ملوك العرب
#السيد_الادريسي
17
على ظهر الباخرة
جاء الجواب من الإمام مرحبًا بنا، ورست في مياه الحديدة ذاك اليوم باخرة وجهتها جيزان، فآثرناها على السيارة التي استمرت معيَّدة، وقمنا نتأهب للسفر بحرًا إلى العاصمة. لكن التأهب لا يشغل كثيرًا من أصبح في ملابسه وحاجاته أخفَّ من الجندي في تهامة. إن قصة ثيابي محزنة، نثرتها في الطريق برًّا وبحرًا، تركت الرسمية منها في مصر — ومن غير الإنكليز من عباد الله يحمل ثوبه الرسمي إلى البادية؟ ثم تركت الشتوية منها في جدة، والصيفية في عدن، وها أنا في الحديدة أفاخر الدراويش، والسالكين بما ارتقيت إليه من القناعة، والبساطة، والحكمة. أجل، وما فضل المسافر إذا كان لا ينتفع بشيء من عادات البلاد وأهلها؟ خرجت من القصر في قيافتي الحجازية أحمل عصاي، وفوطة فيها ما لا يستطيع حتى السالك أن يستغني عنه.
أما رفيقي الجديد — وقد يسأل القارئ عن الرفيق الأول، عن القسطنطين، فالجواب واجب قبل أن أستأنف السفر. فجعت في الحديدة بفراق قسطنطين، فقد وصله كتاب من جدة فيه أن الوزير الشاعر في الديوان الهاشمي لم ينظم بيتًا في غيابه، وأن الفارس الفيلسوف في القشلاق لم يسحب السيف مرة من نصابه، وأن نظارة الطيران المكسَّرة الأجنحة، والطيارين يائسون، وأن مدير الميناء هجر الشراع، وراح يرعى الإبل، وأن الشريف الإيطالي الذي استودعه ماله فرَّ هاربًا، وأن «توتو» كلبته المعبودة، وقد أضناها الشوق والنوى، مشرفة على الموت: فلو لم يكن من نكبة جدة في غيابه ما حل بتوتو لكفى بها نكبة تستوجب رجوع الرفيق الزعيم في الحال.
جاءني صباح يومٍ، والكتاب بيده، والدمعة تترقرق في زاوية عينه، وهو يقول: اعذرني يا أمين، أود أن أرافقك في الرحلة كلها، ولكن توتو — اقرأ — اقرأ ما يقوله الطبيب، توتو في حالة الخطر، ولا عزيز في الدنيا — كما تعلم — أعز عندي منها، هو ذا المركب في الميناء، سأركب اليوم فأراها بعد يومين، اعذرني يا أمين.
ثم نادى خادمه، وبدأ يجمع ثيابه. فقلت أَوَلا يبقى المدني معي؟ فقال الولد وهو يثب من رأس الدرج إلى أسفله وثبة واحدة: وأمي، أنا مشتاق إلى أمي! مبالغًا على عاداته في الضم والتشديد. أطال الله بعمر أمك يا مدني، وحرس الله توتوك يا قسطنطين، يا من لا يبالي بما يفعل، ويقول يا عدو نفسه في بعض ما يراه ويهواه. رأيتك ذات يوم عائدًا من الباخرة تحمل رزمة كبيرة، كل ما وجدت في خزانة القيم من الدخان، ما قد يكفي عشرة رجال شهرًا، فظننت أنك تنوي المتاجرة في الحديدة بالسكاير، ولكني سمعتك تقول: قد لا يرسو في المينا باخرة أخرى هذا الأسبوع.
كنت أشفق عليك منها، أيها الرفيق العزيز، وكنت أرى لك الخير الجم في نجد. أجل، كنت أبغي تأديبك هناك، وفطمك عن هواك، فيا ليتك دمت رفيقًا لأراك «تُبسَط» في بلاد الوهابيين إذا داومت التدخين. فما شأنك الآن، وتلك اللفائف التي كانت تتلو الواحدة الأخرى في فمك؟ وكنت تدخن في أول الرحلة المعطرة الذهبية الفم، فصرت تدخن، لهفي عليك، ما لو شمت رائحتها «توتو» لأغمي عليها. وأنت الشاعر الذي لا يسر بغير الجميل من منظور، وملموس، ومشروب، ومشموم. فأسأل الله أن يعصمك دائمًا من كل مكروه، ومن كل هوس يشوه النفس، وأن يمكنك دائمًا من تلك المعطرة الذهبية الفم، ويعلمك فوق تلك الحكمة والاعتدال، دمت محروسًا في كل حال، رفيق الحقيقة، شقيق الخيال.
