اليمن_تاريخ_وثقافة
14K subscribers
150K photos
361 videos
2.27K files
25.3K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#ثورة_سبتمر_المجيدة
عيد باي حال عدت ياعيد

ذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962 اليمنية لكنها أيضا الأكثر حميمية في نفوس عامة اليمنيين، وإن كان فساد الأنظمة المتعاقبة منذ قيام الثورة قد أدى إلى خفوت حضورها المعنوي في نفوسهم، ثم عادوا للشعور بالخيبة والخذلان من كل الأحداث التي مرت بالبلاد وأغرقتها في المستنقع الراهن.
بعد أيام من مرور ذكرى سبتمبر كتب محفوظ البعيثي، نائب مدير شئون المحافظات بصحيفة الثورة اليومية الحكومية، أن مندوب جماعة الحوثيين تدخل في صياغة المواد التي جمعتها الصحيفة للعدد الاحتفائي بالثورة، وقام تحديداً بحذف توصيف الحكم الإمامي الذي قامت ضده بالكهنوتي والظالم، وحذف كذلك الحديث عن التخلف وانتشار الجهل والمرض في ذلك العهد. ذلك أن جماعة الحوثيين، التي أحيت الذكرى الأولى لاستيلائها على صنعاء (21 أيلول/سبتمبر 2014) تشعر بقرابة مناطقية ومذهبية مع الاماميين، وهم يتجنبون إجمالا أي إشادة بتلك الثورة والبعض منهم صرح باعتبارها انقلابا. 
لم يكن يوم الخميس 26 سبتمبر1962 عاديا في حياة اليمنيين، بل كان نافذة عبور زمني نقلتهم مباشرة من حياة القرون الوسطى إلى عتبات العصر الحديث، وبدأ بعدها فقط تأسيس نظام تعليمي وجهاز إداري للدولة مهما كانت أخطاؤها وبدائيتها، لأنها انطلقت عملياً من الصفر، ومن يعرف أوضاع اليمنيين قبلها سيدرك أنها كانت تحقيقا لحاجة اجتماعية وسياسية، وكانت أول تحرك اجتماعي في شبه الجزيرة العربية ضد احتكار الحكم، والتخلص من الكهنوت الحاكم باسم الله بأسوأ الأساليب وأكثرها بدائية وبعدا عن العصر. ولهذا وجدت نفسها منذ اليوم الأول في مواجهة قوى المحيط الإقليمي والمحيط القبلي لصنعاء أيضا، في ظل قطبية الصراع الإقليمي بين الرياض والقاهرة، ورفض الرياض أي تغيير في هرم السلطة على حدودها الجنوبية، ليس حبا في الأئمة ولا دفاعا عنهم وإنما خوفا من انتشار عدوى الجمهورية شمالا. ورغم الأخطاء التي ارتكبت باسمها وكيفية الغدر بها إلا أنها تظل ثورة مهمة في تاريخ اليمنيين الحديث.
لم تتخل السعودية عن الدعم الشامل لبقايا الملكيين إلا بعد اطمئنانها لتسليم زمام هذا التغيير الجوهري إلى يد القوى غير الثورية، والشخصيات الموالية لها والمتظللة بمظلة الجمهورية الوليدة دون الإيمان بمبادئها، وبعد التخلص من الثوار السبتمبريين بأكثر من طريقة وبأكثر من وسيلة حتى العام 1970، حينما بدأ ما عرف بالمصالحة الوطنية التي فرضت إعادة بعض رموز دولة الإمامة للمشاركة في حكم دولة الجمهورية الجديدة  في شبه الجزيرة. وتسلمت حينها الرياض ملف اليمن لتتحول إلى المتحكم الفعلي حتى بمصير الحاكمين لصنعاء، فاتخذ مسار ثورة سبتمبر إلى طريقا جديدا حقق انتصار الرياض وحلفاءها على أرض الواقع، بينما وفي الظاهر حوفظ على انتصار نظريا  الثورة التي نشدها الناس أمام الرأي العام بعد إفراغها من مبادئها الجوهرية وبذر بذرة صراع غير محدود بين أجنحتها الثورة أغرق اليمن في حروب متوالية وأزمات مستمرة حتى اللحظة، وتخلص عمليا من أي حضور لسلطة الدولة وسيادة القانون كما حدث منذ اغتيال الرئيس ابراهيم الحمدي.
نصت أهداف ثورة سبتمبر على إيجاد مجتمع ديمقراطي عادل. لكنّ كل الرؤساء الذين صعدوا إلى السلطة باسمها جرّموا الحزبية والتعددية السياسية، التي اعتبرها القاضي الإرياني (1967-1974) تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة، أي أنّ الأحزاب مجرد امتداد لقوى خارجية وليست كيانات محلية، وأنها مصدر خطر فكري وثقافي على البلد. وتحت هذه الذريعة تم التخلص من- أو إقصاء- كل من خالف هذه القاعدة. وأودعت القاهرة قد وفدا يمنيا رفيعا في سجونها عام 1966 لأنهم عارضوا رغبة إبقاء الرئيس السلال في السلطة، ولم تفرج عنهم إلا بعد هزيمة 1967، أي أن اليمنيين كانوا مجبرين على إرضاء الرياض أو القاهرة قبل أن تتحكم الرياض بكل خيوط اللعبة لاحقا .
قبل وصول الرئيس السابق (علي عبد الله صالح) إلى السلطة في تموز/ يوليو 1978، وحكم الجمهورية العربية اليمنية (الشطر الشمالي من اليمن حينها) 4 رؤساء، تمت إزاحة اثنين منهم فيما يمكن وصفه بالانقلاب الأبيض واغتيال الاثنين الآخرين. ولم يكن أي من الانقلابين والاغتيالين حدثين وطنيين بل كانت جميعها ذات ارتباطات إقليمية مباشرة. وبعد 33 عاما من حكم صالح، وقبل أسبوع واحد من انتخاب خليفته الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، ظهر للعلن ما سمي ب"الوثيقة الفكرية للزيدية"، وتبناها في وقتها عبد الملك الحوثي، وهي أعادت حصر الحكم في "البطْنَين" (أبناء الحسن والحسين) في دلالة رمزية على الرغبة بتخطي مبادئ وأهداف ثورة سبتمبر 1962 التي كسرت أدبيات التمييز الطائفي، واحتكار حق الوصول إلى السلطة في فئة محدودة من المجتمع.
بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء (أيلول/ سبتمبر2014) تحولت مواقف الشارع والنخب اليمنية تجاه ثورة "سبتمبر 1962" من تفاوت درجة الثورية إلى إعادة تحديد موقف من الثورة ذاتها.

وظهرت أصوات تتساءل فيما إذا كان ما حدث ثورة بالأصل
. و
رغم عدم نجاحها في تحقيق أهدافها عمليا إلّا أنها وضعت القدم الأولى على الطريق الصحيح ورسمت معالم ذلك الطريق ولو تمت إزاحتها عن سلوكها كما رسم لها قادتها وهم مجموعة من الضباط الشباب الذين بحثوا عن التغيير دون السعي لكونهم البديل في حادثة لم تتكرر في التاريخ اليمني بعدها وهو ما استغلته القوى التقليدية للتخلص منهم وقتل أكثرهم في جبهات القتال ضد الملكيين، بينما تربع أولئك على سدة القرار سواء من داخل الأطر الرسمية أو من خارجها.
كسرت ثورة سبتمبر قيودا متعددة الحلقات كبلت اليمن جسدا وروحا لقرون، كما أنها بعثت الروح الجديدة في أطراف ذلك الجسد وكان القادمون من مناطق الجنوب اليمني (المحتل من بريطانيا حينها) للقتال دفاعا عن صنعاء هم ذاتهم من فجروا ثورة أكتوبر 1963 ضد الاستعمار الانجليزي للجنوب، وأصبحت صنعاء وتعز حواضن الكفاح لتحرير عدن وأخواتها الخمس جنوبا.
حدث كل ذلك عميقا في مخيلة اليمنيين الذين عرفوا اليمن لقرون عبر الضرائب القسرية في ظل حكم الأئمة دون أيّ حضور حتى للحديث المهم  "لا فضل لعربي ولا أعجمي"، ولا حتى بشكل خجول في الأدبيات الحالمة للسلطات الثيولوجية. وقد أدى ذلك العمى العاطفي إلى تسلّق قوى رمادية ليست جمهورية وليست ملكية استطاعت التخلص من الطرفين، جمهوريين وملكيين، لتصعد إلى السلطة دون استحقاق.

