطاني وسلطات الاحتلال؛ لأن هذا الاتفاق اعتبروه مساسا بسياساتهم الاستعمارية ويضر بمصالحهم الاقتصادية المهيمنة على مقدرات شعبنا في جنوب الوطن.
كما أن السلطان الثائر محمد بن عيدروس كانت له اتصالات بالحركة الوطنية في عدن؛ فقد كان له علاقات بقادة حزب الشعب الاشتراكي وكذا الشخصية الوطنية العالية علي حسين القاضي - رئيس نقابات العمال في عدن والأستاذ المناضل محمد عبده نعمان وغيرهم من المناضلين، كما كانت له أيضاً اتصالات مع الأحرار في شمال الوطن ومصر العربية إضافة إلى رفضه مشروع الاتحاد الفيدرالي وكان يعتبر أن بريطانيا بهذا الاتحاد تريد أن تمدد بقاءها في احتلال جنوب الوطن.
غير مرغوب فيه من قبل الاستعمار
وفي يونيو 1957م نزل الأمير محمد بن عيدروس إلى المنطقة الساحلية “الحصن” بعد أن قضى فترة ثلاثة أشهر محتجباً في القارة بيافع الجبل لخلافات مع السلطات البريطانية واتجه من الحصن إلى لحج في طريقه إلى تعز ويحس نبض المملكة المتوكلية حول مدى تقديمها للمساعدة لعزمه على الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال ولكنه عندما وصل إلى لحج كان المعتمد البريطاني في عدن المستر سيجر قد سبقه؛ إذ اتصل بالسلطان علي عبدالكريم سلطان لحج كي يقنع الأمير محمد بن عيدروس بالعدول عن الاتجاه إلى تعز وفعلاً عاد الأمير محمد إلى منطقة الحصن عاصمة السلطنة وعند وصوله إليها استاء جداً بعد أن رأى انتشار قوات كبيرة بين ما كان يسمى بالجيش الليوي في منطقتي الحصن وجعار فحينها شد رحاله مرة أخرى إلى جبال القارة بيافع محتجاً على ذلك بالانتشار العسكري لتبلغ السلطات البريطانية والد السلطان عيدروس بن محسن العفيفي سلطان يافع بني قاصد بأن ولده الأمير محمد غير مرغوب فيه من السلطات البريطانية في المستعمرة وأن عليه البقاء في يافع القارة ويمنع نزوله إلى مركز السلطنة ومناطقها الساحلية.
الطائرات البريطانية تقصف يافع
وفي بداية شهر ديسمبر 1957م تحدى الأمير محمد بن عيدروس السلطات البريطانية ونزل إلى منطقة الحصن مركز السلطنة حينها أبلغت السلطات البريطانية والده السلطان عيدروس بأن يأمر ولده محمد بمغادرة المنطقة فوراً والعودة إلى القارة بيافع وإلا ستقصف القوات البريطانية المنزل المتواجد فيه وعندما أخبر السلطان ولده بذلك ظل الأمير محمد متخفياً لمدة أسبوع في الحصن حتى يوم 17ديسمبر 1957حيث أعلن الكفاح ضد المستعمر وأخذ الأسلحة والذخائر التي كانت متواجدة في مخازن السلطنة واتجه إلى منطقة القارة بيافع ومعه “167”عنصراً من الحراسة ومجموعة كبيرة من كبار وصغار الموظفين بالسلطنة ووصل إلى القارة في 20ديسمبر ليقود انتفاضة مسلحة ضد قوات الاحتلال البريطاني التي ردت بقصف الطيران على يافع، روى أحد أقرباء السلطان محمد بن عيدروس وهو الشيخ حمود زين العفيفي رحمة الله عليه الكثير من المواقف الوطنية لهذا السلطان الثائر وما يتمتع به من ثقافة ورؤية و أخلاق رفيعة منذ ريعان شبابه
مغادرة يافع إلى البيضاء وتعز.
