#تاريخ_اليمن_للواسعي
مختار باشا العهود والمواثيق وسابقا في زمن قديم قتل والى الاتراك حاكم عدن وحاكم المخا وأولاده حين كان الاتراك بتهامة في ذلك الزمن بعد أن أخذ هؤلاء الأمان والعهد من الوالى مرات ثم قتلهم حالا فعلموا ان المصيبة قد عمت والبلية طمت والخيانة ونكث العهد والوعد أكبر عار عند أهل اليمن ثم دخل المذكورون على أحمد مختار باشا أن يحضر صنعاء حسب أمر السلطان ليربي العصاة المتمردين وبعد تربيتهم يرجع من حيث أتى فهز لهم رأسه وتكلم بكلمات تركية لا يفهمونها فظنوا ان الأمر كما يريدون فلما وصلوا الى نقيل عصر غربي صنعاء بمسافة نصف ساعة خرج الامام علي ابن المهدي والامام غالب بن محمد وحسين بن المتوكل وغيرهم من الاشراف والعلماء والرؤساء ثم طلب أحمد مختار باشا من الامام علي بن المهدي وسائر الاشراف بواسطة رئيس صنعاء الشيخ محسن معيض المعاقل المحيطة بصنعاء خصوصا القصر المسمى غمدان فسلموا المعاقل وغفلوا عن حفظها
دخول الاتراك صنعاء
كان وصولهم سادس عشر شهر صفر سنة ١٢٨٩ ثم انقسم العسكر قسمين قسم جلسوا في محل يقال له وهب جنوب صنعاء
مختار باشا العهود والمواثيق وسابقا في زمن قديم قتل والى الاتراك حاكم عدن وحاكم المخا وأولاده حين كان الاتراك بتهامة في ذلك الزمن بعد أن أخذ هؤلاء الأمان والعهد من الوالى مرات ثم قتلهم حالا فعلموا ان المصيبة قد عمت والبلية طمت والخيانة ونكث العهد والوعد أكبر عار عند أهل اليمن ثم دخل المذكورون على أحمد مختار باشا أن يحضر صنعاء حسب أمر السلطان ليربي العصاة المتمردين وبعد تربيتهم يرجع من حيث أتى فهز لهم رأسه وتكلم بكلمات تركية لا يفهمونها فظنوا ان الأمر كما يريدون فلما وصلوا الى نقيل عصر غربي صنعاء بمسافة نصف ساعة خرج الامام علي ابن المهدي والامام غالب بن محمد وحسين بن المتوكل وغيرهم من الاشراف والعلماء والرؤساء ثم طلب أحمد مختار باشا من الامام علي بن المهدي وسائر الاشراف بواسطة رئيس صنعاء الشيخ محسن معيض المعاقل المحيطة بصنعاء خصوصا القصر المسمى غمدان فسلموا المعاقل وغفلوا عن حفظها
دخول الاتراك صنعاء
كان وصولهم سادس عشر شهر صفر سنة ١٢٨٩ ثم انقسم العسكر قسمين قسم جلسوا في محل يقال له وهب جنوب صنعاء
وفي هذا المحل قبر وهب بن منبه تابعي مشهور وله في هذا المحل مسجد صغير وسمي باسمه وقسم استولى على بقية المعاقل نحو قصر غمدان وأبواب صنعاء وهي عشرة
ثم لما تمكن احمد مختار باشا من قبض المعاقل ووضع العسكر فيها طلب الدفاتر من الامام علي بن المهدي ثم استشار الامام وزراءه وكتابه وسائر الاشراف فأشاروا عليه بعدم تسليم ذلك لان بعد تسليم الدفاتر وقبض المعاقل يحصل اختلال البلاد لانه باطلاع الوالي على الدفاتر يعرف ادارة البلاد ومصادرها وايرادها ومعرفة ذلك يكون سببا لملك البلاد بعد قبض المعاقل وهذا خلاف ما كتبوا للسلطان وأنّ طلب الامام والاشراف والمشايخ للاتراك إنما هو لقمع الثائرين العصاة وقبض المعاقل والدفاتر خلاف المراد. ويفهم من هذا أن الغرض الاستيلاء على البلاد. ثم إن الشيخ محسن معيض وغيره أشاروا على الوالي قبل الاطلاع على الدفاتر أن يضرب الرجل الشقى المسمى الدّفعي الذي هو قاعد في شعوب شمال صنعاء بعشر دقائق وقد أذاق الناس هذا الشقى أنواع العذاب من التهب والقتل وفي ذمته نفوس كثيرة من الاشراف وغيرهم وأن الوالي اذا أخذ هذا الشقي استجلب قلوب العامة والخاصة وتسلم اليه الدفاتر وبعد ذلك تكون البلاد
