اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#حضرموت
وآل باحميش (١) من حملة السّلاح وأهل النّجدة.

ومن متأخّري علمائهم : الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين (٢) ، كان جبلا من جبال العلم ، قال والدي : (زرت دوعن في شوّال من سنة «١٢٩٠ ه‍» ، فطفنا

______________

(١) آل باحميش : من نوّح ، سيبان ، ولم يذكر المصنّف هنا أحدا من آل باحميش ، مع أنّ فيهم عددا من أهل العلم والرّأي والبأس ؛ فمنهم :

الشّيخ العلّامة محمّد بن أحمد باحميش كان إماما عالما فقيها حبرا منوّرا ، من علماء القرن التّاسع الهجريّ ومشاهيره ، مولده بغيل باوزير وقيل ببور سنة (٧٩٨ ه‍) ، نشأ بها ، ثمّ هاجر إلى عدن ، ومن شيوخه : العلّامة عليّ بن عمر بن عفيف الحضرميّ ، والعلّامة القاضي عمر بن محمّد اليافعي ، تقيّ الدّين ، وغيرهما. تولّى القضاء من قبل السّلطان عليّ بن طاهر (الدولة الطاهريّة) وتوفّي وهو متقلّده سنة (٨٦١ ه‍). انتفع به جمّ غفير ، كالعلّامة عبد الله بن أحمد بامخرمة ، والعلّامة محمّد بن أحمد بافضل ، وعبد الله بن أحمد بافضل وغيرهم.

والشّيخ عليّ بن محمّد باحميش ولد بعدن ، وهو من أسرة نزحت من الشّحر ، وبها كانت نشأته ، وتلقّى العلم على أيدي علمائها آنذاك ، ثمّ رحل إلى مصر والتحق بالأزهر الشّريف وتخرّج منه ، ثمّ عاد إلى عدن وتولّى القضاء بها. وكان خطيبا مصقعا ، تولّى خطابة مسجد العيدروس ، اغتيل في حادث مروري سنة (١٣٩١) أو (١٣٩٥ ه‍) ، رحمه الله تعالى.

(٢) هو العلّامة الفقيه ، المحقّق الشّيخ عليّ بن أحمد بن سعيد باصبرين ـ مثنّى صبر ـ النّوّحيّ السّيبانيّ الدّوعنيّ الحضرميّ. مولده بقرحة باحميش ، ووفاته بجدّة سنة (١٣٠٥ ه‍). تلقّى العلم على أيدي علماء دوعن ، وكان انتفاعه واستفادته على يد الشّيخ سعيد بن محمّد باعشن ، صاحب «بشرى الكريم» ، وعلى يده كان تخرّجه ، وأخذ عن غيره ، ويقال : إنّه رحل إلى مصر وأخذ عن الباجوريّ وطبقته.

وقد استقرّ الشّيخ عليّ في جدّة ، حتى إنه عرف عند علماء الحجاز ب (عالم جدّة) ، وانتفع به في علم الفلك الّذي كان يجيده عدد من تلامذته ؛ منهم

العلّامة الشّيخ عبد الحميد بخش الهنديّ الحنفيّ ، أحد علماء مكّة في وقته.

وأخذ عنه الفقيه محمّد بن أبي بكر باذيب ، واستفتاه في مسألة معاملة الكافر الحربيّ فأجابه عنها.

أمّا مصنّفاته .. فمنها :

١ ـ «إثمد العينين في اختلاف الشّيخين».

٢ ـ «إعانة المستعين» حاشية على «فتح المعين» للمليباري ، في مجلّدين كبيرين.

٣ ـ «الجمل في المهمّات الدّينيّة».

٤ ـ «سلامة الحجّاج في كلّ عام في رفض مختارات محمود الهمام».
بلاد دوعن ، ووجدنا أكثر أهلها يقرؤون القرآن لروح والدي (١) ؛ لأنّ ذلك كان حدثان وفاته من رمضان منها (٢) ، ولمّا انتهينا إلى قرحة آل باحميش أوان المغرب .. أدركنا صلاتها في مسجدها خلف إمام حسن الأداء ، شجيّ الصّوت ، محافظ على السّنن والهيئات ، وبعد أن فرغ من الأدعية والرّاتبة .. جلس للتّدريس في «شرح المقدّمة الحضرميّة» ، وكان يكتب عليه حاشية ، فسمعنا أحسن تدريس ، وأتقن تحقيق ، وأبلغ إلقاء ، وأوضح تفهيم ، ثمّ صلّى بنا العشاء بسورتين من أوساط المفصّل بصوت عذب أخذ بقلوبنا ، وبقي طنينه بأسماعنا ، وخيّل لنا أنّنا لم نسمع تلك السّور ولم تنزل إلّا تلك السّاعة ، وما كاد يخرج من المسجد وبندقيّته على كتده (٣) إلّا وأشعل النّار في فتيلتها ، فقلنا له : ما شأنك؟ قال : بيننا وبين قوم قتل ولم نأخذ صلحا ، فتمثّلت لنا رسوم الصّحابة والسّلف الطّيّب ، حيث اجتمعت العبادة والشّجاعة والعلم في ذلك الهيكل الشّريف ، وهو شخص الشّيخ عليّ بن أحمد باصبرين).

جمع الشّجاعة والعلوم فأصبحا

كالحسن شيب لمغرم بدلال (٤)

هذا ما يحدّثني بمعناه والدي ذات المرّات ، فيبني في نفسي العلاليّ والقصور من الشّغف بالمجد والطّموح إلى الشّرف.

وقال السّيّد عمر بن حسن الحدّاد : (قرأت على الشّيخ عليّ باصبرين ، وهو إمام في كلّ العلوم ، حادّ الطّبع مثل الشّيخ عليّ بن قاضي باكثير) اه

وفي «مجموع» كلام العلّامة السّيّد أحمد بن حسن العطّاس : (أنّ بعض العلماء المصريّين قال له : نعرف من الحضارم حدّة الطّبع ، وأنت بعيد عنها ، قال له : من عرفت من الحضارم؟ قال له : عرفت الشّيخ عليّا باصبرين ، وجلست معه في

______________

(١) يعني به الحبيب محسن بن علوي السقاف جد المؤلّف.

(٢) الحدثان : أوّل الشّيء ، وحدثان وفاته : على أثر وفاته.

(٣) الكتد : مجتمع الكتفين ، وهو الكاهل.

(٤) البيت من الكامل ، وهو لأبي تمّام في «ديوانه» (٢ / ٦٤) ، باختلاف بسيط. شيب : خلط.

