به العبسي على الصعيدين التاريخي والسياسي فهو أستطاع أن يلهم جيلا من المصورين الذين أتوا بعده ومن أبرزهم المصور الفنان عبد الرحمن الغابري الذي يعود إليه الفضل في نقل فن التصوير اليمني الى مرحلة الإحتراف .
ويقول عبد الرحمن الغابري للحياة أن التصوير الفوتغرافي في اليمن كان في الفترة التي تلت عميد المصورين اليمنيين الفنان أحمد عمر العبسي وكان التصوير في المراحل الأولى عبارة عن أستديوهات لتصوير الأشخاص لأغراض خدماتية تتعلق باستخراج الأوراق الثبوتيه مثل بطاقات الهوية وجوازات السفر ولم يتجاوز حاملو الكاميرات عدد أصابع اليدين في ذلك الوقت حيث كانوا يصورون المدن القريبة ويوثقون المناسبات الوطنية كما هو حال المصورين علي الرموش وعلي السمة .
ويرجع الغابري هذا التردي في وضع فن التصوير الى الصعوبات التقنية التي كان يواجهها المصورون في تلك الفترة .
ويوضح كان المصورن مجتهدين على الرغم من شحة الإمكانيات فمثلا أستطاع الرموش أن يخلط بعض الأدوية لتحميض البوزتيف ( السلايد ) كما كان المصور خالد السقاف أول من طبع الأفلام الملونه وحمضها يدويا في اليمن .
وعن التطور النسبي في السنوات التالية يضيف الغابري بعد ذلك جاء جيلنا وأخذنا الحرفة من هولاء الرواد الى جانب قراءتنا الكتب المتخصصة بهذا الفن وكنا أنا والمصور عقبات نشتغل الأفلام الملونه يدويا كوننا كنا محترفي التصوير الخارجي الصحافي .
والحقيقة أن الطبيعية كانت ولاتزال أبرز المواضيع التي نستهدفها ، فمن الطبيعة نستلهم كل شئ نود أن نقدمه ، والطبيعة حين تتعامل معها وتكتشف اسرارها لابد أن تخدمك كفنان .
ويسرد الغابري قصة ولعه بفن التصوير ويقول منذ الطفولة وأنا أحلم بأن أجسد وأدون ضوئيا المشاهد الرائعة في قريتي وكنت لاأدري حينها كيف كنت أتخيل المشهد وأرسمه في ذاكرتي لم أكن أمتلك كاميرا ولا أعرف حتى شكلها ماكنت أعرفه هو مجرد صور شخصية كان يرسلها الأكبر زيد الذي كان يدرس في العراق قبل الثورة في منتصف القرن الماضي .
ويضيف كنت أتعجب وأفرح بتلك الصور وأتمنى أن أحصل على هذه الآلة الساحرة وحدث أن تصور والدي في نهاية الخمسينات في تعز في أستديو أحمد عمر العبسي ولم يأت بالصورة معه وبعد وفاته حصلت على الصورة وفي نفسي سؤال لماذا أبي لم يشتري لي هذه الآله المحببة الى قلبي ؟ ويوضح كنت حينها أدرس في كتاتيب القرية وأرتسمت في ذهني هذه الآله طوال الوقت .
ومع مرور الأيام وبعد وصولي الى صنعاء وأثناء الدراسة وانتمائي الى الإعلام العسكري تدربت على الطبع والتحميض قبل أن أستخدم الكاميرا.
وتوالت الأيام والشهور وحصلت على الكاميرا . وسافرت وتخصصت في مجالات فرز الألوان والتصوير الزنكوغراف وأمتلكت الكثير من الكيمرات وصورت بها كثيرا وكانت أحسن صورة أحببتها وشغفت بها هي صورة أمي في الحقل في قريتي وهذا كان واحد من من المشاهد التي حلمت بتجسيدها وأنا طفل .
وعن الجانب المضئ في كونه مصورا يمنيا يتحدث عبد الرحمن الغابري عن الميزة التي يمكن أن يحظى بها أي مصور فوتغرافي في بلد شديد الثراء ثقافيا وبيئيا ويقول اليمن أحد البلدان العظيمة والملهمة لأي فنان ، بلدنا نادر ومختلف كثيرا عن بلدان كثيرة من حيث تنوعه البيئي وتضاريسه وسكانه وهو بلد لو أخلص له حكامه ومسؤلوه لأصبح قبلة العالم سياحيا ومرسم عظماء الإبداع وملهم كل مفكر وفيسلوف .
أتمنى أن أولد مجددا كي أواصل اكتشاف أسرار هذا البلد الذي يعتبر كنزا انسانيا لكل البشر .
وفي المقابل يشكو الغابري من قلة التفاعل مع الفن الإبداعي في اليمن وخصوصا فن التصوير وهو الأمر الذي يقول أنه لمسه من خلال معارضه الشخصية التي بلغت 69 معرضا داخل اليمن وخارجه مشيرا الى أنها كلها كانت عباره محاور منها الطبيعة والتراث والفلكلور .
ويضيف الهدف أولا هو خلق جمهور لهذا الفن قبل التفكير في المردود المادي كني كسبت جمهورا محبا .
ونادرا مايقتني اعمالي مثقفون متمكنون ماديا ، فرجال الأعمال لدينا والكثير من المسؤلين يفتقرون الى الثقافة هم أغنياء لكنهم فقراء فنيا وجماليا وجشعون حد التخمة ، فيما المثقف الحقيقي للأسف فقير ماديا ومحارب معيشيا يحن إلى اقتناء صورة أو لوحه لكنه لايملك حتى ثمن الإطار وهذا يحزنني .
ويختتم الغابري حديثه بمستقبل التصوير الفوتغرافي قائلا : ينشاء في اليمن جيل لديه رؤية ويمتلك لمسات ابداعية والبعض يصقل مواهبه بالدراسة الى جانب متابعته مستجدات التصوير من خلال الإنترنت وقد برزت بعض المواهب لكنها كما قلت الإبتكارات يصنعها الموهوبون وهولاء يشكلون مدارس جديدة مختلفه نوعيا
ويقول عبد الرحمن الغابري للحياة أن التصوير الفوتغرافي في اليمن كان في الفترة التي تلت عميد المصورين اليمنيين الفنان أحمد عمر العبسي وكان التصوير في المراحل الأولى عبارة عن أستديوهات لتصوير الأشخاص لأغراض خدماتية تتعلق باستخراج الأوراق الثبوتيه مثل بطاقات الهوية وجوازات السفر ولم يتجاوز حاملو الكاميرات عدد أصابع اليدين في ذلك الوقت حيث كانوا يصورون المدن القريبة ويوثقون المناسبات الوطنية كما هو حال المصورين علي الرموش وعلي السمة .