حاول اليمنيون الخطو خطوة جديدة في 2011 وتحويل سبتمبر إلى ما كانوا يأملون في 1962، لكنّ الحروب التي نتجت لاحقا أعادت تعريفاتهم وانتماءاتهم بناء على هويات أكثر قدما وبدائية، وبالرغم من الاعتداء المتكرر والمتنوع عليها. وبالرغم من ذلك ظلت ثورة سبتمبر 1962 بوصلة اليمنيين الأهم والأسمى، كما ظلّت معياراّ نادرا لقياس يمنيّتهم وتعسكرهم مع المستقبل أو ضده. 
لم يستقر اليمن الجمهوري الديمقراطي حتى اللحظة، ولم تتحقق من أهداف ثورته الأمّ سوى أنها وضعت أقدامهم على الطريق وفتحت أعينهم على الغاية، وكرست العدالة والمساواة والحرية كمفردات في خطابهم اليومي، وغاية لغد لم تتضح ملامحه بعد.  وحتى ذلك الحين، ستظل سبتمبر كالنهر، يمشي بتعرج وضلال وغياب بصيرة أحيانا. لكنه حتماً لا يرجع للوراء بغض النظر عن طبيعة الأنظمة والسلطات والقوى
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#ثورة_سبتمر_المجيدة

مضى نصف قرن ونيف على ثورة 26 سبتمبر 1962م، فكيف نستقرئ مسيرتها بعد هذه المسافة الزمنية حدثا وفكرا وصيرورة؟!

ستة وخمسون عاما هي عمر جيل وقليل أيضا، فلو كانت الثورة إنسانا لكان اليوم جَدا، له أبناء وأحفاد، ولكان اليوم في قوة الرجولة،مفاخرا بأبنائه وأحفاده بين يديه.

ثورة 26 سبتمبر..من أي نبع تدفقت؟ وفي أي اتجاه انسربت؟ هل أخفقت أو نجحت؟ ما أسباب الإخفاق؟، وما ملامح النجاح؟ هذا ما تجيب عنه السطور التالية..

أقول: ثورة 26 سبتمبر 1962م الانفجار الأعظم، والتتويج الأكبر لنضالات اليمنيين ضد سلالة الكهنوت الإمامي البغيض، وكانت خاتمة لثورة 48 وانقلاب 55 وحركة 59 وانتفاضة 61م في القرن العشرين، ناهيك عما سبقها من انتفاضات وتمردات أخرى على نظام الحكم الإمامي منذ العشرينيات، أو ثورات اليمنيين ضد الأئمة قبل ذلك. فهذه هي منابعها الأساسية وروافدها الأولية التي سقتها وغذتها.

صحيح أن ثورة 48 فشلت؛ لكنها فتحت كوة الضوء في جدار العتمة، وبعثت على التساؤلات الجدلية في أوساط العامة عن طبيعة الحكم ومقارنته إلى الأنظمة العربية الأخرى القائمة آنذاك، إضافة إلى أنها كسرت الهالة الدينية التي كان الإمام يحاول صبغها على شخصه، بأنه ابن السماء، وأن الرصاص لا يخترق جسده، فلما اخترقت رصاصات القردعي جسده سرعان ما سقط زيف الدعاية الكاذب.

 وبدأت نخبة صنعاء وذمار وإب وتعز والحديدة تتحدث في مجالسها الخاصة عن ظلم الإمامة وكهنوتها، وعن ضرورة الإصلاح السياسي، كما رفعت النخبة المستنيرة أصواتها عالية بضرورة تغيير نمط الحكم بكامله لا مجرد الإصلاح الذي يشبه الترقيع من وجهة نظرها، والأمر كذلك حقا. وشكل مذياع صوت العرب من القاهرة مدرسة في الوعي والتثقيف من بداية الخمسينيات حتى قامت الثورة.

وعمق انقلاب 55م بقيادة الثلايا تلك التساؤلات أكثر في أوساط الجيش والمتعاطفين معه، وإن فشل الانقلاب المستعجل وغير المدروس كما فشلت قبله ثورة 48 الدستورية التي كانت منقطعة إلى حد كبير عن عامة الناس، مقتصرة على النخبة فقط. وجاءت حركة سعيد فارع عام 59م ثم تمرد حاشد تعزيزا لجدليات عقد من الزمن، فبدأ صنم الإمامة يتهاوى، ليتطور الأمر بانتفاضة طلاب صنعاء الأكثر شجاعة وانطلاقا، بوعي جديد متشكل من ثقافة بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق التي كانت قد تسربت عبر الصحف والمجلات والكتب إلى صنعاء، وكان أكثرها تأثيرا ثورة يوليو المصرية بثقافتها الجديدة وأصواتها الصاخبة.

هذا عن النبع الذي تدفقت منه، كخلفية ثقافية للحدث، باعتبار الثورة في الفكر وفي الذهن قبل أن تكون في الواقع، وباعتبار الثورة قلما وكتابا قبل أن تكون مدفعا وبندقية؛ إذ الوعي بالثورة يسبق الثورة نفسها.فما المسارب التي تمشت فيها؟ والمصبات التي انسربت إليها؟

لكل ثورة أو حدث حامله الأساسي وقائده الذي يرفع شارة النصر، وكان تنظيم الضباط الأحرار مسنودا بالشعب هو مفجر نبع الثورة في فصلها الأول، مدعوما من جمهورية مصر العربية، لأن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القائمة آنذاك، وفي صورته البدائية، فلا أحزاب سياسية، ولا منظمات مجتمع مدني، ولا جامعات ولا اتحادات ثقافية أو سياسية، الدولة أشبه بسوق شعبي يتحكم فيه “ابن السماء” يقود الجند ويوزع أصواع البر والشعير على حد سواء، يقابل سفراء الدول وقادتها ويشرف بنفسه على شراء لجام البغلة التي يركبها. يقضي بين الناس، ثم يكتب التمائم والتعاويذ للمرضى، كما أشار إلى ذلك الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه “مغامرات مصري في مجاهل اليمن”..كل شيء بيد الإمام.!ومن دعاه لفكرة عصرية أو للإصلاح فالرد جاهز: تريدوننا أن نتشبه بالنصارى؟ إلى حد أن شراء أي مواطن لجهاز الراديو في عهد الإمام يحيى كان لا يتم إلا بإذن منه شخصيا، كما ذكر ذلك القاضي الإرياني في مذكراته..!

هبت رياح الثورة، فكان كل مواطن ثورة بذاته، عدا الجهلة من الأتباع حول العاصمة صنعاء الذين شكلوا ــ بجهلهم ــ عقبة في طريق الثورة، تجاوزتها إرادة اليمنيين بعد ذلك.

بعد هذه المقدمة.. لنا أن نتساءل: كيف عادت الإمامة من جديد بعد ما يزيد عن خمسين عاما على قيامها؟ ما هي بذور الخلل في الثورة التي جعلت قرون الشياطين تطل من جديد؟!

 1ــ إنسانية ثورة 26 سبتمبر المفرطة

من المعلوم أن للثورات والانقلابات لغتها الخاصة ومنطقها المختلف، بحكم استثنائية اللحظة، إذ تتخذ ــ في الغالب ــ منطقا حديا لا يقبل المساومة أو أنصاف الحلول؛ لأن التراخي في لحظات الجد يفضي إلى صناعة مشهد من الهزل يترتب عليه سيل من الدماء وتلال من الجماجم، وهو ما كان حقا اليوم..ولو تأملنا في تفاصيل ثورة الباستيل في فرنسا لرأينا تلك اللغة الحاسمة والحدية في التعامل مع الأعداء؛ حيث يقتضي الموقف القضاء الكلي على العدو، لا مهادنته أو ممالأته. فطبيعة الأنظمة الجمهورية التي تتولد من أنظمة رجعية كهنوتية تشبه عملية استئصال السرطان، إذ تقتضي مصلحة المريض القضاء كليا على كل شعيرات السرطان في العضو الذي يسكنه المر
ض، لأن بقاء شعيرة سرطانية واحدة فقط بعد العملية يفضي إلى انتشار الداء من جديد. وقد رأينا شعار الثورة نفسها: “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس” بل لقد كان مبدأ “روبسبير” نفسه يقول: “لا أحد بريء..أعدموه”. فكانت هذه الحدية ــ على الرغم من بعض الأخطاء المصاحبة ــ عاملا من عوامل نجاح الثورة.

نموذج آخر.. الثورة البلشفية في روسيا التي اتخذت منطقا أكثر حدية في التعامل مع القياصرة، إلى حد أنها كانت تتحسس الأكف الناعمة لقطعها، وقطع رؤوس أصحابها، مقابل الإبقاء على الأكف الخشنة من “البروليتاريا”. وفي علم القاصي والداني أن روسيا انتقلت فورا من ظلام العصور الوسطى التي كانت تعيشها مطلع القرن العشرين إلى واحدة من الدول العظمى بعد هذه الثورة بعقود قليلة جدا، بفضل تلك الصرامة في التعامل مع العدو الذي أنهكته حد التدمير، ولم تبق لها عرقا ينبض، فأعدمت الملايين بحق وبدون حق.