المغرم : المولع بالشّيء الّذي لا يقدر على مفارقته.
الحرمين سنتين ، فرأيت من حدّته ما لا مزيد عليه. فقال السّيّد أحمد : ذاك رجل من أهل البادية ، وتلقّى شيئا من العلم ، وقد حجر سلفنا وأشياخنا على المتعلّقين بهم الأخذ عنه ؛ لأنّه ليس بأهل للإلقاء ولا للتّلقّي ، ولا يخفى عليكم ما في طباع البادية من الغلظة والجفاء) اه

وهذا لا يخلو عن حيف كثير على الشّيخ باصبرين ، ويكفي لردّه ما أخرجه الطّبرانيّ عن ابن عبّاس : «تعتري الحدّة خيار أمّتي» ، وكان موسى عليه السّلام حديدا ، وورد : «المؤمن سريع الغضب سريع الفيء» ، وضمّ إليه ما سبق من أخذ سيّدنا عمر بن حسن الحدّاد عنه ، وبإشارته كان تحويط الجمرتين بمنى ، فسلم النّاس ، ولا سيّما الضّعفاء من كثير من أضرار الزّحام ، فلقد كان رأيه موفّقا ، ولهذا بادر الشّريف بتنفيذه ، وطلب منه أن يكثر التّردّد عليه كما أخبرني وجيه جدّة النّبيل محمّد بن حسين بن عمر نصيف عن جدّه ، فأبى ؛ لأنّه كان شريف النّفس عليّ الهمّة رحمة الله عليه.

وحدّثني الوجيه محمّد نصيف أيضا أنّ أحد الدّلّالين باع له بنّا من يهوديّ ، فدلّس عليه في مئتي رطل ، فأخبر الشّيخ ممتنّا عليه بهذا الصّنيع ، فقال له الشّيخ : لا أرضى ولا أحبّ أن يطلبني اليهوديّ بحقّه في الدّار الآخرة ، وردّ عليه ما اختانه الدّلّال. ومنه تعرف أنّ له تجارة بجدّة ، وكانت دار هجرته ونشر علمه ، وله بها تلاميذ كثيرون.

وقد علمت أنّ السّيّد عمر بن حسن الحدّاد قرأ عليه ، وهو من مراجيح العلويّين.

وحدّثني الشّيخ عبد الله باحشوان ـ أحد قضاة المكلّا السّابقين ـ قال : (كنت مع الشّيخ عليّ باصبرين وأنا صغير ، فسمع مزمارا فسدّ أذنيه بأصبعيه ، وجعل يقول لي : هل تسمع شيئا؟ فأقول : نعم ، حتّى قلت : لا ، فأبعدهما ، يتسمّت بذلك ما فعل عبد الله بن عمر مع مولاه نافع ، ينقل ما صنع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما سمع مزمار الرّاعي) [د ٤٩٢٤] ، وقد جوّدت القول على هذه المسألة في كتابي «بلابل التّغريد».
وجرت بينه وبين علماء تريم منازعات في عدّة مسائل :

منها : التّوسّل والاستغاثة. ومنها : ثبوت النّسب بمشجّرات العلويّين المحرّرة ، وكان الشّيخ يبالغ في إنكار ذلك ، وألّفت رسائل من الطّرفين.

ففي سنة (١٢٩٨ ه‍) فرغ الشّيخ عليّ باصبرين من رسالته الّتي سمّاها : «حدائق البواسق المثمرة في بيان صواب أحكام الشّجرة» ، وقد علّق عليها السّيّد سالم بن محمّد الحبشيّ بما يشبه الرّدّ ، وبعد اطّلاع باصبرين عليه كتب : (أمّا التّهاميش : فأمعنّا النّظر في جميعها .. فما وجدنا فيها زيادة فائدة عمّا في الأصل ، فما زاد إلّا إتلاف ورق لم يؤذن له في إتلافه بتسويده بما لا يجدي فائدة جديدة).

وللحبيب أحمد بن محمّد المحضار شبه ردّ على باصبرين في «الحدائق» المذكورة ، قال فيه : (وبعض النّاس قوله وبوله سواء).

ثمّ إنّ الشّيخ باصبرين كتب رسالة أخرى في نقض تعليقات السّيّد سالم الحبشيّ ، سمّاها : «إنسان العين» ، فكتب عليها الإمام المحضار كتابة طويلة ، جاء فيها : (وما أوضحه الشّيخ عليّ في هذه الجملة .. فذاك شفاء الصّدور ، تبرأ به العلّة ، وهو مجرّب في تجربته ، وحريص في أجوبته ، وبالله الّذي فرض الصّلاة والوضوء ما أردته بسوء).

ثمّ إنّ الشّيخ عليّا سيّر كتابا للسّيّد محمّد بن عليّ ، والسّيّد صافي بن شيخ آل السّقّاف ، وسيّدي الأستاذ الأبرّ عيدروس بن عمر ، والسّيّد عليّ بن محمّد ، والسّيّد شيخان بن محمّد آل الحبشيّ.

فأمّا الأوّلان : فصرّحا بمخالفة باصبرين ، وأمّا الآخرون .. فلم أر لهم كلاما بخلاف ولا وفاق. وكان كتابه إليهم في سنة (١٢٩٩ ه‍).

وكثيرا ما ينشب الخلاف بين الشّيخ عليّ باصبرين وبين علماء العلويّين كآل يحيى بالمسيلة وغيرهم ، وتؤلّف الرّسائل في الجانبين وتعرض على سيّدنا الإمام أحمد بن محمّد المحضار ـ صاحب القويرة ـ فيقرّظ عليهما ، إلّا أنّه بأسلوبه العجيب وترسّله
العذب ، وعارضته القويّة ، وسيره بسوق الطّبيعة ، يتخلّص من المآزق بما يذكّرني بما قاله ابن الجوزيّ ، لمّا تواضع أهل السّنّة والشّيعة على ما يقوله ، فسألوه وهو على المنبر عن عليّ وأبي بكر. أيّهما الأفضل؟ فأجاب بما لو روّى فيه عالم دهرا .. لم يوفّق إليه ؛ إذ قال : (أفضلهما وأحبّهما إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من بنته في بيته) أو ما هذا معناه ، فحملها كلّ على ما يريد.

وقال الإمام المحضار في بعض كتاباته بتلك المناسبة : (والاعتماد على ما قاله الجمهور ، لا ما قاله عبد الرّحمن مشهور) ؛ يعني مفتي حضرموت لذلك العهد ، صاحب «بغية المسترشدين» ، وهو لا يقصد خلافه ولا إدخال المساءة عليه ، ولكنّه قام في طريق الفاصلة (١) وهو لا يبالي بشيء من أجلها ؛ لأنّه يمرّ مع خاطره بلا تكلّف ولا تنطّع.

ولا غرو ؛ فقد طلّق بعضهم امرأته من أجلها ، وتكلّف الصّاحب بن عبّاد السّفر إلى قندهار ليقول :

صدرت من قندهار

في ضحوة النّهار

وعند ما زار المحضار حضرموت وذهب لزيارة هود عليه السلام .. اتّفق حلول الجمعة بفغمة ، فجمّع بها المحضار وتبعه كثير من النّاس ، ولكنّ السّيّد المشهور لم يوافقه ، بل انعزل بآل تريم وكثير من غيرهم ، لا أدري ألشيء من أمثال ذلك أم للتّشدّد بما قال الشّافعيّة من شروط الجمعة.

