اليمن_تاريخ_وثقافة
14.3K subscribers
150K photos
361 videos
2.28K files
25.3K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
ي ذاع صيته. نقف أمام شرفته الخارجية نتفرج على "النجوم" وهم جالسون على كراسي خشبية وأمامهم على المناضد قوارير العصائر وكؤوس "الشاهي باللبن" ويدخنون السجائر، بأحاديثهم الصاخبة ونقاشهم المستفيض كأنهم في إحدى حانات أوروبا، والسائق "الرصابي" مهموم في وسطهم يواسونه بتقديم الحلول والأمل بإصلاح حافلته.

كان بودي أنا وصاحبي أن نتذوق ولو لمرة واحدة في حياتنا شراب "الكاكولا" الذي ذاع صيته بأنه شراب مُسكر، أو على الأقل نحتسي الشاي باللبن إذا أمكن. وكانت معجزة أن هذه الثلاجة تفرز البَرَد الذي كنا نتسابق على التقاطه عند هطول الأمطار في قرانا.

لا أدري كيف استطعنا، أنا وصديقي، إقناع ذوينا بمضاعفة "الجعالة" اليومية من "بقشة" إلى ربع ريال لمرة واحدة فقط!

جلسنا على كرسيين بجوار الثلاجة، متعمدين ذلك، نكاد نضحك من الفرحة. طلبنا قارورتين من "الكاكولا" ودفعنا الثمن مقدماً بعد أن شك صاحب المقهى بقدرتنا على دفع الثمن وأوشك على رمينا خارج المقهى!

وضع النادل "القارورتين" أمامنا وفتحهما  فتصاعدت منهما رغوة عجيبة. نظرنا  بعضنا إلى بعض. وبعد تردد توكلنا على الله وشربنا منها. شعرت بلذعة في حلقي. وكان بحوزتنا "كُدْمتان" من الخبز استعنا على ابتلاعهما بذلك المشروب اللذيذ. فتحت الثلاجة، لأن أحدهم يريد ثلجاً على مشروبه. كم كانت الدهشة حقاً أن نرى "المعجزة" حقيقة!

عدت مع زميلي إلى المدرسة ونحن نترنح كالسكارى ونضحك ونتحدث بصوت مزعج، مما دفع بحارس بوابة المدرسة إلى أن يماطل بفتح الباب بعد أخذ ورد و"سين وجيم"... حتى زملاؤنا في المكان الكبير فتحوا أكياس نومهم لنحكي لهم العجاب!

في يوم آخر خرجت مع صديقي لنصعد "العقبة"، وما أدرك ما "العقبة"! لكن دهشتنا كانت في أن "موتر الرصابي" كان قد نهض من كبوته. فرحنا كثيراً، وكان "الرصابي" مع مساعده أشد فرحاً. وصعد بنا "موتر الرصابي" "العقبة" دون أن يتوقف فيها، لأول مرة!

ابن محمود

كان هذا الصبي -الذي لا يعرف اسمه سوى أنه "ابن محمود"- أشهر من "نار على علم" ويعد من العجائب. طغت شهرته وذاع صيته ليس في مدينة تعز -عاصمة الإمام أحمد الرهيب- وحدها بل في سائر المدن الضحلة والقرى الهامدة، وربما على مستوى العالم العربي والدول الأجنبية، حيث كان بعض "القناصل" أو الصحفيين، عرباً أو أجانب، يتكبدون ذلك العناء ليظفروا بمقابلة الأسطورة المرعبة (الإمام أحمد) ليجدوه يلعب مع هذا الصبي في غرفة عرشه بألعاب متنوعة مستوردة للأطفال.

هذا الصبي الأعجوبة أصبح مقرباً من الطاغية الإمام أحمد ومحبوباً لديه أكثر من ابنه ولي العهد (محمد البدر) أو أبنائه الصغار من الجارية "العباس"، و"عبدالله"...

كان الإمام أحمد قد أخذ هذا الصبي "ابن محمود" من أحضان والديه، وكان والده -الذي كان أشهر "الدراولة" في ذلك الزمن جمالاً وأناقة -سائق الإمام المشهور للمهمات الصعبة!