أما الرفيق الجديد فيحمل في أسفاره بدل الدخان سجادة الصلاة، ولا يقتدي ظاهرًا بالسالكين في سواها؛ فقد كان معه كذلك من الأمتعة والحقائب ما لا يليق بالفلاسفة، وخادم هو من السادة؛ ليفرش له السجادة. وكنت أنا في ذي الأبهة جزءًا منها أفتش عن رفيقي الصوفي، فلا أجد غير الوكيل السياسي، وأغرب ما في حاجاته، ومواعينه سجادة الصلاة.
خرجنا من القصر، فإذا بثُلَّة من الجنود العارية في الباب رافقتنا إلى الرصيف، وكان هناك وجهاء المدينة، والمتوظفون في انتظارنا للوداع، لوداع الوكيل المحترم، وأنا في معيته عباءة وعقال ليس غير، فما سرني ذلك؛ لأن البشرية آنئذ تغلبت فيَّ على الصوفية. ثم سمعت فضل الدين يزجر العساكر والمودعين. لم يشأ أن يرافقوه في السنبوك إلى الباخرة، فاستأنست بذلك، وحمدت الله.
لا بد أن يظهر التصوف في صاحبه في كلمته أو إشارته، ولو في الدقيقة الأخيرة من ساعة الرسميات والترهات.
#السيد_الادريسي
17
على ظهر الباخرة
جاء الجواب من الإمام مرحبًا بنا، ورست في مياه الحديدة ذاك اليوم باخرة وجهتها جيزان، فآثرناها على السيارة التي استمرت معيَّدة، وقمنا نتأهب للسفر بحرًا إلى العاصمة. لكن التأهب لا يشغل كثيرًا من أصبح في ملابسه وحاجاته أخفَّ من الجندي في تهامة. إن قصة ثيابي محزنة، نثرتها في الطريق برًّا وبحرًا، تركت الرسمية منها في مصر — ومن غير الإنكليز من عباد الله يحمل ثوبه الرسمي إلى البادية؟ ثم تركت الشتوية منها في جدة، والصيفية في عدن، وها أنا في الحديدة أفاخر الدراويش، والسالكين بما ارتقيت إليه من القناعة، والبساطة، والحكمة. أجل، وما فضل المسافر إذا كان لا ينتفع بشيء من عادات البلاد وأهلها؟ خرجت من القصر في قيافتي الحجازية أحمل عصاي، وفوطة فيها ما لا يستطيع حتى السالك أن يستغني عنه.
أما رفيقي الجديد — وقد يسأل القارئ عن الرفيق الأول، عن القسطنطين، فالجواب واجب قبل أن أستأنف السفر. فجعت في الحديدة بفراق قسطنطين، فقد وصله كتاب من جدة فيه أن الوزير الشاعر في الديوان الهاشمي لم ينظم بيتًا في غيابه، وأن الفارس الفيلسوف في القشلاق لم يسحب السيف مرة من نصابه، وأن نظارة الطيران المكسَّرة الأجنحة، والطيارين يائسون، وأن مدير الميناء هجر الشراع، وراح يرعى الإبل، وأن الشريف الإيطالي الذي استودعه ماله فرَّ هاربًا، وأن «توتو» كلبته المعبودة، وقد أضناها الشوق والنوى، مشرفة على الموت: فلو لم يكن من نكبة جدة في غيابه ما حل بتوتو لكفى بها نكبة تستوجب رجوع الرفيق الزعيم في الحال.