منذ بدء إعلان انتفاضة العفيفي المسلحة ضد الاحتلال البريطاني وعند وصول الأمير محمد إلى القارة بيافع شهدت القارة تجمع حشود كبيرة من قبائل يافع
تدخل الإدارة البريطانية في قرارات مجلس السلطنة فقد كان يحضر اجتماعات المجلس الضابط السياسي البريطاني في السلطنة وضابط سياسي عربي وأحياناً ضابطان سياسيان وكان أعضاء المجلس طوع أيديهم يمررون لهم ما يشاءون ويعترضون على ما يشاءون فكان الأمير محمد بن عيدروس يرى أن ذلك تدخل في شئون سلطنته.
لجنة أبين الزراعية كان يرأس إدارتها شخص إنجليزي بينما هي عبارة عن هيئة زراعية محلية تتبع السلطنتين اليافعية والفضلية وارتباطها بمزارعي دلتا أبين في السلطنتين وقد اتفق الأمير محمد بن عيدروس مع نائب سلطنة آل فضل حينها أحمد عبدالله الفضلي على أن تكون رئاسة لجنة أبين الزراعية متداولة بين الطرفين سنة بسنة ونجح في ذلك الاتفاق وهذا ما أثار غضب المعتمد البريطاني وسلطات الاحتلال؛ لأن هذا الاتفاق اعتبروه مساسا بسياساتهم الاستعمارية ويضر بمصالحهم الاقتصادية المهيمنة على مقدرات شعبنا في جنوب الوطن.
كما أن السلطان الثائر محمد بن عيدروس كانت له اتصالات بالحركة الوطنية في عدن؛ فقد كان له علاقات بقادة حزب الشعب الاشتراكي وكذا الشخصية الوطنية العالية علي حسين القاضي - رئيس نقابات العمال في عدن والأستاذ المناضل محمد عبده نعمان وغيرهم من المناضلين، كما كانت له أيضاً اتصالات مع الأحرار في شمال الوطن ومصر العربية إضافة إلى رفضه مشروع الاتحاد الفيدرالي وكان يعتبر أن بريطانيا بهذا الاتحاد تريد أن تمدد بقاءها في احتلال جنوب الوطن.
غير مرغوب فيه من قبل الاستعمار
وفي يونيو 1957م نزل الأمير محمد بن عيدروس إلى المنطقة الساحلية “الحصن” بعد أن قضى فترة ثلاثة أشهر محتجباً في القارة بيافع الجبل لخلافات مع السلطات البريطانية واتجه من الحصن إلى لحج في طريقه إلى تعز ويحس نبض المملكة المتوكلية حول مدى تقديمها للمساعدة لعزمه على الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال ولكنه عندما وصل إلى لحج كان المعتمد البريطاني في عدن المستر سيجر قد سبقه؛ إذ اتصل بالسلطان علي عبدالكريم سلطان لحج كي يقنع الأمير محمد بن عيدروس بالعدول عن الاتجاه إلى تعز وفعلاً عاد الأمير محمد إلى منطقة الحصن عاصمة السلطنة وعند وصوله إليها استاء جداً بعد أن رأى انتشار قوات كبيرة بين ما كان يسمى بالجيش الليوي في منطقتي الحصن وجعار فحينها شد رحاله مرة أخرى إلى جبال القارة بيافع محتجاً على ذلك بالانتشار العسكري لتبلغ السلطات البريطانية والد السلطان عيدروس بن محسن العفيفي سلطان يافع بني قاصد بأن ولده الأمير محمد غير مرغوب فيه من السلطات البريطانية في المستعمرة وأن عليه البقاء في يافع القارة ويمنع نزوله إلى مركز السلطنة ومناطقها الساحلية.
الطائرات البريطانية تقصف يافع
وفي بداية شهر ديسمبر 1957م تحدى الأمير محمد بن عيدروس السلطات البريطانية ونزل إلى منطقة الحصن مركز السلطنة حينها أبلغت السلطات البريطانية والده السلطان عيدروس بأن يأمر ولده محمد بمغادرة المنطقة فوراً والعودة إلى القارة بيافع وإلا ستقصف القوات البريطانية المنزل المتواجد فيه وعندما أخبر السلطان ولده بذلك ظل الأمير محمد متخفياً لمدة أسبوع في الحصن حتى يوم 17ديسمبر 1957حيث أعلن الكفاح ضد المستعمر وأخذ الأسلحة والذخائر التي كانت متواجدة في مخازن السلطنة واتجه إلى منطقة القارة بيافع ومعه “167”عنصراً من الحراسة ومجموعة كبيرة من كبار وصغار الموظفين بالسلطنة ووصل إلى القارة في 20ديسمبر ليقود انتفاضة مسلحة ضد قوات الاحتلال البريطاني التي ردت بقصف الطيران على يافع، روى أحد أقرباء السلطان محمد بن عيدروس وهو الشيخ حمود زين العفيفي رحمة الله عليه الكثير من المواقف الوطنية لهذا السلطان الثائر وما يتمتع به من ثقافة ورؤية و أخلاق رفيعة منذ ريعان شبابه
مغادرة يافع إلى البيضاء وتعز.