* * *

كنت مع زميلي وزملاء آخرين نخرج من "المدرسة الأحمدية" عصر كل سبت ونستقل "موتر الرصابي" عبر "العقبة" إلى ميدان "العُرْضي": الساحة الرهيبة التي اشتهرت بقطع رؤوس معارضي الإمام أحمد. وفي هذه الساحة كانت تقام في غفوة من مجازر الإمام بعض الأنشطة الرياضية مثل كرة القدم بين الفريقين الوحيدين: فريق "الصحة" ومعظم لاعبيه من الأشقاء الأحباش، وفريق آخر من لاعبين يمنيين وبعض المدرسين من مصر وفلسطين، وأتذكر أن حارس مرماهم فلسطيني عملاق مهندس في الورشة القائمة بجوار الجامع الجديد أمام "عُرْضي" جند "النظام". كان أعجوبة في طوله، يتفرج عليه الناس أكثر من تفرجهم على المباراة والألعاب الأخرى. أطلق عليه اليمنيون لقب "عود بن عنق" الأسطوري! كنا نشاهد أيضاً رياضة الجمباز على خشبتين وحيدتين في الميدان، وكان بطلها الرياضي "محمد جمال" شقيق الزميل "محمود جمال".

لكن مشاهدة هذا الصبي "ابن محمود" كانت السبب الأهم وراء وجودنا في ذلك الميدان وأمام قصور الإمام التي يخرج منها "ابن محمود" ورفاقه من أبناء "العكفة" المشهورين، وبعض أصدقائه يحيطون به على دراجاتهم ويسبقهم بدراجته المزودة بموتور صغير يعمل بالوقود، يصولون ويجولون في أنحاء الميدان ويفر الناس من أمامهم، وتتوقف مباراة كرة القدم والألعاب الأخرى لنشاهد "ابن محمود" ورفاقه في سباق جنوني مرعب كنا نتسلى به رغم ذلك!

* * *

كان "ابن محمود" وسيماً بسمرة مليحة (أخضر اللون) ذا عينين يلمع منهما بريق الذكاء الحاد. ربما كان قد سبق عمره بالذكاء وبمهابة تجذب أي شخص إليه، وهذا ما حببه إلى الإمام أحمد ولم يعد دور "ابن محمود" ملاعبة الإمام والاستمتاع بالانتيكات المستوردة من الخارج، بل أصبح يتدخل في الشؤون الداخلية والخارجية أيضاً. وأصبح من موجهي القرار عند الإمام أحمد بل وأكثر أهمية من "سيدي عبد المحسن" الذي كان يأمر وينهي في غيبوبة الإمام أحمد عندما أدمن "المورفين"!

كم كان مظهر "ابن محمود" عجيباً ولافتاً عندما خلع عليه الإمام رتبة عسكرية كبيرة وألبسه الزي العسكري الحديث والنياشين المتدلية
على جانب صدره الأيسر، وأصبح "الياور" الذي يظهر مع الإمام أحمد في بعض المناسبات أو المقابلات يقف خلفه أو بجانبه، بينما ولي العهد وبقية الحاشية تقف أو تجلس بعيداً!

عندما كان الإمام يضيق بتعز ويستقر في مدينة الحديدة القريبة من "عين السخنة"، كان "ابن محمود" ملاصقاً له، وخصص الإمام له طياراً روسياً ليدربه على قيادة طائرة حربية كانت هي وحيدة من مخلفات الحرب العالمية. وقد أجاد قيادتها في أقل فترة زمنية أدهشت مدربه الطيار الروسي.

وعندما توجه الإمام أحمد على ظهر باخرة صغيرة شبه يخت كان قد استأجرها لنقله للعلاج لأول مرة في إيطاليا، كان "ابن محمود" على رأس الحاشية المرافقة له، حتى في مقابلة الزعيم جمال عبد الناصر إثر عودته في عرض قناة السويس!

* * *

"ابن محمود" لا أدري هل جنى الإمام عليه عندما جعل منه أعجوبة عهده أم العكس! إذ لم يكن لهذا الطفل / الصبي/ الشاب ذنب عندما لمع كأعجوبة عصره وليس له ذنب أن نسيه الناس عندما اندلعت ثورة 26 أيلول/ سبتمبر عام 1962 كبركان هائل وثورة "لم يخلق مثلها في العالم" وغمره النسيان بعدها أيضاً حتى اليوم!

* * *

لا أعرف حتى اليوم أين قذف به التاريخ أو حدد مصيره! لكن المتداول بين الناس­ –كحكايات- أنه يعيش في بريطانيا في إحدى ضواحي لندن كغيره من أفراد حاشية الإمام المخلوع (محمد البدر) وبعض رموز العهد الملكي البائد.

ربما، لا أجزم، ولكني أعرف أن "ابن محمود" قد زار والدته ووالده وأسرته في مدينة تعز عشرات المرات كمواطن يمني عادي؛ لأنه لم يسجل في قائمة السفاحين من أبناء أسرة الإمام يحيى وبنيه. هذا الطفل/ الشاب المدهش الذي ربما أصبح اليوم رجلاً أو كهلاً قد يكون مشروعاً لقصة منفردة أو ربما رواية كاملة.

