وثيقة من #زنجبار-تنزانيا (1293هـ/1876م):
عن المهاجرين اليافعيين ومخاطر السفر
د.علي صالح #الخلاقي
نص الوثيقة (المرفقة صورتها):
ختم واسم
الواثق بدعاء كل داعي
الشيخ سالم بن علي بن حسين الضُباعي
الحمد لله لما كان ليلة الأحد و18 خلت من شهر جماد أول سنة 1293هـ ثلاث وتسعين وميتين وألف, شاهد كريم بيد الصدر الأمثل ضياء الدين القاضي علي حيدر ابن عزالدين بأنَّا يا سالم بن علي بن حسين الضباعي شلَّيت للمذكور وبَدَيْت وضمنت على محمد ابن أحمد ناصر صالح الوالي في كل ما صح بيده وتوضَّح وتقرر وصفي من مال المتوفين ببندر زنجبار السواحل من أهل الشرف وكل مخالفة وإلاّ خيانة تقع من الوكيل محمد بن أحمد ناصر على المذكورين أنا الظامن للقاضي علي حيدر من أمر التفريط بغير طريق شرعي أو خيانة وقِلَّة أمانة كذلك أما أمر الله إذا جرا ببر أو ببحر وتلف المال فلا عليَّا دَرَك ولا ظَمَان ولا علا دولة بطَّاشه أو طايفة نهَّابة بالقهر فلا عليَّا دَرَك ولا ظَمَان ولا علا الوكيل والأمين إلا شرع الوكالة ابلاغ جهده ومدافعة عدوه بحسب ما يمكنه ويجوز له التصرف به صح ذلك بحضر شهود الحال الآتي ذكرهم :
شهد بذلك صالح بن ناصر صالح الوالي
شهد بذلك جابر أحمد البكري
شهد بذلك ناصر بن عبيد ناصر صالح الوالي
وكفى بالله شهيداً
ثانياً: التعليق على الوثيقة
---------
تُعد هذه الوثيقة من الشواهد النادرة التي تسلِّط الضوء على جانبٍ من تاريخ الهجرة اليافعية إلى شرق أفريقيا في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي، وهو تاريخ ما يزال مجهولاً في كثير من تفاصيله. فقد تفرّق اليافعيون في مهاجر شتّى بحثاً عن الرزق، وبرز حضورهم خصوصاً في الهند، غير أن عدداً غير قليل منهم اتجه إلى السواحل الشرقية لأفريقيا — مثل إثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا وزنجبار (تنزانيا حالياً) — حيث أسّسوا روابط تجارية واجتماعية، وظلّ بعضهم على صلة بوطنه الأم، فيما اندمج آخرون في مجتمعات مهاجرهم حتى ذابت هويتهم الأصلية مع الزمن.
ومع انعدام الدراسات المتخصصة التي تناولت تلك الهجرات اليافعية، تكتسب أي وثيقة أو رسالة صادرة من تلك البيئات أهمية استثنائية، إذ تفتح نافذة على ملامح الحياة والعلاقات القانونية والاجتماعية للمهاجرين آنذاك. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية هذه الوثيقة التي حصلت عليها من الأخ الصديق عمر أحمد بن خلف البكري، لما تكشفه من تفاصيل دقيقة عن أوضاع بعض المهاجرين اليافعيين في زنجبار، وخاصة في ما يتعلق بمسائل الإرث والوكالة والضمان.
كاتب الوثيقة هو الشيخ سالم بن علي بن حسين الضُباعي، أحد أعلام لبعوس، وكان علامةً وفقيهاً وشيخاً لمكتبها في تلك الفترة. وقد ذيّل الوثيقة بختمه الخاص الذي جاء في صيغة بليغة من السجع تقول: «الواثق بدعاء كل داعي، الشيخ سالم بن علي بن حسين الضباعي».
وتحمل الوثيقة تاريخ 18 جمادى الأولى سنة 1293هـ، الموافق 11 يونيو 1876م، ما يجعلها من أقدم الوثائق التي تُوثّق صلات المهاجرين اليافعيين بشرق أفريقيا.