وللقارئ أن يتخيل أن جل من تم إعدامهم من النظام الإمامي السابق في ثورة سبتمبر 37 شخصا فقط لا غير..!حسب وثيقة يتداولها أعداء ثورة سبتمبر أنفسهم، رافعين عقيرتهم بها..! ولا ندري ما ذا نقول عن ثورة جل قتلاها 37 خصما..! فأي تسامح هذا؟ بل أي سذاجة هذه؟!!

هذه الإنسانية المفرطة كانت خللا كبيرا مع خصم غير شريف، ارتد على الفور، مستغلا سماحة خصمه.

 2ــ الثورة المضادة

بفعل الظروف الخاصة باليمن وثورتها آنذاك، ومن بينها حالة التسامح الساذجة لم تكن ثورة اليمن حاسمة كثورة يوليو المصرية، أو أي ثورة أخرى، بل امتد بها العمر ثماني سنوات في حرب أهلية طحنت الأخضر واليابس، وكل بلاد اليمن يباس حينها، ثورة مضادة تمتلك مقومات الدولة التي استحوذت عليها، بما في ذلك المال الذي جنته قبل ذلك واعتمدت عليه في شراء الولاءات القبلية وتشكيل العصابات، في الوقت الذي جاء الثوار من مكاتبهم كموظفين لا يمتلكون إلا الحد الأدنى مما كان يطلق عليه “معاشا” شهريا يكفي لسد الرمق لا أكثر. فأعاقت الثورةُ المضادة ثورةَ الشعب عن الأمن فالشروع في البناء فورا، وتسببت في استنزاف مقدرات الدولة لصالح تثبيت أركان الجمهورية على حساب صناعة التنمية. أضف إلى ذلك أن بعضا منهم قد أعلن موالاته للجمهورية والنظام الجديد، فدخلها تقية، ولكن لينخر جسدها من الداخل.

 3ــ الاغتيالات السياسية

كانت الإمامة من وقت مبكر تعرف خصومها الاستراتيجيين على وجه الدقة. فعمدت على اغتيالهم والتخلص منهم فورا، وأبرز هؤلاء: الشهيد علي عبدالمغني، دينامو تنظيم الضباط الأحرار ورأسه المدبر، وأيضا الشهيد محمد محمود الزبيري، وقبلهما الشهيدان: اللقية والعلفي، وهؤلاء كانوا الأكثر وعيا وثقافة وفكرا، والأكثر إدراكا لخطر الإمامة، خاصة عبدالمغني والزبيري؛ لذا عمدت الإمامة على تصفيتهم والتخلص منهم من وقت مبكر، وبقي الخصوم أو الأعداء التقليديون، أو الأقل إدراكا للإمامة وخطرها. مع الإشارة هنا إلى عدم التهوين من شأن أي مناضل سبتمبريبذل جهده وماله في سبيل القضية الوطنية.

 4ــ الخلافات البينية داخل الصف الجمهوري

أجمع الثوار على الثورة، وعلى النظام الجمهوري، بلا استثناء؛ لكنهم اختلفوا من اليوم التالي في إدارة هذا النظام، وانشق الصف الجمهوري فورا إلى تيارين: الراديكالي العسكري بقيادة السلال ومعه تنظيم الضباط الأحرار، مدعوما من النظام المصري، والتيار الآخر: تيار المحافظين الذي تزعمه الزبيري والنعمان ومعهما الشيخان: الأحمر وأبو لحوم الذين عارضوا بقوة طريقة إدارة السلال وتدخلات المصريين في الدولة، وخرج الزبيري مغادرا صنعاء إلى عمران، وهناك أسس “حزب الله” كواجهة سياسية للمعارضة، وكان المصريون فعلا هم من يدير الشأن اليمني كاملا، وكانت الخلافات بين التيارين حدية وصارمة، على صدق جمهورية الطرفين معا، وإجماعهم بلا استثناء على كره الإمامة ونظامها الكهنوتي. وتعبيرا عن وجهة نظره فقد نظم قصيدته الشهيرة “الكارثة” وهي القصيدة الوحيدة التي نظمها بعد ثورة 26 سبتمبر، وفيها مخاطبا السلال:

البدر في الجرف تحميه حماقتكم  وأنتم مثلما كنتم له حرس

لولاكمُ لم يقم “بدرٌ” ولا “حسنٌ” ولم يعد لهما نبض ولا نفَسُ.

معرضا بالرئيس السلال الذي كان قائد حرس الإمام البدر قبل الثورة.

والواقع أن هذين التيارين من عسكريين وقبليين ومثقفين كانوا يفتقدون جميعا لتجربة العمل السياسي، بحكم احتكار الإمامة لمناصب السياسة فيما بينها داخل الأسرة الواحدة فقط، ولا يسمحون للقبائل بالاقتراب منها إلا في القضاء أو الجندية فقط، وكانت الجندية والقضاء تابعين لتوجيهات الإمام لأن الإمامة أصلا لم تعرف نظام المؤسسات ولا نظام الدولة الحديث. فكان لهذا السبب انعكاسه المباشر عقب الثورة.

 5ــ انقلاب خمسة نوفمبر

كان انقلاب خمسة نوفمبر 1967م أحد نتائج الخلافات الجمهورية الجمهورية نفسها، بين السلال ومناصريه من جهة، وبين المشايخ ومعهم بعض المثقفين من جهة أخرى. وقد انسد الأفق بين الصف الجمهوري الواحد. وبقدر ما كان انقلاب خمسة نوفمبر حلا للطرفي
ن الجمهوريين المتصارعين كان أيضا أول مسمار في نعش الجمهورية، ذلك لأن قيادة الصف الجمهوري الراديكالي قد تراجعت، مقابل تقدم التيار التقليدي المحافظ بزعامة الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني الذي لم يكن غير واجهة سياسية فقط؛ في الوقت الذي تسلط المشايخ والنافذون على مؤسسات الدولة وجيروها لمصالحهم الخاصة، حتى بدا كل شيخ إماما برأسه، وهو ما عبر عنه البردوني شعرا بقوله:

والأباة الذين بالأمس ثاروا  أيقظوا حولنا الذئاب وناموا

ربّما أحسنوا البدايات لكن هل يحسّون كيف ساء الختام؟

وبمقدار ما تصلب السلال سابقا في رفض أي مصالحة مع الإمامة وعودتهم أو التفاوض معهم، أبدى “النوفمبريون” بعض المرونة تجاه الإمامة باستثناء بيت حميد الدين فقط، وانتهت الحرب بمصالحة سياسية عام 1970م. ومن هنا تسلل الإماميون من جديد إلى وبصورة رسمية في دوائر الحكم، بل في المجلس الجمهوري؛ حيث كان أحمد محمد الشامي عضوا فيه، كما كان هناك أعضاء آخرون في الحكومة وفي مختلف الدوائر الرسمية، يتحوصلون بصمت، ويعملون بهدوء من أجل استعادة “الحق الإلهي”..!وظلوا ممسكين بزمام القضاء والأوقاف حتى اليوم بالقوة تارة وبالاستحواذ تارة أخرى؛ إضافة إلى تغلغلهم في مناصب الدولة المهمة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثورة 26 سبتمبر حين قامت كان التعليم حكرا على الإماميين والقضاة وبعض التجار الميسورين فقط، ويكاد بقية الشعب كله أميا، فكان الإماميون هم المستفيدون من الثورة؛ ذلك أن الجهاز الجديد للدولة تطلب كفاءات جديدة ونوعية قياسا إلى شروط تلك المرحلة، فلم يكن غيرهم المتعلمون، عدا قلة قليلة من أبناء الشعب، فاستغلوا مناصب الدولة الجديدة تحت شعار الجمهورية كما استغلوا مناصب الدولة سابقا تحت راية الإمامة والحق الإلهي..! وهكذا فقد أخرجهم الشعب من النافذة؛ لكنهم عادوا من الباب، ومارسوا من الفساد في عهد الجمهورية أضعاف ما مارسوه قبلها لتشويه صورة الحكم، فكان انقلاب 13 يونيو 1974م الأبيض ضد القاضي الإرياني.