ثم لما تمكن احمد مختار باشا من قبض المعاقل ووضع العسكر فيها طلب الدفاتر من الامام علي بن المهدي ثم استشار الامام وزراءه وكتابه وسائر الاشراف فأشاروا عليه بعدم تسليم ذلك لان بعد تسليم الدفاتر وقبض المعاقل يحصل اختلال البلاد لانه باطلاع الوالي على الدفاتر يعرف ادارة البلاد ومصادرها وايرادها ومعرفة ذلك يكون سببا لملك البلاد بعد قبض المعاقل وهذا خلاف ما كتبوا للسلطان وأنّ طلب الامام والاشراف والمشايخ للاتراك إنما هو لقمع الثائرين العصاة وقبض المعاقل والدفاتر خلاف المراد. ويفهم من هذا أن الغرض الاستيلاء على البلاد. ثم إن الشيخ محسن معيض وغيره أشاروا على الوالي قبل الاطلاع على الدفاتر أن يضرب الرجل الشقى المسمى الدّفعي الذي هو قاعد في شعوب شمال صنعاء بعشر دقائق وقد أذاق الناس هذا الشقى أنواع العذاب من التهب والقتل وفي ذمته نفوس كثيرة من الاشراف وغيرهم وأن الوالي اذا أخذ هذا الشقي استجلب قلوب العامة والخاصة وتسلم اليه الدفاتر وبعد ذلك تكون البلاد
#حضرموت
وآل باحميش (١) من حملة السّلاح وأهل النّجدة.
ومن متأخّري علمائهم : الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين (٢) ، كان جبلا من جبال العلم ، قال والدي : (زرت دوعن في شوّال من سنة «١٢٩٠ ه» ، فطفنا
______________
(١) آل باحميش : من نوّح ، سيبان ، ولم يذكر المصنّف هنا أحدا من آل باحميش ، مع أنّ فيهم عددا من أهل العلم والرّأي والبأس ؛ فمنهم :
الشّيخ العلّامة محمّد بن أحمد باحميش كان إماما عالما فقيها حبرا منوّرا ، من علماء القرن التّاسع الهجريّ ومشاهيره ، مولده بغيل باوزير وقيل ببور سنة (٧٩٨ ه) ، نشأ بها ، ثمّ هاجر إلى عدن ، ومن شيوخه : العلّامة عليّ بن عمر بن عفيف الحضرميّ ، والعلّامة القاضي عمر بن محمّد اليافعي ، تقيّ الدّين ، وغيرهما. تولّى القضاء من قبل السّلطان عليّ بن طاهر (الدولة الطاهريّة) وتوفّي وهو متقلّده سنة (٨٦١ ه). انتفع به جمّ غفير ، كالعلّامة عبد الله بن أحمد بامخرمة ، والعلّامة محمّد بن أحمد بافضل ، وعبد الله بن أحمد بافضل وغيرهم.
والشّيخ عليّ بن محمّد باحميش ولد بعدن ، وهو من أسرة نزحت من الشّحر ، وبها كانت نشأته ، وتلقّى العلم على أيدي علمائها آنذاك ، ثمّ رحل إلى مصر والتحق بالأزهر الشّريف وتخرّج منه ، ثمّ عاد إلى عدن وتولّى القضاء بها. وكان خطيبا مصقعا ، تولّى خطابة مسجد العيدروس ، اغتيل في حادث مروري سنة (١٣٩١) أو (١٣٩٥ ه) ، رحمه الله تعالى.
(٢) هو العلّامة الفقيه ، المحقّق الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين ـ مثنّى صبر ـ النّوّحيّ السّيبانيّ الدّوعنيّ الحضرميّ. مولده بقرحة باحميش ، ووفاته بجدّة سنة (١٣٠٥ ه). تلقّى العلم على أيدي علماء دوعن ، وكان انتفاعه واستفادته على يد الشّيخ سعيد بن محمّد باعشن ، صاحب «بشرى الكريم» ، وعلى يده كان تخرّجه ، وأخذ عن غيره ، ويقال : إنّه رحل إلى مصر وأخذ عن الباجوريّ وطبقته.
وقد استقرّ الشّيخ عليّ في جدّة ، حتى إنه عرف عند علماء الحجاز ب (عالم جدّة) ، وانتفع به في علم الفلك الّذي كان يجيده عدد من تلامذته ؛ منهم
العلّامة الشّيخ عبد الحميد بخش الهنديّ الحنفيّ ، أحد علماء مكّة في وقته.
وأخذ عنه الفقيه محمّد بن أبي بكر باذيب ، واستفتاه في مسألة معاملة الكافر الحربيّ فأجابه عنها.