ومن إهداء السّلام في كتب الشّيخ عليّ باصبرين للإمام المحضار .. يفهم أنّ له أولادا يهدي سلامهم إليه ، ومنهم حسن بن عليّ باصبرين ، قتله أحد آل ضروس غيلة بالقرحة في رمضان ، ولا يزال بها أحفاده وعشائر آل باحميش إلى الآن ، ومن وجهائهم أحمد بن يسلم باحميش وإخوانه.

______________

(١) الفاصلة : في النّثر كالقافية في الشّعر ، وهي المقطع الصوتيّ الّذي ينتهي عنده الكلام.

311
#تاريخ_الشحر_بافقيه

قلت : وبنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون شهر منهم جماعة بالولاية التامة وظهور الكرامات وتربتهم يقال : لها الأنفة وهي بفتح الهمزة بعد الألف واللام وفتح النون والفاء وآخره ها تأنيث بجهة الوادي سهام ، وهي محلة مقصودة للزيارة والتبرك ، ونسبهم في الصميين ، وهم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم في ما بين الوادي وادي سهام ووادي سردد ، ومن مشاهيرهم يوسف بن أبي بكر المكدش كان من كبار الأولياء وله كرامات خارقة ذكره الشرجي في الطبقات (١) ، وأثنى عليه وذكر شيئا من أحواله في تاريخ (٢) سيدنا عبد القادر بن شيخ العيدروس.

ومنه أيضا وفيها (٣) : توفي الفقيه العالم العارف بالله تعالى السيد الجليل الرباني جمال الدين محمد بن احمد باجرفيل قيل (٤) الدوعني رحمه‌الله تعالى بغيل أبي وزير من أعمال الشحر ، وجرفيل بجيم ثم راء ثم فاء ثم ياء ، وكان مولده يوم الاثنين ثاني عشر من ربيع الأول سنة عشرين بعد الثمانمائة ، غلب عليه التصوف فخاض غماره ، وحّقق أسراره وصار من كبار مشايخ الطريقة وأعلام أئمة الحقيقة يقتدى بآثاره ، ويهتدى بأنواره ، وحكي عنه أنه قال : لم أصحب مع كثرة من صحبته من العارفين بالله مثل الشيخ علي بن أبي بكر فلازمته أربعة أشهر على أن يقول لي : أنت منا أهل البيت ، كما قال ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لسلمان الفارسي رضي‌الله‌عنه ، فلم يقل ولم يجبني إلى ذلك ، فلما ألححت عليه وتحقق صدق ودي ومحبتي لأهل البيت فقال : يا فقيه أن الدين النصيحة لا يجيبك إلى مقصودك إلّا الشيخ أبو بكر بن عبد الله العيدروس ، فإنه القطب الوارث للقطبيّة من صغره بعد موت أبيه الشيخ عبد الله بن ابي بكر ، ونحن نكتب إليه أن يجيبك إلى

______________

(١) طبقات الخواص : ٣٦٩ ط الدار اليمنية.

(٢) النور السافر : ٣٦.

(٣) النور السافر : ٢٣.

(٤) كذا في الأصل وهذه اللفظة لا توجد في النور المسافر
مرادك ، قال : والشيخ أبو بكر يومئذ باليمن ، فكتب الشيخ علي إليه ، وكتبت أنا أيضا إليه ، فأتانا بحمد الله الجواب بالقصد والمراد ، قال العلامة بحرق : ولقد كنت استشكل أشياء تصدر من سيّدي الشيخ أبي بكر العيدروس قدس الله روحه تقصر عنه عقول أمثالنا القاصرة ولكني كنت بتوفيق الله أعرضها على أرباب البصائر فما منهم إلّا يأمرني بالتّسليم ويشهد عندي بعلو مقام سيدي وأنه على هدى من ربه العليم ، منها : إني عرضت على الفقيه محمد بن احمد باجرفيل تصّرفات مالية يباشر سيدي في قبضها وصرفها في ظاهر الأمر في غير مصارفها ، فقال : أنا أشهد أنه أمير المؤمنين المالك للتولية والعزل والحل والعقد والتصرفات كلها وأشهد أنه أفضل أهل الأرض ظاهرا وباطنا ، فقلت له : أمّا الباطن فبصائرنا عنه قاصرة ، وأما الظاهر فما وجهه ، فقال وجهه : أن أهل البيت أفضل من سائر النّاس وآل باعلوي اليوم أفضل من سائر أهل البيت باتباعهم السنّة وما اشتهر لهم من العبادة والزهادة والكرم وحسن الأخلاق ، والشيخ أبو بكر أفضل آل باعلوي بالاتفاق فهو أفضل أهل زمانه ، وتوفي بغيل أبي وزير ودفن بتربة المشايخ آل باوزير.

وفيها (١) يوم السبت خامس عشر شوال : توفي الفقيه المنور المتفق على جلالة قدره علما وعملا وورعا جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الشهير بابن علي بافضل السّعدي ،نسبة إلى سعد العشيرة الحضرمي ثم العدني رحمه‌الله تعالى بعدن وحزن الناس عليه وكثر تأسفهم على فقده وكان مولده في حضرموت بتريم سنة أربعين وثمانمائة ونشأ بغيل أبي وزير وحفظ القرآن واشتغل بالفقه على الفقيه محمد بن علي باعديله (٢) وقرأ الأحيا ، ثم دخل عدن قاصدا الفقيه جمال الدين محمد بن أحمد حميش ، فقرأ عليه الفقه وغيره فلما توفي شيخه باحميش أقيم مقامه في

______________

(١) النور السافر : ٢٤. الفضل المزيد : ١١٩ ، قلائد النحر لوحة ١٨٣.

(٢) قلائد النحر «باعديل
والنحو في جامع عدن وفي بيته ، وانتفع به جمع في دينهم ودنياهم ، وذكره العلامة الفقيه جمال الدين محمد بحرق في كتابه مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس ، وقال : اني قلت مرة أن أحوال سيدنا الشيخ أبي بكر أشكلت علي ، فقال : دعها تحت حجابها مستورة بسحابها فلو أشرقت مشمسة لأحرقت الوجود كله ، أما ترانا نقف على أبوابه ونكتفي بتقيبل أعتابه ، قال : وهكذا كان رحمه‌الله يقبل العتبة وينصرف ، ورأيت كأنه ورد عليه مرة حال فأخذ بيدي وهو كالذاهل ، فقال لي : تريد أن أريك القطب ، فقلت : نعم ، فمشى حتى أتينا سيدي الشيخ أبا بكر ، فقال : هذا هو القطب ، وانصرف ، ولم يلبث أن امتدح سيدي الشيخ بقصيدته التي أولها :

من الحسان الخرد قد صادني 

غرير يرمي بقوس حاجب 

وأنشده إياها فلما بلغ المنشد قوله :

يا عيدروس الأولياء يا حائز

الكمال القطب أنت الأكمل 

كان السيد حسين ينظر إلي ثم يشير بيده إلى سيدي الشيخ ويقول : القطب أنت الأكمل يكررها ليحقق ما كان قاله لي في المنام في حالة ذهول ، وله ديوان شعر وكلامه مشهور وله قصائد مدح في النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومنه الوسيلة العظيمة التي أولها :

______________

(١) كذا في الأصل والنور السافر صوابه «أبو الفتح» قلت : هو أبو الفتح محمد بن أبي بكر المراغي المتوفى سنة ٨٥٩ ه‍ : انظر الضوء اللامع ٧ : ١٦٢.