علوس نزل البير (غبان)

كان أهم مبنى خارج سور مدينة تعز الحجري العظيم وأمام "بابها الكبير" هو مبنى "المدرسة الأحمدية" التي بناها الأتراك فوق أكمة مرتفعة تطل على المدينة و"بابها الكبير". كانت مكونة من دورين، وبداخلها مساحة كبيرة لطابور الطلبة، تضم عشرات الغرف المخصصة للدراسة في دورها الأسفل، أما الأعلى ففي الغرف نفسها أماكن للمدرسين مع ممرات و"برندات" تطل على الساحة الخاصة بالدراسة. كانت بوابتها على نمط فريد في البناء، بمقدمة ذات قواعد حجرية غاية في الفن. أما الطلبة الليليون فقد بنيت لهم ملحقات مرتبطة بالمدرسة ليس لها شبيه في نمط عمارتها إلا صورة مصغرة منها للمتحف الحربي حالياً في مدينة صنعاء الذي بناه الأتراك أيضاً.

كنا نطل من شرفات المدرسة ونوافذها على بستان ليس بالكبير ولكنه مُخَضَّر، تتوسطه بئر حجرية عميقة ارتكزت فيها مضخة ماء ذات مراوح هوائية تدور مع اتجاه الريح. كانت أعجوبة العصر! ركبها للإمام مهندس أجنبي، منافساً بذلك والده الإمام يحيى الذي بنى له المهندس "دي تسكر"، مضخة في إحدى "صوافيه" جنوبي صنعاء من الحديد شبه ارتوازية، لكنها لم تعمل مطلقاً، وفرَّ المهندس من الإمام يحيى بجلده! ومازالت قوائمها الحديدية موجودة قد أكلها الصدأ!

* * *

عندما سافرت إلى "مصر عبد الناصر" بعد عدة سنوات، وشاهدت السينما لأول مرة وبالذات أفلام رعاة البقر الأميركية التي تؤرخ غزو الرجل الأبيض الأوروبي لأميركا وإبادتهم للهنود الحمر سكانها الأصليين، وحرث المزارع الكبيرة وإقامة مضخات للماء ذات محركات هوائية ومضخات شبه ارتوازية... تذكرت فعلاً المضخة الهوائية في بير "علوس" في تعز، التي بناها الإمام أحمد، وشبه الارتوازية التي بناها الإمام يحيى في صنعاء. والفرق شاسع ومهول بين ما شيده الرجل الأبيض الأوروبي الغازي في مزارع أميركا، وبين ما شيده الإمام يحيى وابنه الإمام أحمد من مضختين الأولى لم تعمل والثانية كانت هزيلة وكلتيهما عُدت من عجائب عهد الإمام يحيى وابنه الإمام أحمد، اللذين كان العامة يؤرخون لمواليدهم بهما!

* * *

كنت مع زميلي وآخرين نخرج من المدرسة ونتجه إلى بئر "علوس" لنسبح في البركة الصغيرة "المقضضة" بـ"النورة"، التي تخزن الماء البسيط الذي تضخه المروحة الهوائية إذا ساعدها تيار الهواء. كنا نسبح ونغسل بعض ملابسنا المهترئة. لم نكن نعرف أو نعي قصة هذه البئر، وكنا نعتبر اسمها (بيرعلوس) كأسماء "بير باشا" و"بير علوان" أو "بير باهوت"...إلخ.

لكنني كنت أتذكر أن هذا الاسم ليس غريباً عليَّ، فقد سمعت أغاني وهجلات للنساء والرجال وهم يقومون بأعمالهم في الحقول: "علوس نزل البير غبان.. وا ليل الماء وا ليلان)... إلخ. وبعد إلحاح شديد منا على مدرس اللغة العربية العجوز أخبرنا بقصة هذه البئر وبطلها "علوس" الذي أصبح أسطورة تحكى على مر السنين!

كان الإمام يحيى قد عيَّن ولي عهده السيف أحمد أميراً على لواء تعز المهم. واصطحب ولي العهد الأمير الجديد، "السيد أحمد"، معه من صنعاء مضحكه الخاص "علوس"، كما هي عادة الأئمة والملوك والسلاطين والأمراء والسيوف، من وجود شخص مُضْحك أو شاعر مداح في حاشيتهم أو بلاطهم!

وهكذا استمر علوس يُضْحِك ولي العهد الأمير السيف أح
مد مع حاشيته ورجال بلاطه المقربين بنوادره وفكاهاته المضحكة فترة من الزمن؛ لكنه لم يصبح في يوم من الأيام مهرجاً، وهذا ما حببه إلى قلوب العامة الذين كان يلتقي بهم في غفوة من ولي العهد الأمير السيف أحمد ليضحكهم بطيبة نفسه وهم يتحلقون حوله.