ويرجع الغابري هذا التردي في وضع فن التصوير الى الصعوبات التقنية التي كان يواجهها المصورون في تلك الفترة .
ويوضح كان المصورن مجتهدين على الرغم من شحة الإمكانيات فمثلا أستطاع الرموش أن يخلط بعض الأدوية لتحميض البوزتيف ( السلايد ) كما كان المصور خالد السقاف أول من طبع الأفلام الملونه وحمضها يدويا في اليمن .
وعن التطور النسبي في السنوات التالية يضيف الغابري بعد ذلك جاء جيلنا وأخذنا الحرفة من هولاء الرواد الى جانب قراءتنا الكتب المتخصصة بهذا الفن وكنا أنا والمصور عقبات نشتغل الأفلام الملونه يدويا كوننا كنا محترفي التصوير الخارجي الصحافي .
والحقيقة أن الطبيعية كانت ولاتزال أبرز المواضيع التي نستهدفها ، فمن الطبيعة نستلهم كل شئ نود أن نقدمه ، والطبيعة حين تتعامل معها وتكتشف اسرارها لابد أن تخدمك كفنان .
ويسرد الغابري قصة ولعه بفن التصوير ويقول منذ الطفولة وأنا أحلم بأن أجسد وأدون ضوئيا المشاهد الرائعة في قريتي وكنت لاأدري حينها كيف كنت أتخيل المشهد وأرسمه في ذاكرتي لم أكن أمتلك كاميرا ولا أعرف حتى شكلها ماكنت أعرفه هو مجرد صور شخصية كان يرسلها الأكبر زيد الذي كان يدرس في العراق قبل الثورة في منتصف القرن الماضي .
ويضيف كنت أتعجب وأفرح بتلك الصور وأتمنى أن أحصل على هذه الآلة الساحرة وحدث أن تصور والدي في نهاية الخمسينات في تعز في أستديو أحمد عمر العبسي ولم يأت بالصورة معه وبعد وفاته حصلت على الصورة وفي نفسي سؤال لماذا أبي لم يشتري لي هذه الآله المحببة الى قلبي ؟ ويوضح كنت حينها أدرس في كتاتيب القرية وأرتسمت في ذهني هذه الآله طوال الوقت .
ومع مرور الأيام وبعد وصولي الى صنعاء وأثناء الدراسة وانتمائي الى الإعلام العسكري تدربت على الطبع والتحميض قبل أن أستخدم الكاميرا.
وتوالت الأيام والشهور وحصلت على الكاميرا . وسافرت وتخصصت في مجالات فرز الألوان والتصوير الزنكوغراف وأمتلكت الكثير من الكيمرات وصورت بها كثيرا وكانت أحسن صورة أحببتها وشغفت بها هي صورة أمي في الحقل في قريتي وهذا كان واحد من من المشاهد التي حلمت بتجسيدها وأنا طفل .
وعن الجانب المضئ في كونه مصورا يمنيا يتحدث عبد الرحمن الغابري عن الميزة التي يمكن أن يحظى بها أي مصور فوتغرافي في بلد شديد الثراء ثقافيا وبيئيا ويقول اليمن أحد البلدان العظيمة والملهمة لأي فنان ، بلدنا نادر ومختلف كثيرا عن بلدان كثيرة من حيث تنوعه البيئي وتضاريسه وسكانه وهو بلد لو أخلص له حكامه ومسؤلوه لأصبح قبلة العالم سياحيا ومرسم عظماء الإبداع وملهم كل مفكر وفيسلوف .
أتمنى أن أولد مجددا كي أواصل اكتشاف أسرار هذا البلد الذي يعتبر كنزا انسانيا لكل البشر .
وفي المقابل يشكو الغابري من قلة التفاعل مع الفن الإبداعي في اليمن وخصوصا فن التصوير وهو الأمر الذي يقول أنه لمسه من خلال معارضه الشخصية التي بلغت 69 معرضا داخل اليمن وخارجه مشيرا الى أنها كلها كانت عباره محاور منها الطبيعة والتراث والفلكلور .
ويضيف الهدف أولا هو خلق جمهور لهذا الفن قبل التفكير في المردود المادي كني كسبت جمهورا محبا .
ونادرا مايقتني اعمالي مثقفون متمكنون ماديا ، فرجال الأعمال لدينا والكثير من المسؤلين يفتقرون الى الثقافة هم أغنياء لكنهم فقراء فنيا وجماليا وجشعون حد التخمة ، فيما المثقف الحقيقي للأسف فقير ماديا ومحارب معيشيا يحن إلى اقتناء صورة أو لوحه لكنه لايملك حتى ثمن الإطار وهذا يحزنني .
ويختتم الغابري حديثه بمستقبل التصوير الفوتغرافي قائلا : ينشاء في اليمن جيل لديه رؤية ويمتلك لمسات ابداعية والبعض يصقل مواهبه بالدراسة الى جانب متابعته مستجدات التصوير من خلال الإنترنت وقد برزت بعض المواهب لكنها كما قلت الإبتكارات يصنعها الموهوبون وهولاء يشكلون مدارس جديدة مختلفه نوعيا
#الغابري
أكثر من مليون صورة، يحتفظ بها في أرشيفه، المصور اليمني عبد الرحمن الغابري، تمثل ثروة هامة، استخلصها طوال مسيرته الابداعية من منجم الوجوه والاماكن التي لا تنضب.
