جيوم شارلو
جيريمي شيتكات
مدينة زَبِيْد: فقهاء ومخطوطات
آن ريجور
1على غرار مدينتي بيت الفقيه و #المخاء، تعد مدينة زَبِيْد من أبرز مدن منطقة تهامة المطلة على البحر الأحمر بين اليمن والمملكة العربية السعودية. وقد بدأ ازدهارها الديني منذ القرن 3هـ/9م وذاع صيتها في عهد الدولة الرسولية (1229م–1454م). وخلال تلك الفترة، كان اقتصادها يعتمد على زراعة وادي زَبِيْد.وظهرت في وقت متأخر صناعة النيلة المرتبطة بصناعة الياجور التي استمرت حتى منتصف القرن العشرين. كما وجدت فيها بعض الحرف اليدوية مثل صناعة الجلود التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا (قصبات النرجيل الجلدية وأحزمة ومجلدات كتب) وصناعة النسج. وقد شهدت المدينة منذ أواخر القرن 9هـ/15م وبشكل تدريجي انحسار اقتصادياً وسياسياً، إلا أن سمعتها المبنية على التعليم الديني ظلت راسخة على الدوام.
2ينتمي الفقهاء إلى المذهب السني. وقد تجاوزت شهرتها المحلية عبر القرون لتمتد من شمال الهند إلى مصر مروراً بالقرن الإفريقي.ومن بين أشهر النماذج التي أنجبتهم زَبِيْد في عهد الدولة الرسولية يُذكر العلامة الفيروز أبادي، مؤلف القاموس الذي حمل اسمه، والعالم المرتضى الزيدي الذي قدم إليها في القرن الثامن عشر من شمال الهند لغرض الدراسة. وما تزال شهرتها تجذب الطلبة الإندونيسيين حتى يومنا هذا. وكان لها اتصال في داخل اليمن مع منطقة سنية أخرى هي حضرموت. وما يزال فقهاء أثيوبيا اليوم يذكرون زَبِيْد بعبارات مليئة بالمدائح تعبر عن استمرار عبقها الروحي.
3وعندما قام اليونسكو بأدراج مدينة زَبِيْد في قائمة التراث العالمي في عام 1993م، فلم يكن ذلك مقتصراً على مكانة فنّها المعماري الأكيدة، بل من أجل مخطوطاتها أيضا. ويرجع التدريس في مدينة زَبِيْد إلى القرن 5هـ/11م والذي كانت تقوم به بيوت الفقهاء والمشايخ العلماء والأئمة، وعلى الرغم من قلة المخطوطات عما كان عليه في السابق إلا أن التدريس لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. وقد اعتمد هذا النشاط على الكتابة، الأمر الذي يفسر وجود العديد من المخطوطات.
4وقد يكون من العبث الفصل بين الفن المعماري والتدريس لأن التدريس ساهم في تشكيل المدينة. فالجوامع والمدارس تغطي المدينة من الجهات الأربع وبشكل محكم (كانت المدارس تقوم بتأهيل فقهاء في بداية الأمر) إذ يحتوي بعضها على ما يسمى بالرباط لاسيما تلك المدارس الواقعة في حي ربع الجامع (انظر الخريطة). والرباط في مدينة زَبِيْد، عبارة عن مكان يُستقبل فيه الطلاب الوافدون من خارج زَبِيْد ويكون لديهم فيه غرفة خاصة ومطابخ وأماكن جماعية للعبادة. البعض من هذه الأماكن قامت البيوت الفقهية بتأسيسها وتقع بالقرب من منازلهم. ويتم إحياء هذه الأماكن بفضل الإيرادات التي يتم تحصيلها من أموال الوقف، من أراض زراعية ودكاكين… والتي تقوم بربط النشاط الاقتصادي بنشاط التدريس وخاصة إيرادات أراضي وادي زَبِيْد. الأمر الذي جعل من جامع الأشاعر أقدم الجوامع وأهم مكان للتدريس في نفس الوقت ويبدو أن أسطورة تأسيسه والتي ترجع إلى القرن 2هـ/ 8م مشابهة لأسطورة تأسيس المدينة إذ يقع هذا الجامع في وسط سور المدينة ذو الشكل الدائري بالضبط وقد سُمي عليه باسم قبيلة الأشاعر التي كانت تمتلك بئراً فيه.
