اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
ملوك العرب
#السيد_الادريسي
(18)

هي الجزيرة إلى شمالنا، ونحن نسير بينها وبين الشاطئ. وها هي الخارطة على منضدة الربان تنبئ بالأعماق المختلفة تحتنا وحولنا. من هو يا ترى أول من سبر هذا البحر العربي، البحر الأحمر، وغيره من بحار الشرق؟ من ذا الذي ركب الأمواج والأهوال، ومد يده إلى مكامن اليم يستطلع أسراره، ويكشف للنوتي أخطاره؟ من ذا الذي قاس المد فيه والجزر، وحدد الطرق بين الصخور الكامنة تحت المياه؟ من ذا الذي فتح سبل البواخر، وأمَّنها في الليل بالأنوار؟ هو الإنكليزي ابن البحار وسيدها. ليعترف بفضله كل من سيَّر باخرة في البحار الشرقية، ولجأ إلى علومه ليسلم من الأخطار.

أجل، قد تستغني البواخر الشرقية عن الربان الإنكليزي، ولكنها لا تستغني مهما كانت عظيمة عن خرائط الإنكليز البحرية. هبْ أن دولة بريطانيا تفككت غدًا وتقسمت، وعادت إنكلترا كما كانت عهد السكون الأولين، حكومة صغيرة، وأمة مثل جزائرها حقيرة، فهي تظل غنية بعلومها ورجالها. ولا خوف — وايم الحق — على أمة عندها العلم وعندها الرجال. لا تَرْتَبْ أيها القارئ العزيز بما أقول، إن الإنكليزي الأصيل هو مثل هذا الربان الذي يسقط من عرشه، ويظل مليكًا بأخلاقه في أحط الحالات الاجتماعية وأحقرها، مليكًا يعمل ليومه، ولا يأنف ولا يشمخ ولا يكابر. بل يعمل العمل المفروض عليه مجدًّا مخلصًا نزيهًا.

كان معنا في الدرجة الأولى رجل من حضرموت ينام في الغرفة لا على ظهر الباخرة، ولا يؤاكلنا، رجل طويل القامة، حسن الطلعة، قوي البنية، مفتول الساق، وهو من سادات صَيوون، مدينة العلم في ذاك القطر، ومن أدبائها، حادُّ الذهن، فصيح اللسان. حدثته فحدثني متنازلًا متكلفًا، وما كان فيما باح به ليخرج من دائرة التكتم والتأدب. إلا أني علمت من تلويحاته أنه عالم من العلماء، وخطيب من خطباء حضرموت المشهورين. وهو ينظم كذلك الشعر. قرأ شوقي، وحافظ إبراهيم، والمنفلوطي، والبستاني، وغيرهم من شعراء وأدباء مصر وسوريا، ولم يسمع بالريحاني إلا مؤخرًا في عدن.

– سمعت أن الأستاذ جاسوس للإنكليز.

– قد يكون ذلك.

– وكيف ينخدع به أمراؤنا يا ترى؟

– العصمة لله.

– صحيح، ولكني سمعت كذلك أنه رسول الملك حسين وفي خدمته، وأنه مع ذلك يحسن اللغة العربية.

– كثيرون حتى في الحجاز من لا يحسنون اللغة العربية.

– صحيح، وفي حضرموت كذلك.

– وهل أنت مسافر إلى جيزان؟

– إن وفق الله.

وكان قد أخبرنا الربان أن السيد من تجار حضرموت، حسب ادعائه، وأنه مسافر إلى ميدي، ولكن رفيقًا من عدن أخبرني أنه رآه في دار الاعتماد هناك يبغي مقابلة المعاون. ثم علمت أنه من زعماء الحزب الكثيري في حضرموت القائم على الحزب القُعَيطي وسلطانه، وأنه جاء ليرفع قضيته إلى الإنكليز في عدن، وإلى السيد في جيزان، أما فضل الدين الذي يعرف السادة من رائحتهم، فقال إذ رأى الرجل: هو ذا سيد شحاذ، كثيرون مثله يجيئون إلى جيزان؛ ليمدحوا السيد ويستجْدوه. وعندما نزل مساء ذاك اليوم في ميدي ظننت فضل الدين متحاملًا، فقلت: بل هو تاجر كما قال الربان. فأجابني: هو شحاذ كما أقول، وسيرجع وسترى. قد قدر الله أن يكون الرجل رفيقنا إلى جيزان ومنها، فسيسمع القارئ عنه ومنه فيما بعد.
ملوك العرب
#السيد_الادريسي
(19)

وهل للأميركيين دين؟ فأجبته قائلًا: شيء من الدين، نعم. ثم سألني وكأنه كان يستدرجني إلى أمرٍ أراده؛ لأنه كان عالمًا بما في أميركا من الأديان.