وكان ولي العهد الأمير السيف أحمد قد استولى على بستان خارج سور المدينة العظيم من أسرة عريقة، ببئره المشهورة "المنجورة" بالحجارة، وكان بين الحين والآخر يخرج مع حاشيته وبطانته من قصره (دار الناصر) بداخل المدينة، والذي استولى عليه أيضاً من أسرة عريقة، إلى البستان خارج السور وبئره العجيبة. وكان دائماً بصحبته المضحك الخاص "علوس" يستمتعون بفكاهاته اللاذعة المضحكة، وخصوصاً إذا كانوا منسجمين بانشراح بنشوة الخمرة البلدية "أول قطفة". كان المضحك "علوس" في بعض الأحيان يحجم عن منادمة ولي العهد الأمير السيف أحمد وحاشيته وبطانته منتشياً يتأمل الأشجار والزهور والخضرة في البستان الذي لم يكن كبيراً. وفي يوم من أيام الانسجام والنشوة والمرح تلك اقتاد ولي العهد السيف أحمد وبعض حاشيته المضحك "علوس" إلى حافة "البير" ودلوه بحبل أمسك بطرفه إلى قاع البئر وهم يضحكون بوحشية وهو يبادلهم الضحك، ينزلونه حتى تلامس رجلاه الماء ثم يرفعونه، وهم يضحكون، لعدة مرات حتى انفجر الدم من أصابع يديه وأصيب بالإعياء الشديد، فلم يكن باستطاعته الصعود مرة أخرى! كان يصيح مستغيثاً من الموت؛ لكن دون جدوى! وانزلق الحبل من يديه الداميتين وهوى إلى قاع البئر ومات غرقاً، بينما كانت ضحكات ولي العهد الأمير السيف أحمد وحاشيته تطغى على صياح استغاثة المضحك المبكي... علوس!

ومنذ ذلك اليوم أصبحت مأساة هذا "العلوس" مغاني وهجلات على أفواه الرجال في مزارعهم وقراهم وفي المدينة. أصبح أغنية حزينة على أفواه النساء وهنَّ يطحنَّ الحبوب فوق المطاحن الحجرية في "سفل" المنازل على ضوء سراج من الكاز المدخن:

-         علوس نزل البير غبان.. وا ليل الماء وا ليلان...!

معاوية.. جبل "داكي" على جبل!

لم تكن تخلو مدينة تعز في أي وقت من عشرات المجانين الهوام في شوارعها وأزقتها القذرة. كان معظمهم مؤذياً وعدواني السلوك وقذر المظهر... بملابسهم الوسخة، إن وجدت، على أجسامهم المتسخة بما تحتويه المدينة من قاذورات لا حصر لها!

لكن "معاوية"، الجبل "الداكي" على جبل، كان أعقلهم، ومتميزاً عنهم بنظافته وهيبته في عهد الإمام المجنون الأعظم "أحمد يا جناه"!

* * *

لا أحد يدري متى هبط "معاوية"، المجنون، اللغز، إلى مدينة تعز! أنا في الحقيقة لم أعرفه إلا في زمان الطفولة، الذي عشت معظمه في مدينة تعز في فترات متقطعة كان أهمها فترة "المدرسة الأحمدية".

كانت تعز من أعظم مدن اليمن قاطبة وأشهرها، موغلة في تاريخها الحضاري المبدع. كانت مدينة "لم يخلق مثلها في البلاد". كان "معاوية" أحد معالم المدينة، ومزاراً من مزاراتها العديدة، وطغت شهرته على شهرة الإمام "أحمد يا جناه"!

كنت مع زميلي وآخرين ندلف، كل عصر، من "الباب الكبير" متجهين إلى مكانه المفضل المتكئ فيه على درج بوابة أحد الأضرحة القديمة "المقضضة" بــ"النورة" يتناول "القات" وأمامه كوز ماء بارد، يطل على السائلة التي كانت طريقاً للسيارات القليلة.

كان لباسه عجيباً لكنه مهيب؛ عمامته من الحرير الهندي فوق رأسه كأنه أحد "مهراجات" الهند، وأرديته كلها أنيقة رغم قدمها. ذو وجه شبه أسمر، وأنف مستقيم، وشارب، ولحية كثة، كأنه "الزير سالم" أو "أبو زيد الهلالي"... كان يبتسم فرحاً عندما نصيح:

-         كيف حالك يا معاوية؟

ويجيب منتشياً بصوت عالٍ مدوياً بعبارته التقليدية:

-         جبل داكي على جبل!