5كانت هوامش المخطوطات تحتفظ في بعض الأحيان بذاكرة الفن المعماري للمدينة كما جاء في ذكر ترميم الجامع الكبير في زَبِيْد في عام 1492م والذي قام به الأمير الطاهري الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بن طاهر (1454م–1517م)، في ثلاث مخطوطات مختلفة يرجع أقدمها إلى عام 1752م–1753م. ويعتمد أحد الذين كتبوا على هذه الهوامش ملاحظته على المؤرخ بن الديبع الذي ذكر الأحداث في كتابه بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد.
فقهاء ومخطوطات
6يقصد القول ببيوت الفقه بتلك البيوت التي أنجبت الفقهاء جيلاً بعد جيل. فعلى سبيل المثال، يرجع تاريخ أولى المؤلفات المعروفة لبيت الأهدل إلى القرن 8هـ/14م، ولا يزال أحد أبنائها يدرس اليوم في الرباط الخاص بالأسرة. ومن بين أسماء تلك البيوت الأهدل والأنباري والمزجاجي والبطاح الاهدل والسالمي والتي بذكرهم يفوح صيت زَبِيْد الشاعري متجاوز الجبال والبحار. فتعد هذه البيوت مصدر فخر للمدينة.
7وهذا ما يؤكد فرضية وجود كمية كبيرة من المخطوطات. غير أن المخطوطات قد عانت من طبيعة الجو الحار والرطب (حسب الفصل) ومن الرياح الرملية الفصلية ومن الحشرات التي تأكل الورق وعلى رأسها الأرضة. أضف إل ذلك أن تعاقب مالكيها جعل من بقاءها في نفس المكان أمراً صعباً. ففي القرن العشرين، هجر بعض المثقفين المدينة إلى مدن أخرى داخل اليمن أو خارجه تحت وطأة الأحداث التي ساهمت في تهميش مدينة زَبِيْد سياسياً واقتصادياً. ولذلك تم بيع الكثير من المخطوطات التي نجدها اليوم خارج اليمن. إلا أن الكمية المتبقية لا يستهان بها إذ بلغ عددها في عام 2001م 3800 مخطوطة حسب تقدير تقريبي دون الأخذ في الحسبان القرى المجاورة.
جيريمي شيتكات
مدينة زَبِيْد: فقهاء ومخطوطات
آن ريجور
1على غرار مدينتي بيت الفقيه و #المخاء، تعد مدينة زَبِيْد من أبرز مدن منطقة تهامة المطلة على البحر الأحمر بين اليمن والمملكة العربية السعودية. وقد بدأ ازدهارها الديني منذ القرن 3هـ/9م وذاع صيتها في عهد الدولة الرسولية (1229م–1454م). وخلال تلك الفترة، كان اقتصادها يعتمد على زراعة وادي زَبِيْد.وظهرت في وقت متأخر صناعة النيلة المرتبطة بصناعة الياجور التي استمرت حتى منتصف القرن العشرين. كما وجدت فيها بعض الحرف اليدوية مثل صناعة الجلود التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا (قصبات النرجيل الجلدية وأحزمة ومجلدات كتب) وصناعة النسج. وقد شهدت المدينة منذ أواخر القرن 9هـ/15م وبشكل تدريجي انحسار اقتصادياً وسياسياً، إلا أن سمعتها المبنية على التعليم الديني ظلت راسخة على الدوام.
2ينتمي الفقهاء إلى المذهب السني. وقد تجاوزت شهرتها المحلية عبر القرون لتمتد من شمال الهند إلى مصر مروراً بالقرن الإفريقي.ومن بين أشهر النماذج التي أنجبتهم زَبِيْد في عهد الدولة الرسولية يُذكر العلامة الفيروز أبادي، مؤلف القاموس الذي حمل اسمه، والعالم المرتضى الزيدي الذي قدم إليها في القرن الثامن عشر من شمال الهند لغرض الدراسة. وما تزال شهرتها تجذب الطلبة الإندونيسيين حتى يومنا هذا. وكان لها اتصال في داخل اليمن مع منطقة سنية أخرى هي حضرموت. وما يزال فقهاء أثيوبيا اليوم يذكرون زَبِيْد بعبارات مليئة بالمدائح تعبر عن استمرار عبقها الروحي.
3وعندما قام اليونسكو بأدراج مدينة زَبِيْد في قائمة التراث العالمي في عام 1993م، فلم يكن ذلك مقتصراً على مكانة فنّها المعماري الأكيدة، بل من أجل مخطوطاتها أيضا. ويرجع التدريس في مدينة زَبِيْد إلى القرن 5هـ/11م والذي كانت تقوم به بيوت الفقهاء والمشايخ العلماء والأئمة، وعلى الرغم من قلة المخطوطات عما كان عليه في السابق إلا أن التدريس لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. وقد اعتمد هذا النشاط على الكتابة، الأمر الذي يفسر وجود العديد من المخطوطات.
