اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
الأنبياء في حضرموت...

- الأستاذ/ منير بن سالم بازهير     

الأنبياء كحقيقة قرآنية لم يحدد لهم عدد معين بنص قطعي الثبوت؛ بل هم كما قال الله تعالى عنهم:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر/78]،وتفسير الآية كما يقول العلامة الطبري: أن مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ إِلَى أُمَمِهِمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ {وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} نَبَأَهُمْ.

ولذلك نجد في ثنايا نصوص السنة والتاريخ أسماء أنبياء لم تشتهر أخبارهم بين العامة .. كنبي الله خالد بن سنان العبسي اليمني عليه السلام مثلا الذي أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب" الإصابة في معرفة الصحابة"(2/310) روايات يعضد بعضها بعضا تؤكد نبوته فقال: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان خالد بن سنان بعث مبشراً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما حضرته الوفاة قال: إذا أنا مت فادفنوني في حقف من هذه الأحقاف،ووردت ابنة له عجوز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتلقاها بخير وأكرمها وقال لها: " مرحباً بابنة نبي ضيعه قومه " فأسلمت ،وقال عن إسناد هذه الرواية ورجاله ثقات إلا أنه مرسل.

ثم قال في "فتح الباري"(6/489) مبينا ما قد يفهم من التعارض بين ما تقدم وحديث: (أنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني وبينه نبي) الذي في صحيح البخاري وغيره،فقال:فيه نظر لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى، والجواب: أنه قد يكون المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة وإنما بعث بعده من بعث بتقرير شريعة عيسى.

وذكر ابن الأثير في "اللباب في تهذيب الأنساب"(1/372): أن من أنبياء اليمن نبي الله شعيب بن ذي مهدم وهو غير نبي الله شعيب المرسل إلى مدين،ويوجد باليمن جبل شاهق يعرف إلى زماننا هذا بجبل النبي شعيب، وفي هذا دعم لما نقله العلامة ابن الأثير.

أقول: وذكر ابن الأثير أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه ما نصه: (بعث الله فِي سبأ اثْنَي عشر نَبيا فكذبوهم فَأتوا مَكَّة فتعبدوا بهَا حَتَّى مَاتُوا) وفي هذا النص إشارة صريحة إلى كثرة الأنبياء باليمن ؛إلا أن الأمر يفتقر إلى بحث وتنقيب دقيق وتمحيص وتوثيق يضبط جميع الروايات المتعلقة بهذا الشأن ولعل الله يقيض لهذا الأمر من يظهره.

ولن أتكلم في مقالي هذا عن تاريخ الأنبياء باليمن لأن الأمر يفتقر إلى وقت طويل وبحث أوسع ولكن سأتكلم في هذه الصفحات عن مجموعة من الأنبياء نصت المصادر على وجودهم بقطر حضرموت لينتفع بذلك الحريص على المعلومة والراغب في الاستزادة والإلمام بتاريخ أرضه ووطنه ،وإن كانت بعض المعلومات لا تزال مفتقرة إلى ما يزيدها دلالة وتأكيدا،ولعل ما نكتبه يكون مقدمة لكتابات عميقة في هذا الباب.

أولاً نبي الله هود عليه السلام:

هو هود النبي صلى الله عليه وسلم ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن برد بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم صلوات الله على الأنبياء أجمعين.

دل على وجوده بحضرموت أدلة كثيرة منها قول الله تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأحقاف : 21]، ومنازل عاد بحضرموت كما صرح بذلك أكثر أهل التفسير والتاريخ،والأحقاف كما قال مقاتل بن سليمان في تفسيره: (هي باليمن في حضرموت)، وذكر ابن هشام الحميري في كتاب (التيجان في ملوك حمير) (ص45) ما نصه :(ودفن ـ أي النبي هود عليه السلام ـ بالأحقاف بموضع يقال له الهنيبق ، بجوار الحفيف،فإن نهر الحفيف أخرج الله فيه الماء المعين، وغرست فيه الثمار، من يوم أخرج الله فيه آية هود) .