والماثل ان أعماله ومقتنياته البصرية العابرة للأزمان، تصلح كي تكون متحفاً انثروبولوجياً، لأشياء ومكنونات يمنية مختلفة، تبدأ بالعمارة ولا تنتهي عند الازياء، مروراً بشتى اضافات التاريخ على الشخصية اليمنية، والمكان النوعي اليمني. هذه التجربة الرائدة بلغتها المستوعبة للأرشيفات، كما بطاقتها النابضة بالإنسان وبالبيئة وبتحولاتهما كذلك، تمثل في مخرجاتها كنزاً حقيقياً لانطواء مدخلاتها على مغامرات معرفية جوهرية، لفنان ليست غايته مجرد التوثيق النمطي، وإنما الخلق الفني المتراكم بالخبرات وبالمعنى، من الناحيتين السيوسيولوجية والابتسمولوجية.
مبكراً احترف الغابري التصوير وعشق الكاميرا، مجسداً علاقة أليفة معها. وفي ظل التخريب الهمجي الذي يتغلغل داخل مسامات اللحظة اليمنية الراهنة، لا بد لنسياننا اليائس من الحروب طبعاً، ان ينتعش وهو يقيم قليلاً في ذاكرة الغابري التي تنمي فعل البهجة الجمالية بإتقان. ذلك ان نصوصه البصرية الخلابة، تشكل جزءاً أصيلا من شجن الارض وحكايات الذات اليمنية، تحدث تأثيراً على الدوام، وتمنحنا شيئاً جديداً ومختلفاً.
ومع ان التلقائية مادتها الخام؛ إلا أن أعمال الغابري تنتمي الى الهوية الثقافية اليمنية وتمثلاتها الرمزية، اضافة الى استراتيجية عين الرائي المتفاعلة في دلالات معرفية بالغة التنوع، لها ان تحفظ وتصون وجدان اليمنيين الجمعي من التلف المباشر والحثيث. والشاهد ان فوتوغرافيات الغابري توسع مخيلاتنا، كما يحيطها الشعر من كل جانب. إذ تعيد طرح الاسئلة، إلا انها تفسر عجز اللغة، بمقدار ما تثير انفعالات مطمورة ذات ادراكات شاسعة وتائهة في آن. بمعنى انها فوتوغرافيات وديعة، تمارس الاحتجاج كله. فوتوغرافيات تقتفي آثار انسان ما، ترك فينا سره الغامض الحميم، واعتقدنا أنه مضى، لكنه مازال يقتفي معنا آثاره، مشرعاً على الحب والحرية والسلام.
وفي الوقت الذي يتسم فيه فن التصوير بالندرة يمنياً، استمرت اعمال الغابري مشحونة بالعاطفية وبتمثيلاتها العميقة، معززة في السياق، لمسيرة فنان صاحب وعي ثري وماهر في تصيد اللحظات المنفلتة، ليمنحها تاريخاً مستقبلياً لا ينتهي.
يؤمن الغابري بالحداثة، بالقدر الذي يؤمن فيه بالهوية اليمنية، وداخل هذه البنية الفكرية، تتسق جيداً قيمتا الأصالة والمعاصرة بشكل ادهاشي عميق. فلقد جاء جيل فوتوغرافي يمني جديد بعد الغابري، إلا ان أغلبهم بلا حس وبلا روح. بينما وحده الغابري استمر كمدرسة استثنائية عريقة تلامسنا اعماله في الصميم، جيلاً بعد آخر.
وفي مجتمع يفيض بالأصولية الدينية التي تخاصم فن التصوير وتحتقره، استطاع الغابري الصمود والثبات والزهو بفنه تماماً. إنه ابن القرية الذي لديه احساس عال بالمدينية، الفلاح المتحدر من اسرة تعرف قيمة الارض، مازال يتغنى ببهاء اليمن تاريخاً وحضارة دون كلل، والفلاش وسيلته الوحيدة لا نتاج سعادته الخاصة.
يعتز الغابري بالمرأة الريفية وعظمتها وهي تقهر الطبيعة، كما يعيش حياته وهو في عقده السابع بشكل فني ملفت؛ بحيث يعتني بأناقته وبقيافته، معتداً بإرادته الحيوية للحياة، ومتخففاً على نحو نادر من وطأة التورط بالعمر الثقيل في بلد يقصف العمر، وبالمقابل، يبرع في استفزاز اصدقائه ومحبيه من الشباب المهمومين والمحبطين، عبر اتكائه الساحر على قدرته المتألقة في خلق الامل والبهجة.
مبكراً؛ أراد ان يكون مخرجاً سينمائياً، لكنه تعثر في هذا المسعى الصعب في بلد كاليمن. وبالرغم من ذلك ظلت الطاقة السينمائية هي بؤرة احترافه الفوتوغرافي. كما بشكل استثنائي، تفرد الغابري بالبحث عن اليمن المفقودة، إذ انه بسيارته العتيقة جاب كل اليمن بحثاً عن الجمال المتجذر والمتعدد، منحازاً الى الاصل والى الشغف معاً.
ففي كل رحلة، كان يتمكن من استعادة عافيته كفنان، كما بنبالة ملحمية، يستشف ماهية تفاصيل رحلاته المنقولة الى منتجاته البصرية بشكل آخاذ وفاتن "يطرب سامعيه ويسيل لعابهم" إذا جاز التعبير. والمعلوم ان الغابري ظل لفترة طويلة، مصوراً رسمياً في أروقة الدولة، ومقرباً من رجالاتها النافذين، لكنه لم يخضع لهذا المناخ الخانق على مستوى المضمون والمحتوى كفنان، بحيث استمر غير متوائم مع الفلاشات المقولبة والمنمطة، وفي نهاية المطاف تمكن من النجاة واتقان حريته التي يهواها ويقاتل من أجلها.
وللغابري العديد من التجارب التجريبية النابهة في الاضاءة والتكوين والمعالجات الرقمية. لكن الفنان المتمكن من ادواته لم يستسغ حظائر الاكاديميات، فتعلم من الكاميرا مباشرة، فضلاً عن الاستديو المنزلي الذي قام بإنشائه بجهد ذاتي ملحوظ.
ثم ان الغابري المصنوع من اغاني الفلاحين في الحقول المعلقة، هو الهائم بأفلام بازوليني (عاشق اليمن) الذي التقاه اكثر من مرة ونشأت بينهما صداقة بصرية سريعة. لكن من يصدق
أكثر من مليون صورة، يحتفظ بها في أرشيفه، المصور اليمني عبد الرحمن الغابري، تمثل ثروة هامة، استخلصها طوال مسيرته الابداعية من منجم الوجوه والاماكن التي لا تنضب.