جاءني صباح يومٍ، والكتاب بيده، والدمعة تترقرق في زاوية عينه، وهو يقول: اعذرني يا أمين، أود أن أرافقك في الرحلة كلها، ولكن توتو — اقرأ — اقرأ ما يقوله الطبيب، توتو في حالة الخطر، ولا عزيز في الدنيا — كما تعلم — أعز عندي منها، هو ذا المركب في الميناء، سأركب اليوم فأراها بعد يومين، اعذرني يا أمين.
ثم نادى خادمه، وبدأ يجمع ثيابه. فقلت أَوَلا يبقى المدني معي؟ فقال الولد وهو يثب من رأس الدرج إلى أسفله وثبة واحدة: وأمي، أنا مشتاق إلى أمي! مبالغًا على عاداته في الضم والتشديد. أطال الله بعمر أمك يا مدني، وحرس الله توتوك يا قسطنطين، يا من لا يبالي بما يفعل، ويقول يا عدو نفسه في بعض ما يراه ويهواه. رأيتك ذات يوم عائدًا من الباخرة تحمل رزمة كبيرة، كل ما وجدت في خزانة القيم من الدخان، ما قد يكفي عشرة رجال شهرًا، فظننت أنك تنوي المتاجرة في الحديدة بالسكاير، ولكني سمعتك تقول: قد لا يرسو في المينا باخرة أخرى هذا الأسبوع.
كنت أشفق عليك منها، أيها الرفيق العزيز، وكنت أرى لك الخير الجم في نجد. أجل، كنت أبغي تأديبك هناك، وفطمك عن هواك، فيا ليتك دمت رفيقًا لأراك «تُبسَط» في بلاد الوهابيين إذا داومت التدخين. فما شأنك الآن، وتلك اللفائف التي كانت تتلو الواحدة الأخرى في فمك؟ وكنت تدخن في أول الرحلة المعطرة الذهبية الفم، فصرت تدخن، لهفي عليك، ما لو شمت رائحتها «توتو» لأغمي عليها. وأنت الشاعر الذي لا يسر بغير الجميل من منظور، وملموس، ومشروب، ومشموم. فأسأل الله أن يعصمك دائمًا من كل مكروه، ومن كل هوس يشوه النفس، وأن يمكنك دائمًا من تلك المعطرة الذهبية الفم، ويعلمك فوق تلك الحكمة والاعتدال، دمت محروسًا في كل حال، رفيق الحقيقة، شقيق الخيال.
أما الرفيق الجديد فيحمل في أسفاره بدل الدخان سجادة الصلاة، ولا يقتدي ظاهرًا بالسالكين في سواها؛ فقد كان معه كذلك من الأمتعة والحقائب ما لا يليق بالفلاسفة، وخادم هو من السادة؛ ليفرش له السجادة. وكنت أنا في ذي الأبهة جزءًا منها أفتش عن رفيقي الصوفي، فلا أجد غير الوكيل السياسي، وأغرب ما في حاجاته، ومواعينه سجادة الصلاة.
خرجنا من القصر، فإذا بثُلَّة من الجنود العارية في الباب رافقتنا إلى الرصيف، وكان هناك وجهاء المدينة، والمتوظفون في انتظارنا للوداع، لوداع الوكيل المحترم، وأنا في معيته عباءة وعقال ليس غير، فما سرني ذلك؛ لأن البشرية آنئذ تغلبت فيَّ على الصوفية. ثم سمعت فضل الدين يزجر العساكر والمودعين. لم يشأ أن يرافقوه في السنبوك إلى الباخرة، فاستأنست بذلك، وحمدت الله.
لا بد أن يظهر التصوف في صاحبه في كلمته أو إشارته، ولو في الدقيقة الأخيرة من ساعة الرسميات والترهات.
ملوك العرب
#السيد_الادريسي
(18)
هي الجزيرة إلى شمالنا، ونحن نسير بينها وبين الشاطئ. وها هي الخارطة على منضدة الربان تنبئ بالأعماق المختلفة تحتنا وحولنا. من هو يا ترى أول من سبر هذا البحر العربي، البحر الأحمر، وغيره من بحار الشرق؟ من ذا الذي ركب الأمواج والأهوال، ومد يده إلى مكامن اليم يستطلع أسراره، ويكشف للنوتي أخطاره؟ من ذا الذي قاس المد فيه والجزر، وحدد الطرق بين الصخور الكامنة تحت المياه؟ من ذا الذي فتح سبل البواخر، وأمَّنها في الليل بالأنوار؟ هو الإنكليزي ابن البحار وسيدها. ليعترف بفضله كل من سيَّر باخرة في البحار الشرقية، ولجأ إلى علومه ليسلم من الأخطار.