منذ بدء إعلان انتفاضة العفيفي المسلحة ضد الاحتلال البريطاني وعند وصول الأمير محمد إلى القارة بيافع شهدت القارة تجمع حشود كبيرة من قبائل يافع
الساحل ويافع الأعلى معلنين وقوفهم إلى جانبه ضد قوات الاحتلال وحينها بدأ الإعداد والخطط لشن هجمات عسكرية على مركز الحكومة في المنطقة الساحلية لإخراج المستعمرين وأعوانهم من المنطقة وقد كانت أولى هذه الهجمات في 29 يناير 1959م وذلك بالهجوم على مراكز الحكومة الاستعمارية في السلطنة في مدينة الحصن ومنزل النائب الجديد للسلطنة الذي عينته قوات الاحتلال البريطانية بدلاً عن الأمير محمد بن عيدروس وعدد آخر من المراكز الهامة وقد استمرت الهجمات بعد ذلك لعدد من الأهداف ولمدة شهرين ونصف تقريباً ثم في مارس 1959م بدأ القصف الجوي من الطائرات البريطانية لمراكز الأمير محمد بن عيدروس التي أقامها في المنطقة الجبلية من يافع وهو القصف الذي تواصل بعد ذلك باستمرار على المنطقة والتي ظلت خارج سيطرة سلطات الاحتلال إلى يوم الاستقلال الوطني المجيد.
وفي مطلع عام 1961م تكثف القصف الجوي البريطاني على المناطق الجبلية من يافع المؤيدة للسلطان الثائر محمد بن عيدروس واستمر هذا القصف طوال 57 يوماً متواصلة دمر خلاله عدد كبير من المنازل وضربت الطرقات التي شقها الأهالي وأتلفت مساحات كثيرة من المزارع وكان يصاحب هذه الغارات إسقاط منشورات تؤكد أن القصف لن يتوقف حتى يغادر السلطان محمد بن عيدروس مناطق يافع ولما رأى السلطان أنه لا يستطيع المقاومة خصوصاً في ظل عدم وجود أسلحة مضادة للطيران وعدم وصول أية مساعدة له قرر ترك المنطقة والمغادرة إلى محافظة البيضاء وعين الأمير محسن حمود العفيفي ابن عمه نائباً في السلطنة بالمنطقة وعند وصوله البيضاء في مايو 1961م وبعد أسبوعين توجه إلى تعز وطلب مقابلة الإمام أحمد ولكن طلبه قوبل بالاعتذار حينها قابل الأمير محمد البدر وقد سأله البدر هل يستطيع توحيد المعارضة في الجنوب ضد الإنجليز فأجابه السلطان محمد بالإيجاب وأرسل إلى أصدقائه من الحركة الوطنية في عدن فجاء إلى تعز ممثلو “14” نادياً ثقافياً وعدد من الضباط في الجيش وعندما قابلوا الأمير البدر أخبروه أنهم مستعدون للعمل ضد الإنجليز إذا دعمتهم المملكة المتوكلية بجدية ثم بعد التحرير والاستقلال مستعدون للوحدة في دولة واحدة وأن يكون الإمام هو الملك شريطة أن يكون هناك برلمان وحكومة منتخبة من قبل الشعب أي دولة ملكية دستورية فرفض الأمير البدر هذه الشروط وعاد كل واحد منهم من حيث أتى.