والماثل ان أعماله ومقتنياته البصرية العابرة للأزمان، تصلح كي تكون متحفاً انثروبولوجياً، لأشياء ومكنونات يمنية مختلفة، تبدأ بالعمارة ولا تنتهي عند الازياء، مروراً بشتى اضافات التاريخ على الشخصية اليمنية، والمكان النوعي اليمني. هذه التجربة الرائدة بلغتها المستوعبة للأرشيفات، كما بطاقتها النابضة بالإنسان وبالبيئة وبتحولاتهما كذلك، تمثل في مخرجاتها كنزاً حقيقياً لانطواء مدخلاتها على مغامرات معرفية جوهرية، لفنان ليست غايته مجرد التوثيق النمطي، وإنما الخلق الفني المتراكم بالخبرات وبالمعنى، من الناحيتين السيوسيولوجية والابتسمولوجية.
مبكراً احترف الغابري التصوير وعشق الكاميرا، مجسداً علاقة أليفة معها. وفي ظل التخريب الهمجي الذي يتغلغل داخل مسامات اللحظة اليمنية الراهنة، لا بد لنسياننا اليائس من الحروب طبعاً، ان ينتعش وهو يقيم قليلاً في ذاكرة الغابري التي تنمي فعل البهجة الجمالية بإتقان. ذلك ان نصوصه البصرية الخلابة، تشكل جزءاً أصيلا من شجن الارض وحكايات الذات اليمنية، تحدث تأثيراً على الدوام، وتمنحنا شيئاً جديداً ومختلفاً.
ومع ان التلقائية مادتها الخام؛ إلا أن أعمال الغابري تنتمي الى الهوية الثقافية اليمنية وتمثلاتها الرمزية، اضافة الى استراتيجية عين الرائي المتفاعلة في دلالات معرفية بالغة التنوع، لها ان تحفظ وتصون وجدان اليمنيين الجمعي من التلف المباشر والحثيث. والشاهد ان فوتوغرافيات الغابري توسع مخيلاتنا، كما يحيطها الشعر من كل جانب. إذ تعيد طرح الاسئلة، إلا انها تفسر عجز اللغة، بمقدار ما تثير انفعالات مطمورة ذات ادراكات شاسعة وتائهة في آن. بمعنى انها فوتوغرافيات وديعة، تمارس الاحتجاج كله. فوتوغرافيات تقتفي آثار انسان ما، ترك فينا سره الغامض الحميم، واعتقدنا أنه مضى، لكنه مازال يقتفي معنا آثاره، مشرعاً على الحب والحرية والسلام.
وفي الوقت الذي يتسم فيه فن التصوير بالندرة يمنياً، استمرت اعمال الغابري مشحونة بالعاطفية وبتمثيلاتها العميقة، معززة في السياق، لمسيرة فنان صاحب وعي ثري وماهر في تصيد اللحظات المنفلتة، ليمنحها تاريخاً مستقبلياً لا ينتهي.
يؤمن الغابري بالحداثة، بالقدر الذي يؤمن فيه بالهوية اليمنية، وداخل هذه البنية الفكرية، تتسق جيداً قيمتا الأصالة والمعاصرة بشكل ادهاشي عميق. فلقد جاء جيل فوتوغرافي يمني جديد بعد الغابري، إلا ان أغلبهم بلا حس وبلا روح. بينما وحده الغابري استمر كمدرسة استثنائية عريقة تلامسنا اعماله في الصميم، جيلاً بعد آخر.
وفي مجتمع يفيض بالأصولية الدينية التي تخاصم فن التصوير وتحتقره، استطاع الغابري الصمود والثبات والزهو بفنه تماماً. إنه ابن القرية الذي لديه احساس عال بالمدينية، الفلاح المتحدر من اسرة تعرف قيمة الارض، مازال يتغنى ببهاء اليمن تاريخاً وحضارة دون كلل، والفلاش وسيلته الوحيدة لا نتاج سعادته الخاصة.
يعتز الغابري بالمرأة الريفية وعظمتها وهي تقهر الطبيعة، كما يعيش حياته وهو في عقده السابع بشكل فني ملفت؛ بحيث يعتني بأناقته وبقيافته، معتداً بإرادته الحيوية للحياة، ومتخففاً على نحو نادر من وطأة التورط بالعمر الثقيل في بلد يقصف العمر، وبالمقابل، يبرع في استفزاز اصدقائه ومحبيه من الشباب المهمومين والمحبطين، عبر اتكائه الساحر على قدرته المتألقة في خلق الامل والبهجة.
مبكراً؛ أراد ان يكون مخرجاً سينمائياً، لكنه تعثر في هذا المسعى الصعب في بلد كاليمن. وبالرغم من ذلك ظلت الطاقة السينمائية هي بؤرة احترافه الفوتوغرافي. كما بشكل استثنائي، تفرد الغابري بالبحث عن اليمن المفقودة، إذ انه بسيارته العتيقة جاب كل اليمن بحثاً عن الجمال المتجذر والمتعدد، منحازاً الى الاصل والى الشغف معاً.
ففي كل رحلة، كان يتمكن من استعادة عافيته كفنان، كما بنبالة ملحمية، يستشف ماهية تفاصيل رحلاته المنقولة الى منتجاته البصرية بشكل آخاذ وفاتن "يطرب سامعيه ويسيل لعابهم" إذا جاز التعبير. والمعلوم ان الغابري ظل لفترة طويلة، مصوراً رسمياً في أروقة الدولة، ومقرباً من رجالاتها النافذين، لكنه لم يخضع لهذا المناخ الخانق على مستوى المضمون والمحتوى كفنان، بحيث استمر غير متوائم مع الفلاشات المقولبة والمنمطة، وفي نهاية المطاف تمكن من النجاة واتقان حريته التي يهواها ويقاتل من أجلها.