ونظل متجمهرين أمامه كل يوم نستمع إلى كلامه العجيب وإجاباته حتى يقوم وينهرنا بعد الأصيل للإنصراف. لقد كان ذا مزاج عجيب. يتعاطى كل شيء. كان يمارس كل ما طاب له من المحرمات. ويصيح إذا استفز قائلاً:

-         الحلال بيَّن والحرام بيَّن.. يا ولاد الـ...!

وينهض فجأة فيفر الجميع!

ضاق به الإمام أحمد وهو يمر من أمامه يومياً بسيارته و"عكفته" و"البورزان"... من قصره "دار الناصر" الذي استولى عليه بالقوة من أعرق أسرة في تعز، "بيت المجاهد"، إلى قصوره في "العُرْضي" أو إلى قصره الجديد في قرية "صالة". كان "معاوية" عند مرور الإمام أحمد ذهاباً وإياباً يصيح به قائلاًً:

-         أنا معاوية.. جبل داكي على جبل!

وقرر الإمام أحمد ترك "دار الناصر" بالمدينة والاستقرار في قصره في "العرضي" هروباً من هذا المجنون "معاوية"!

* * *

لا أحد يدري كيف عرف "معاوية" أن الإمام أحمد قد استقر في أحد قصوره في "العرضي" عندما خرج الإمام أحمد من بوابة القصر ودهش حينما شاهد "معاوية" متكئاً كالعادة تحت شجرة صغيرة وهو يصيح:

-         أنا معاوية.. جبل داكي على جبل!

كنت وصديقي وبعض الزملاء مولعين بمشاهدة العرض العسكري الصغير في عصر كل يوم حين تنزل ثلة صغيرة من الجيش الحافي بلباسهم التقليدي وأمامهم فرقة موسيقي
ة عسكرية صغيرة كان أفرادها من بقايا الأتراك قد أكل عليهم الدهر وشرب، وخلفهم بعض "كباش" الإمام "البربرية" التي يرعاها الجنود، متجهين إلى نوافذ القصور ليصيحوا ثلاث مرات بصوت عالٍ لا بد أن يسمعه الإمام:

-         حفظ الله الإمام.

وتعود الثلة أدراجها مع الفرقة الموسيقية "الهادمة" وكباش الإمام من ورائهم وصوت "معاوية" يغطى على أصواتهم:

-         أنا معاوية.. جبل داكي على جبل!

ضاق به الإمام أحمد مرة أخرى، وكان باستطاعته أن يقتله أو يمزقه إرباً إرباً ويقدمه لأسوده ونموره وضباعه المفترسة التي يحتفظ بها في ساحة القصر من الداخل في أقفاصها الحديدية، وكم كانت قد التهمت من الشخصيات المعارضة له في غفلة من الزمن! لكن هذه المرة كان الزمن غير غافل، والإمام أحمد بذكائه المتوحش يعرف ذلك، فهرب من "معاوية" تاركاً قصوره في "العرضي" واستقر في قصره الكبير الجديد في قرية "صالة"، أجمل منطقة ساحرة يحلم أي إنسان أن يعيش فيها مدى الحياة، والتي اقتطعها لنفسه واستولى عليها بكل ما فيها من منازل وأراض وينابيع وأشجار فواكه وصخور عملاقة... وحتى البشر! وكانت قرية "صالة" بالنسبة للإمام أحمد منتجعاً صحياً، بعيدة عن شكاوى وتظلمات رعاياه البؤساء، وأيضاً لمكسب مادي، وذلك عن طريق الجمارك المفروضة على بضائع الشاحنات الهزيلة التي كانت تمر بصعوبة من عدن إلى تعز بالقرب من القصر وتتحكم نقطة خشبية في طريقها.

* * *

لا أحد يدري أيضاً كيف عرف "معاوية" أن الإمام أحمد قد استقر في قصره الكبير الجديد في قرية "صالة"، فوجده الناس متكئاً كعادته أمام بوابة القصر يرمي ببقايا "القات" لحيوان "الوضيحي" (المها) النادر الذي كان يملكه الإمام أحمد.

عندما خرج الإمام من بوابة قصره الكبير الجديد بقرية "صالة" فجع وأصابه الاكتئاب وهو يشاهد "معاوية" يصيح:

-         أنا معاوية.. جبل داكي على جبل!

عندما غفا الزمن يوماً ما، اختفى معاوية هذا "الجبل الداكي على جبل"!
 

الوشاح

للإمام أحمد عشرات السيافين المهرة في قطع رقاب معارضيه من الوطنيين والسياسيين والعلماء والأدباء والمفكرين، بل ومن المواطنين العاديين أيضاً. لكن السياف "الوشاح" كان أشهرهم وأبشعهم، واستطاع أن يزيح الآخرين ويصبح هو السياف الأوحد وقرة عين الإمام أحمد وذراعه اليمنى!