32
جبل حسو(حصن في جبل مسور المنتاب بجنوب مدينة حجة).
الجدم (مركز إداري من مديرية مسور وأعمال عمران. من بلدانه: الحَرف، قلعة سِفاع، بيت اللّومي، بيت الذيفاني، السُخيمي، نَعمان، دَومَان، بني سعيد).
الرغيل(مركز إداري من مديرية مَسوَر وأعمال عمران. إليه ينسب بنو الرغيلي أهل جبل عَفّار في بلاد حجة، منهم العالم الفلكي عبدالقوي الرغيلي المتوفي سنة 1046هـ).
عيال مومر(مركز إداري من مديرية مسور وأعمال عمران. يضم من القرى: بيت عِذاقة، قارة المومري، بيت قَعد، قلعة سُيد، شَمسان، يَفعان، وغيرها).
قيلاب(مركز إداري في أسافل جبل مسور المنتاب. يُنسب إلى قيلاب بن قادم بن زيد بن عُريب بن جُشم بن حاشد. وهي منطقة مغيولة كثيرة الغروس والخيرات).
وادي عيال علي(وادٍ في جبل مسور بالجنوب الشرقي من بيت عذاقة.)).
ومركز المديرية هي مدينة بيت عذاقة. وتبلغ مساحة مديرية مسور 132كم2، وبلغ تعداد سكان المديرية (38508) نسمة حسب نتائج التعداد العام للسكان والمساكن للعام 2004م.
وتدعى هذه المديرية بـ(مسور المنتاب) وذلك لتمييزها عن(مسور خولان الطيال) و(مسور ريمة)، ويعود تاريخ المنتاب الأكبر إلى عصور ما قبل الإسلام، أما المنتاب الأصغر فهو الذي تولى سلطنة مسور في حقبة ما بعد الإسلام ثم تلاه أولاده وأحفاده من بعده.
وتشتهر (مسور المنتاب) بأوديتها الزراعية وغيول المياه، وتزرع في أوديتها ومدرجاتها الزراعية العديد من المحاصيل إضافة إلى زراعة أشجار البن التي تعد من المحاصيل الزراعية الرئيسية فيها، ويعتبر سكان مسور الحاضر خليطاً من الأسر اليمنية الناتجة عن ظاهرة الهجرات الداخلية القريبة والبعيدة من مختلف مناطق اليمن التي تعرضت من وقت إلى آخر للجفاف ونضوب المياه بسبب قلة الأمطار، كما كانت خصوبة مناطق مسور وخيراتها سبباً أساسياً في جذب الهجرات إليها.
وتعد مسور المنتاب من أهم المناطق التاريخية والسياحية بما تحويه من قلاع وقصور في مختلف مناطقها وعزلها.
ويعتبر جبل مسور في محافظة عمران حالياً ومحافظة حجة سابقاً من أهم المعالم الحضارية في الجمهورية اليمنية، وقد وصفه المرحوم العلامة الحسن بن أحمد الهمداني – في كتابه المشهور (صفة جزيرة العرب) في صفحة (307) الطبعة الثانية 1983م مركز الدراسات والبحوث اليمني – بأنه من عجائب اليمن، وكان يسمى في عهد الهمداني في القرن الثالث الهجري جبل تخلي، وقد سُمي بعد ذلك جبل المنتاب نسبةإلى آل المنتاب الذين سكنوا الجبل في عهد الهمداني، وقال إن مساحته مابين ميلين (أي 3.218كم)إلى ميلين ونصف(أي 4.0225كم)، وفيه ثلاث قلاع؛ أول هذه القلاع بيت فايش وفيه مسجد قديم من قبل الإسلام، وقلعة المضمار، وقلعة بيت ريب. وقد ذكر أبوابها وهي باب السروح وهو الباب الرئيسي للجبل، وباب صنعاء، وباب المكاحل، وباب أُدام لطَمَام، وباب العشة، وباب عبقان، وباب العدن، وتغلق جميع هذه الأبواب على الجبل، وقد ذكر الهمداني أيضاً أسماء البرك التي هي عبارة عن سدود، مثل: بركة سَمْع، وبركة ميدان، وبركة حالة، وبركة السوق، وبركة بيت فايش، وغيل عين بياضة، وعين العَشّة، وعين بيت الهتل، وعين الوَعَرين.
وقال الهمداني أنه لم يرَ في هذا الجبل ثعابين ولا أفاعي، ولا عقارب، ولا بعوض، ولا كُتن.
ومن حسن حظي أنني سكنت مسور في الخمسينيات من القرن العشرين لدى عمي المرحوم القاضي عبدالوهاب بن عبدالله العرشي(ولد 1344هـ -توفي 1397هـ 1977م)، كان عمري حينها سبع سنوات عندما اصطحبني معه إلى مقر عمله هناك في مسور حجة (مسور المنتاب) حيث كان مساعداً لعامل مسور المرحوم القاضي العلامة محمد بن حسين العرشي(1313هـ -1390هـ)، وأذكر أننا سكنا في منزل الأستاذ محمد المسوري (الوكيل المساعد في وزارة التخطيط والتعاون الدولي) وقد سكن عمي في حصن مسور، وكان يملك في ذلك الوقت راديو وكنت استمع إلى الراديو باهتمام واستغراب، ولم استطع أن أعرف ما هي الراديو ولماذا لا يظهر صاحب الصوت من الراديو، وكان يسكن معنا الشيخ المرحوم حميد بن حسين بن ناصر الأحمر(1349-1379هـ/1930-1960م) وقد كان رهينة لدى المرحوم الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين في حجة، إلا أن الأحرار استطاعوا أن يكسبوا الشيخ حميد بواسطة الأستاذ أحمد محمد نعمان رحمه الله حيث كان يقوم بتدريسه، وخشي الإمام أحمد من تأثير الأستاذ النعمان عليه وانضمامه إلى الأحرار مما يترتب على ذلك انحياز قبيلة حاشد جميعها إلى جانب الأحرار، فقام بنقله من حجة إلى مسور حجة، إلا أن القاضي المرحوم عبدالوهاب العرشي استطاع أن يستكمل ما بدأه الأستاذ النعمان وقام بمواصلة تدريس الشيخ حميد بعض العلوم مثل اللغة العربية والحديث والبلاغة والأدب وكان يقرأ مع الشيخ حميد المجلات وخاصة مجلة الهلال والعديد من الكتب العصرية مثل كتاب (وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي) مما أسهم في زيادة وعيه واقتناعه بضرورة الإصلاح وتأييده لتوجهات الأحرار بضرورة الثورة ضد الإمامة. وقد اتيحت لي فرصة القراءة لدى المرحوم الشيخ حميد بن ناصر الأحمر.
ثم حسن المذكور للوالى نفي أعيان العلماء ثم بعد كتب أسمائهم أحضرهم الى دائرة الحكومة بصنعاء ثم أمر بحبسهم وقد رتب عقب حضورهم ثلاثة طوابير بالميدان فلما خرجوا من عند الوالى أحاطت بهم العساكر وساقوهم الى السجن وبعد شهرين أرسل بهم الى الحديدة ومكثوا سنتين منهم والد الامام الموجود المنصور بالله يحيى حميد الدين حفظه الله تعالى قبل أن يصير والده اماما. ومنهم رئيس العلماء السيد احمد بن محمد الكبسي والسيد العلامة زيد بن احمد الكبسي والسيد العلامة حسين بن علي غمضان وغيرهم وكان جملتهم أربعين نفرا ثم استشهد بعضهم غريبا عن الاهل والوطن والاخلاء والسكن منهم السيد العلامة محمد بن محمد المطاع والسيد العلامة علي بن محمد الجديري والسيد العلامة الزاهد محمد بن اسماعيل عشيش كان من أعلام الزمان وفضلاء الاوان في عشر الثمانين لا يداخل حكومة ولا يخوض في فتنة حافظ كتاب الله ضريرا ولقد راجع في عدم حبسه بعض أهل صنعاء محمد عيقان رحمه‌الله كلم الشيخ محسن معيض ان السيد محمد عشيش من الضعفاء ضرير البصر من الفضلاء لا يخوض في فتنة وليس له علاقة بامور الدولة فلا حاجة لحبسه فأجاب عليه محسن
#حضرموت