أمّا مصنّفاته .. فمنها :
١ ـ «إثمد العينين في اختلاف الشّيخين».
٢ ـ «إعانة المستعين» حاشية على «فتح المعين» للمليباري ، في مجلّدين كبيرين.
٣ ـ «الجمل في المهمّات الدّينيّة».
٤ ـ «سلامة الحجّاج في كلّ عام في رفض مختارات محمود الهمام».
وآل باحميش (١) من حملة السّلاح وأهل النّجدة.
ومن متأخّري علمائهم : الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين (٢) ، كان جبلا من جبال العلم ، قال والدي : (زرت دوعن في شوّال من سنة «١٢٩٠ ه» ، فطفنا
______________
(١) آل باحميش : من نوّح ، سيبان ، ولم يذكر المصنّف هنا أحدا من آل باحميش ، مع أنّ فيهم عددا من أهل العلم والرّأي والبأس ؛ فمنهم :
الشّيخ العلّامة محمّد بن أحمد باحميش كان إماما عالما فقيها حبرا منوّرا ، من علماء القرن التّاسع الهجريّ ومشاهيره ، مولده بغيل باوزير وقيل ببور سنة (٧٩٨ ه) ، نشأ بها ، ثمّ هاجر إلى عدن ، ومن شيوخه : العلّامة عليّ بن عمر بن عفيف الحضرميّ ، والعلّامة القاضي عمر بن محمّد اليافعي ، تقيّ الدّين ، وغيرهما. تولّى القضاء من قبل السّلطان عليّ بن طاهر (الدولة الطاهريّة) وتوفّي وهو متقلّده سنة (٨٦١ ه). انتفع به جمّ غفير ، كالعلّامة عبد الله بن أحمد بامخرمة ، والعلّامة محمّد بن أحمد بافضل ، وعبد الله بن أحمد بافضل وغيرهم.
والشّيخ عليّ بن محمّد باحميش ولد بعدن ، وهو من أسرة نزحت من الشّحر ، وبها كانت نشأته ، وتلقّى العلم على أيدي علمائها آنذاك ، ثمّ رحل إلى مصر والتحق بالأزهر الشّريف وتخرّج منه ، ثمّ عاد إلى عدن وتولّى القضاء بها. وكان خطيبا مصقعا ، تولّى خطابة مسجد العيدروس ، اغتيل في حادث مروري سنة (١٣٩١) أو (١٣٩٥ ه) ، رحمه الله تعالى.
(٢) هو العلّامة الفقيه ، المحقّق الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين ـ مثنّى صبر ـ النّوّحيّ السّيبانيّ الدّوعنيّ الحضرميّ. مولده بقرحة باحميش ، ووفاته بجدّة سنة (١٣٠٥ ه). تلقّى العلم على أيدي علماء دوعن ، وكان انتفاعه واستفادته على يد الشّيخ سعيد بن محمّد باعشن ، صاحب «بشرى الكريم» ، وعلى يده كان تخرّجه ، وأخذ عن غيره ، ويقال : إنّه رحل إلى مصر وأخذ عن الباجوريّ وطبقته.
وقد استقرّ الشّيخ عليّ في جدّة ، حتى إنه عرف عند علماء الحجاز ب (عالم جدّة) ، وانتفع به في علم الفلك الّذي كان يجيده عدد من تلامذته ؛ منهم
العلّامة الشّيخ عبد الحميد بخش الهنديّ الحنفيّ ، أحد علماء مكّة في وقته.
وأخذ عنه الفقيه محمّد بن أبي بكر باذيب ، واستفتاه في مسألة معاملة الكافر الحربيّ فأجابه عنها.
أمّا مصنّفاته .. فمنها :
١ ـ «إثمد العينين في اختلاف الشّيخين».
٢ ـ «إعانة المستعين» حاشية على «فتح المعين» للمليباري ، في مجلّدين كبيرين.
٣ ـ «الجمل في المهمّات الدّينيّة».
٤ ـ «سلامة الحجّاج في كلّ عام في رفض مختارات محمود الهمام».