قال الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعالبي في كتابه "عرائس المجالس في قصص الأنبياء " (ص 65):(الرواية القائلة بدفنه بحضرموت هي الأقرب للصواب) .

قال العلامة الحضرمي عبدالرحمن بن عبيدا لله السقاف في "بضائع التابوت"( 1/91): (الحفيف هو النهر الذي لا يزال جاريا إلى اليوم بجوار قبر هود عليه السلام، إلا أنه نقص بفرق كبير عما هو عليه).

وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان :(الأحقاف جمع حقف من الرمل والعرب تسمى الرمل المعوج حقافا وأحقافا واحقوقف الهلال والرمل إذا اعوج ،ثم قال: عن ابن عباس قال ابن إسحاق: الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت، وقال قتادة :الأحقاف رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن، وهذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى، وقال الضحاك: الأحقاف جبل بالشام، وفي كتاب العين: الأحقاف جبل محيط بالدنيا من زبرجدة خضراء تلهب يوم القيامة فيحشر الناس عليه من كل أفق وهذا وصف جبل قاف، والصحيح ما رويناه عن ابن عباس وابن إسحاق وقتادة أ
نها رمال بأرض اليمن كانت عاد تنزلها ؛ويشهد بصحة ذلك ما رواه أبو المنذر هشام بن محمد عن أبي يحيى السجستاني عن مرة بن عمر الأيلي عن الأصبغ بن نُباتة قال إنا لجلوس عند علي بن أبي طالب ذات يوم في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ،إذا أقبل رجل من حضرموت لم أر قط رجلا أنكر منه فاستشرفه الناس وراعَهم منظرهُ، وأقبل مسرعاً جادا حتى وقف علينا وسلم وَجثا وكلم أدنى القوم منه مجلساَ وقال: من عميدكم؟ فأشاروا إلى علي رضي الله عنه ،وقالوا هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعالمُ الناس والمأخوذ عنه، فقام وقال:

اسمع كلامي هداك الله من هادِ ... وافرج بعلمك عن ذي غلة صادِ

جاب التنائفَ من واد ي سُكاك إلى ... ذات الأماحل في بطحاء أجياد

تلفه الدِمنة البوغاءُ معتمدا ... إلى السداد وتعليم بإرشاد

سمعتُ بالدين دين الحق جاءَ به ... محمد وهو قَرم الحاضر الباد

فجئت منتقلاً من دين باغية ... ومن عبادة أوثان وأندادِ

ومن ذبائح أعياد مضللة ... نسيكها غائب ذو لوثة عاد

فادلل على القصد واجل الريب عن خَلدي ... بشرعة ذات إيضاح وإرشاد

والمم بفضل هداك الله عن شَعثي ... وهدني إنك المشهور في النادي

إن الهداية للإسلام نائبة ... عن العمى والتقى من خير أزواد

وليس يفرج ريب الكفر عن خَلدٍ ... أفظْه الجهل إلاحية الواد

قال فأعجب علياً رضي الله عنه والجلساء شعره، وقال له علي: لله درك من رجل ما أرصَنَ شعرك، ممن أنت؟ قًال من حضرموت، فسرّ به علي وشرح له الإسلام فأسلم على يدَيه ،ثم أتى به إلى أبيِ بكررضي الله عنه فأسمعهُ الشعر فأعجبه، ثم إن علياً رضي الله عنه سأله ذات يوم ونحن مجتمعون للحديث أعالم أنت بحضرموت؟ قال إذا جهلتها لم أعرف غيرها! قال له علي رضي الله عنه: أتعرف الأحقاف؟ قال الرجل كأنك تسأل عن قبر هود عليه السلام؟ قال علي رضي الله عنه: لله درك ما أخطأت، قال: نعم خرجت أنا في عُنفوان شبيبتي في أغيلمة من الحي ونحن نريد أن نأتي قبره لبعد صيته فينا، وكثرة من يذكره منا، فسرنا في بلاد الأحقاف أياماَ، ومعنا رجل قد عرف الموضع فانتهينا إلى كثيب أحمرَ فيه كُهوف كثيرة ،فمضى بنا الرجل إلى كهف منها فدخلناه فأمعنا فيه طويلاً فانتهينا إلى حجرين قد أطبقَ أحدهما دون الاَخر وفيه خلل يدخل منه الرجل النحيف مُتجانفاً ،فدخلتُه، فرأيت رجلاً على سرير شديد الأدمة طويل الوجه كَث اللحية وقد يبسَ على سريره فإذا مسستَ شيئاً من بدنه أ ضَحيتَهُ صليباَ لم يتغير، ورأيت عند رأسه كتاباً بالعربية أنا هود النبي الذي أسفت علي عاد بكفرها وما كان لأمر الله من مرد ،فقال لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كذلك سمعته من أبي القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم)،وفي مستدرك الحاكم على الصحيحين قال: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء و سدر كثير بناحية كذا وكذا ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين إنك لتنعته نعت رجل قد رآه قال : لا ولكن حدثت عنه، قال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين ؟ قال : فيه قبر هود صلى الله عليه وسلم .