الحسوسة (١)

هي الّتي إليها الإشارة بقول الشّيخ عمر بن عبد الله بامخرمة ، يمدح الشّيخ يوسف باناجة الآتي ذكره :

حيّ وادي النبي يا أحمد وطاه أو وعوره 

حيّ ما بين بادر والحسوسه وعوره (٢)

فيه يوسف كما يوسف في اطلال دوره 

ريتنا حلّ وسطه واختلف في ذبوره 

ولو لا أنّ المشبّه لا يكون مثل المشبّه به من سائر النّواحي .. لاشتدّت المؤاخذة على الشّيخ عمر بامخرمة في تشبيهه الشّيخ يوسف باناجة بالعبد الصّالح يوسف بن يعقوب عليهما السّلام ؛ فلقد كفّروا المعريّ بقوله [في «سقط الزند» ١٤٢ من الكامل] :

هو مثله في الفضل إلّا أنّه 

لم يأته برسالة جبريل 

وقالوا : كفر الفرزدق ـ أو كاد ـ إذ يقول في يزيد بن عبد الملك [في «ديوانه» ١ / ٢٣٧ من البسيط] :

لو لم يبشّر به عيسى وبيّنه 

كنت النّبيّ الّذي يدعو إلى النّور

وكان الشّيخ عبد الرّحمن بن عبود بن حسن بن عبد القادر (والي الرّباط) من سكّان الحسوسة ، وبعقب استيلاء القعيطيّ على الوادي الأيمن في سنة (١٣١٧ ه‍) .. أسند العمالة إلى المقدّم عمر بن أحمد باصرّة ، وكان يحمل ضغنا على هذا الشّيخ ، فصادر جميع أمواله ، مع أنّه لم يشترك في الحرب ، ولم يسع فيها بخفّ ولا قدم ، ولو لا أنّه أقام سورا حديديّا من الحجّاب يمنعونه الوصول إلى السّلطان غالب بن عوض .. لأدركه عفوه ؛ فقد كان واسعا شاملا ، لا يضيق عمّا هو أكبر من هذا ، فضلا عنه.

______________

(١) ومن باب المتشابهات أو المتّفق وضعا المفترق صعقا : الحسوسة بفتح فضمّ ، جبل أحمر رمليّ في وادي حبّان بالصعيد من شبوة. وآل الحسوسة : أسرة من أسر العلم والفقه ، ظهر منهم عدد من العلماء في القرن الحادي عشر ، ولهم ذرّيّة تسكن صنعاء.

(٢) وطاه : ما انخفض من الوادي ، وعوره : ما ارتفع منه.
قرن باحكيم

فيه آل باحكيم (١) ، وكانت لهم ثروة طائلة ، وتجارة راقية ، ولهم عقارات بمصر وغيرها ، وكانت إليهم دولة بلادهم حتّى نجمت بينهم وبين القعيطيّ فتنة في حدود سنة (١٣٢٦ ه‍) ، وكان رؤساؤهم إذ ذاك : سالم بن عمر وأحمد بن يسلم بحضرموت ، ورئيسهم الأكبر الّذي يمدّهم بالآراء والأموال من مصر هو : سالم بن أحمد باحكيم ، وانتهى أمر تلك الحرب ـ الّتي أبلى فيها آل باحكيم أحسن البلاء ـ بمعاهدة ، خلاصتها : أنّ الرّئاسة العامّة للقعيطيّ ، ولهم الاستقلال الدّاخليّ في بلادهم ، وعليهم أن يسلّموا غرامة الحرب المقدّرة بثلاثين ألف ريال.

ثمّ حصل التّنازل من السّلطان غالب ؛ لما جبله الله عليه من السّماح ولين العريكة (٢) عن أكثرها ، وكان عرض عليهم صلح أشرف من هذا فأبوه ، ولكنّ عسكر القعيطيّ اقتحموا حصنا لهم بالجبل فلانت أعصابهم ، واضطروا إلى قبوله.

وفي «الأصل» : أنّ باحكيم بنى حصن القزه فجاءة في سنة (٩٣٩ ه‍) فنهض إليه آل عليّ بن فارس النّهديّون من السّور ، وكتبوا لسّلطان بدر بوطويرق ، واتّهموا الشّيخ العموديّ بمساعدة باحكيم ، وجرى بينهم كلام وتهديد.

ولا يزال باحكيم على جانب من الشّرف والمروءة ومكارم الأخلاق ، بالقرن والمكلّا ومصر ، وأشهر من بمصر منهم الآن : الشّيخ عمر بن محمّد بن عمر باحكيم.

______________

(١) آل باحكيم : من قبائل نوّح السّيبانية. وفي القرن أيضا : آل بركات ، وآل بامعدان ، وسيأتي في شبام التّعريف بآل معدان وآل بركات وهم غير هؤلاء.