وذاع صيته المرعب في جميع أرجاء اليمن، من مدنه الخامدة إلى قراه الهادمة. وأصبحت الأمهات يسكتن أطفالهن ليتوجهوا للنوم بذكر اسمه فقط! حتى الحيوانات والطيور والحجر والشجر كانت ترتعش وتموت لذكر اسمه، فما بالكم بطلبة صغار في "المدرسة الأحمدية" بتعز! ننام فيها وهو في مخيلتنا ونصحو وهو أمام وجوهنا!

يهبط من قصر الإمام في "العرضي" إلى مدينة تعز كوحش كاسر مفترس، بلباسه الأزرق المميز للحرس الخاص للإمام "العكفة"، متمنطقاً "جنبية" وحزاماً و"طيار" الذخيرة وبندقية "الزاكي كرام" الألمانية، يُرعب بائعات "القات" الهابطات من "صَبر"، فيعطينه ما يشاء، ويمر على حوانيت الباعة فيأخذ أيضاً ما يشاء.

* * *

بعد أحداث ثورة الجيش عام 1955 بقيادة الشهيد "أحمد الثلايا"، التي استطاع الإمام أحمد احتواءها وإفشالها والقضاء على كل رموزها، بما في ذلك إخوته، كان "صوان" ناظر مدرستنا، ذو اللباس الألماني النازي للفروسية، وسوطه الذي يستطيع أن يطال به -من أجل الإمام أحمد- أي طالب متمرد ولو كان وراء الجبال أو السهول والوديان اليمنية، وهو على صهوة جواده "الأرقش" المهدى له من الإمام أحمد؛ يأمرنا في طابور الصباح بأن نتجه في خطوات منتظمة في عدة تشكيلات بلباسنا الرسمي المكون من طاقية (كوفية) من "الرُّقع" و"زنة" بيضاء من قماش "المريكني" القطني الخاص بأكفان الموتى! أما الأقدام فهي حافية طبعاً كمثل الجيش الحافي، والرهائن، وبقية الشعب أيضاً!

* * *

كان المدير "صوان" يسوقنا من "المدرسة الأحمدية" لنصعد العقبة المرصوصة بالحجارة منذ عهد الملكة أروى، إلى ميدان العرضي لنشاهد قطع رؤوس عشرات المعارضين والمشاركين في ثورة الجيش عام 1955 وغيرهم. وكما كنا نحن نساق من المدرسة إلى الميدان، كان الشيخ "المحجاني" سجّان قلعة الرهائن، يسوق الرهائن أيضاً ليشاهدوا المنظر البشع نفسه الذي نشاهده نحن!

كان الإمام أحمد وحاشيته و"العكفة" (حرسه الخاص)، وبعض قناصل الدول العربية والأجنبية المرغمين على الحضور في منصة مطلة على ساحة الإعدام، جالسين على كراسي مصنوعة من خشب صناديق بضائع التجار (كعرش الإمام أحمد نفسه) يشاهدون تفنن "الوشاح" سياف الإمام وهو يجندل الرؤوس من رقابها ويمسح الدماء العالقة بسيفه على أجساد الضحايا كأنهم خراف تجزر في يوم عيد.

كنت أنا وزميلي "عبد اللطيف الربيع" نخفي أعيننا عندما ينهال سيف "الوشاح" على الرقاب، وتظل ليالينا في المدرسة كوابيس وأحلاماً مزعجة لا نهاية لها.

* * *

لا أتذكر متى حدث ذلك! بعد شهر أو ربما بعد سنة أو أكثر! لكن بالتأكيد بعد عام 1956، العام الذي كدنا نفتك فيه بالناظر "صوان" عندما حاول أن يمنعنا من
ائعات الخبز "الخمير" المتنوع، من هذا الساحر "علي خالد" كونه يستطيع إيهامهن بتصديق سحره، حيث يحول حليهن الذهبية المتدلية على صدورهن إلى ثعابين، وخواتمهن إلى "عقارب" وأشياء أخرى لا وجوب لذكرها! يوماً ما شاهدتُ إحداهن وهي تصرخ وترمي حليها وتجري مفزوعة تاركة قاتها وفاكهتها... وفزعتُ معها هارباً!

* * *

أثناء العدوان الثلاثي على مصر كان المسافرون العائدون من مدينة عدن يوزعون صوراً للزعيم جمال عبد الناصر، وبالذات صورته وهو يخطب من على منبر جامع "الأزهر"، وصوراً أخرى للطائرات والدبابات وفرق المظلات والسفن الحربية للأعداء، وصوراً لرجال المقاومة والجنود المتطوعين، ولصفوف من فتيات وفتيان "الفتوة" باللباس العسكري والبنادق...