بلاد دوعن ، ووجدنا أكثر أهلها يقرؤون القرآن لروح والدي (١) ؛ لأنّ ذلك كان حدثان وفاته من رمضان منها (٢) ، ولمّا انتهينا إلى قرحة آل باحميش أوان المغرب .. أدركنا صلاتها في مسجدها خلف إمام حسن الأداء ، شجيّ الصّوت ، محافظ على السّنن والهيئات ، وبعد أن فرغ من الأدعية والرّاتبة .. جلس للتّدريس في «شرح المقدّمة الحضرميّة» ، وكان يكتب عليه حاشية ، فسمعنا أحسن تدريس ، وأتقن تحقيق ، وأبلغ إلقاء ، وأوضح تفهيم ، ثمّ صلّى بنا العشاء بسورتين من أوساط المفصّل بصوت عذب أخذ بقلوبنا ، وبقي طنينه بأسماعنا ، وخيّل لنا أنّنا لم نسمع تلك السّور ولم تنزل إلّا تلك السّاعة ، وما كاد يخرج من المسجد وبندقيّته على كتده (٣) إلّا وأشعل النّار في فتيلتها ، فقلنا له : ما شأنك؟ قال : بيننا وبين قوم قتل ولم نأخذ صلحا ، فتمثّلت لنا رسوم الصّحابة والسّلف الطّيّب ، حيث اجتمعت العبادة والشّجاعة والعلم في ذلك الهيكل الشّريف ، وهو شخص الشّيخ عليّ بن أحمد باصبرين).
جمع الشّجاعة والعلوم فأصبحا
كالحسن شيب لمغرم بدلال (٤)
هذا ما يحدّثني بمعناه والدي ذات المرّات ، فيبني في نفسي العلاليّ والقصور من الشّغف بالمجد والطّموح إلى الشّرف.
وقال السّيّد عمر بن حسن الحدّاد : (قرأت على الشّيخ عليّ باصبرين ، وهو إمام في كلّ العلوم ، حادّ الطّبع مثل الشّيخ عليّ بن قاضي باكثير) اه
وفي «مجموع» كلام العلّامة السّيّد أحمد بن حسن العطّاس : (أنّ بعض العلماء المصريّين قال له : نعرف من الحضارم حدّة الطّبع ، وأنت بعيد عنها ، قال له : من عرفت من الحضارم؟ قال له : عرفت الشّيخ عليّا باصبرين ، وجلست معه في
______________
(١) يعني به الحبيب محسن بن علوي السقاف جد المؤلّف.
(٢) الحدثان : أوّل الشّيء ، وحدثان وفاته : على أثر وفاته.
(٣) الكتد : مجتمع الكتفين ، وهو الكاهل.
(٤) البيت من الكامل ، وهو لأبي تمّام في «ديوانه» (٢ / ٦٤) ، باختلاف بسيط. شيب : خلط.
المغرم : المولع بالشّيء الّذي لا يقدر على مفارقته.
جمع الشّجاعة والعلوم فأصبحا
كالحسن شيب لمغرم بدلال (٤)
هذا ما يحدّثني بمعناه والدي ذات المرّات ، فيبني في نفسي العلاليّ والقصور من الشّغف بالمجد والطّموح إلى الشّرف.
وقال السّيّد عمر بن حسن الحدّاد : (قرأت على الشّيخ عليّ باصبرين ، وهو إمام في كلّ العلوم ، حادّ الطّبع مثل الشّيخ عليّ بن قاضي باكثير) اه
وفي «مجموع» كلام العلّامة السّيّد أحمد بن حسن العطّاس : (أنّ بعض العلماء المصريّين قال له : نعرف من الحضارم حدّة الطّبع ، وأنت بعيد عنها ، قال له : من عرفت من الحضارم؟ قال له : عرفت الشّيخ عليّا باصبرين ، وجلست معه في
______________
(١) يعني به الحبيب محسن بن علوي السقاف جد المؤلّف.
(٢) الحدثان : أوّل الشّيء ، وحدثان وفاته : على أثر وفاته.
(٣) الكتد : مجتمع الكتفين ، وهو الكاهل.
(٤) البيت من الكامل ، وهو لأبي تمّام في «ديوانه» (٢ / ٦٤) ، باختلاف بسيط. شيب : خلط.
المغرم : المولع بالشّيء الّذي لا يقدر على مفارقته.
الحرمين سنتين ، فرأيت من حدّته ما لا مزيد عليه. فقال السّيّد أحمد : ذاك رجل من أهل البادية ، وتلقّى شيئا من العلم ، وقد حجر سلفنا وأشياخنا على المتعلّقين بهم الأخذ عنه ؛ لأنّه ليس بأهل للإلقاء ولا للتّلقّي ، ولا يخفى عليكم ما في طباع البادية من الغلظة والجفاء) اه
وهذا لا يخلو عن حيف كثير على الشّيخ باصبرين ، ويكفي لردّه ما أخرجه الطّبرانيّ عن ابن عبّاس : «تعتري الحدّة خيار أمّتي» ، وكان موسى عليه السّلام حديدا ، وورد : «المؤمن سريع الغضب سريع الفيء» ، وضمّ إليه ما سبق من أخذ سيّدنا عمر بن حسن الحدّاد عنه ، وبإشارته كان تحويط الجمرتين بمنى ، فسلم النّاس ، ولا سيّما الضّعفاء من كثير من أضرار الزّحام ، فلقد كان رأيه موفّقا ، ولهذا بادر الشّريف بتنفيذه ، وطلب منه أن يكثر التّردّد عليه كما أخبرني وجيه جدّة النّبيل محمّد بن حسين بن عمر نصيف عن جدّه ، فأبى ؛ لأنّه كان شريف النّفس عليّ الهمّة رحمة الله عليه.