وبعد عودته إلى البيضاء استمر السلطان محمد بمراسلة أتباعه في يافع وإعطائهم التعليمات وإرسال المنشورات المحرضة لمواصلة الثورة ضد الإنجليز وقد كانت هذه المنشورات واحدة من أهم المميزات للانتفاضة الباسلة عن غيرها من الانتفاضات القبلية المسلحة السابقة وكانت تسمى نشرات محمد بن عيدروس تغطي الجانب السياسي والإعلامي للانتفاضة واستمرت منذ بدء الانتفاضة وحتى عام 1967م يوم الاستقلال وكانت تطبع على الآلة الكاتبة ومن ثم نسخت بآلة “ رونيو”، كانت لدى شخص يدعى المنتصر في يافع منطقة شعب البارع ثم توزع في يافع الساحل بواسطة رجاله هذا عندما كان السلطان محمد بن عيدروس متواجدا في يافع وعندما خرج منها كانت لديه آلة كاتبة رونيو في منزله في البيضاء وتعز فيجهز المنشورات ويرسلها إلى نائبه الأمير محسن حمود العفيفي أطال الله في عمره ويقوم أتباعه بتوزيعها في المنطقة.
أسفار طلب للدعم
وعندما يئس السلطان محمد بن عيدروس من دعم الإمام طلب السماح له بالسفر إلى السعودية لطلب الدعم فأرسل ديوان الملك سعود موفداً ونزل في الحديدة استعداداً للسفر ولكنه فوجئ قبل يوم من سفره بوصول برقية من السعودية تشير إلى عدم قدرة الملك سعود على مقابلته في الوقت الحالي؛ كونه يستعد للسفر إلى الخارج للعلاج فرجع السلطان محمد بن عيدروس إلى صنعاء وهناك قابله السفير العراقي وطلب منه زيارة العراق فوافق السلطان محمد بن عيدروس شريطة إخطار السفارة بهذا الأمر لوزير الإمام في صنعاء وأخذ موافقته ولكن ذلك لم يتحقق أيضاً حيث تم عرقلة هذه الزيارة.
وفي نهاية عام 1961م راسل السلطان محمد بن عيدروس مجلس العموم البريطاني شاكياً من استمرار القصف للطائرات البريطانية على مناطق يافع الجبلية رغم خروجه من المنطقة وطلب وقف هذا القصف الجوي ضد الأبرياء من أبناء المنطقة فجاء وفد مكون من نائبين في مجلس العموم البريطاني في شهر يونيو 1962م إلى البيضاء وقابله هناك وشرح لهم الأوضاع ومطالباته وأراهم الصور الفوتوغرافية لآثار القصف وما خلفه من أضرار جسيمة ومادية بالمنطقة.
لكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة حيث ظل القصف متواصلاً لإخضاع هذه المنطقة لسلطات الاحتلال البريطاني وإزالة سيطرة السلطان محمد بن عيدروس عليها حيث كانت القبائل في يافع قد بايعته بعد موت أبيه السلطان عيدروس في 1960/1/30م سلطاناً ضد رغبة بريطانيا ومجلس السلطنة في المنطقة الساحلية التي نصبت أخاه محمود بن عيدروس البالغ من العمر تسع سنوات سلطاناً للسلطنة.
ومع قيام الثورة السبتمبرية المباركة وإعلان الجمهورية في 26 سبتمبر 1962م استبشر السلطان محمد بن عيدروس وكل المن
وفي مطلع عام 1961م تكثف القصف الجوي البريطاني على المناطق الجبلية من يافع المؤيدة للسلطان الثائر محمد بن عيدروس واستمر هذا القصف طوال 57 يوماً متواصلة دمر خلاله عدد كبير من المنازل وضربت الطرقات التي شقها الأهالي وأتلفت مساحات كثيرة من المزارع وكان يصاحب هذه الغارات إسقاط منشورات تؤكد أن القصف لن يتوقف حتى يغادر السلطان محمد بن عيدروس مناطق يافع ولما رأى السلطان أنه لا يستطيع المقاومة خصوصاً في ظل عدم وجود أسلحة مضادة للطيران وعدم وصول أية مساعدة له قرر ترك المنطقة والمغادرة إلى محافظة البيضاء وعين الأمير محسن حمود العفيفي ابن عمه نائباً في السلطنة بالمنطقة وعند وصوله البيضاء في مايو 1961م وبعد أسبوعين توجه إلى تعز وطلب مقابلة الإمام أحمد ولكن طلبه قوبل بالاعتذار حينها قابل الأمير محمد البدر وقد سأله البدر هل يستطيع توحيد المعارضة في الجنوب ضد الإنجليز فأجابه السلطان محمد بالإيجاب وأرسل إلى أصدقائه من الحركة الوطنية في عدن فجاء إلى تعز ممثلو “14” نادياً ثقافياً وعدد من الضباط في الجيش وعندما قابلوا الأمير البدر أخبروه أنهم مستعدون للعمل ضد الإنجليز إذا دعمتهم المملكة المتوكلية بجدية ثم بعد التحرير والاستقلال مستعدون للوحدة في دولة واحدة وأن يكون الإمام هو الملك شريطة أن يكون هناك برلمان وحكومة منتخبة من قبل الشعب أي دولة ملكية دستورية فرفض الأمير البدر هذه الشروط وعاد كل واحد منهم من حيث أتى.