(٢) ليّن العريكة : سهل الطّبائع.
الخريبة (١)

من كبريات بلاد دوعن وقداماه ، على اسم مكان بالبصرة كانت عنده واقعة الجمل (٢) ، ولهذا قال بعضهم [السّيّد الحميري في «ديوانه» من البسيط] :

إنّي أدين بما دان الوصيّ به 

يوم الخريبة من قتل المحلّينا

ذكره ياقوت في غير موضع من «معجمه» (٣).

وما زالت خريبة دوعن محطّ رحال العلم من قديم الزّمان ، وكان بها ناس من آل باحويرث الّذين يجتمعون في النّسب مع آل سيئون المشهورين بالعبادة وحبّ الصّلاة ، ومنهم عالم الخريبة وقاضيها في القرن الحادي عشر ، وهو : الشّيخ سليمان باحويرث ، له ولولده العلّامة محمّد بن سليمان ذكر كثير في «مجموع الجدّين» طه بن عمر وعليّ بن عمر ؛ فعن العلّامة الجليل أحمد مؤذّن باجمّال قال : (أخبرني السّيّد العارف ، بقيّة المحقّقين ، الورعين المتضلّعين ، أبو بكر بن محمّد بافقيه علويّ بقيدون قال : إنّ الفقيه سليمان باحويرث زوّج امرأة ـ وهو نائب الخريبة ـ وليّها غائب برجل ظنّه كفؤا ، فلمّا قدم وليّها .. رفع الأمر إلى قاضي الشّحر عبد الله باعمر ، وظهر عدم الكفاءة ، ولكنّ قاضي الشّحر قرّر النّكاح عملا بالمرجوح.

قال السّيّد : وحيث وقع عقد قال به إمام ـ ولو مرجوحا ـ فلا نقض في حقّ العوامّ ، وإنّما محلّ المنع قبل العقد) هذا ما ذكره أحمد مؤذّن.

وزاد : (إنّ مذهب مالك : عدم اعتبار الكفاءة إلّا بالدّين ، وقد عمل به بعض مشايخنا لمصلحة اقتضت ذلك) اه

______________

(١) تقع الخريبة على خطّ طول : (١٨ ـ ٢٠ ـ ٤٨) ، وخطّ عرض : (٣٠ ـ ٦ ـ ١٥) ، وتاريخها قديم ، وكانت من البلدان الّتي سارع أهلها في الدّخول في الإسلام ، وأقامت بها طائفة الإباضيّة مدّة من الزّمان على يد عبد الله بن يحيى الكنديّ.

(٢) وسمّي المكان الّذي بالبصرة بالخريبة ؛ لأنّ المرزبّان كان قد ابتنى به قصرا وخرب بعده.

(٣) أي : المكان الّذي بالبصرة ، لا هذا الّذي في حضرموت
وهي مسألة نفيسة مبنيّة على أنّ (العاميّ لا مذهب له) ، وهما قولان قريبان من التّكافؤ ، وقد حرّرت ما في ذلك بموضعه من كتابي «صوب الرّكام».

وإنّما سقت المسألة لمناسبة أنّه وردني بالأمس سؤال ، حاصله : أنّ المكرّم الشّيخ عبد الله بن أحمد الزّبيديّ كانت له ابنة عمّ ، لها أخ شقيق في السّادسة عشرة من عمره ، يتصرّف عنه وصيّه ، وهو أخوه وأخو البنت من الأب ، فأشار عليه أن يعقد بها ، فأنكر عليه بعض العلويّين وقالوا له : ما دليلك؟

فقال : لا دليل إلّا قوله تعالى : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) الآية الخامسة من سورة النّساء.

فلم يقتنعوا منه بذلك ، وقالوا : إنّ النّكاح باطل لا وجه له إلّا مقابل الأظهر في قول «المنهاج» [٢ / ٤٢٨] : (ويقدّم أخ لأبوين على أخ لأب في الأظهر) فأعجبني استدلاله وقرّرت النّكاح ؛ لأنّه إذا لم يثبت رشد الشّقيق .. فالنّكاح صحيح على المعتمد في المذهب.

قال في «النّهاية» : (وكذا محجور عليه بسفه ؛ بأن بلغ غير رشيد ، أو بذّر في ماله بعد رشده ثمّ حجر عليه .. لا ولاية له على المذهب ؛ إذ لا يلي أمر نفسه ، فغيره أولى. ويصحّ توكيله في قبول النّكاح لا إيجابه) اه ، و «التّحفة» قريب منها.

وفي (الحجر) من الثّانية : (تصديق الوليّ في دوام الحجر ؛ لأنّه الأصل ، ما لم يظهر الرّشد أو يثبت) اه ، و «النّهاية» على مثاله.

ومتى كان الأصل فيمن يتصرّف عنه وصيه الحجر .. فالنّكاح صحيح على مقرّر المذهب.

وبفرض تسليم رشد الشّقيق .. يأتي ما نقله أحمد مؤذّن عن باحويرث ، فالعقد صحيح على كلّ تقدير ، إلّا أنّ للشّيخ أحمد مؤذّن كلاما آخر في «مجموع الجدّين» ، وحاصله : (أنّه وقع عقد في قيدون بغير كفؤ ، مع غيبة الوليّ ، وفرّق بينهم نائب الهجرين ، وسأل أحمد مؤذّن ، فأجابه بصواب ما فعل).
أحمد (١) ، وقرأ صحيح البخاري على الفقيه الطيب بن عبد الله بامخرمة وغيره ، وقرأ على الشريف حسين بن الصديق الأهدل العدة للجزري ، وأجازه الشريف المذكور إجازة عامة ، وقرأ على الفقيه يعقوب الحباني (٢) وكان له حسن ظن وعقيدة في متصوفة الوقت ، وحسن أخلاق ، وكرم نفس ، حج في سنة إحدى وتسعمائة فاستجاز من السيد الشريف السمهودي وغيره من فقهاء الحرمين الشريفين ، وصدر الى عدن في المحرم أو في صفر في سنة ٩٠٢ اثنتين وتسعمائة ، فأقام بها بعد وصوله سبعة أيّام صحيحا ، ثم حمّ ولم تزل به الحمى إلى أن توفي في أواخر شهر صفر الخير المذكور ، ودفن بتربة الشيخ جوهر في قبر جده القاضي محمد بن مسعود رحمه‌الله تعالى.

وفيها (٣) : توفي بشهر ربيع الثاني عبد الله [المعروف بالعمودي](٤) ابن عبد الله بن أحمد بامخرمة رحمه‌الله ، ولد بعدن سنة احدى وثمانين وثمانمائة ، وحفظ القرآن وله حوالى عشر سنين ، وكان فيه فهم وذكاء مفرط واشتغل على أخيه الفقيه أحمد في علم الحساب مدّة يسيرة ، وقرأ على والده وعلى أخويه أحمد والطيب ، وله معرفة باللغة والنحو ، وله ديوان شعر ، وشعره جيد جدا حج على قدم التّجريد ورجع إلى عدن وعزم إلى والده بالهجرين في طريق البر فلما وصل الى الهجرين وجد والده قد خالفه راجعا إلى عدن ، فأقام بالهجرين ، ثم رجع إلى عدن ، واجتمع بوالده ، ثم عزم إلى مكة طريق البر فدخل صنعاء وامتدح إمامها محمد بن الناصر (٥) بقصيدة فائقة ، ثم عزم إلى جازان وقد هيأ قصيدة عظيمة يمدح

______________

(١) يعني بامخرمة السابق ذكره.