وحدّثني الوجيه محمّد نصيف أيضا أنّ أحد الدّلّالين باع له بنّا من يهوديّ ، فدلّس عليه في مئتي رطل ، فأخبر الشّيخ ممتنّا عليه بهذا الصّنيع ، فقال له الشّيخ : لا أرضى ولا أحبّ أن يطلبني اليهوديّ بحقّه في الدّار الآخرة ، وردّ عليه ما اختانه الدّلّال. ومنه تعرف أنّ له تجارة بجدّة ، وكانت دار هجرته ونشر علمه ، وله بها تلاميذ كثيرون.
وقد علمت أنّ السّيّد عمر بن حسن الحدّاد قرأ عليه ، وهو من مراجيح العلويّين.
وحدّثني الشّيخ عبد الله باحشوان ـ أحد قضاة المكلّا السّابقين ـ قال : (كنت مع الشّيخ عليّ باصبرين وأنا صغير ، فسمع مزمارا فسدّ أذنيه بأصبعيه ، وجعل يقول لي : هل تسمع شيئا؟ فأقول : نعم ، حتّى قلت : لا ، فأبعدهما ، يتسمّت بذلك ما فعل عبد الله بن عمر مع مولاه نافع ، ينقل ما صنع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما سمع مزمار الرّاعي) [د ٤٩٢٤] ، وقد جوّدت القول على هذه المسألة في كتابي «بلابل التّغريد».
وهذا لا يخلو عن حيف كثير على الشّيخ باصبرين ، ويكفي لردّه ما أخرجه الطّبرانيّ عن ابن عبّاس : «تعتري الحدّة خيار أمّتي» ، وكان موسى عليه السّلام حديدا ، وورد : «المؤمن سريع الغضب سريع الفيء» ، وضمّ إليه ما سبق من أخذ سيّدنا عمر بن حسن الحدّاد عنه ، وبإشارته كان تحويط الجمرتين بمنى ، فسلم النّاس ، ولا سيّما الضّعفاء من كثير من أضرار الزّحام ، فلقد كان رأيه موفّقا ، ولهذا بادر الشّريف بتنفيذه ، وطلب منه أن يكثر التّردّد عليه كما أخبرني وجيه جدّة النّبيل محمّد بن حسين بن عمر نصيف عن جدّه ، فأبى ؛ لأنّه كان شريف النّفس عليّ الهمّة رحمة الله عليه.
وحدّثني الوجيه محمّد نصيف أيضا أنّ أحد الدّلّالين باع له بنّا من يهوديّ ، فدلّس عليه في مئتي رطل ، فأخبر الشّيخ ممتنّا عليه بهذا الصّنيع ، فقال له الشّيخ : لا أرضى ولا أحبّ أن يطلبني اليهوديّ بحقّه في الدّار الآخرة ، وردّ عليه ما اختانه الدّلّال. ومنه تعرف أنّ له تجارة بجدّة ، وكانت دار هجرته ونشر علمه ، وله بها تلاميذ كثيرون.
وقد علمت أنّ السّيّد عمر بن حسن الحدّاد قرأ عليه ، وهو من مراجيح العلويّين.
وحدّثني الشّيخ عبد الله باحشوان ـ أحد قضاة المكلّا السّابقين ـ قال : (كنت مع الشّيخ عليّ باصبرين وأنا صغير ، فسمع مزمارا فسدّ أذنيه بأصبعيه ، وجعل يقول لي : هل تسمع شيئا؟ فأقول : نعم ، حتّى قلت : لا ، فأبعدهما ، يتسمّت بذلك ما فعل عبد الله بن عمر مع مولاه نافع ، ينقل ما صنع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما سمع مزمار الرّاعي) [د ٤٩٢٤] ، وقد جوّدت القول على هذه المسألة في كتابي «بلابل التّغريد».
وجرت بينه وبين علماء تريم منازعات في عدّة مسائل :
منها : التّوسّل والاستغاثة. ومنها : ثبوت النّسب بمشجّرات العلويّين المحرّرة ، وكان الشّيخ يبالغ في إنكار ذلك ، وألّفت رسائل من الطّرفين.