 6ــ جهل القيادة السياسية بخطر الإمامة

منذ بداية فترة حكم علي عبدالله صالح وحتى انتهائها في فبراير 2012م فما بعدها أيضا نستطيع القول أن ثمة بلادة سياسية وغباء تاريخيا بحقيقة الإمامة وخطرها على اليمن أرضا وإنسانا غلب على ذهنية هذه النخبة سلطة ومعارضة، ولذا ــ ورغم براعة علي صالح التكتيكية ــ إلا أنه دفع رأسه في الأخير ثمنا لذلك الغباء والمكر معا، حين غض الطرف عنهم من وقت مبكر، وهم يعبثون بأمن الدولة وسيادتها، ثم تحالف معهم صراحة عقب مغادرته للسلطة انتقاما من خصومه السياسيين، اللقاء المشترك وثورة 11 فبراير 2011م. من ناحيتها أيضا نجد أدبيات الاحزاب السياسية فارغة وبرامجها التثقيفية تكاد تخلو من التنبيه لخطر الإمامة على الشعب اليمني، وهو خطر وجودي في الأصل، بل إن الصراع معهم صراع وجود وصراع حياة. ومع هذا فلم يستشعروا الخطر من وقت مبكر، ليتفاجؤوا بهم كالقرود التي تلتهم المزارع، منقضين على مؤسسات الدولة، بل لقد غزوا حتى غرف النوم، في أبشع تصرف همجي لا مثيل له إلا أفعال آبائهم وأجدادهم التي لم يقرأ عنها الساسة للأسف.

منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي أعلن أحد كرادلة النظرية الإمامية تمسكهم بمشروعهم التاريخي شعرا بقوله:

أخبروا فهدا والقصور العوالي  أننا نخبة كرام فوارس

سنعيد الإمامة للحكم يوما  إن بثوب النبي أو بفكر ماركس

فإن خابت آمالنا بالعراق ونجد   فلنا أخوة كرام بفارس

لقد كان مشروعهم واضحا معلنا عنه، فيما كان الجمهوريون في غفلة الجهل سادرين، وكأن قيادتنا الجمهوريين خلال الفترة الماضية لا تقرأ التاريخ السياسي ولا الفكري لهذه الجماعة.

هذا ما يتعلق بالأسباب الداخلية، وهناك عوامل إقليمية ودولية ساعدت هذه الجماعة على الانقضاض على النظام الجمهوري، وإن أبقت عليه شكلا، وأيضا تدمير مؤسسات الدولة، في إطار خطط دولية كبيرة، لما تتكشف ملامحها كلية حتى الآن
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
الأربعاء الموافق: «٢٦ سبتمبر ٢٠١٨م
اجري حوارا مطولا مع المناضل الكبير وأحد أهم ركائز ثورة ٢٦ سبتمبر المفكر؛؛

محمد عبد الله #الفسيل

. تطرق فيه الى تفاصيل كثيرة عن احداث ثورتي «١٩٤٨م - و١٩٦٢م» وما رافقتها من احداث وتقلبات، وكذا ما اعقبها من تحولات .. كما استعرض مجريات وتحولات الحاضر بكل تفاصيله.

الحوار اتسم بالجرأة والصراحة .. وشمل قراءة تحليلية عميقة ودقيقة لمجمل التحولات التي تشهدها الساحة اليمنية

هو أحد المناضلين المشاركين في الحركة الوطنية، وأحد مؤسسي حزب الأحرار والجمعية اليمنية الكبرى بزعامة الشهيد محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان ابتداء من عام 1944م .. ساهم مع الأحرار في ثورة ١٩٤٨م الدستورية، وسجن في عهد الإمامة لمدة «١٣» عاما.

شارك مشاركة فعالة في ثورة ١٩٦٢م الجمهورية، وكان أول من كتب وقرأ البيان الأول للثورة في إذاعة صنعاء .. تولى مناصب رفيعة في الدولة منها سفيرا لليمن في كل من: «الصومال، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وألمانيا الشرقية، والعراق»، كما عمل مستشارا سياسيا للرئيس إبراهيم الحمدي، وكان من المقربين في بداية عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح .. انتخب عضوا في مجلس النواب عقب إعلان الوحدة اليمنية.

شارك في صياغة دستور الجمهورية اليمنية، كما شارك في صياغة الميثاق الوطني للمؤتمر الشعبي العام، وكان عضوا فاعلا في اللجنة الدائمة للمؤتمر، ثم استقال نتيجة رأيه المخالف للحكم الشمولي، ولكنه استمر ناصحا ومعارضا حتى اليوم، كما شارك في ثورة فبراير 2011م الشبابية.

هو كاتب وشاعر وأديب، له العديد من الكتب والإصدارات السياسية أهمها كتاب «رسائل إلى الرئيس - كيف نفهم القضية الوطنية - نحو النور - ودموع وآلام - أراء في الحياة - وبين الشك واليقين» وكان قد أصدر كتابا في بداية حياته عن الإمام يحيى بعنوان «الرجل الشاذ» .. وحاليا على وشك الانتهاء من كتابة مذكراته .. انه الأستاذ المناضل والقامة الوطنية المعروفة محمد عبد الله الفسيل .. التقيناه ودار بيننا الحوار التالي:

واليمنيون يحتفلون اليوم بالعيد الـ «٥٦» لثورة الـ ٢٦ من سبتمبر الخالدة، وباعتبارك أحد المناضلين الذين أسهموا بشكل فاعل في تفجير ثورة ١٩٤٨م الدستورية وثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م المجيدة؛ نسألك أولا: ماهي الاسباب والدوافع التي قادتكم لتفجير ثورة ١٩٤٨م الدستورية، وكيف كانت انطلاقتها؟

- الأسباب تخلف الإمام يحيى وظلمه وطغيانه وتعسفاته واستبداد نظامه، هذه الأسباب جميعها دفعت الطلائع المستنيرة من الشعب اليمني إلى محاولة التغيير وأنا واحدا منهم، وقد كانت هذه المحاولة مبكرة جدا لأنها كانت محصورة في طلائع مستنيرة بسيطة بينما الغالبية العظمى من الشعب كانت مخدرة ومضللة وخانعة ومستسلمة، لكننا كمستنيرين قررنا حينها أن لا بد أن نناضل حتى نحرر تلك الملايين المضللة والمخدرة من كابوس الظلم الواقع عليهم، لذلك بدأنا بمطالبة الإمام يحيى بضرورة عمل إصلاحات، وقد اقتصرت مطالبنا تلك في رفع «خطاط» العسكر من بيوت الرعية، وأن تكون الزكاة أمانة، وأن يحسن ظروف الموظفين والعسكر والجيش، وأن يوظف أموال الشعب في بناء المشاريع الخدمية وفتح المدارس والطرقات والمستشفيات بدلا من أن يكنز تلك الأموال في منزله، بمعنى أن مطالبنا كانت بسيطة، ولم نصل لمرحلة المطالبة بإصلاح نظام الحكم، وكنا حينها نريد تحسين الظروف دون التدخل في سلطة الإمام، وعلى الرغم أنه اعتبر من أذكى الأئمة الذين حكموا اليمن إلا أنه كان بخيلا، والبخل يجعل البخيل يعتقد أن الناس يكرهونه فيبادلهم الكراهية، وبالتالي كان الإمام يحيى يحتقر الناس ويبغضهم لأنه يعتقد أنهم يكرهونه، ولذلك تحول إلى طاغية، حيث كان يظلم الناس ويفترض فيهم الشر مسبقا، وقد رفض الإمام جميع تلك المطالب.

آخر محاولة مع الإمام يحيى كانت من الشهيد محمد محمود الزبيري في عام ١٩٤٢م، حيث كان الزبيري في مصر هو والأستاذ النعمان وقد أنشأوا «منظمة الشباب اليمني» ومعهم محمد علي الجفري والصافي من الجنوب، وكانوا حينها يكتبون مقالات وينشرونها في بعض الصحف مثل صحيفة الشورى الفلسطينية وصحيفة الصداقة، وبعدها قام الزبيري بصياغة نظام أساسي، وأسس جمعية جديدة باسم «جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وقد أراد بهذا الاسم أن يتخاطب مع الإمام وفقا لعقليته، وبعد كتابة النظام الأساسي قام بعرضه على الأستاذ النعمان، وقال له: خلاص أنا قررت أخرج اليمن وأحاول اقنع الإمام بمنطقه الديني لعمل إصلاحات، لكن النعمان قال له: «الإمام عقليته منغلقة ومستحيل يقبل»، ونصحه أن لا يتعب نفسه، وقال له إذا كان ولا بد أن نخرج فلنذهب إلى ولي العهد في تعز لأني أعرفه وبيننا مراسلات، لكن الزبيري أصر على رأيه ورجع اليمن وطلب مقابلة الإمام، وعندما قابله حاول الإمام إهانته، حيث سلم عليه وقال له اجلس هناك وأشار له لمكان بعيد بحيث لا يجلس بجواره، ثم عرض عليه نظام الجمعية، وقال له: هذه يا مولانا دعوه للإصلاح عن طريقكم وأن
تم من ستنفذونها وستستفيدون وتفيدوا الناس، وللأسف لم يلقِ الإمام له بالا بل إنه حقد عليه وأمر بسجنه في منطقة «وشحة».

* كيف انتقلتم بعد ذلك إلى تعز حيث مقر ولي عهد الإمام؟!