وتُظهر مضامين الوثيقة أن عدداً من المتوفين من أهل الشرفي قضوا نحبهم في زنجبار، دون أن نعرف على وجه الدقة أسماءهم أو عددهم أو ظروف وفاتهم، إلا أنّها كانت على الأرجح وفاة جماعية أو متقاربة زمنياً، بدليل ما ورد عن أموال تركوها هناك. وقد أُوكل أمر تلك التركة إلى الوكيل محمد بن أحمد ناصر صالح الوالي، وهو — كما يبدو — أحد المهاجرين الموثوقين من أبناء يافع المقيمين في زنجبار، وكان مكلفاً بحفظ أموال المتوفين وإيصالها إلى ورثتهم.
غير أنّ الورثة — على ما يُفهم من نص الوثيقة — شكّوا في أمانته بعد أن تعرّض لبعض الخسائر أو الفقدان في المال، وهو ما فسره الوكيل بأنه نتيجة حوادث قهرية كتلف المال في البحر أو البر، أو تعرّضه للنهب من قبل ما وصفته الوثيقة بـ «دولة بطّاشة أو طائفة نهّابة». وقد رفع الورثة شكواهم إلى القاضي علي بن حيدر عزالدين، قاضي بني بكر، لكون المتوفين من آل الشرفي من بني بكر، فأحال الأمر إلى الشيخ سالم الضُباعي بصفته شيخ لبعوس التي ينتسب إليها الوكيل الوالي.
وبناءً على ذلك، دوّن الشيخ الضُباعي هذه الوثيقة متضمّناً ضمانه للقاضي علي حيدر من أي تقصير أو خيانة قد تقع من الوكيل، شريطة أن لا يكون التلف أو الفقد ناتجاً عن تفريط متعمد، بل بسبب قوة قاهرة خارجة عن الإرادة، كالحوادث الطبيعية أو النهب القسري. وقد نصت الوثيقة بوضوح على أن الضمان لا يشمل ما كان «ببرٍّ أو بحرٍ» أو بفعل «دولة بطّاشة أو طائفة نهّابة»، ما يعكس وعياً فقهياً دقيقاً بالتفرقة بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية الناجمة عن القوة القاهرة.
عن المهاجرين اليافعيين ومخاطر السفر
د.علي صالح #الخلاقي
نص الوثيقة (المرفقة صورتها):
ختم واسم
الواثق بدعاء كل داعي
الشيخ سالم بن علي بن حسين الضُباعي
الحمد لله لما كان ليلة الأحد و18 خلت من شهر جماد أول سنة 1293هـ ثلاث وتسعين وميتين وألف, شاهد كريم بيد الصدر الأمثل ضياء الدين القاضي علي حيدر ابن عزالدين بأنَّا يا سالم بن علي بن حسين الضباعي شلَّيت للمذكور وبَدَيْت وضمنت على محمد ابن أحمد ناصر صالح الوالي في كل ما صح بيده وتوضَّح وتقرر وصفي من مال المتوفين ببندر زنجبار السواحل من أهل الشرف وكل مخالفة وإلاّ خيانة تقع من الوكيل محمد بن أحمد ناصر على المذكورين أنا الظامن للقاضي علي حيدر من أمر التفريط بغير طريق شرعي أو خيانة وقِلَّة أمانة كذلك أما أمر الله إذا جرا ببر أو ببحر وتلف المال فلا عليَّا دَرَك ولا ظَمَان ولا علا دولة بطَّاشه أو طايفة نهَّابة بالقهر فلا عليَّا دَرَك ولا ظَمَان ولا علا الوكيل والأمين إلا شرع الوكالة ابلاغ جهده ومدافعة عدوه بحسب ما يمكنه ويجوز له التصرف به صح ذلك بحضر شهود الحال الآتي ذكرهم :
شهد بذلك صالح بن ناصر صالح الوالي
شهد بذلك جابر أحمد البكري
شهد بذلك ناصر بن عبيد ناصر صالح الوالي
وكفى بالله شهيداً
ثانياً: التعليق على الوثيقة
---------
تُعد هذه الوثيقة من الشواهد النادرة التي تسلِّط الضوء على جانبٍ من تاريخ الهجرة اليافعية إلى شرق أفريقيا في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي، وهو تاريخ ما يزال مجهولاً في كثير من تفاصيله. فقد تفرّق اليافعيون في مهاجر شتّى بحثاً عن الرزق، وبرز حضورهم خصوصاً في الهند، غير أن عدداً غير قليل منهم اتجه إلى السواحل الشرقية لأفريقيا — مثل إثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا وزنجبار (تنزانيا حالياً) — حيث أسّسوا روابط تجارية واجتماعية، وظلّ بعضهم على صلة بوطنه الأم، فيما اندمج آخرون في مجتمعات مهاجرهم حتى ذابت هويتهم الأصلية مع الزمن.