وللغابري العديد من التجارب التجريبية النابهة في الاضاءة والتكوين والمعالجات الرقمية. لكن الفنان المتمكن من ادواته لم يستسغ حظائر الاكاديميات، فتعلم من الكاميرا مباشرة، فضلاً عن الاستديو المنزلي الذي قام بإنشائه بجهد ذاتي ملحوظ.
ثم ان الغابري المصنوع من اغاني الفلاحين في الحقول المعلقة، هو الهائم بأفلام بازوليني (عاشق اليمن) الذي التقاه اكثر من مرة ونشأت بينهما صداقة بصرية سريعة. لكن من يصدق
ان الغابري الذي كان قد مارس شقاوته اللذيذة في بدايات المسرح الوطني، مسهباً في تشجيع رفاقه واصدقائه المبدعين –مثله-على العمل الاعلامي في الراديو والتلفزيون وفرقة الرقص والغناء الشعبي كما ضمن جوقة الغناء الجماعي، فترة التأسيس قبل قرابة خمسة عقود؛ هو الغابري نفسه الذي انضم في فترة من حياته للمقاومة الفلسطينية، وانجز فيلم "مكان الولادة فلسطين".
والمفارقة ان الغابري المولع بالعادات والتقاليد اليمنية الموروثة، هو الذي لا يمضغ القات أبداً ويراه سبب تخلف اليمنيين حضارياً. وبما ان القيمة العليا لفن التصوير الفوتوغرافي تكمن في تثبيته للزمن داخل اطار، لنا ان نستوعب تمسك الغابري بوعيه التام في تقويض سلطة الزمن كما تمنى.
وعليه؛ يمكننا وصف الغابري كمصور محترف ومرموق، بأنه العين التي لا تهدأ، والمرآة البصرية المتحرشة، والحدس الذي يعرف كيف يتمثل جرسيات العين وذبذباتها، فضلاً عن انه روح العدسة التي تلتقط الجمال الصعب وتجعله ممكناً ولو في اسوأ الظروف.
ففي المعمل الخاص به (الذي تدمر جزء منه مؤخراً جراء الضربات الجوية السعودية لمواقع عسكرية وسط احياء سكنية تابعة لصالح والحوثي) يتعامل الغابري مع مكنوناته الروحية بهياج جليل الطمأنينة. بينما يتوهج مع كل صورة باعتبارها ايقونة جديدة، تحفز داخله رغباته المهووسة بتخليد كل ما تقع عليه عيناه من جماليات.
ولطالما كانت معارض الغابري الفنية، تأكيداً على عصامية التجربة وفرادتها، وهي تعيد انتاج الجمال بسمو، ليتحفنا بمنتخبات من منتجاته التصويرية التي تتجلى فيها عظمة القيمة الابداعية للصنعة
والمفارقة ان الغابري المولع بالعادات والتقاليد اليمنية الموروثة، هو الذي لا يمضغ القات أبداً ويراه سبب تخلف اليمنيين حضارياً. وبما ان القيمة العليا لفن التصوير الفوتوغرافي تكمن في تثبيته للزمن داخل اطار، لنا ان نستوعب تمسك الغابري بوعيه التام في تقويض سلطة الزمن كما تمنى.
وعليه؛ يمكننا وصف الغابري كمصور محترف ومرموق، بأنه العين التي لا تهدأ، والمرآة البصرية المتحرشة، والحدس الذي يعرف كيف يتمثل جرسيات العين وذبذباتها، فضلاً عن انه روح العدسة التي تلتقط الجمال الصعب وتجعله ممكناً ولو في اسوأ الظروف.
ففي المعمل الخاص به (الذي تدمر جزء منه مؤخراً جراء الضربات الجوية السعودية لمواقع عسكرية وسط احياء سكنية تابعة لصالح والحوثي) يتعامل الغابري مع مكنوناته الروحية بهياج جليل الطمأنينة. بينما يتوهج مع كل صورة باعتبارها ايقونة جديدة، تحفز داخله رغباته المهووسة بتخليد كل ما تقع عليه عيناه من جماليات.
ولطالما كانت معارض الغابري الفنية، تأكيداً على عصامية التجربة وفرادتها، وهي تعيد انتاج الجمال بسمو، ليتحفنا بمنتخبات من منتجاته التصويرية التي تتجلى فيها عظمة القيمة الابداعية للصنعة
عدننة مفردات انجليزية عبر هندننتها
إن "عدن" كانت مستعمرة بريطانية لمده 128 سنة (حتى عام 1967) و المعروف أيضا أنها كانت تًحكم عبر الهند حتى عام 1937 وكانت بريطانيا تأتي بالهنود الى عدن لأسباب كثيرة منها ما هو اقتصادي كالاستفادة منهم في شغل الوظائف الإدارية الدنيا لأشغالها ومكاتبها ومنها ما هو سياسي وذلك كي تموضعهم كفئة عازلة لها عن المجتمع العربي وكفئة تستطيع ضمان ولائها لها أو هكذا كان حسابها.
وقد فعلت بريطانيا الشئ نفسه في مستعمرات أخرى في إفريقيا كأوغندا حيث انقلب السحر على الساحر عندما طرد عيدي أمين كل من أتوا من شبه القارة الهندية فما كان من بريطانيا إلا استيعاب ألاف منهم في أراضيها في بداية السبعينيات من القرن الماضي.
وقد كان الهنود يشكلون ما يساوي 11% من إجمالي عدد سكان عدن في منتصف القرن الماضي وقد بقي الكثير من الهنود المسلمين في عدن واندمجوا مع أهلها وأصبحوا قسم أصيل من نسيجها وخلفوا بعدهم ذرية اندمجت وتزاوجت مع العائلات العربية المحلية فأضحى الكثير منهم امتن عدنية وأصلب عروبة وأشد حرصا على الإسلام من قرنائهم في محيطهم.
والمستعمرون عبر التاريخ يحاولون ما استطاعوا الى ذلك سبيلا أن يفرضوا لغتهم وثقافتهم على من استعمروهم من الأمم ففي ذلك تعزيز للهيمنة وزيادة في الولاء وضمان للاستمرارية ودوام للروابط.( وهناك من يدًعي أن إنشاء "كليه عدن" كانت ضمن هذه السياسة ولعلي أحاول أن أفند هذا الادعاء في مقال لاحق –مع اعترافي بصراع مصالح محتمل في كوني احد مخرجات هذه الكلية).