- بعد ذلك الأستاذ النعمان من مصر إلى تعز، ثم خرج الزبيري من السجن، وبدأوا هناك محاولاتهم مع ولي العهد الوزير، حيث إن الأستاذ النعمان كانت تربطه علاقة وطيدة بولي العهد، ثم راحوا يحفزون ولي العهد من أجل يعمل إصلاحات، فكتبوا له القصائد الحماسية والمدح واستمروا لفترة، وانظم لهم مجموعة من المثقفين، وبعدها في عام «١٩٤٣م» اتصل بي أحمد الشامي وكان صديقي، ونزلت إلى تعز وانضممت إليهم، وقابلت حينها ولي العهد وأصبحت واحدا من الشعراء التابعين له واستمرينا لفترة، وفي إحدى المرات كلفونا بأن ننزل لجمع الزكاة من المواطنين، وفعلا توزعنا كل واحد ذهب إلى مديرية من مديريات تعز، وهناك اكتشفنا الكارثة والظلم الفظيع الواقع على الناس الفقراء وحالة البؤس التي يعيشونها، بعد ذلك عاد النعمان إلى صنعاء لزيارة أهله ثم التقى بالزبيري وهربوا إلى عدن، وكان ذلك في العام «١٩٤٤م» ولحقهم بعدها الشامي والموشكي، وكان قد سبقهم مطيع دماج ومحمد ناجي القوسي، أنا حينها كنت في السجن حيث أمر الإمام بسجني في قلعة دار النسر بجبل صبر وذلك دون أي ذنب، خصوصا أنني لم تكن لي اهتمامات سياسية، وفي العام ١٩٤٥م أطلق سراحي من السجن، ووصلتني رسالة من الزبيري طالبني فيها باللحاق بهم إلى عدن للمشاركة في حركة الأحرار، وفعلا سافرت إلى عدن وبقينا فيها حتى أسقطنا الإمام يحيى.

* ماهي الأسس التي وضعتموها لثورة ١٩٤٨م الدستورية؟ وماهي أسباب فشلها وعدم تحقيقها أهدافها؟!

- في الحقيقة نحن سعينا من خلالها لتغيير الإمام، وقمنا بعمل ميثاق وطني دستوري، وتم الاتفاق مع عبد الله الوزير بأن يتولى الإمامة، لم نفكر بإعلان نظام جمهوري؛ لأن الشعب منغلق ولا يعرف معنى الجمهورية حينها وكان من الصعب إقناعه، لذلك قلنا نغير الإمام كخطوة أولى، كما أنه لم يكن المخطط قتل الإمام يحيى، ولكنه أحس أن هناك مخططا للإطاحة به فاستدعى ولي العهد من تعز إلى صنعاء، وبدأ يرتب لسجنه هو ومن معه، وحينها أصبح الصراع بين آل الوزير وآل حميد الدين وبانتظار من يسبق بالضربة، فتدخل عبدالله الوزير ورتب قتل الإمام، وبالفعل تمت عملية الاغتيال، وتم إعلان الإمام الدستوري الوزير، وللأسف كان أكثر رجعية من الإمام يحيى؛ حيث لم يكن يؤمن بشيء غير جمع المال، وبعد إعلان مقتل الإمام يحيى ثار الشعب ضد بيت الوزير وضد الأحرار المشاركين في الثورة، وخلال 3 أسابيع انتصر الإمام، وألقي القبض على جميع الثوار، أنا قُبض عليّ في ذمار حينها، وتم نقلنا إلى سجن نافع في حجة، وتم إعدام الإمام الدستوري و٢٧ شخصية أخرى ممن شاركوا في الثورة.

* كم الفترة التي قضيتها في السجن؟ وكيف تصف لنا المعاناة التي لاقيتموها فيه؟

- في السجن قضيت 7 سنوات المرة الأولى، و ٦ سنوات المرة الثانية، يعني أني قضيت زهرة شبابي في السجن والتشرد، وفي سجن نافع التقينا بمجموعة كبيرة من الثوار والمثقفين والشعراء، وكنا نعامَل كالحيوانات، ونشرب من بركة بها ماء آسن وأسود ملئ بالقاذورات وبمخلفات الحمامات، وكنا كل يوم جمعة نفاجأ باستدعاء واحد او اثنين من السجناء والقيام بإعدامه، وظل كل واحد منا يترقب مصرعه على الدوام، حينها اتفقت مع أحمد الشامي لتأليف كتاب ندعو فيه الشعب للثورة على الطغيان، وبالفعل بدأنا بتأليف كتاب «كيف نفهم القضية الوطنية» كنا نكتبه على أوراق السجائر خفية ونخبئها لدى أحد السجناء .. وكان يهيأ لنا أن الكتاب سيخرج ويطبع، وعندما يقرأه الشعب سينتفض ضد الامام أحمد، كان لدينا اعتقاد مغلوط، إذ إن الشعب حينها لم يكن يقرأ ولا يعي شيئا، لكن هذا الاعتقاد ساعدنا على مقاومة الخوف من الموت، وفعلا أنهينا الكتاب لكنه لم يطبع ولم يحدث شيء.

* ننتقل لثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، برأيك ماهي أبرز عوامل نجاحها؟ وما علاقتها بثورة ١٩٤٨م الدستورية؟

في الحقيقة؛ قبل قيام ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م كانت حركة الأحرار موجودة في الداخل والخارج، الذين يقولون إن ثورة ٢٦ سبتمبر جاءت من نفسها مخطئون، بل إنها كانت امتدادا للحركة الوطنية التي أشعلت ثورة ١٩٤٨م الدستورية، بدليل أن من تولوا السلطة عقب قيام ثورة سبتمبر كانوا في الأساس من رواد الحركة الوطنية، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عبد الله السلال، والجائفي، والقاضي عبد الرحمن الإرياني، وجميعهم سجنوا من قبل الإمام.

* كيف تصف لنا الفرق بين الثورتين؟!

- أنا أعتقد أن ثورة 48 كانت ثورة متكاملة على الورق، حيث كان في ميثاق وطني وتم تشكيل مجلس شورى ومجلس وزراء ووزراء، بمعنى أنه كان هناك كيان ومؤسسات للدولة، إلا أن هذه المؤسسات لم تجتمع ولم تنفذ على الأرض، في حين ثورة ٢٦ سبتمبر قامت على الأرض إلا أنه لم يكن لديها مشروع للدولة ومؤسساتها ولذلك تعرضت للكثير من النكسات.

* حدثنا عن مرحلة قيام ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م؟

- أنا
ة، إذ إن هناك أخطاء في الشرعية ويجب إصلاحها وتفاديها، يجب أن تتحول العقلية الشمولية في الشرعية إلى حكم حقيقي يطبق مخرجات الحوار الوطني، وعملية التطبيق لن تتم ما لم تكن هناك تفاهمات بينها وجميع الأطراف الأخرى.

* كيف تعلق على النجاحات التي حققتها الحكومة الشرعية في عدن والمحافظات المحررة حتى اليوم؟

- في تقديري ما حققته الحكومة يعد إنجازا عظيما خصوصا إذا ما نظرنا وقسنا ذلك بمجمل الصعوبات والعراقيل والتحديات التي واجهتها في تلك المناطق والتي أهمها التأسيس للدولة من الصفر، وبصراحة رئيس الحكومة الدكتور بن دغر رجل مثقف وسياسي محنك وأنا أعرفه جيدا، وما قام به ويقوم به وكل ما حققه يؤكد أنه رجل دولة ولديه مشروع ورؤية لبنائها.

- ماهي رؤيتكم لمستقبل اليمن، وما مدى إيمانكم بتحقيق النصر؟

- مستقبل اليمن؛ أنا رأيي أن الدولة اليمنية حتما ستعود دولة صحيحة، لكن ليس الآن، بل إنها ستمر فترة والوطن في حالة شتات، خصوصا أن إيران تسعى بكل قوتها لتمزيق البلد لكن ذلك لن يدوم طويلا، وميليشيا الحوثي بلا شك ستزول ودعوات الانفصال حتما ستتلاشى، وسيستعيد اليمن دولته وأمنه واستقراره من جديد.