قال العلامة الحضرمي عبدالرحمن بن عبيدالله: (والأحقاف هي حضرموت دون نزاع،والأصل بقاء ما كان حتى يعلم خلافه، فينبغي أن يعقد عليه الإجماع).

نعم ذكرتْ بعض الكتب أن قبر النبي هود عليه السلام ليس بحضرموت وإليك مناقشة هذه الأقوال.

مناقشة الأقوال التاريخية التي تقول أن القبر في مكان آخر:

1-      دعوى أنه في دمشق قبلي الجامع الأموي رده ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (2/491) حيث قال : (ويقولون إن قبر هود عليه السلام في الحائط القبلي والمأثور أنه بحضرموت).

ورده الشيخ ابن تيمية في (الفتاوى 27/491) بقوله :(ومنها القبر المضاف إلى هود عليه السلام بجامع دمشق كذب باتفاق أهل العلم ، فأن هودا لم يجيء إلى الشام، بل بعث إلى اليمن ، وهاجر إلى مكة، فقيل انه مات باليمن ،وقيل انه مات بمكة).

أقول:قوله إقليم اليمن يريد بلد حضرموت إذ أنه معدود ضمن إقليم اليمن،قال ابن كثير في البداية والنهاية) :والأحقاف هي جبال الرمل وكانت باليمن من عمان وحضرموت) فانظر إلى إدخاله حضرموت ضمن اليمن،أما موته بحضرموت فتؤكده الروايات السابقة وكذا ما رواه ابن عساكر والبيهقي في سننه الكبرى وفي شعب الإيمان: عن عروة بن الزبير أنه قال: (ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح، ولقد حجه نوح، فلما كان في الأرض ما كان من الغرق أصاب البيت ما أصاب الأرض، وكان البيت ربوة حمراء، فبعث الله هوداً، فتشاغل بأمر قومه حتى قبضه الله إليه، فلم يحجه حتى مات، ثم بعث الله صالحاً، فتشاغل بأمر قومه حتى قبضه الله إليه، فلم يحجه حتى مات، فلما بوأه الله لإبراهيم حجه، ثم لم يبق نبي بعده إلا حجه.).

2-      دعوى أنه بفلسطين قال عبد الوهاب النجار في "قصص الأنبياء ص53": (يدعون أنه بفلسطين وقول أهل حضرموت أقرب للمعقول لأنها متاخمة لبلاد عاد و
هي الأحقاف دون فلسطين) ، ثم إن كتب تاريخ فلسطين لم تنص على ذلك كما أفاده الباحث السيد علي بن محمد بن حسين العيدروس في "الرد المحكم المتين" ( ص218) المطبوع مع كتاب" نيل المقصود في مشروعية زيارة النبي هود عليه السلام" لشيخنا الحبيب العلامة سالم بن عبدالله بن عمر الشاطري أطال الله عمره في عافية.

3-      دعوى أنه في مكة المكرمة بين زمزم والحجر المروي عن محمد بن سابط لا يصح لطعن علماء الجرح والتعديل فيه ، فقد قال أبو حاتم عنه لا اعرفه ينظر "الجرح والتعديل"( 7/283الترجمة رقم:1526).