أجل، قد تستغني البواخر الشرقية عن الربان الإنكليزي، ولكنها لا تستغني مهما كانت عظيمة عن خرائط الإنكليز البحرية. هبْ أن دولة بريطانيا تفككت غدًا وتقسمت، وعادت إنكلترا كما كانت عهد السكون الأولين، حكومة صغيرة، وأمة مثل جزائرها حقيرة، فهي تظل غنية بعلومها ورجالها. ولا خوف — وايم الحق — على أمة عندها العلم وعندها الرجال. لا تَرْتَبْ أيها القارئ العزيز بما أقول، إن الإنكليزي الأصيل هو مثل هذا الربان الذي يسقط من عرشه، ويظل مليكًا بأخلاقه في أحط الحالات الاجتماعية وأحقرها، مليكًا يعمل ليومه، ولا يأنف ولا يشمخ ولا يكابر. بل يعمل العمل المفروض عليه مجدًّا مخلصًا نزيهًا.
كان معنا في الدرجة الأولى رجل من حضرموت ينام في الغرفة لا على ظهر الباخرة، ولا يؤاكلنا، رجل طويل القامة، حسن الطلعة، قوي البنية، مفتول الساق، وهو من سادات صَيوون، مدينة العلم في ذاك القطر، ومن أدبائها، حادُّ الذهن، فصيح اللسان. حدثته فحدثني متنازلًا متكلفًا، وما كان فيما باح به ليخرج من دائرة التكتم والتأدب. إلا أني علمت من تلويحاته أنه عالم من العلماء، وخطيب من خطباء حضرموت المشهورين. وهو ينظم كذلك الشعر. قرأ شوقي، وحافظ إبراهيم، والمنفلوطي، والبستاني، وغيرهم من شعراء وأدباء مصر وسوريا، ولم يسمع بالريحاني إلا مؤخرًا في عدن.
– سمعت أن الأستاذ جاسوس للإنكليز.
– قد يكون ذلك.
– وكيف ينخدع به أمراؤنا يا ترى؟
– العصمة لله.
– صحيح، ولكني سمعت كذلك أنه رسول الملك حسين وفي خدمته، وأنه مع ذلك يحسن اللغة العربية.
– كثيرون حتى في الحجاز من لا يحسنون اللغة العربية.
– صحيح، وفي حضرموت كذلك.
– وهل أنت مسافر إلى جيزان؟
– إن وفق الله.
وكان قد أخبرنا الربان أن السيد من تجار حضرموت، حسب ادعائه، وأنه مسافر إلى ميدي، ولكن رفيقًا من عدن أخبرني أنه رآه في دار الاعتماد هناك يبغي مقابلة المعاون. ثم علمت أنه من زعماء الحزب الكثيري في حضرموت القائم على الحزب القُعَيطي وسلطانه، وأنه جاء ليرفع قضيته إلى الإنكليز في عدن، وإلى السيد في جيزان، أما فضل الدين الذي يعرف السادة من رائحتهم، فقال إذ رأى الرجل: هو ذا سيد شحاذ، كثيرون مثله يجيئون إلى جيزان؛ ليمدحوا السيد ويستجْدوه. وعندما نزل مساء ذاك اليوم في ميدي ظننت فضل الدين متحاملًا، فقلت: بل هو تاجر كما قال الربان. فأجابني: هو شحاذ كما أقول، وسيرجع وسترى. قد قدر الله أن يكون الرجل رفيقنا إلى جيزان ومنها، فسيسمع القارئ عنه ومنه فيما بعد.