(٢) كذا في الأصل وفي قلائد النحر «الجبائي».

(٣) قلائد النحر لوحة : ١٨٣.

(٤) في الأصل : (بعودي).

(٥) هو الإمام المؤيد بالله محمد بن الناصر محمد حكمه من سنة ٨٦٧ إلى سنة ٩٠٨ (أنظر أئمة اليمن : ٣٣٤).
بها الشّريف أحمد بن دريب صاحب جازان فمات بحرض قبل أن يصل جازان رحمه‌الله تعالى.

وفيها (١) : يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الآخر توفي الفقيه الصالح المعمّر جمال الدين محمد النور بن عمر الجبرتي من بقية أصحاب الشيخ اسمعيل الجبرتي عمره خمس وثمانون سنة ، ودفن ضحى يومها قريبا من ضريح شيخه رحمه‌الله تعالى.

وفيها (٢) : توفي الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الرحمن باصهي رحمه‌الله.

وفيها (٣) بشهر جمادى الأولى : توجه السلطان الظافر عامر بن عبد الوهاب إلى بلاد يافع لذنوب كثيرة سلفت منهم ، منها إنهم أتوا إلى خاله عبد الله بن عامر بن طاهر وحرضوه على حرب الظّافر ، فسار إليهم بجنوده سابع جمادى الآخرة ، فلما التقى الجمعان إنهزموا يافع هزيمة منكرة واستولى على حصونهم جميعا في أقرب مدة ، ولم يكن منهم أمر متعب مع كثرتهم واتساع بلادهم ودعاويهم العراض ، وكان استفتاح بلادهم من أسهل الفتوح ، ودخلوا عليه وأذمهم ، وساروا جماعة منهم تحت ركابه.

وفي (٤) تاسع عشر الشهر المذكور : لزم الشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر ، وقيد وأودع دار الأدب بتعز.

وفيها : ولد السلطان بدر بن عبد الله بن جعفر رحمه‌الله تعالى سنة أربع وتسعمائة.

وفيها عشية يوم الأحد الرابع عشر من شهر المحرم : توفي العلامة الشيخ الكبير المعمر شيخ الإسلام نجم الدين يوسف المقري بن يوسف

______________

(١) النور السافر : ٣٧ الفضل المزيد : ١١١.

(٢) النور السافر : ٣٧.

(٣) الفضل المزيد : ١١٤. وقلائد النحر لوحة : ١٨٨.

(٤) الفضل المزيد : ١١٦. قلائد النحر لوحة : ١٨٨.
ابونقطة وقال له الوزير لا اعطيت امر ولا بعطي امر لتسليمه لهم هذا ما علمته من محمود صالح، بعد ثلاثة اشهر من المعركة استدعاني الى مكتبه وقص لي بهذه القصة.

فضلي بار

انتسب لأرض أهل فضل التي عرفت قبل الاستقلال بـ (السلطنة الفضلية)، وكان المواطن الفضلي يخاطب سلطانه بكلمة (أبا) أي (والدي)، فإذا خاطب السلطان عبد الله بن عثمان الفضلي قال له (أبا عبدالله)، وهكذا كان يقول (أبا حسين) للسلطان حسين بن عبد الله الفضلي، و(أبا أحمد) للسلطان أحمد بن عبد الله الفضلي، و(أبا ناصر) للسلطان ناصر بن عبد الله الفضلي.

صعد الرئيس سالمين مبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لإلقاء كلمة بلاده عام 1973، واقتضت المناسبة حضور عدد كبير من قادة الدول، وتابع العالم كلماتهم. طيرت مصادر مقربة من الرئيس سالمين خبرا سمعته من أصدقاء محسوبين عليه، مفاده أن الشيخ (السلطان) أحمد بن عبد الله الفضلي (أحد سلاطين أهل فضل) الذي كان قد تمرد على البريطانيين وغادر البلاد، وشكل مع وطنيين آخرين (منظمة التحرير) في القاهرة عام 1965، وكان يتردد على الولايات المتحدة الأمريكية لاستيراد رافعات (كرينات) أمريكية مستخدمة إلى السعودية، وتزامنت فترة إحدى زياراته لأمريكا مع زيارة سالمين فانتهز الفرصة ليحادث سالمين هاتفيا.

حملت المحادثة دهشة السلطان أحمد أن سالمين- أحد بسطاء أهل فضل- أصبح رئيس دولة مساحتها (333) ألف كيلو متر مربع، ضمت ما كانت تعرف بمستعمرة عدن ومحمية عدن الشرقية ومحمية عدن الغربية.

لم يكن الشيخ أحمد مرتاحا من الخبر، إلا أن إجابة سالمين جاءت بهذه الصيغة الاستفهامية: «أبا أحمد، ألا يرضيك أن يكون حاكم البلاد من أهل فضل؟». اعترت الشيخ أحمد نشوة عارمة بأرض الفضلي وأهلها، ورد قائلا: «أفحمتني يا ولدي.. الله معك.. الله معك!».[
#حضرموت

وقاضي الخريبة الآن (١) هو الشّيخ عمر بن أبي بكر (٢) ، من آل باحويرث المذكورين.

ومن علماء الخريبة : الشّيخ الجليل المقدار ، عليّ بن عبد الله باراس الكنديّ (٣) ، المتوفّى في سنة (١٠٩٤ ه‍) وأولاده : أحمد ، ومحمّد ، وعبد الرّحمن (٤). وهؤلاء الثّلاثة كلّهم من مشايخ السّيّد الشّهير عليّ بن حسن بن حسين العطّاس ، ولهم ذكر كثير في مؤلّفاته و «ديوانه».

وكان الشّيخ عليّ باراس ورد حريضة على الحبيب عمر بن عبد الرّحمن العطّاس ، وهو على أجلف ما يكون من أزياء البادية وهيئتهم ، فتأدّب بالحبيب عمر ، وحصل له الفتوح في أسرع وقت ، مع أنّه كما قال العلّامة السّيّد أحمد بن حسن العطّاس : (لم يقرأ عليه إلّا بعض خطبة «بداية الهداية» للغزاليّ فقط) ، ثمّ إنّه استأذنه للحجّ .. فلم يأذن له ، ثمّ استأذنه أخرى .. فأذن له.

ولمّا كان بمكّة .. ذهب إلى السّوق لحاجة ، فألفاها مع امرأة مصريّة ، فأعجبته ، وأخذ يتأمّل في محاسنها ، فلم يشعر إلّا بضربة عصا على جنبه فعرف أنّ هذا تنبيه له من الله ، فثبّت قدمه على طريق الحقّ. ذكرها غير واحد ؛ منهم : الحبيب عمر بن حسن الحدّاد في «مجموع كلامه».