* كلمة أخيرة؛ ما الذي تود قوله في ختام اللقاء؟

- أحب أن أقول للتحالف العربي وعلى رأسه المملكة العربية السعودية أنه يجب أن تفهموا حقيقة واحدة وهامة وهي أنه: إذا لم تقم في اليمن دولة مستقرة فسيكون اليمن عامل تخريب للمنطقة كلها، وبالتالي أنتم مطالبون بمساعدة اليمنيين من الآن على بناء دولتهم وحتى تصبح لتكون ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، وما عدا ذلك ستتحول اليمن إلى مركز إرهابي رهيب وخطير وسيطال بتداعياته المنطقة والإقليم بشكل عام
في الحقيقة تمكنت من الفرار من السجن في العام ١٩٦٠م وتوجهت إلى عدن، وفي عدن بدأنا نتواصل مع الزبيري والنعمان ومحسن العيني وعدد من الضباط الأحرار الذين كانوا متواجدين في القاهرة، وكان هدفنا إعادة تنظيم الجمعية اليمنية الكبرى، وفعلا بدأنا نشتغل على أساس حركة، وبعد ذلك تدخلت المخابرات المصرية وحصل أخذ ورد بينها والضباط الأحرار في القاهرة، وكان هناك مجموعة من الضباط الأحرار متواجدون في صنعاء، وبدأ الترتيب لتفجير الثورة، وفي العام ١٩٦٢م بدأ الترتيب الفعلي لتفجير الثورة، وتم تكليفي بالدخول إلى صنعاء خفية والعمل مع الأحرار هناك، في شهر أغسطس وصلت صنعاء وفعلا «اشتغلنا شغلا جامدا»، حيث تواصلنا مع الضباط الأحرار وحاولنا إقناعهم بأن لا ينفصلوا عن الحركة الوطنية وبقية الأحرار المتواجدين في الخارج، وتم تكليف أحمد الرحومي للتحاور معنا، وفعلا تفهّموا الأمر، بعدها توجهنا لتكوين خلايا شعبية في صنعاء وفي المناطق المحيطة بها وبالفعل نجحنا في تشكيل خلايا في مناطق «أرحب وحاشد وخولان وبني مطر وذمار» وغيرها، وخلال شهر تشكلت مجاميع كبيرة من القوة البشرية المسلحة، وهؤلاء هم من شاركوا في الثورة، وساعدوا الضباط الأحرار في الإطاحة بنظام الإمام أحمد.

* ماذا حصل يوم الخميس الـ 26 سبتمبر ١٩٦٢م؟ وأين كنت حينها؟

- في الحقيقة، قبل الخميس أرسل الضباط الأحرار للرئيس عبد الله السلال رسالة قالوا له إننا سنقوم بثورة ونريدك أن تقودها، فقال لهم أنا موافق بشرط أن تعطوني الأسماء والمعلومات، ولأنهم كانوا عجلين خصوصا بعد موت الإمام أحمد في تعز ونقل جثمانه إلى صنعاء للدفن، أي لم يكن هناك وقت كي يوافوا السلال بالأسماء والمعلومات، قاموا بإشعال الثورة يوم الخميس دون أن يكون لها قائد، وكان الاتفاق على أن يتم قتل الإمام البدر إلا أن الثوار لم ينجحوا في تنفيذ عملية الاغتيال، ويومها كنت في بيت عبد السلام صبرة، وكنا نتابع قصف مقر الإمام من سطح المنزل، وبقيت أنا وعبد السلام صبرة نعد مقذوفات الدبابات حيث كنا نعلم أن عدد «الدانات» المتوفرة معهم «23» دانة فقط، وكانوا قد أطلقوا 18 دانة وبقي معهم 5 مقذوفات فقط، بعدها نزلت أنا من السطح واتصلت بالكلية الحربية، أجابني عبد الله جزيلان مدير الكلية، قلت له: «من معي؟» قال من أنت؟ قلت مواطن يريد نصيحتكم، وقلت له لم يتبق مع الضباط سوى ٥ دانات، وأنتم قريبون من قصر السلاح ولم تحتلوه إلى الآن وكل الأسلحة فيه، قال: من أنت؟ قلت مواطن ينصحكم إلى ضرورة السيطرة على قصر السلاح فأغلق التلفون على وجهي، لكنهم بعدها أرسلوا مجموعة احتلت قصر السلاح.

* ما حقيقة انك انت من كتبت البيان الأول لثورة ٢٦ سبتمبر وأنت من قرأه في إذاعة صنعاء؟

- أنا كنت مكلف أنا والدكتور عبد العزيز المقالح وعبد الرحمن جحاف بتولي أمر الإذاعة، حيث قالوا لي إنهم سيرسلون لي مصفحة في الفجر لتنقلني إلى الإذاعة، وفي الصباح صحوت مبكرا ولم تصل المصفحة فتحركت على قدمي إلى بيت المقالح، سألت عنه قالوا إنه غير موجود في البيت، فتوجهت إلى الإذاعة، وخلال الطريق كنت أشاهد الجنود التابعين للبدر وهم متمترسين في الشوارع، حتى وصلت إلى ميدان التحرير الذي كان يعتبر مكان شرارة الثورة، وهناك شاهدت مصفحة وعددا من الضابط والعسكر الثوار، سألوني أين أنت ذاهب؟ قلت لهم: ذاهب إلى الإذاعة، فسمحوا لي بالمرور، وصلت الإذاعة وكان هناك دبابة طرف الميدان فيها 2 من الضباط كانوا نائمين، ودخلت الإذاعة وسألت الحراس أين حسن العمري، قالوا مريض وأنه نائم في غرفة العساكر، وسألت من المسؤول عن الإذاعة قالوا صالح الأشول، وكان يعرفني جيدا، قلت لهم قولوا له يحضر الآن وفعلا استدعاه العسكر، ولما وصل فتح المبنى قلت له لم لم تفتحوا الإذاعة؟ قال لا توجد لدينا تعليمات، قلت إذا لم تشتغل الإذاعة ستخرب الدنيا، وكانت الساعة الخامسة والنصف قبل طلوع الشمس، قالوا خلاص سنقوم بتشغيلها، وكان المسئولون عن البث علي الأبيض ومحمد الشعبي في الاستوديو، ومحمد الهمداني مسؤول المولد الكهربائي، قلت أرسلوا لهم يحضروا ولما جاءوا قلت نريد أن نفتح الإذاعة فقاموا بتشغيلها، وأنا دخلت مع محمد الشليمي إلى الاستوديو واتفقت معه أن يتولى عملية التنفيذ على الهواء، وفعلا بدأنا البث بالقرآن الكريم، وحينها لم يكن لدي أي بلاغ أو بيان أو أي ورقة وكل البيانات والبلاغات التي كنا قد كتبناها أرسلناها للضباط الأحرار من أجل أن يطلعوا عليها ويقرّوها ثم يعيدوها، لكنهم لم يعيدوا لنا شيئا فبدأت أتصرف من نفسي، وبعد القرآن أشار لي الشليمي بأن ابدأ الكلام فقلت: هنا صنعاء إذاعة الأحرار، إذاعة الثوار، إذاعة الشعب، إذاعة الجمهورية اليمنية العربية، قدمت كلمة اليمنية قبل العربية، ثم أشرت للأخ محمد الشليمي، وهو فتح نشيد الله أكبر يا بلادي كبري.

* ماذا عن البيان الأول الذي أذعته؟

بعدها أخذت ورقة وقلما وكتبت البلاغ الأول، بلاغ من قيادة الثورة طالبت فيه الشعب منع التجول وإغلاق المجال البري
والبحري والجوي، مع أننا لم نكن نمتلك شيئا من ذلك، كما أن الناس لم يكونوا يعرفون ماذا يعني منع التجول ولم يمتنعوا عن ذلك، فقد خرجنا بعدها والشوراع تضج بالناس، وقد استمررت لوحدي في الإذاعة حوالي ساعة ونصف بعدها وصل عبد الله حمران ومحمد الشرفي والمقالح وعبدالوهاب جحاف، وهم كانوا مكلفين قبلي في الإذاعة، بعد ذلك انهار الملكيون ووصلتنا برقيات تأييد من مختلف الوحدات العسكرية والقبائل في المحافظات.

- هل فعلا شاركت في كتابة أهداف الثورة؟

في الحقيقة بعد أن وصل بقية الإخوة إلى الإذاعة نزلت أنا إلى مكتب الإدارة أكتب أهداف الثورة، وبعدما أكملت كتابتها وكانت فقط هدفين: إسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، ورفع مستوى الشعب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا .. اما الاهداف الستة فقد صيغت بعد ذلك بأيام .. ثم اتصلت بالأستاذ أحمد المروني وكان مدير الإذاعة، قلت له لماذا لم تحضر فاعتذر بحجة أنه مريض؟ بعدها أرسلنا له مصفحة وأرسلت أهداف الثورة معها ثم اتصلت بالمروني، قال: من أنت؟ محمد؟ قلت: نعم، قال العام يقدم على الخاص، الجمهورية العربية اليمنية وليست اليمنية العربية، قلت تعال وبعدين خير، بعد أن وصل المروني وأقررنا صياغة الأهداف، وتم إذاعتها من قبل علي قاسم المؤيد، وبعدها بقينا نذيع البلاغات والبيانات، وأنا لم أكن في الواقع مذيعا ولكن دخلت بالصدفة وجلست 3 أيام في الإذاعة.

