الخروج من المدرسة في المظاهرات أيام العدوان الثلاثي على مصر. ورغم صرامة الناظر "صوان" إلا أننا حاصرناه وكدنا نفتك به، لكنه قفز من نافذة مكتبه إلى الأرض وكسر ساقه وفر هارباً!!
أتذكر أنه بعد ذلك بفترة زمنية قصيرة أيقظني صديقي وزميلي "عبد اللطيف الربيع" وأصدقاء وزملاء آخرون يخبرونني بفرح شديد بأننا سنشاهد إعدام "الوشاح"، سياف الإمام أحمد الأوحد. قفزت من مرقدي وأنا غير مصدق: لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟...
* * *
الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!
* * *
هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.
كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!
هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:
- شد حزامك! مولانا معك!
وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.
لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.
كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:
- كن أسداً!
وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".
انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.
الساحر علي خالد
لا أحد يدري كيف هبط هذا الساحر "علي خالد" إلى مدينة تعز وأصبح حديث الناس والنساء والشباب والأطفال داخل المدينة، بل وفي أرجاء واسعة خارجها!
لا أحد يعرف له مسكناً أو مأوى، ولا أين يعيش، وهل له أسرة أو قرية أو قبيلة ينتمي إليها!
قيل بأنه من ناحية "ماوية"، وقيل أيضاً إنه هاجر إلى الهند وتعلم هناك بعض حيل السحر ثم عاد... يظهر قبل الظهيرة ويغيب قبل المغيب دائماً! وعلى الرغم من أن ملبسه من الرأس حتى القدم شبيه بلباس "الدروالة" المشهورين، فإن مظهره كان رثاً وغير أنيق.
لم يستطع أحد أن يقرر عمره، ولو بالتخمين؛ بعضهم قال إنه كهل، وآخرون قالوا إنه مازال شاباً!
عندما كنت وصديقي نخرج من "المدرسة الأحمدية" نجوب الأماكن المحببة لدينا، كنا نجده في كل مكان. تارة نراه يمشي الهوينا وتارة يهرول، ساعة يضحك وأخرى يتطاير من عينيه الشرر. مزيج هو من الفرحة والرعب. كنا نفرح لرؤيته ونقترب منه ونفزع رعباً منه ونهرب!
كنا نتابعه ونشاهد فزع بائعات "القات" والفواكه المشهورة : "الفرسك" والرمان... و"مشاقر" الريحان والورد، الهابطات من جبل "صبر"، بلباسهن المزركش الجميل الذي يبرز مكامن أنوثتهن اليانعة، و"مشقر" الريحان ذي اللون الغادق يتدلى من خدودهن... جميلات، خلقهن الله في أحسن تقويم. وكذلك بائعات "الخمير" (الخبز) المتنوع من ساكنات المدينة نفسها. كان هذا الساحر "علي خالد" إذا مر من أمامهن يعطينه ما يحتاج له بدون طلب منه؛ قات، فواكه، مشاقر صبر، وأقراص من خبز "الخمير"...
كان سبب رعب فتيات "صبر" وب
أتذكر أنه بعد ذلك بفترة زمنية قصيرة أيقظني صديقي وزميلي "عبد اللطيف الربيع" وأصدقاء وزملاء آخرون يخبرونني بفرح شديد بأننا سنشاهد إعدام "الوشاح"، سياف الإمام أحمد الأوحد. قفزت من مرقدي وأنا غير مصدق: لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟...
* * *
الحكاية أن "الوشاح" كان لديه كوز فخاري للماء وضعه في مكان معرض للبرودة، وأن جندياً "نظامياً" من الجيش قد عطش فأقدم على الشرب من ذلك الكوز وشاهده "الوشاح" فأطلق عليه رصاصة من بندقيته وأرداه قتيلاً في الحال، وسُجن الوشاح في "سجن الشبكة" الشهير في المدينة لتهدئة الضباط وأفراد الجيش "النظامي" و"البراني" المحيطين بقصور "العرضي" الخاصة بالإمام، وكانت ثورة عام 1955 لا تزال دماؤها لم تجف بعد!
* * *
هرعت وزميلي مع من هرع إلى ساحة المدينة التي يطل باب "سجن الشبكة" عليها. رجال ونساء وشباب وأطفال لا حصر لهم تسابقوا جميعاً بحقد دفين ليشاهدوا خروج هذا الغول "الطاهش"، المفترس، من باب "سجن الشبكة". لم تستوعب الساحة كل تلك الجماهير، فتسلقوا أشجار "الطولق" و"الحُمَر" العملاقة. كنت مع زميلي قد استطعنا أن نكون في مواجهة البوابة لنرى خروجه. ربما أكون أنا وزميلي أكثر حقداً عليه؛ لأنه عندما كان يرى والدي أو والد زميلي الخارجين من السجون يمد يده اليمنى ويتحسس رقبتيهما بسخرية ويقول: "متى سأنال هذه الرقاب الدسمة؟". لكن حقد مئات من أفراد الأسر التي نال رقاب أبنائها ورجالها فعلاً كان أكثر من حقدنا وألمنا.