ففي سنة (١٢٩٨ ه) فرغ الشّيخ عليّ باصبرين من رسالته الّتي سمّاها : «حدائق البواسق المثمرة في بيان صواب أحكام الشّجرة» ، وقد علّق عليها السّيّد سالم بن محمّد الحبشيّ بما يشبه الرّدّ ، وبعد اطّلاع باصبرين عليه كتب : (أمّا التّهاميش : فأمعنّا النّظر في جميعها .. فما وجدنا فيها زيادة فائدة عمّا في الأصل ، فما زاد إلّا إتلاف ورق لم يؤذن له في إتلافه بتسويده بما لا يجدي فائدة جديدة).
وللحبيب أحمد بن محمّد المحضار شبه ردّ على باصبرين في «الحدائق» المذكورة ، قال فيه : (وبعض النّاس قوله وبوله سواء).
ثمّ إنّ الشّيخ باصبرين كتب رسالة أخرى في نقض تعليقات السّيّد سالم الحبشيّ ، سمّاها : «إنسان العين» ، فكتب عليها الإمام المحضار كتابة طويلة ، جاء فيها : (وما أوضحه الشّيخ عليّ في هذه الجملة .. فذاك شفاء الصّدور ، تبرأ به العلّة ، وهو مجرّب في تجربته ، وحريص في أجوبته ، وبالله الّذي فرض الصّلاة والوضوء ما أردته بسوء).
ثمّ إنّ الشّيخ عليّا سيّر كتابا للسّيّد محمّد بن عليّ ، والسّيّد صافي بن شيخ آل السّقّاف ، وسيّدي الأستاذ الأبرّ عيدروس بن عمر ، والسّيّد عليّ بن محمّد ، والسّيّد شيخان بن محمّد آل الحبشيّ.
فأمّا الأوّلان : فصرّحا بمخالفة باصبرين ، وأمّا الآخرون .. فلم أر لهم كلاما بخلاف ولا وفاق. وكان كتابه إليهم في سنة (١٢٩٩ ه).
وكثيرا ما ينشب الخلاف بين الشّيخ عليّ باصبرين وبين علماء العلويّين كآل يحيى بالمسيلة وغيرهم ، وتؤلّف الرّسائل في الجانبين وتعرض على سيّدنا الإمام أحمد بن محمّد المحضار ـ صاحب القويرة ـ فيقرّظ عليهما ، إلّا أنّه بأسلوبه العجيب وترسّله
منها : التّوسّل والاستغاثة. ومنها : ثبوت النّسب بمشجّرات العلويّين المحرّرة ، وكان الشّيخ يبالغ في إنكار ذلك ، وألّفت رسائل من الطّرفين.
ففي سنة (١٢٩٨ ه) فرغ الشّيخ عليّ باصبرين من رسالته الّتي سمّاها : «حدائق البواسق المثمرة في بيان صواب أحكام الشّجرة» ، وقد علّق عليها السّيّد سالم بن محمّد الحبشيّ بما يشبه الرّدّ ، وبعد اطّلاع باصبرين عليه كتب : (أمّا التّهاميش : فأمعنّا النّظر في جميعها .. فما وجدنا فيها زيادة فائدة عمّا في الأصل ، فما زاد إلّا إتلاف ورق لم يؤذن له في إتلافه بتسويده بما لا يجدي فائدة جديدة).
وللحبيب أحمد بن محمّد المحضار شبه ردّ على باصبرين في «الحدائق» المذكورة ، قال فيه : (وبعض النّاس قوله وبوله سواء).
ثمّ إنّ الشّيخ باصبرين كتب رسالة أخرى في نقض تعليقات السّيّد سالم الحبشيّ ، سمّاها : «إنسان العين» ، فكتب عليها الإمام المحضار كتابة طويلة ، جاء فيها : (وما أوضحه الشّيخ عليّ في هذه الجملة .. فذاك شفاء الصّدور ، تبرأ به العلّة ، وهو مجرّب في تجربته ، وحريص في أجوبته ، وبالله الّذي فرض الصّلاة والوضوء ما أردته بسوء).
ثمّ إنّ الشّيخ عليّا سيّر كتابا للسّيّد محمّد بن عليّ ، والسّيّد صافي بن شيخ آل السّقّاف ، وسيّدي الأستاذ الأبرّ عيدروس بن عمر ، والسّيّد عليّ بن محمّد ، والسّيّد شيخان بن محمّد آل الحبشيّ.
فأمّا الأوّلان : فصرّحا بمخالفة باصبرين ، وأمّا الآخرون .. فلم أر لهم كلاما بخلاف ولا وفاق. وكان كتابه إليهم في سنة (١٢٩٩ ه).