* برأيك ما هي أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الأنظمة الحاكمة التي تعاقبت على الجمهورية حتى اليوم؟

- في رأيي أن أبرز الأخطاء وأولها يكمن في أن ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م قامت وليس لديها مشروع لبناء دولة بالمعنى الحقيقي للدولة والمؤسسات، أما عن الأخطاء التي تلت ذلك والتي ارتكبتها الأنظمة الحاكمة فتكمن في أن الرؤساء ركزوا على الاستناد إلى مراكز النفوذ من المشايخ والضباط، وأهملوا مسألة بناء دولة المؤسسات والاستفادة من السياسيين والمثقفين، كما أغفلوا مسألة تجذير مفهوم الدولة والجمهورية والديمقراطية في الوجدان الشعبي، لذلك ظلت الدولة مجرد هيكل خارجي خاوٍ من الداخل تماما.

* شاركت مع الشباب في ثورة ١١ فبراير ٢٠١١م، برأيك ما هي دوافعها؟

- دوافعها تتمثل في أن نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح استمر بنفس الآلية الشمولية، وبعد أن كان قد استنفذ كل إمكانيات الحكم الشمولي، جاءت الثورة الشبابية الشعبية ضده تعبيرا على أنه لم يعد يصلح للحكم، ورغم محاولته احتواءها إلا أنه فشل.

* من وجهة نظرك ما هي أسباب فشلها؟! أو أين يكمن الخلل فيها؟

- ثورة الشباب بدأها الشباب والناس بشكل تلقائي، بمعنى أنها جاءت تعبيرا عن الإرادة الشعبية، لكن ما حصل أن بعض القوى والمكونات السياسية سعت إلى احتوائها
، حيث عمدت هذه القوى إلى حرف مسارها والسيطرة عليها وتوجيهها في سبيل تحقيق مكاسب خاصة، وللأسف

؟.

* ظهرت ميليشيا جديدة في الجنوب تدعو إلى الانفصال، وسعت إلى تشكيل وحدات عسكرية خارج إطار الدولة والشرعية محاولة إسقاط الدولة، كيف تنظرون إليها أو كيف تفسرونها؟

- مشروع الدولة يتمثل في الشرعية ممثلة برئيس الجمهورية وفي مخرجات الحوار الوطني، وما سوى ذلك لا يمتلكون مشروع دولة، وعلى الحكومة الشرعية حتى لا تسقط أن تبدأ في تطبيق مشروع الدولة المتمثلة في «مخرجات الحوار الوطني» وعملية تنفيذها من وجهة نظري تبدأ بقيام الحكومة الشرعية بتشكيل لجنة يطلق عليها اسم «لجنة الحوار الوطني» وتتكون من «٧ إلى ١٠» شخصيات يمنية من سياسيين ومفكرين، وتكون مهمتها العمل على تقريب وجهات النظر بين الشرعية وجميع القوى الأخرى المعارضة لها سواء كانوا جنوبيين أو شماليين.

* كيف تعلق على من يطالبون بالانفصال اليوم؟

- بصراحة مسألة الانفصال أو المطالبة به خطأ كبير ليس وقته الآن، كان وقته المناسب في عام «2007م» عند ظهور ما سمي بالحراك الجنوبي، أما بالنسبة لما يسمى اليوم بـ«المجلس الانتقالي» فهو عبارة عن كيان مسيّر وممول ومدفوع من الخارج، وليس لديه مشروع دولة، وكل ما يفهمه هو أن الشماليين لا يدخلون الجنوب ولا يدخلون أرضنا!، لذلك هم لا يفتقدون فقط لمشروع دولة بل إنهم يحملون مشروع خراب لا أكثر!، كما أن دولة الجنوب كانت تتركز سابقا في عدن وما حولها، والآن عدن لم تعد هي القوة الحقيقية، بل إن القوى الحقيقة للجنوب تتمثل الآن في حضرموت والمهرة وهي التي تمتلك القوة والفكر، ولذلك أنصح الشرعية بمحاورتهم، وفي رأيي إذا كانوا يريدون انفصالا فليؤجلوا الفكرة اليوم وبعد إقامة الدولة الاتحادية المكونة من الأقاليم يمكنهم تجربة الأمر لمدة 5 إلى 7 سنوات وإذا لم يعجبهم يمكنهم عمل استفتاء وتقرير مصيرهم، لكن الآن الوقت خاطئ وغير مناسب. 

* كيف تنظر إلى مشروع الدولة الاتحادية المكونة من 6 أقاليم؟

- أقول بوضوح أنا مع كل ما ورد في مخرجات الحوار الوطني ومع فكرة الدولة الاتحادية المكونة من 6 أقاليم، فهي الخيار الأمثل بالنسبة لليمنيين اليوم، لكنني لست مع الوضع الحالي للشرعي
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#ثورة_سبتمر_المجيدة
الموقف الامريكي من ثورة اليمن

قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 والعالَم منقسم بين قطبين رئيسيين يتحكمان بمجريات السياسة على مستوى أغلب دول العالم، وهما المعسكر الغربي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية والتي كان نجمها يبدأ بالسطوع آنذاك، والثاني المعسكر الشرقي ويتزعمه الاتحاد السوفيتي، والذي كان يعيش أوج قوته وأبهته.
 
 ونادرا ما شذت دول عن خارج هذين القطبين فلم ترتبط بهما؛ ذلك لأن الخيارات السياسية في غالبها لم تكن تتجاوز هذين الخيارين لتأثيرهما الكبير عالميا.

وقد كانت اليمن الشمالية قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، في العهد الإمامي متأرجحة التحالف أو التبعية بين المعسكرين الشرقي تارة والغربي تارة أخرى، فأما اتصالها بالغرب فعن طريق ما سمي ببرنامج "النقطة الرابعة" (Point Four Program) وهو برنامج مساعدات تقنية أمريكي مخصص للدول النامية لاسيما لدول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، أعلن عن البرنامج لأول مرة في خطاب الرئيس الأمريكي هاري ترومان في 20 يناير 1949 بمناسبة توليه منصب الرئاسة لفترة رئاسية ثانية، وقد تحدث الخطاب عن الأهداف الأربعة لسياسة الخارجية الأمريكية، وقد أُقر البرنامج من قبل الكونغرس الأمريكي في 5 يونيو 1950، وخصص له مبلغ 25 مليون دولار أمريكي للسنة المالية 1950ـ 1951، كما شكلت لجنة في وزارة الخارجية الأمريكية تحت اسم مجموعة المساعدات التقنية أشرفت على البرنامج؛ وقد كان مقر البرنامج في تعز، وتم اتهامه من قبل النظام الجمهوري الجديد بالتخابر مع الملكيين ودعمهم سرا بالأسلحة، والتجسس على الجمهوريين، فتم اعتقال عدد من موظفيه، والإعلان عن إنهاء العمل بالاتفاقية المبرمة عام 1959، مع وكالة التنمية الأمريكية التي تعتبر الغطاء السياسي للبرنامج، وسحب الترخيص لطائرة البرنامج، وإبعاد العناصر المخربة من موظفي البرنامج، وبالمقابل فقد قطعت أمريكا المساعدات السنوية لليمن البالغة ثلاثة مليون دولار. كما لوحت بسحب الاعتراف بالجمهورية كما ذكر ذلك الدكتور الشهاري. انظر: نظرة في بعض قضايا الثورة اليمنية، ص: 74.
 
 وأما اتصالها بالشرق فعن طريق ما عرف بالجناح البدري آخر الخمسينيات وعلاقته بعبدالناصر، مقابل جناح الحسنيين، نسبة إلى الأمير الحسن عم الإمام البدر المناوئ للبدر، والغربي التوجه.
 
وحسب المؤرخ اليمني حيدر علي ناجي: "فبعد أن ساءت العلاقة بين مصر والمملكة عام 1957 سمح الإمام أحمد لابنه البدر التقرب إلى عبدالناصر الذي قدمه بدوره للمعسكر الشرقي، فزار معظم دوله، وحصل على صفقة السلاح الروسية وبنى ميناء الحديدة وطريق الحديدة ـ تعز على نفقة الاتحاد السوفيتي، كما أسس مصنع الغزل والنسيج وطريق الحديدة ـ صنعاء على حساب الصين، وفي نفس الوقت سمح لأخيه الحسن بالتقارب مع المملكة العربية السعودية والمعسكر الغربي، وحصل على مشاريع النقطة الرابعة، ومن ثم تكون في اليمن تياران كما أسلفنا، واستمر التنافس بينهما حتى قيام الثورة"، (معلومة خاصة).
 