4-      دعوى أنه بالعراق دعوى مجردة عن الدليل لورودها في مرجع حديث ،ولعدم نقله عن أحد من المتقدّمين، وعلماء العراق يُنكرون هذا القول ويقولون أنهم لم يسمعوا بهذا من قبل .

5-      دعوى أنه بظفار أولاً ظفار كانت تُعَدُّ مِن حضرموت، ثم إن ابن بطوطة أورد هذا القول بصيغة التضعيف فقال: يقال، ثم جزم بأنه بالأحقاف بقوله في " رحلته "(ص :278): (وقد ذكرت أن بمسجد دمشق موضعا مكتوب عليه قبر(هود بن عابر) والأشبه أن يكون قبره بالأحقاف لأنها بلاده).

ثانيا نبي الله هادون بن هود عليه السلام

تنسب إليه قرية كبيرة بوادي دوعن بحضرموت يقال لها (هدون)،وفي الجهة الشرقية لجامعها قبر طويل يقال إنه قبر النبي هادون بن هود عليه السلام،قال العلامة ابن عبيدالله السقاف في "إدام القوت"(ص361):يقال إن بها قبر هادون بن هود عليه السلام،ولا ذكر له في كتب السير والتاريخ،ولكن نقل صاحب (الإبريز)عن الشيخ عبدالعزيز الدباغ أن نبي الله هويدا مرسل لأهل الأحقاف،فذكر الحبيب أحمد بن حسن العطاس أنه يعني هادون بن هود.

وأهل دوعن مصفقون على ذلك، ولا غرابة فيه مع كثرة الأنبياء بحضرموت؛ إذ هي مقر الأمم الكبيرة:عاد وثمود،وأميم وعبيل،ووبار،وطسم ،وجديس ،وغيرهم،فلا مجال للإنكار،كما لا معول إلا على النص.

أقول أما إثبات النسابة أن للنبي هود عليه السلام ذرية فقد ثبت ذلك وذكروا منهم قحطان بن هود عليه السلام،قال الصحاري في كتاب "الأنساب" (1 / 32):وكان قحطان بن هود ممن آمن بأبيه هود عليه السلام: وهو أبو اليمن كلها، وهو أول من نزل بأرض اليمن بولده وملكها بعد قوم عاد، فسُمُّوا ولده اليمن حين تيامنوا إليها ونزلوها، وكان قحطان من المؤمنين.

أقول فلا مانع أن يكون له ولد غير قحطان ولعل الأيام تكشف عن شيء يتعلق بهذا الأمر فإن المستقبل كشاف.

وفي الغالب لا يجمع أهل جهة على شيء إلا ويكون له نصيب من الصحة، فشيوع المعلومة التاريخية بطريقة تلقي الأحفاد عن الأجداد وهو ما يعرف بالتواتر اللفظي غالبا ما يكون لها ما تستند إليه من النقول اللهم نهتدي إليها أوْ لا؟

ثالثا نبي الله ذا ليان بن هادون بن هود عليه السلام

ذكر العلامة المؤرخ علوي بن طاهر الحداد في" الشامل"(ص 45) فقال:أن بأودية آل الذييبي قبر نبي يسمونه بن هود واشتهر اسمه عندهم بأنه( ذا ليان بن هادون بن هود) وقبره هناك في جبل يعرف بجبل بن هود بأسفل وادي هدا.

فبان من هذا النص أن لهادون بن هود عليه السلام ذرية أيضا ومنهم ( ذاليان بن هادون بن هود) المذكور .

رابعا قبر نبي الله صالح عليه السلام

هو عبدالله ورسوله صَالح بن عبيد ابْن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثَمُود بن عاثر بن إرم بْنِ نُوحٍ،قال وهب: إن الله تعالى بعث صالحاً حين راهق الحُلُمَ وكان رجلا أحمر إلى البياض،سبط الشعر، وكان يمشي حافيا، ولايتخذ حذاء، كما يمشي المسيح، ولايتخذ مسكنا ولا بيتا، ولا يزال مع ناقة رَبَّهِ حَيْثُ توجَّهت.