كان مشهداً لا أعتقد أن التاريخ قد سجل مثله، عندما أخرج هذا "الوشاح" من باب سجن "الشبكة" كما يخرج "رضيع" البقرة من "سفل" البيت لأول مرة بعد مولده: يختذل جسمه بشدة ويحاول إعادة ساقيه الأماميتين من عتبة "السفل" إلى الداخل، رغم أن أفراد الأسرة يحاولون جاهدين إخراجه لبيعه للجزار!
هكذا كان حال "الوشاح" عندما خرج من باب "سجن الشبكة" إلى سيارة "جيب" عسكرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية والعساكر يصيحون به:
- شد حزامك! مولانا معك!
وانطلقت به السيارة من المدينة عبر "العقبة" متجهة إلى ميدان الإعدام بـ"العرضي" ونحن نجري وراءها لاهثين، لكننا سبقناه إلى الميدان لنأخذ أماكن جيدة للرؤية. كان ميدان "العرضي" الذي شهد عشرات الشهداء الذين قطع هذا "الوشاح" رقابهم قد اكتظ بعشرات الآلاف ليشاهدوا نهايته.
لم يحضر الإمام أحمد إلى المنصة الرئيسية. كان متألماً على سيافه الأوحد، والأصح: مرعوباً من الحشود الهائلة من المواطنين ومئات من أفراد الجيش "النظامي" و"البراني" و"الجندرمة"، بل ووجود جميع القناصل العرب والأجانب ومن إليهم بدون دعوة رسمية. كان ينظر إلى الساحة من نافذة قصره المطل عليها.
كان "الوشاح" يستغيث بأعلى صوته بالإمام ويتوسل الناس وقد جثا على ركبتيه. واقترب منه أحد السيافين وحاول مع زميلين له أن يرفعوه من الأرض، وهو يصيح ويعود إلى الأرض متهاوياً، ويرفعوه من جديد كقطنة مبتلة، لكنه يعود إلى الأرض... وصاح به أحدهم:
- كن أسداً!
وهوى بسيفه على عنق "الوشاح".
انطلقت صيحات التهليل من جموع الناس الغفيرة التي أدركت أن إعدام "الوشاح" كان بداية لنهاية ذلك العهد المظلم.
الساحر علي خالد
لا أحد يدري كيف هبط هذا الساحر "علي خالد" إلى مدينة تعز وأصبح حديث الناس والنساء والشباب والأطفال داخل المدينة، بل وفي أرجاء واسعة خارجها!
لا أحد يعرف له مسكناً أو مأوى، ولا أين يعيش، وهل له أسرة أو قرية أو قبيلة ينتمي إليها!
قيل بأنه من ناحية "ماوية"، وقيل أيضاً إنه هاجر إلى الهند وتعلم هناك بعض حيل السحر ثم عاد... يظهر قبل الظهيرة ويغيب قبل المغيب دائماً! وعلى الرغم من أن ملبسه من الرأس حتى القدم شبيه بلباس "الدروالة" المشهورين، فإن مظهره كان رثاً وغير أنيق.
لم يستطع أحد أن يقرر عمره، ولو بالتخمين؛ بعضهم قال إنه كهل، وآخرون قالوا إنه مازال شاباً!
عندما كنت وصديقي نخرج من "المدرسة الأحمدية" نجوب الأماكن المحببة لدينا، كنا نجده في كل مكان. تارة نراه يمشي الهوينا وتارة يهرول، ساعة يضحك وأخرى يتطاير من عينيه الشرر. مزيج هو من الفرحة والرعب. كنا نفرح لرؤيته ونقترب منه ونفزع رعباً منه ونهرب!
كنا نتابعه ونشاهد فزع بائعات "القات" والفواكه المشهورة : "الفرسك" والرمان... و"مشاقر" الريحان والورد، الهابطات من جبل "صبر"، بلباسهن المزركش الجميل الذي يبرز مكامن أنوثتهن اليانعة، و"مشقر" الريحان ذي اللون الغادق يتدلى من خدودهن... جميلات، خلقهن الله في أحسن تقويم. وكذلك بائعات "الخمير" (الخبز) المتنوع من ساكنات المدينة نفسها. كان هذا الساحر "علي خالد" إذا مر من أمامهن يعطينه ما يحتاج له بدون طلب منه؛ قات، فواكه، مشاقر صبر، وأقراص من خبز "الخمير"...
كان سبب رعب فتيات "صبر" وب
اليمن_تاريخ_وثقافة
#صور_يمنية
من اليمن لليمن للحضارة للفن للمدن للقرى للماضي للحاضر للارض للانسان للحرب للواقع
هنا
#اليمن
#صور_يمنية
#صور_يمنية
. #صور_يمنية
⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️
👍🏻
✅ ✅
للاشتراك فـي القناة عبر الرابط التالي
👇👇👇👇👇👇👇👇👇
https://telegram.me/taye5
#صور_يمنية
من اليمن لليمن للحضارة للفن للمدن للقرى للماضي للحاضر للارض للانسان للحرب للواقع
هنا
#اليمن
#صور_يمنية
#صور_يمنية
. #صور_يمنية
⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⏬⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️⬇️
👍🏻
✅ ✅
للاشتراك فـي القناة عبر الرابط التالي
👇👇👇👇👇👇👇👇👇
https://telegram.me/taye5
Telegram
اليمن_تاريخ_وثقافة
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5