______________

(١) أي : سنة (١٣٦٦ ه‍).

(٢) الشّيخ عمر باحويرث من مواليد الخريبة ، وأخواله آل باجنيد ، طلب العلم بمكّة ، ولازم الشّيخ عمر بن أبي بكر باجنيد المكي ، ولم يغادر مكّة إلّا بعد وفاته سنة (١٣٥٤ ه‍) ، وكان مقرئا عنده في درسه ، وأخذ عن غيره من علماء مكّة ودوعن ومن أخص تلامذته : الشيخ الفاضل عمر بن علي بن جويهر ، المتوفى بالخريبة عام (١٤٢١ ه‍) ، وكان بقية من يزار بها من الصالحين.

(٣) ترجمته في «القرطاس» للحبيب عليّ بن حسن ، وفي «خلاصة الأثر» للمحبّي ، و «تاج الأعراس» للعطّاس. وله مصنّفات فائقة منها :

«شرح راتب العطّاس» أدرجه العلّامة الحبيب عليّ بن حسن العطّاس في شرحه الكبير المسمّى «القرطاس». و «الرّوضة الخضراء والدّرّة الزّهراء» ، شرح على قصيدة الشّيخ أبي مدين الّتي مطلعها :

ما لذّة العيش إلّا صحبة الفقرا

هم الملوك هم السّادات والأمرا

و «شرح الحكم العطائيّة» ألّفه بإشارة شيخه العطاس.

(٤) ومن أولاده أيضا : عبد الله بن علي.
ومن علماء الخريبة : الشّيخ العظيم المقدار ، عبد الله بن أحمد باسودان ، وهو الشّيخ الثّامن عشر من مشايخ سيّدي الأبرّ عيدروس بن عمر ـ حسبما في ترجمته في «عقده» ـ ، وقد توفّي بها في سنة (١٢٦٦ ه‍) ، وكان من العلم بالمكانة العالية :

تنميه أعراق صدق حين تنسبه 

ذي نجدة وعن المكروب فرّاج (١)

ساجي النّواظر من قوم لهم كرم 

تضيء سنّته في الحالك الدّاجي 

وقد ذكرت في «الأصل» من مناقبه ومناسبه ما يغني عن الإعادة هنا ، ولقد قال السّيّد عمر بن حسن الحدّاد : (كنت أقرأ على السّيّد محمّد بن حسين الحبشيّ أيّام كان يعلّم بتاربه تحت إشارة سيّدنا عبد الله بن حسين بن طاهر ، فلم يكن من الحبيب عبد الله إلّا أن قال لعمّي محمّد بن حسين ذات يوم : نحبّ أن يقرأ عمر بن حسن على الشّيخ عبد الله باسودان ؛ لأنّه أوسع علما منك ، فانقبض عمّي محمّد من قوله هذا له أمامي وأمام أولاده ؛ إذ كنت أقرأ عليه أنا وإيّاهم ، فلم تمرّ الثّامنة إلّا وجاء الشّيخ محمّد بن عبد الله باسودان لزيارة تريم ، فسرت معه إلى دوعن ، وقرأت على الشّيخ عبد الله ، وعلى ولده الشّيخ محمّد ، وعلى الشّيخ سعيد باعشن ، وعلى الشّيخ أحمد بن سعيد باحنشل وهو في سنّ الشّيخ عبد الله وقد كفّ بصره ، وكان قرأ في زبيد على سليمان الأهدل وولده عبد الرّحمن بن سليمان ، وأدرك الشّيخ الكرديّ (٢) ، وله حافظة قويّة) اه كلام الحدّاد.

وفي قول الحبيب عبد الله بن حسين للحبيب محمّد بن حسين : (إنّ الشّيخ عبد الله باسودان أوسع منك علما) فوائد :

الأولى : علوّ مرتبة الشّيخ باسودان ؛ لأنّ السّيّد محمّدا من أكابر علماء الحجاز ، وهو مفتي مكّة للشّافعيّة ، والشّيخ السّادس عشر للأستاذ الأبرّ ، فانحطاطه مع هذا عن

______________

(١) البيتان من البسيط.

(٢) هو محمّد بن سليمان الكرديّ المدنيّ ، صاحب «الحواشي المدنيّة» ، المتوفّى سنة (١٢٠٣ ه‍).
درجة الشّيخ باسودان يشهد لهذا بشأن جليل ومقام عظيم.

الثّانية : أنّ الحبيب عبد الله بن حسين يقول الحقّ ، فلا يحابي (١) ولا يوارب (٢).

الثّالثة : أنّ انقباض الحبيب محمّد بن حسين جار على ما يقتضيه الطّبع البشريّ عند مثله ، فهو غير ملوم في ذلك ، مع الاستكانة والاعتراف بالحقّ وعدم المكابرة فيه.

الرّابعة : لو لا تهذيب الحبيب عبد الله بن حسين لتلاميذه بهذا التّهذيب .. لما انتهى العلّامة السّيّد محمّد بن حسين وأمثاله إلى ما انتهى إليه من العلم والفضل.

الخامسة : أنّ الحقّ رائد القوم ، والإنصاف قطب رحاهم ، ونقطة بيكارهم ، رضوان الله عليهم.

وقد سمعت من والدي وغيره عن الأجلّاء الثّقات : أنّ الشّيخ محمّد باسودان كان أوسع من أبيه في الفقه ، وفتاويه شاهد عدل على ذلك.

وأخبرني الشّيخ محمّد بن سالم باسودان أنّ بعض العلويّين وردوا على الشّيخ عبد الله وسألوه عن ابنه محمّد .. فقال لهم : لا بأس به ، فاستثقلها ونذر الاعتكاف سبع سنين لدرس العلم في جامع الخريبة ، ووفّى بذلك ، فبحقّ يجيء فيه ما قاله الشّريف الرّضيّ في تسمّته لأبيه [في «ديوانه» ٢ / ٢١ من الطّويل] :

جرى ما جرى قبلي وها أنا خلفه 

أغذّ لإدراك المعالي وأوجف 

ولو لا مراعاة الأبوّة .. جزته 

ولكن لغير العجز ما أتوقّف 

ولكنّ هذا لم يتوقّف عنه بل جازه ، ولم يبق له من علم إلّا حازه ، توفّي (٣) بالخريبة في سنة (١٢٨١ ه‍) وبيتهم بيت علم وشرف ، وقد وزر الشّيخ بو بكر بن

______________

(١) حابى فلان فلانا : مال إليه.

(٢) يوارب : يخاتل ويخادع.

(٣) أي : الشّيخ محمّد ، وكان مولده سنة (١٢٠٦ ه‍) ، ترجمته في «تاريخ الشّعراء» ، وذكره الحبيب عيدروس في «العقد» ضمن ترجمة والده