كان المواطنون يتهافتون عليها، يعلقونها في منازلهم، وبالذات تلك الخاصة بالزعيم جمال عبد الناصر. لكن في المقهى الوحيد خارج الباب الكبير للمدينة (باب الكبير) وفي مطعم صغير داخل المدينة علقت على الجدران جميع الصور.

كان هذا الساحر "علي خالد" إذا دخل المقهى أو المطعم يوهم الزبائن -وأنا منهم- بأنه يستطيع تحويل الصور الملصقة على الجدران من صور جامدة إلى صور حية تتحرك. ويصبح الوهم حقيقة، وتنطلي علينا الحيلة  مندهشين لسماع أزيز الطائرات والقنابل، ومرهوبين ونحن نشاهد الدبابات تتحرك وتقذف قنابلها المدوية، ونهتف عندما يندلع صوت الزعيم جمال عبد الناصر وهو يخطب على منبر "الأزهر". وما هي إلا لحظات وتعود الأمور كما كانت، كأن شيئاً لم يحدث، بينما يكون هو قد تناول وجبته الدسمة من كل ما يشتهيه في المطعم أو المقهى الوحيدين في المدينة!

* * *

صادف أن خرجت من "المدرسة الأحمدية" مع أستاذ الدين الكهل، "الأحمق" -كما كنا نلقبه لقسوته- لكي يحملني أغراضه التي سيشتريها من السوق. وفجأة صادفنا الساحر "علي خالد". كانا يعرفان بعضهما بعضاً، لكن المودة بينهما كانت غير واردة.

صاح الساحر "علي خالد" منادياً:

-         يا فقيه!

فزع الأستاذ الفقيه، وفزعت معه أيضاً. وقال له الساحر "علي خالد" ساخراً:

-         كم الساعة يا فقيه؟

وارتبك الأستاذ الفقيه، وارتبكت معه. وارتعشت أصابع يده وهو يتحسس ساعته الموضوعة في جيبه والمربوطة بسلسلة ناعمة من فتحة جيب ردائه، وانتزع السلسلة ورماها مع الساعة إلى الأرض كأنها ثعبان ناعم الملمس! وركض مهرولاً مذعوراً وأنا معه.

* * *

أذكر أن الساحر" علي خالد" مرَّ ذات مرة وكان والدي في إحدى زياراته لمدينة تعز من مقر عمله "المنفى"، مع صديقه الشيخ "يحيى منصور" والقاضي "عبد الرحمن الحداد" رحمهما الله، وبعض أصدقائهم، في فناء بيت "الحكيم الجيلاني" رحمه الله، وباغتهم بنوع من التحدي وأخذ قطعة من العملة النحاسية (بقشة) وقال:

-         سأحولها الآن إلى جنيه ذهب.

أطبق بيده اليمني عليها وبدأ يفركها ثم يزيح يده اليمنى صائحاً:

-         تفرجوا! أصبحت جنيهاً ذهبياً.

لقد شاهدت بريق الذهب فعلاً؛ لكن والدي أمسك بكتفي، بينما صمت الآخرون. وابتسم والدي وقال له:

-         إنها بُقشة!

دُهشتُ أنا وضحك الآخرون، بينما أعاد "علي خالد" فركها من جديد وهو يصيح:

-         إنها جنيه من ذهب.

ويهز والدي رأسه بالنفي. وتصبح معركة تحدِّ بينهما. حتى أنا أصبحت أراها كما هي "بُقشة". واستمر الساحر "علي خالد" يفرك العملة النحاسية (البقشة) ليحولها إلى جنيه ذهب دون جدوى.

ونظر إلى والدي بحقد والعَرَق يتصبب منه، وانسحب مولياً الأدبار وهو يصيح بوالدي متهماً إياه بأن لديه علماً بكتب السحر!

وانتشر نبأ ما حدث للساحر "علي خالد" ووالدي، وكنت أسمع باعتزاز منادمات الناس القائلين:

- هزم النقيب الساحر علي خالد!