ومع انعدام الدراسات المتخصصة التي تناولت تلك الهجرات اليافعية، تكتسب أي وثيقة أو رسالة صادرة من تلك البيئات أهمية استثنائية، إذ تفتح نافذة على ملامح الحياة والعلاقات القانونية والاجتماعية للمهاجرين آنذاك. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية هذه الوثيقة التي حصلت عليها من الأخ الصديق عمر أحمد بن خلف البكري، لما تكشفه من تفاصيل دقيقة عن أوضاع بعض المهاجرين اليافعيين في زنجبار، وخاصة في ما يتعلق بمسائل الإرث والوكالة والضمان.
كاتب الوثيقة هو الشيخ سالم بن علي بن حسين الضُباعي، أحد أعلام لبعوس، وكان علامةً وفقيهاً وشيخاً لمكتبها في تلك الفترة. وقد ذيّل الوثيقة بختمه الخاص الذي جاء في صيغة بليغة من السجع تقول: «الواثق بدعاء كل داعي، الشيخ سالم بن علي بن حسين الضباعي».
وتحمل الوثيقة تاريخ 18 جمادى الأولى سنة 1293هـ، الموافق 11 يونيو 1876م، ما يجعلها من أقدم الوثائق التي تُوثّق صلات المهاجرين اليافعيين بشرق أفريقيا.
وتُظهر مضامين الوثيقة أن عدداً من المتوفين من أهل الشرفي قضوا نحبهم في زنجبار، دون أن نعرف على وجه الدقة أسماءهم أو عددهم أو ظروف وفاتهم، إلا أنّها كانت على الأرجح وفاة جماعية أو متقاربة زمنياً، بدليل ما ورد عن أموال تركوها هناك. وقد أُوكل أمر تلك التركة إلى الوكيل محمد بن أحمد ناصر صالح الوالي، وهو — كما يبدو — أحد المهاجرين الموثوقين من أبناء يافع المقيمين في زنجبار، وكان مكلفاً بحفظ أموال المتوفين وإيصالها إلى ورثتهم.
غير أنّ الورثة — على ما يُفهم من نص الوثيقة — شكّوا في أمانته بعد أن تعرّض لبعض الخسائر أو الفقدان في المال، وهو ما فسره الوكيل بأنه نتيجة حوادث قهرية كتلف المال في البحر أو البر، أو تعرّضه للنهب من قبل ما وصفته الوثيقة بـ «دولة بطّاشة أو طائفة نهّابة». وقد رفع الورثة شكواهم إلى القاضي علي بن حيدر عزالدين، قاضي بني بكر، لكون المتوفين من آل الشرفي من بني بكر، فأحال الأمر إلى الشيخ سالم الضُباعي بصفته شيخ لبعوس التي ينتسب إليها الوكيل الوالي.
وبناءً على ذلك، دوّن الشيخ الضُباعي هذه الوثيقة متضمّناً ضمانه للقاضي علي حيدر من أي تقصير أو خيانة قد تقع من الوكيل، شريطة أن لا يكون التلف أو الفقد ناتجاً عن تفريط متعمد، بل بسبب قوة قاهرة خارجة عن الإرادة، كالحوادث الطبيعية أو النهب القسري. وقد نصت الوثيقة بوضوح على أن الضمان لا يشمل ما كان «ببرٍّ أو بحرٍ» أو بفعل «دولة بطّاشة أو طائفة نهّابة»، ما يعكس وعياً فقهياً دقيقاً بالتفرقة بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية الناجمة عن القوة القاهرة.