ومن الظواهر الاجتماعية-الانثروبولوجية والتاريخية المتكررة إن الطبقة المجتمعية العليا من هذه الأمم في هذه المستعمرات تتباهى فيما بينها بأنها الأكثر اتقانا وفهما واستعمالا للغة المستعمر والأبلغ انسجاما مع حضارته.و لا يدرك الكثيرون أن ثلث كلمات اللغة الانجليزية ذات جذور فرنسية ونتج ذلك من غزو"وليام الفاتح" ملك النورمان لبريطانيا في عام 1066 -وكان الانجليز ممن ينتمون الى الطبقات العليا وأهل البلاط وقتها لا يتحدثون إلا بالفرنسية حتى في بيوتهم وفيما بينهم تزلفا منهم للحاكم واستمر الحال هكذا لما يقارب الثلاث مائة سنة.
وعودة لصلب الموضوع المدهش في الأمر والمثير للإعجاب حقاً أن أهل عدن لم يتأثروا كثير بمحاولات الانجليز محو لغتهم الأم وإبدالها بلغة المستعمر إلا أن كلمات انجليزية عدة دخلت اللهجة العدنية ولكن تم "عدننتها" بالكامل ويٌلاحظ في هذه العدننه ما يلي من الظواهر:
أنها في كثير من الأحيان تخص –أكثر تحديدا- ما ادُخل الى عدن بعد دخول الانجليز فيها مثل ما يتعلق بالسيارات أو أصناف الرياضة التي أتى بها الانجليز أو ما استُحدث من منشئات بعد دخولهم وسأعطي أمثلة على هذه الظاهرة لاحقا.
-إن الكثير من هذه الكلمات "عُدننـت" بعد "هندنتها" مما يعني أن أهل عدن كانوا يسمعون هذه الكلمات من الهنود وليس من الانجليز مما يشير الى قلة الاحتكاك بين الانجليز وبين سكان عدن الأصليين.ومن أمثلة ذلك جنوح الهنود الى تخفيف حرف الجيم المعطشة الى صوت ال "ز" كأن ينادي احدهم صديقه "جيمس" ب "زيمس" أو أن يستبدل صوت ال "و" بصوت ال "ڤ" كأن يقول "ڤن" وهو يعني "ون" (أي واحد).
والغريبة أنهم يقلبون هذه القاعدة رأسا على عقب فيحٌرفون صوت ال"ڤ" الى صوت ال "و" أو أن يخفونه كليا كأن يقولون "ڤاي" او "ڤايو" وهم يعنون "فايڤ" (أي خمسه) وسآتي الى أمثلة من العدننه المرتكزة على هذه الظاهرة لاحقا.
- الجدير بالذكر أن الانجليز أعطوا لبعض المدن العدنية أسماء من عندهم إلا أن هذه الأسماء لم تشيع أو تُقبل من أبناء عدن إلا في إطار ضيق فالتواهي لم تتحول الى "ستيمر بوينت" ( أي مركز الباخرة) بين العدنيين والبريقه طغت على "ليتل ايدن" أو "حتى "عدن الصغرى" ولكن يبقى أن نقول أن كثيرا من العدنيين يستعملون اسم "كريتر" ( التي تعني "الفوهة البركانية") كمرادف لاسم "عدن" المدينة التاريخية التي تحتوي على الصهاريج وقد يعود ذلك الى سهولة لفظ الكلمة أو الى الحاجة الى التمييز بين مدينه الصهاريج و بين " عدن الكبرى" أو "عدن المحافظة".
وما استغربه - وأرجو تصحيحي إن كنت خاطئا في ذلك - أن "خورمكسر" بقيت "خورمكسر" (وهو الاسم القديم لتلك المنطقة بحسب المؤرخ العدني حمزة لقمان) بالرغم من الوجود المكثف للانجليز ولعوائلهم في خورمكسر بعيد استحداثهم هناك للثكنات العسكرية المتعددة بما في ذلك مركز سلاح الجو الملكي البريطاني والمطارين الحربي والمدني.
- والمعروف أن الانجليز يلفظون صوت ال"ر" بصيغه لا تكاد تسمع أو هي اقرب لصوت ال"ه" الخافتة أما العدنيون فيقلبونها الى صوت ال"ه" الدامغة كان يقولوا "كونه" لضربة الركن في لعبه كره القدم التي هي في الأصل الانجليزي "كورنر".
- ينبغي التنبيه أن العدنيين وقتها كٌيفوا المفردات الانجليزية "عدننةً" وفقا لسمعهم لها وليس عن طريق قراءتهم لها في مجمل الأوقات.
فيما يلي ب
إن "عدن" كانت مستعمرة بريطانية لمده 128 سنة (حتى عام 1967) و المعروف أيضا أنها كانت تًحكم عبر الهند حتى عام 1937 وكانت بريطانيا تأتي بالهنود الى عدن لأسباب كثيرة منها ما هو اقتصادي كالاستفادة منهم في شغل الوظائف الإدارية الدنيا لأشغالها ومكاتبها ومنها ما هو سياسي وذلك كي تموضعهم كفئة عازلة لها عن المجتمع العربي وكفئة تستطيع ضمان ولائها لها أو هكذا كان حسابها.
وقد فعلت بريطانيا الشئ نفسه في مستعمرات أخرى في إفريقيا كأوغندا حيث انقلب السحر على الساحر عندما طرد عيدي أمين كل من أتوا من شبه القارة الهندية فما كان من بريطانيا إلا استيعاب ألاف منهم في أراضيها في بداية السبعينيات من القرن الماضي.
وقد كان الهنود يشكلون ما يساوي 11% من إجمالي عدد سكان عدن في منتصف القرن الماضي وقد بقي الكثير من الهنود المسلمين في عدن واندمجوا مع أهلها وأصبحوا قسم أصيل من نسيجها وخلفوا بعدهم ذرية اندمجت وتزاوجت مع العائلات العربية المحلية فأضحى الكثير منهم امتن عدنية وأصلب عروبة وأشد حرصا على الإسلام من قرنائهم في محيطهم.