وكثيرا ما ينشب الخلاف بين الشّيخ عليّ باصبرين وبين علماء العلويّين كآل يحيى بالمسيلة وغيرهم ، وتؤلّف الرّسائل في الجانبين وتعرض على سيّدنا الإمام أحمد بن محمّد المحضار ـ صاحب القويرة ـ فيقرّظ عليهما ، إلّا أنّه بأسلوبه العجيب وترسّله
العذب ، وعارضته القويّة ، وسيره بسوق الطّبيعة ، يتخلّص من المآزق بما يذكّرني بما قاله ابن الجوزيّ ، لمّا تواضع أهل السّنّة والشّيعة على ما يقوله ، فسألوه وهو على المنبر عن عليّ وأبي بكر. أيّهما الأفضل؟ فأجاب بما لو روّى فيه عالم دهرا .. لم يوفّق إليه ؛ إذ قال : (أفضلهما وأحبّهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من بنته في بيته) أو ما هذا معناه ، فحملها كلّ على ما يريد.
وقال الإمام المحضار في بعض كتاباته بتلك المناسبة : (والاعتماد على ما قاله الجمهور ، لا ما قاله عبد الرّحمن مشهور) ؛ يعني مفتي حضرموت لذلك العهد ، صاحب «بغية المسترشدين» ، وهو لا يقصد خلافه ولا إدخال المساءة عليه ، ولكنّه قام في طريق الفاصلة (١) وهو لا يبالي بشيء من أجلها ؛ لأنّه يمرّ مع خاطره بلا تكلّف ولا تنطّع.
ولا غرو ؛ فقد طلّق بعضهم امرأته من أجلها ، وتكلّف الصّاحب بن عبّاد السّفر إلى قندهار ليقول :
صدرت من قندهار
في ضحوة النّهار
وعند ما زار المحضار حضرموت وذهب لزيارة هود عليه السلام .. اتّفق حلول الجمعة بفغمة ، فجمّع بها المحضار وتبعه كثير من النّاس ، ولكنّ السّيّد المشهور لم يوافقه ، بل انعزل بآل تريم وكثير من غيرهم ، لا أدري ألشيء من أمثال ذلك أم للتّشدّد بما قال الشّافعيّة من شروط الجمعة.
ومن إهداء السّلام في كتب الشّيخ عليّ باصبرين للإمام المحضار .. يفهم أنّ له أولادا يهدي سلامهم إليه ، ومنهم حسن بن عليّ باصبرين ، قتله أحد آل ضروس غيلة بالقرحة في رمضان ، ولا يزال بها أحفاده وعشائر آل باحميش إلى الآن ، ومن وجهائهم أحمد بن يسلم باحميش وإخوانه.
______________
(١) الفاصلة : في النّثر كالقافية في الشّعر ، وهي المقطع الصوتيّ الّذي ينتهي عنده الكلام.
311
وقال الإمام المحضار في بعض كتاباته بتلك المناسبة : (والاعتماد على ما قاله الجمهور ، لا ما قاله عبد الرّحمن مشهور) ؛ يعني مفتي حضرموت لذلك العهد ، صاحب «بغية المسترشدين» ، وهو لا يقصد خلافه ولا إدخال المساءة عليه ، ولكنّه قام في طريق الفاصلة (١) وهو لا يبالي بشيء من أجلها ؛ لأنّه يمرّ مع خاطره بلا تكلّف ولا تنطّع.
ولا غرو ؛ فقد طلّق بعضهم امرأته من أجلها ، وتكلّف الصّاحب بن عبّاد السّفر إلى قندهار ليقول :
صدرت من قندهار
في ضحوة النّهار
وعند ما زار المحضار حضرموت وذهب لزيارة هود عليه السلام .. اتّفق حلول الجمعة بفغمة ، فجمّع بها المحضار وتبعه كثير من النّاس ، ولكنّ السّيّد المشهور لم يوافقه ، بل انعزل بآل تريم وكثير من غيرهم ، لا أدري ألشيء من أمثال ذلك أم للتّشدّد بما قال الشّافعيّة من شروط الجمعة.
ومن إهداء السّلام في كتب الشّيخ عليّ باصبرين للإمام المحضار .. يفهم أنّ له أولادا يهدي سلامهم إليه ، ومنهم حسن بن عليّ باصبرين ، قتله أحد آل ضروس غيلة بالقرحة في رمضان ، ولا يزال بها أحفاده وعشائر آل باحميش إلى الآن ، ومن وجهائهم أحمد بن يسلم باحميش وإخوانه.
______________
(١) الفاصلة : في النّثر كالقافية في الشّعر ، وهي المقطع الصوتيّ الّذي ينتهي عنده الكلام.