– وهل الكاثوليك هناك أكثر من البروتستانت؟ وكم عددهم؟

– لا يقل عن عشرة ملايين.

– كثير، وما تأثيرهم في السياسة؟

– يزداد نفوذهم يومًا فيومًا.

– وهل يكون رئيس البلاد منهم؟

– ليس ما يمنع ذلك دستوريًّا، ولكن الحكم في البلاد للأكثرية، وبالانتخاب.

فاستزادني إيضاحًا في طريقة الانتخاب، وكان يعي الكلام ويتأمَّله، ويهز رأسه من حين إلى حين استحسانًا.

– ولكنهم يبذلون أموالًا كثيرة في انتخاب الرئيس، أفما كان خيرًا بأن يعطوه ربعها راتبًا، ويقيموه ملكًا عليهم؟ فيوفروا ملايين من الريالات.

– كان جورج وشنطون يا مولاي رئيسًا أولًا وثانيًا — هي القصة التي كنت أقصها على أمراء العرب وفي مجالسهم، وصرت أخجل أن أرددها: «ما هربنا من الملوك لنقيم ملكًا علينا.» كلمة قالها جورج وشنطون — أبو الجمهورية — أعجب بها كل من سمعها في الجزيرة.

أما السيد محمد فقال: أمرنا نحن العرب غير أمر الأميركيين. إذا رفض أميرنا الإمارة فعشرون حوله يطلبونها، ويتنازعونها، ويحتربون من أجلها. على الأمير الحاكم إذن — وهذه حالنا، مهما تعددت تكاليف الملك، واشتدت صعوباته — أن يقف مكانه كالجندي، ويقوم بواجبه دفعًا للفوضى، وحقنًا للدماء.

ثم انتقل مرة أخرى فورًا، وما كان أسرعه انتقالًا وأبعده، فسألني سؤالًا جغرافيًّا: وهل أميركا بعيدة عن خط الاستواء؟

– أميركا الشمالية من حدودها الجنوبية تبعد عن خط الاستواء يا مولاي خمسة عشر يومًا في البحر. وأميركا كلها، أي قارة العالم الجديد، هي شطران: الشطر الأكبر شمالًا، والشطر الأصغر جنوبًا من خط الاستواء.

– وهل يمكن الوصول إلى روسيا عن طريق أميركا؟

– بحرًا من سان فرنسيسكو إلى اليابان، ثم إلى سيبيريا فروسيا، نعم.

– نعلم هذا، ولكن هناك طريق أقصر، بين آخر برِّ أميركا، وآخر بر روسيا مضيق، أتذكر اسمه؟

– مضيق بيرنغ.

– نعم، مضيق بيرنغ ما هي المسافة بين البرين؟

وها هنا رأيت نفسي في مضيق من البحث. ما جال قط في ذهني أني سأسأل مسائل جغرافية في مجلس الإمام، لا أستطيع الجواب عليها، ولا تأهبت لمثل هذه المبادهة المزعجة. فقلت: لا أدري. ولكني أظن … وكان ظني بعيدًا عن الحقيقة، ولا عجب. إن آخر عهدي بمضيق بيرنغ يوم كنت أدرس الجغرافية في مدرسة ليلية بنيويورك، وكان أستاذنا يقول بين المزح والجد: من يجيد السباحة يمكنه أن يسبح من أميركا إلى روسيا.

لكني لم أتذكر القصة إلا بعد خروجنا من مجلس الإمام، فتأسفت جدًّا. ولمت ذاكرتي ووبختها؛ لأنها لا تلبيني ساعة يلزم ويليق، فتنسيني قصة أفكِّه حضرة الإمام بها، وتعيدها إلى الذهن ساعة لا تفيد، ثم قلت في نفسي: سأقصها في المقابلة الثانية — إن شاء الله. ولكن الإمام لم يدن بعدئذٍ من الموضوع، ولا أنا، والحق يقال، تذكرت القصة إلا مرة واحدة؛ وذلك لما كنا نتباحث في المعاهدة بينه وبين الملك حسين، فكيف يجوز أن أوقف البحث لأقص قصة مهما كانت مضحكة؟ هل أقول له: على ذكر بني عائض يا مولاي، أو على ذكر القنفذة أقص عليك قصة مضيق بيرنغ؟ حالت السياسة والذاكرة دون القصة ورغبتي في قصها.