وأفاد المؤرخ صالح بن علي الحامد في تاريخه (1/71): أن للنبي صالح عليه السلام عندنا بحضرموت قبر معروف مشهور يقصده الزوار، وهو واقع في شعب (عسنب)من وادي (سر) ووادي (سر) مسيال ماء شمال القطن، يسيل من ريدة الصيعر، قال العلامة عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف في " إدام القوت" (ص495):والظاهر أنه محرف عن (الرس)والتحريف واقع بكثرة عند الحضارم وغيرهم.

يقول بعض علماء الأخبار:إن ثمود قوم صالح كانت من عاد، ومن هولاء الثعلبي،إذ قال)إن ثمود هو ابن عاد بن عوص بن آدم)فإذا صح هذا فهو يقوي رواية وجوده بحضرموت.

قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود (7 / 310) نقلا عن الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/3748): وحضرموت موضع بأقصى اليمن حضر فيه صالح عليه السلام فمات فيه ، وحضر جرجيس فمات فيه.

وورد في تفسير البغوي (3 / 254) ما نصه:(وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت.)

ورجح العلامة الألوسي في (روح المعاني9/159)أن صالحا عليه السلام مقبور بحضرموت،وقال: فالظاهر أن قبره عليه السلام هناك أي بحضرموت، وقيل : هو بعكّا وعليه الإمام أبو القاسم الأنصاري واللّه تعالى أعلم ا هـ.

قال المؤرخ صالح بن علي الحامد في تاريخه(1/71):وكون نبي الله صالح عليه السلام بحضرموت هذا ما عليه الضحاك وغيره.

ثم قال:وقبره مستطيل جدا كقبر النبي هود عليه السلام تق
ريبا أو أطول على سفح جبل، وعليه حائط، وحوله خدود ومنازل مبنية من الحجر مطلية بالكلس زاهية منيرة، يشعر الزائر حوله بالأنس والروحنة، وحوله بئر يستقي منها الزوار والسكان القريبون من هذا الموضع.

خامسا قبر نبي الله حنظله عليه السلام

هو نبي الله حَنْظَلَة بن صَفْوان عليه السلام من الأقيون من بني فَهْم بن الحارث بن قحطان، قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 204هـ): في نسب معد واليمن الكبير(1 / 26):(رهط حنظلة بن صفوان من أهل الرس، والرس فيما بين نجران واليمن من حضرموت إلى اليمامة).

قال العلامة أحمد بن محمد بن إبراهيم، الأشعري في" التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب": وقتلوه ـ أي نبي الله حنظلة ـ وطرحوه في بئر تسمى الرس.

قال المؤرخ الحامد في تاريخه(1/74):والمفهوم أن حنظلة بن صفوان بعث في قوم صالح،وقد جعلهم بعض الرواة والمفسرين هم أصحاب البئر المعطلة، وبعض آخر جعلهم أهل القصر المشيد،وآخرون قالوا هم أصحاب الرس، ولا يبعد أن يكون أمة واحدة وُصفت بوصفين من هذه الأوصاف،أو بها كلها،وأنها كانت بأرض حضرموت.

ثم قال:وفي (التيجان)عند ذكره زيارة نبي الله سليمان عليه السلام لقبر هود عليه السلام قال: ولما بلغ سليمان عليه السلام إلى عجز الأحقاف أمر الريح فأمسكت ،ثم قال وأشار بيده وقال:هناك ولي الله صالح بن صفوان صدق وكذبوا،فنجا وهلكوا وإلى الله المصير.

قال ابن الكلبي : كان لأهل الرس نبي يقال له حنظلة بن صفوان ، وكان بأرضه جبل يقال له دمخ مصعده في السماء ميل .

قال العلامة ابن عبيدالله السقاف في "إدام القوت"(ص 773):ويدلل على كون قبر نبي الله حنظلة عليه السلام بحضرموت بجملة من الأدلة منها:

1.      أن الله ربط قومه وهم أصحاب الرس بعاد وثمود في سياقة واحدة ، حيث يقول في آية الفرقان  وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ) [الفرقان : 38]،وقد قال بدلالة الاقتران جماعة من أهل العلم؛كالمزني وابن أبي هريرة من الشافعية،وأبي يوسف من الحنفية وغيرهم.