4وقد يكون من العبث الفصل بين الفن المعماري والتدريس لأن التدريس ساهم في تشكيل المدينة. فالجوامع والمدارس تغطي المدينة من الجهات الأربع وبشكل محكم (كانت المدارس تقوم بتأهيل فقهاء في بداية الأمر) إذ يحتوي بعضها على ما يسمى بالرباط لاسيما تلك المدارس الواقعة في حي ربع الجامع (انظر الخريطة). والرباط في مدينة زَبِيْد، عبارة عن مكان يُستقبل فيه الطلاب الوافدون من خارج زَبِيْد ويكون لديهم فيه غرفة خاصة ومطابخ وأماكن جماعية للعبادة. البعض من هذه الأماكن قامت البيوت الفقهية بتأسيسها وتقع بالقرب من منازلهم. ويتم إحياء هذه الأماكن بفضل الإيرادات التي يتم تحصيلها من أموال الوقف، من أراض زراعية ودكاكين… والتي تقوم بربط النشاط الاقتصادي بنشاط التدريس وخاصة إيرادات أراضي وادي زَبِيْد. الأمر الذي جعل من جامع الأشاعر أقدم الجوامع وأهم مكان للتدريس في نفس الوقت ويبدو أن أسطورة تأسيسه والتي ترجع إلى القرن 2هـ/ 8م مشابهة لأسطورة تأسيس المدينة إذ يقع هذا الجامع في وسط سور المدينة ذو الشكل الدائري بالضبط وقد سُمي عليه باسم قبيلة الأشاعر التي كانت تمتلك بئراً فيه.
5كانت هوامش المخطوطات تحتفظ في بعض الأحيان بذاكرة الفن المعماري للمدينة كما جاء في ذكر ترميم الجامع الكبير في زَبِيْد في عام 1492م والذي قام به الأمير الطاهري الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب بن طاهر (1454م–1517م)، في ثلاث مخطوطات مختلفة يرجع أقدمها إلى عام 1752م–1753م. ويعتمد أحد الذين كتبوا على هذه الهوامش ملاحظته على المؤرخ بن الديبع الذي ذكر الأحداث في كتابه بغية المستفيد في أخبار مدينة زَبِيْد.
فقهاء ومخطوطات
6يقصد القول ببيوت الفقه بتلك البيوت التي أنجبت الفقهاء جيلاً بعد جيل. فعلى سبيل المثال، يرجع تاريخ أولى المؤلفات المعروفة لبيت الأهدل إلى القرن 8هـ/14م، ولا يزال أحد أبنائها يدرس اليوم في الرباط الخاص بالأسرة. ومن بين أسماء تلك البيوت الأهدل والأنباري والمزجاجي والبطاح الاهدل والسالمي والتي بذكرهم يفوح صيت زَبِيْد الشاعري متجاوز الجبال والبحار. فتعد هذه البيوت مصدر فخر للمدينة.
7وهذا ما يؤكد فرضية وجود كمية كبيرة من المخطوطات. غير أن المخطوطات قد عانت من طبيعة الجو الحار والرطب (حسب الفصل) ومن الرياح الرملية الفصلية ومن الحشرات التي تأكل الورق وعلى رأسها الأرضة. أضف إل ذلك أن تعاقب مالكيها جعل من بقاءها في نفس المكان أمراً صعباً. ففي القرن العشرين، هجر بعض المثقفين المدينة إلى مدن أخرى داخل اليمن أو خارجه تحت وطأة الأحداث التي ساهمت في تهميش مدينة زَبِيْد سياسياً واقتصادياً. ولذلك تم بيع الكثير من المخطوطات التي نجدها اليوم خارج اليمن. إلا أن الكمية المتبقية لا يستهان بها إذ بلغ عددها في عام 2001م 3800 مخطوطة حسب تقدير تقريبي دون الأخذ في الحسبان القرى المجاورة.
books.openedition.org
مدينة زَبِيْد: فقهاء ومخطوطات
على غرار مدينتي بيت الفقيه والمخاء، تعد مدينة زَبِيْد من أبرز مدن منطقة تهامة المطلة على البحر الأحمر بين اليمن والمملكة العربية السعودية. وقد بدأ ازدهارها الديني منذ القرن 3هـ/9م وذاع صيتها في عهد الدولة الرسولية (1229م–1454م). وخلال تلك الفترة، كان اقتصادها…