#السيد_الادريسي
(18)
هي الجزيرة إلى شمالنا، ونحن نسير بينها وبين الشاطئ. وها هي الخارطة على منضدة الربان تنبئ بالأعماق المختلفة تحتنا وحولنا. من هو يا ترى أول من سبر هذا البحر العربي، البحر الأحمر، وغيره من بحار الشرق؟ من ذا الذي ركب الأمواج والأهوال، ومد يده إلى مكامن اليم يستطلع أسراره، ويكشف للنوتي أخطاره؟ من ذا الذي قاس المد فيه والجزر، وحدد الطرق بين الصخور الكامنة تحت المياه؟ من ذا الذي فتح سبل البواخر، وأمَّنها في الليل بالأنوار؟ هو الإنكليزي ابن البحار وسيدها. ليعترف بفضله كل من سيَّر باخرة في البحار الشرقية، ولجأ إلى علومه ليسلم من الأخطار.
أجل، قد تستغني البواخر الشرقية عن الربان الإنكليزي، ولكنها لا تستغني مهما كانت عظيمة عن خرائط الإنكليز البحرية. هبْ أن دولة بريطانيا تفككت غدًا وتقسمت، وعادت إنكلترا كما كانت عهد السكون الأولين، حكومة صغيرة، وأمة مثل جزائرها حقيرة، فهي تظل غنية بعلومها ورجالها. ولا خوف — وايم الحق — على أمة عندها العلم وعندها الرجال. لا تَرْتَبْ أيها القارئ العزيز بما أقول، إن الإنكليزي الأصيل هو مثل هذا الربان الذي يسقط من عرشه، ويظل مليكًا بأخلاقه في أحط الحالات الاجتماعية وأحقرها، مليكًا يعمل ليومه، ولا يأنف ولا يشمخ ولا يكابر. بل يعمل العمل المفروض عليه مجدًّا مخلصًا نزيهًا.
كان معنا في الدرجة الأولى رجل من حضرموت ينام في الغرفة لا على ظهر الباخرة، ولا يؤاكلنا، رجل طويل القامة، حسن الطلعة، قوي البنية، مفتول الساق، وهو من سادات صَيوون، مدينة العلم في ذاك القطر، ومن أدبائها، حادُّ الذهن، فصيح اللسان. حدثته فحدثني متنازلًا متكلفًا، وما كان فيما باح به ليخرج من دائرة التكتم والتأدب. إلا أني علمت من تلويحاته أنه عالم من العلماء، وخطيب من خطباء حضرموت المشهورين. وهو ينظم كذلك الشعر. قرأ شوقي، وحافظ إبراهيم، والمنفلوطي، والبستاني، وغيرهم من شعراء وأدباء مصر وسوريا، ولم يسمع بالريحاني إلا مؤخرًا في عدن.
– سمعت أن الأستاذ جاسوس للإنكليز.
– قد يكون ذلك.
– وكيف ينخدع به أمراؤنا يا ترى؟
– العصمة لله.
– صحيح، ولكني سمعت كذلك أنه رسول الملك حسين وفي خدمته، وأنه مع ذلك يحسن اللغة العربية.
– كثيرون حتى في الحجاز من لا يحسنون اللغة العربية.
– صحيح، وفي حضرموت كذلك.
– وهل أنت مسافر إلى جيزان؟
– إن وفق الله.
وكان قد أخبرنا الربان أن السيد من تجار حضرموت، حسب ادعائه، وأنه مسافر إلى ميدي، ولكن رفيقًا من عدن أخبرني أنه رآه في دار الاعتماد هناك يبغي مقابلة المعاون. ثم علمت أنه من زعماء الحزب الكثيري في حضرموت القائم على الحزب القُعَيطي وسلطانه، وأنه جاء ليرفع قضيته إلى الإنكليز في عدن، وإلى السيد في جيزان، أما فضل الدين الذي يعرف السادة من رائحتهم، فقال إذ رأى الرجل: هو ذا سيد شحاذ، كثيرون مثله يجيئون إلى جيزان؛ ليمدحوا السيد ويستجْدوه. وعندما نزل مساء ذاك اليوم في ميدي ظننت فضل الدين متحاملًا، فقلت: بل هو تاجر كما قال الربان. فأجابني: هو شحاذ كما أقول، وسيرجع وسترى. قد قدر الله أن يكون الرجل رفيقنا إلى جيزان ومنها، فسيسمع القارئ عنه ومنه فيما بعد.