* * *

كانت هذه الحادثة أحد العوامل التي جعلت الناس لا يصدقونه. لكن العامل الأهم الذي دفع الناس لازدرائه وكرهه هو عندما كان يحضر دائماً في ميدان "العرضي"، ساحة الإعدام، والإمام متربعاً على عرشه المصنوع من أخشاب صناديق التجارة، في المنصة الرئيسية الهزيلة، بحشمه وخدمه وحرسه وعبيده، ليشاهد بتر رؤوس الأحرار الشرفاء بسيف "الوشاح" سيافه الرهيب. كانت ثلة من "العكفة" وعساكر "النظام" تكوِّن حلقة مقفولة حول الشهيد المحكوم عليه بالإعدام، والسياف "الوشاح"، وشخص ثالث، هو الساحر "علي خالد"، كان يرفع يديه مهللاً إثر قطع رأس الثائر الشهيد، ويصول ويجول في "الحلقة" عسى أن ينال إعجاب المواطنين، ويشير عليهم بأن يصفقوا ويهتفوا بحياة الإمام واللعن لهؤلاء الشهداء؛ لكنهم كانوا ينسحبون والدموع الحزينة تسيل من مآقيهم الراكدة.

* * *

واختفى هذا الساحر "علي خالد" باختفاء السياف "الوشاح" والطاغية الإمام احمد وطاهش الحوبان
الخروج من المدرسة في المظاهرات أيام العدوان الثلاثي على مصر. ورغم صرامة الناظر "صوان" إلا أننا حاصرناه وكدنا نفتك به، لكنه قفز من نافذة مكتبه إلى الأرض وكسر ساقه وفر هارباً!!

أتذكر أنه بعد ذلك بفترة زمنية قصيرة أيقظني صديقي وزميلي "عبد اللطيف الربيع" وأصدقاء وزملاء آخرون يخبرونني بفرح شديد بأننا سنشاهد إعدام "الوشاح"، سياف الإمام أحمد الأوحد. قفزت من مرقدي وأنا غير مصدق: لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟...  

* * *

الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!

* * *

هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.

كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!

هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:

-         شد حزامك! مولانا معك!

وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.

لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.

كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:

-         كن أسداً!

وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".

انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.

الساحر علي خالد

لا أحد يدري كيف هبط هذا الساحر "علي خالد" إلى مدينة تعز وأصبح حديث الناس والنساء والشباب والأطفال داخل المدينة، بل وفي أرجاء واسعة خارجها!

لا أحد يعرف له مسكناً أو مأوى، ولا أين يعيش، وهل له أسرة أو قرية أو قبيلة ينتمي إليها!

قيل بأنه من ناحية "ماوية"، وقيل أيضاً إنه هاجر إلى الهند وتعلم هناك بعض حيل السحر ثم عاد... يظهر قبل الظهيرة ويغيب قبل المغيب دائماً! وعلى الرغم من أن ملبسه من الرأس حتى القدم شبيه بلباس "الدروالة" المشهورين، فإن مظهره كان رثاً وغير أنيق.

لم يستطع أحد أن يقرر عمره، ولو بالتخمين؛ بعضهم قال إنه كهل، وآخرون قالوا إنه مازال شاباً!

عندما كنت وصديقي نخرج من "المدرسة الأحمدية" نجوب الأماكن المحببة لدينا، كنا نجده في كل مكان. تارة نراه يمشي الهوينا وتارة يهرول، ساعة يضحك وأخرى يتطاير من عينيه الشرر. مزيج هو من الفرحة والرعب. كنا نفرح لرؤيته ونقترب منه ونفزع رعباً منه ونهرب!

كنا نتابعه ونشاهد فزع بائعات "القات" والفواكه المشهورة : "الفرسك" والرمان... و"مشاقر" الريحان والورد، الهابطات من جبل "صبر"، بلباسهن المزركش الجميل الذي يبرز مكامن أنوثتهن اليانعة، و"مشقر" الريحان ذي اللون الغادق يتدلى من خدودهن... جميلات، خلقهن الله في أحسن تقويم. وكذلك بائعات "الخمير" (الخبز) المتنوع من ساكنات المدينة نفسها. كان هذا الساحر "علي خالد" إذا مر من أمامهن يعطينه ما يحتاج له بدون طلب منه؛ قات، فواكه، مشاقر صبر، وأقراص من خبز "الخمير"...

كان سبب رعب فتيات "صبر" وب
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
اليمن_تاريخ_وثقافة

#صور_يمنية


من اليمن لليمن للحضارة للفن للمدن للقرى للماضي للحاضر للارض للانسان للحرب للواقع
هنا
#اليمن

#صور_يمنية
#صور_يمنية
. #صور_يمنية

⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️


👍🏻


للاشتراك فـي القناة عبر الرابط التالي
👇👇👇👇👇👇👇👇👇

https://telegram.me/taye5
ضبر تهامة
📸 صـورة📸
https://t.me/taye5
زبيد تهامة
📸 صـورة📸
https://t.me/taye5
فرخ عقب دجاج الحجل
📸 صـورة📸
https://t.me/taye5