وبعد عودته إلى البيضاء استمر السلطان محمد بمراسلة أتباعه في يافع وإعطائهم التعليمات وإرسال المنشورات المحرضة لمواصلة الثورة ضد الإنجليز وقد كانت هذه المنشورات واحدة من أهم المميزات للانتفاضة الباسلة عن غيرها من الانتفاضات القبلية المسلحة السابقة وكانت تسمى نشرات محمد بن عيدروس تغطي الجانب السياسي والإعلامي للانتفاضة واستمرت منذ بدء الانتفاضة وحتى عام 1967م يوم الاستقلال وكانت تطبع على الآلة الكاتبة ومن ثم نسخت بآلة “ رونيو”، كانت لدى شخص يدعى المنتصر في يافع منطقة شعب البارع ثم توزع في يافع الساحل بواسطة رجاله هذا عندما كان السلطان محمد بن عيدروس متواجدا في يافع وعندما خرج منها كانت لديه آلة كاتبة رونيو في منزله في البيضاء وتعز فيجهز المنشورات ويرسلها إلى نائبه الأمير محسن حمود العفيفي أطال الله في عمره ويقوم أتباعه بتوزيعها في المنطقة.
أسفار طلب للدعم
وعندما يئس السلطان محمد بن عيدروس من دعم الإمام طلب السماح له بالسفر إلى السعودية لطلب الدعم فأرسل ديوان الملك سعود موفداً ونزل في الحديدة استعداداً للسفر ولكنه فوجئ قبل يوم من سفره بوصول برقية من السعودية تشير إلى عدم قدرة الملك سعود على مقابلته في الوقت الحالي؛ كونه يستعد للسفر إلى الخارج للعلاج فرجع السلطان محمد بن عيدروس إلى صنعاء وهناك قابله السفير العراقي وطلب منه زيارة العراق فوافق السلطان محمد بن عيدروس شريطة إخطار السفارة بهذا الأمر لوزير الإمام في صنعاء وأخذ موافقته ولكن ذلك لم يتحقق أيضاً حيث تم عرقلة هذه الزيارة.
وفي نهاية عام 1961م راسل السلطان محمد بن عيدروس مجلس العموم البريطاني شاكياً من استمرار القصف للطائرات البريطانية على مناطق يافع الجبلية رغم خروجه من المنطقة وطلب وقف هذا القصف الجوي ضد الأبرياء من أبناء المنطقة فجاء وفد مكون من نائبين في مجلس العموم البريطاني في شهر يونيو 1962م إلى البيضاء وقابله هناك وشرح لهم الأوضاع ومطالباته وأراهم الصور الفوتوغرافية لآثار القصف وما خلفه من أضرار جسيمة ومادية بالمنطقة.
لكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة حيث ظل القصف متواصلاً لإخضاع هذه المنطقة لسلطات الاحتلال البريطاني وإزالة سيطرة السلطان محمد بن عيدروس عليها حيث كانت القبائل في يافع قد بايعته بعد موت أبيه السلطان عيدروس في 1960/1/30م سلطاناً ضد رغبة بريطانيا ومجلس السلطنة في المنطقة الساحلية التي نصبت أخاه محمود بن عيدروس البالغ من العمر تسع سنوات سلطاناً للسلطنة.
ومع قيام الثورة السبتمبرية المباركة وإعلان الجمهورية في 26 سبتمبر 1962م استبشر السلطان محمد بن عيدروس وكل المن