والمستعمرون عبر التاريخ يحاولون ما استطاعوا الى ذلك سبيلا أن يفرضوا لغتهم وثقافتهم على من استعمروهم من الأمم ففي ذلك تعزيز للهيمنة وزيادة في الولاء وضمان للاستمرارية ودوام للروابط.( وهناك من يدًعي أن إنشاء "كليه عدن" كانت ضمن هذه السياسة ولعلي أحاول أن أفند هذا الادعاء في مقال لاحق –مع اعترافي بصراع مصالح محتمل في كوني احد مخرجات هذه الكلية).
ومن الظواهر الاجتماعية-الانثروبولوجية والتاريخية المتكررة إن الطبقة المجتمعية العليا من هذه الأمم في هذه المستعمرات تتباهى فيما بينها بأنها الأكثر اتقانا وفهما واستعمالا للغة المستعمر والأبلغ انسجاما مع حضارته.و لا يدرك الكثيرون أن ثلث كلمات اللغة الانجليزية ذات جذور فرنسية ونتج ذلك من غزو"وليام الفاتح" ملك النورمان لبريطانيا في عام 1066 -وكان الانجليز ممن ينتمون الى الطبقات العليا وأهل البلاط وقتها لا يتحدثون إلا بالفرنسية حتى في بيوتهم وفيما بينهم تزلفا منهم للحاكم واستمر الحال هكذا لما يقارب الثلاث مائة سنة.
وعودة لصلب الموضوع المدهش في الأمر والمثير للإعجاب حقاً أن أهل عدن لم يتأثروا كثير بمحاولات الانجليز محو لغتهم الأم وإبدالها بلغة المستعمر إلا أن كلمات انجليزية عدة دخلت اللهجة العدنية ولكن تم "عدننتها" بالكامل ويٌلاحظ في هذه العدننه ما يلي من الظواهر:
أنها في كثير من الأحيان تخص –أكثر تحديدا- ما ادُخل الى عدن بعد دخول الانجليز فيها مثل ما يتعلق بالسيارات أو أصناف الرياضة التي أتى بها الانجليز أو ما استُحدث من منشئات بعد دخولهم وسأعطي أمثلة على هذه الظاهرة لاحقا.
-إن الكثير من هذه الكلمات "عُدننـت" بعد "هندنتها" مما يعني أن أهل عدن كانوا يسمعون هذه الكلمات من الهنود وليس من الانجليز مما يشير الى قلة الاحتكاك بين الانجليز وبين سكان عدن الأصليين.ومن أمثلة ذلك جنوح الهنود الى تخفيف حرف الجيم المعطشة الى صوت ال "ز" كأن ينادي احدهم صديقه "جيمس" ب "زيمس" أو أن يستبدل صوت ال "و" بصوت ال "ڤ" كأن يقول "ڤن" وهو يعني "ون" (أي واحد).
والغريبة أنهم يقلبون هذه القاعدة رأسا على عقب فيحٌرفون صوت ال"ڤ" الى صوت ال "و" أو أن يخفونه كليا كأن يقولون "ڤاي" او "ڤايو" وهم يعنون "فايڤ" (أي خمسه) وسآتي الى أمثلة من العدننه المرتكزة على هذه الظاهرة لاحقا.
- الجدير بالذكر أن الانجليز أعطوا لبعض المدن العدنية أسماء من عندهم إلا أن هذه الأسماء لم تشيع أو تُقبل من أبناء عدن إلا في إطار ضيق فالتواهي لم تتحول الى "ستيمر بوينت" ( أي مركز الباخرة) بين العدنيين والبريقه طغت على "ليتل ايدن" أو "حتى "عدن الصغرى" ولكن يبقى أن نقول أن كثيرا من العدنيين يستعملون اسم "كريتر" ( التي تعني "الفوهة البركانية") كمرادف لاسم "عدن" المدينة التاريخية التي تحتوي على الصهاريج وقد يعود ذلك الى سهولة لفظ الكلمة أو الى الحاجة الى التمييز بين مدينه الصهاريج و بين " عدن الكبرى" أو "عدن المحافظة".
وما استغربه - وأرجو تصحيحي إن كنت خاطئا في ذلك - أن "خورمكسر" بقيت "خورمكسر" (وهو الاسم القديم لتلك المنطقة بحسب المؤرخ العدني حمزة لقمان) بالرغم من الوجود المكثف للانجليز ولعوائلهم في خورمكسر بعيد استحداثهم هناك للثكنات العسكرية المتعددة بما في ذلك مركز سلاح الجو الملكي البريطاني والمطارين الحربي والمدني.
- والمعروف أن الانجليز يلفظون صوت ال"ر" بصيغه لا تكاد تسمع أو هي اقرب لصوت ال"ه" الخافتة أما العدنيون فيقلبونها الى صوت ال"ه" الدامغة كان يقولوا "كونه" لضربة الركن في لعبه كره القدم التي هي في الأصل الانجليزي "كورنر".
- ينبغي التنبيه أن العدنيين وقتها كٌيفوا المفردات الانجليزية "عدننةً" وفقا لسمعهم لها وليس عن طريق قراءتهم لها في مجمل الأوقات.
فيما يلي ب
عض من أمثلة لما أسلفت في إطار قصه قصيرة بطلها فؤاد العدني فقد أوقف صاحبنا العدني فؤاد "الدريول" (سائق السيارة) ليوصله الى "لصبطان" لمعاينه "التختر" لابنه الصغير وبما انه أوقفه متأخراً فقد اضطر "الدريول" الى الرجوع "ريوس"بالسيارة.و يجدر الإشارة الى أن لفظيٌ "الدريول"وال "ريوس" مثالان جيدان للعدننه عبر الهندنه حيث تم إسقاط صوت ال"ڤ" في اللفظين الانجليزيين "درايڤر" و"ري -ڤرس" والهنود يلفظون معنى المشفى بالانجليزية ب" اصبيتال" بدلا من "هوس-بي-تل".ومر فؤاد في طريقه الى المشفى على منطقه ال"روزميت" قرب صيرة و"الروزميت" عدننه لكلمه "ري-جي-منت" بالجيم المعطشة التي يحرفها الهنود الى صوت ال"ز" كما أسلفنا فيحولوها لفظا الى"رزمنت و"ري-جي-منت" تعني "الفوج" او "الكتيبة" وقد شيد الانجليز معسكرا هناك في أول عهدهم بعدن.