أما الشطر الجنوبي من الوطن فقد كان شرقي الهوى والمهوى، ومناوئا كل المناوءة للحلف الغربي حد التطرف. وبعد قيام الثورة اقترب الجمهورية العربية اليمنية من المعسكر الشرقي أكثر من خلال مصر عبدالناصر الشرقي الولاء والسند الأول للثورة، لكن هذا الاقتراب لم يحمل بين ثناياه ملامح القطيعة مع المعسكر الغربي، كما هو الشأن مع سلطة الشطر الجنوبي من الوطن التي كانت حدية التعامل ولحدِّيَّة وصلابة الأيديولوجية الشرقية نفسها التي تختلف عن برجماتية الغرب ومرونته؛ ونتيجة لهذا التضاد في سياسة القطبين فقد كل منهما يغرب حيث يشرق الآخر، والعكس أيضا صحيح، ولم يكونا يتلقيان؛ لأن لكل مصالحه الخاصة وتفكيره المناقض للآخر؛ لكن ما الذي جعل أمريكا تعترف بثورة 26 سبتمبر 1962 المدعومة شرقيا في 19 ديسمبر 1962؟ أي بعد أقل من ثلاثة أشهر على قيامها؟!! ما دوافع هذا الاعتراف خاصة وقد سبقها إلى ذلك كل من الاتحاد السوفيتي في 1 اكتوبر 1962؟ أي بعد أربعة أيام فقط من قيام الثورة، معلنا تقديمه المساعدات للثورة وللنظام الجديد، وإن كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أرفقت اعترافها بالثورة دعوة تشبه الشرط في ألا تتدخل القوات المصرية في الشأن اليمني، وألا تُمس المصالح السعودية بسوء.
 
وقد اعترف بالثورة في أيامها الأولى إلى جانب الاتحاد السوفيتي ومصر أيضا كل من: دولة الكويت ولبنان وسوريا والعراق والسودان والجزائر وتونس، وفي الشطر الجنوبي من الوطن جماعة القوى التقدمية العدنية التي شاركت ثوار الشمال أيضا نضالهم. كما اعترفت بها أيضا منظمة الأمم المتحدة، بناء على طلب من مصر.
 
كتب الضابط المرتزق في صفوف الجيش الإمامي مطلع الستينيات "ديفيد اسمايلي" في كتابه "مهمة في الجزيرة العربية" يقول: "وسارعت الأمم المتحدة والولايات المتحدة معا في الاعتراف بالحكومة الجمهورية، وكان قرار الأمم المتحدة نتيجة لاقتراح تقدمت به مصر، وأيدته الدول الشيوعية والكتلة الأفرو
النفوذ البريطاني، ولاعتراض خط التعاون الذي كان قد بدأ بين البريطانيين والاتحاد السوفيتي سابقا، وفقا للدكتور محمد علي الشهاري في كتابه نظرة في بعض قضايا الثورة اليمنية، ص: 69.
أسيوية، وجاء اعتراف الولايات المتحدة في 19 ديسمبر 1962، ولا تزال دوافعه غامضة.." مهمة في الجزيرة العربية، ص: 19. وهو نفس اليوم الذي تم فيه اعتراف الأمم المتحدة بنظام الجمهورية العربية اليمنية، كما أشار إلى ذلك في مذكراته "خمسون عاما في الرمال المتحركة" ص: 60، وقدمها لاحقا بعد أيام قليلة في يناير 1963 للسيد يوثانت، الأمين العام، والذي أضاف أن الأمير فيصل بن عبدالعزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية يومها قال له عن الثورة وعن النظام الجديد: "إذا لم يكن هناك تدخل خارجي، ولم يكن النظام الجديد معاديا للسعودية فلا يوجد سبب للخلاف".
 
وذكر اسمايلي أن الولايات المتحدة حاولت الضغط على بريطانيا للاعتراف بالجمهورية العربية اليمنية، على الرغم من أن النظام الجديد -وفقا لسمايلي- جاء إلى السلطة بانقلاب، وكان يسيطر فقط على نصف السكان وعلى أقل من نصف مساحة البلاد، وقد ناقشته الخارجية البريطانية بجدية، وكادت تعترف بالجمهورية وبالنظام الجديد لولا تدخل البرلماني البريطاني "بيلي ماكلين" الذي كان في زيارة لليمن حينها، والتقى الإمام البدر وأتباعه، وهو من أقنع البريطانيين أن الإمام البدر لم يتم القضاء عليه تحت الأنقاض كما أذاع راديو الجمهورية العربية اليمنية، وتناقلته مختلف وسائل الإعلام العالمية، ولم يتثبتوا من صحة ذلك، وشكل صدمة كبيرة للثوار وأنصارهم بعد ذلك. فهذا ـ وفقا لسمايلي ـ ما أجل اعتراف بريطانيا بالجمهورية، وأبقت علاقتها السابقة بالقيادات الملكية؛ بل فقد أعلنت فى فبراير 1963 عدم الاعتراف بالنظام الجمهورى، وقدمت مساعدات عسكرية للإمام البدر خلال فترة مقاومته للنظام الجديد، خاصة في سنواته الأولى، كما ذكرت صحيفة اليوم السابع المصرية في 30 أكتوبر 2008. ووفقا للديبلوماسية والكاتبة الروسية "جلوبوفسكايا إيلينا": فإن بريطانيا قد جعلت من "بيحان" في شبوة مركز دعم للملكيين ونقطة تجمع لأنصارهم. وقد أمضى الإمام البدر وكثير من أتباعه سنواته المتأخرة في بريطانيا حتى توفي فيها في 6 أغسطس 1996.
 
 ولا شك أن موقف الكيان الصهيوني الداعم للملكيين كان تبعا لموقف البريطانيين، خاصة وأن بريطانيا يومها كانت تمثل الوصي الأمين على الكيان الصهيوني الناشئ يومها. زادته الأيام تأكيدا حين كتب المؤرخ والمحلل السياسي المصري محمد حسنين هيكل أن إسرائيل قامت بإعطاء شحنات من الأسلحة للإماميين، كما أقامت اتصالات مع المئات من المرتزقة الأوروبيين الذين يقاتلون بجانب الملكيين في اليمن. وقامت إسرائيل بإنشاء جسر جوي سري بين جيبوتي وشمال اليمن. وأعطت الحرب الفرصة للإسرائيليين لمراقبة وتقييم التكتيكات الحربية المصرية وقدرتها على التكيف مع ظروف المعارك، بعد ثلاثة عقود من الحرب، وأكد الإسرائيليون كلام هيكل نفسه.
 
وقد توجه جيم جونسون، زعيم المرتزقة الأوروبيين إلى طهران ليقنع الإيرانيين -تحت حكم الشاه وقتها- للقيام بإسقاط جوي، فنجحت الجهود بعد سفر مستشار المرتزقة نيل بيلي مكلين إلى تل أبيب، ولقاء موشي ديان وأميت مائير، رئيس الموساد، وشهد الإسقاط الجوي الأول للأسلحة الكولونيل جوني كوبر والتي كانت 180 بندقية، و 34 ألف طلقة ماوزر و 72 قذيفة مضادة للدبابات و68 كيلوجراما من المتفجرات البلاستيكية. وقد أخفى الإسرائيليون مصدر الأسلحة، فكانت الطائرات الإسرائيلية تحلق على طول السواحل السعودية تلقي الأسلحة في اليمن وتتزود بالوقود في الصومال وجيبوتي وتعود إلى إسرائيل، وأسمى الإسرائيليون عملياتهم Operation Porcupine. واستمرت الطائرات الإسرائيلية بتزويد المرتزقة الأوروبيين والملكيين بالأسلحة لمدة سنتين. انظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
 
ووفقا لليوم السابع المصرية بتاريخ 30 أكتوبر 2008، فإن "شابتاى شافيت" رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد" أدلى بحديث لصحيفة هآرتس الإسرائيلية فى 21 فبراير 2000 قائلاً: "إن إسرائيل لها دور كبير فى توريط مصر فى حرب اليمن لإضعاف قدرتها الاقتصادية والعسكرية، كما أنه أصدر أوامره لضباط الموساد بمعاونة قوات الإمام بدر الملكية حتى يستعيد حكمه الذى أطاح به الثوار عام 1962، وأرسل عسكريين إسرائيليين لتدريب قوات الإمام وللتعرف على القوات المصرية عن قرب، وهذا التصريح هو ما يجعل الدخول فى هذه الحرب لا ينفصل عن هزيمة 1967، بل من الممكن اعتبار المعركتين اللتين دخلهما الجندي المصرى فى اليمن وسيناء معركة واحدة متعددة الهزائم".
 
وقد أورد سمايلي تحليلا منطقيا منسوبا للجنرال السويدي "فون فورد" الذي تولى قيادة قوات المراقبة التابعة للأم المتحدة في اليمن، إذ ذكر أن اعتراف الولايات المتحدة بالجمهورية العربية اليمنية يهدف في مغزاه البعيد إلى إخراج البريطانيين من جنوب الجزيرة العربية، ويتصل بالرغبة في توسيع المصالح الأمريكية النفطية الخاصة في شبة الجزيرة العربية؛ لاسيما وأن للولايات المتحدة هدف متأصل منذ نهاية الحرب العالمية الأولى يتمثل في السيطرة على جنوب الجزيرة العربية، لمواجهة