311
#تاريخ_الشحر_بافقيه
قلت : وبنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون شهر منهم جماعة بالولاية التامة وظهور الكرامات وتربتهم يقال : لها الأنفة وهي بفتح الهمزة بعد الألف واللام وفتح النون والفاء وآخره ها تأنيث بجهة الوادي سهام ، وهي محلة مقصودة للزيارة والتبرك ، ونسبهم في الصميين ، وهم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم في ما بين الوادي وادي سهام ووادي سردد ، ومن مشاهيرهم يوسف بن أبي بكر المكدش كان من كبار الأولياء وله كرامات خارقة ذكره الشرجي في الطبقات (١) ، وأثنى عليه وذكر شيئا من أحواله في تاريخ (٢) سيدنا عبد القادر بن شيخ العيدروس.
ومنه أيضا وفيها (٣) : توفي الفقيه العالم العارف بالله تعالى السيد الجليل الرباني جمال الدين محمد بن احمد باجرفيل قيل (٤) الدوعني رحمهالله تعالى بغيل أبي وزير من أعمال الشحر ، وجرفيل بجيم ثم راء ثم فاء ثم ياء ، وكان مولده يوم الاثنين ثاني عشر من ربيع الأول سنة عشرين بعد الثمانمائة ، غلب عليه التصوف فخاض غماره ، وحّقق أسراره وصار من كبار مشايخ الطريقة وأعلام أئمة الحقيقة يقتدى بآثاره ، ويهتدى بأنواره ، وحكي عنه أنه قال : لم أصحب مع كثرة من صحبته من العارفين بالله مثل الشيخ علي بن أبي بكر فلازمته أربعة أشهر على أن يقول لي : أنت منا أهل البيت ، كما قال ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم لسلمان الفارسي رضياللهعنه ، فلم يقل ولم يجبني إلى ذلك ، فلما ألححت عليه وتحقق صدق ودي ومحبتي لأهل البيت فقال : يا فقيه أن الدين النصيحة لا يجيبك إلى مقصودك إلّا الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس ، فإنه القطب الوارث للقطبيّة من صغره بعد موت أبيه الشيخ عبد الله بن ابي بكر ، ونحن نكتب إليه أن يجيبك إلى
______________
(١) طبقات الخواص : ٣٦٩ ط الدار اليمنية.
(٢) النور السافر : ٣٦.
(٣) النور السافر : ٢٣.
(٤) كذا في الأصل وهذه اللفظة لا توجد في النور المسافر
قلت : وبنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون شهر منهم جماعة بالولاية التامة وظهور الكرامات وتربتهم يقال : لها الأنفة وهي بفتح الهمزة بعد الألف واللام وفتح النون والفاء وآخره ها تأنيث بجهة الوادي سهام ، وهي محلة مقصودة للزيارة والتبرك ، ونسبهم في الصميين ، وهم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم في ما بين الوادي وادي سهام ووادي سردد ، ومن مشاهيرهم يوسف بن أبي بكر المكدش كان من كبار الأولياء وله كرامات خارقة ذكره الشرجي في الطبقات (١) ، وأثنى عليه وذكر شيئا من أحواله في تاريخ (٢) سيدنا عبد القادر بن شيخ العيدروس.
ومنه أيضا وفيها (٣) : توفي الفقيه العالم العارف بالله تعالى السيد الجليل الرباني جمال الدين محمد بن احمد باجرفيل قيل (٤) الدوعني رحمهالله تعالى بغيل أبي وزير من أعمال الشحر ، وجرفيل بجيم ثم راء ثم فاء ثم ياء ، وكان مولده يوم الاثنين ثاني عشر من ربيع الأول سنة عشرين بعد الثمانمائة ، غلب عليه التصوف فخاض غماره ، وحّقق أسراره وصار من كبار مشايخ الطريقة وأعلام أئمة الحقيقة يقتدى بآثاره ، ويهتدى بأنواره ، وحكي عنه أنه قال : لم أصحب مع كثرة من صحبته من العارفين بالله مثل الشيخ علي بن أبي بكر فلازمته أربعة أشهر على أن يقول لي : أنت منا أهل البيت ، كما قال ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم لسلمان الفارسي رضياللهعنه ، فلم يقل ولم يجبني إلى ذلك ، فلما ألححت عليه وتحقق صدق ودي ومحبتي لأهل البيت فقال : يا فقيه أن الدين النصيحة لا يجيبك إلى مقصودك إلّا الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس ، فإنه القطب الوارث للقطبيّة من صغره بعد موت أبيه الشيخ عبد الله بن ابي بكر ، ونحن نكتب إليه أن يجيبك إلى
______________
(١) طبقات الخواص : ٣٦٩ ط الدار اليمنية.
(٢) النور السافر : ٣٦.
(٣) النور السافر : ٢٣.
(٤) كذا في الأصل وهذه اللفظة لا توجد في النور المسافر