بإسقاط صوت ال "ر" من ويحتج فؤاد على "الدريول"لاستعماله المستمر لل"هون" (بوق السيارة المركبة)- "هورن" الانجليزية - ومما زاد فؤاد انزعاجا استعمال"الدريول" لل"همبريك" (هاند بريك أي فرملة اليد ( عوضا ل"بريك" الذي يبدو انه أصيب بخلل جزئي مع الاستعمال الغير السوي لل"كليش" الذي هو "كلتش" بالانجليزية وللعلم فان الهنود أحيانا يحٌلون صوت ال"ت" مكان ال"د") وتمنى فؤاد أن يكون لدي السائق "ستبني" لل"تاير" الامامي المعدوم.
وفي الطريق تمر المركبة بملعب الكرة ويبتسم فؤاد عندما يتذكر انتصار فريقه-التلال- الأخير على نادي الوحدة على الرغم من إضاعته لهدف ب" البلنتي" (واللفظ الانجليزب هو " بن-ال-تي) إضافة الى تغاضي الحكم عن أكثر من "درزن"(دا-زن) من"الهمبولات"اقترفتها أيادي لاعبي الوحدة وقال فؤاد لنفسه انه لن ينسى أبدا "الجول" الذي أحرزه ابن الماس من ضربه "كونه".وفي طريق العودة اشترى فؤاد "راشن" البيت ودخل ال" بنقله" أو ال "بنجله"(وتًلفظ انجليزيا بن-جالو) التي يقطن فيها واتجه مباشرة الى"البرنده""(وتلفظ انجليزيا ڤيران-دا) المطلة على الشارع ليشرب " البانيهيس" مع ابنه.
والطريف أن الانجليز أنفسهم اخذوا كلمتي " بن-جالو " و" ڤيران-دا" من اللغة الهندية نفسها وتعنيان"البيت المتكون من طابق واحد" و "الشرفة" على التوالي ولفظهما عند الهنود "بنجلا" و "بي-راندا" وهما اقرب للفظ العدني من اللفظ الانجليزي مما يضيف بينه لنظريه "العدننه عبر الهندنه".
ولعل الأطرف –مما قد يعتد به كدليل نسبي آخر للنظرية- هوان كلمه ال "بانيهيس"كلمة مركٌبه من كلمتين احدهما هندية (باني بمعنى ماء) وأخرى انجليزية ( أيس بمعنى ثلج).
ومن سنه الله سبحانه وتعالى في الناس أن يداول الأيام بينهم ومن إفرازات هذا التداول- تداول لغات الناس في الوقت نفسه وقد أحصى "قاموس اوكسفورد الانجليزي" ما يربو على ألف كلمة ذات الجذور العربية أما اللغة الهندوستانية (يطلق عليها اسم "هندي" في الهند واسم "اردو" في الباكستان والاثنتان يكادا يكونا متطابقتين) ففيها الآلاف من الكلمات العربية
بإسقاط صوت ال "ر" من ويحتج فؤاد على "الدريول"لاستعماله المستمر لل"هون" (بوق السيارة المركبة)- "هورن" الانجليزية - ومما زاد فؤاد انزعاجا استعمال"الدريول" لل"همبريك" (هاند بريك أي فرملة اليد ( عوضا ل"بريك" الذي يبدو انه أصيب بخلل جزئي مع الاستعمال الغير السوي لل"كليش" الذي هو "كلتش" بالانجليزية وللعلم فان الهنود أحيانا يحٌلون صوت ال"ت" مكان ال"د") وتمنى فؤاد أن يكون لدي السائق "ستبني" لل"تاير" الامامي المعدوم.
وفي الطريق تمر المركبة بملعب الكرة ويبتسم فؤاد عندما يتذكر انتصار فريقه-التلال- الأخير على نادي الوحدة على الرغم من إضاعته لهدف ب" البلنتي" (واللفظ الانجليزب هو " بن-ال-تي) إضافة الى تغاضي الحكم عن أكثر من "درزن"(دا-زن) من"الهمبولات"اقترفتها أيادي لاعبي الوحدة وقال فؤاد لنفسه انه لن ينسى أبدا "الجول" الذي أحرزه ابن الماس من ضربه "كونه".وفي طريق العودة اشترى فؤاد "راشن" البيت ودخل ال" بنقله" أو ال "بنجله"(وتًلفظ انجليزيا بن-جالو) التي يقطن فيها واتجه مباشرة الى"البرنده""(وتلفظ انجليزيا ڤيران-دا) المطلة على الشارع ليشرب " البانيهيس" مع ابنه.
والطريف أن الانجليز أنفسهم اخذوا كلمتي " بن-جالو " و" ڤيران-دا" من اللغة الهندية نفسها وتعنيان"البيت المتكون من طابق واحد" و "الشرفة" على التوالي ولفظهما عند الهنود "بنجلا" و "بي-راندا" وهما اقرب للفظ العدني من اللفظ الانجليزي مما يضيف بينه لنظريه "العدننه عبر الهندنه".
ولعل الأطرف –مما قد يعتد به كدليل نسبي آخر للنظرية- هوان كلمه ال "بانيهيس"كلمة مركٌبه من كلمتين احدهما هندية (باني بمعنى ماء) وأخرى انجليزية ( أيس بمعنى ثلج).
ومن سنه الله سبحانه وتعالى في الناس أن يداول الأيام بينهم ومن إفرازات هذا التداول- تداول لغات الناس في الوقت نفسه وقد أحصى "قاموس اوكسفورد الانجليزي" ما يربو على ألف كلمة ذات الجذور العربية أما اللغة الهندوستانية (يطلق عليها اسم "هندي" في الهند واسم "اردو" في الباكستان والاثنتان يكادا يكونا متطابقتين) ففيها الآلاف من الكلمات العربية
القاضي محمد بن اسماعيل العمراني حفظه الله
صباح اليوم الجمعه ٧/ محرم / ١٤٤١ الموافق 6/9/2019 .
صباح اليوم الجمعه ٧/ محرم / ١٤٤١ الموافق 6/9/2019 .