2.      قول صاحب "خريدة العجائب"(ص31):إن حضرموت شرقي اليمن، وإن بها بلاد أصحاب الرس.

3.      قول البكري في (معجمه)2/652:والرس المذكور في التنزيل بناحية صيهد من أرض اليمن.

أقول قال ياقوت الحموي في " معجم البلدان" (3 / 436):صيهد مفازة ما بين اليمن وحضرموت.

4ـ قول الميداني في "مجمع الأمثال"(1/429): أنه يقال لجبل أهل الرس:(دمخ) مصعده في السماء ميلا،وفي حضرموت جبلان:جبل في جنوب الغرف يقال له (دمح)بالحاء المهملة،وجبل بالساحل يقال له(دمخ)بالخاء المعجمة،وبما أن كلا الموضعين من بلاد حضرموت ففيها شواهد عدل على صدق ما اشتهر به وجود قبر نبي الله حنظلة بن صفوان عليه السلام بحضرموت.

وقال ابن عبيدالله في (ص 830):ولئن كان ذاك بالخاء المعجمة وهذا بالمهملة فإن الأمر قريب جدا والتصحيف في مثله كثير، كما صحفوا (سَرْ) عن (رس).

سادسا نبي الله جرجيس أو سرجيس عليه السلام

ذكرت بعض المصادر ككتاب "الخبايا في الزوايا" للعلامة عمر بن علوي الكاف(ص99)وكتاب"الدر الثمينة في تاريخ مساجد تريم ومعالمها القديمة" للأخ الباحث خالد بن سعيد باغوث (ص160):أنه اشتهر بمدينة تريم مسجد قديم يقال له مسجد سرجيس ويقع هذا المسجد بحارة السحيل بحري مسجد الكاف، ويقال أن أصل التسمية جرجيس ثم صحف إلى سرجيس.

يقع في المسجد من الجهة الشمالية قبر النبي جرجيس عليه السلام، وبالتنقيب في بعض كتب العلم وقفتُ على ما ذكره العظيم آبادي في (عون المعبود شرح سنن أبي داود) (7 / 310) نقلا عن كتاب (المرقاة شرح المشكاة) وقد تقدم حيث قال: (وحضرموت موضع بأقصى اليمن حضر فيه صالح عليه السلام فمات فيه ، وحضر جرجيس فمات فيه.) فهذا النص يؤكد الرواية المتواترة والشائعة بين أهالي مدينة تريم وأنها لم تأت من فراغ كما قد يتوهمه البعض.

وختاما أقول هذا ما ذكرَتْهُ بعضُ كُتبِ التاريخ فيما يتعلق بالأنبياء المقبورين بأرض حضرموت فمنهم من جزمت النصوص بوجوده كقبر النبي هود عليه السلام، ومنهم مَن وردتْ فيه عدة أقوال منها ما رَجحتْ وجودهم في حضرموت ولها حظ مِن الوجاهة والمصداقية التاريخية.. على أنّ المسألة تفتقرُ إلى المزيد من التحقيق والدراسة مِنَ المختصين المنصفين وبالله التوفيق
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
“ العثور على ناقة النبي صالح” جديد الباحث العبيدلي

صدر للباحث الاكاديمي احمد العبيدلي كتاب قيم بعنوان “العثور على ناقة النبي صالح” يعنى أساسا بمسألتين: الأولى: ترجيح القول بتحديد موقع لأحداث نبوة صالح وقومه ثمود، والثانية، وهو يرتبط بالأول حول تحديد أصل الأنباط، وهم عرب تعاصرت دولتهم مع الحضارة الهلينيستية (حضارة الفترة التي تلت وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 ق م وحتى عقود من القرن الأول الميلادي) واستمرت قائمة لما يقرب من خمسة قرون انتهت بضمها للدولة الرومانية عام 106 ب م. وهناك تصور شائع عن مكان تلك الأحداث، على أنه مدائن صالح، ولكنه تصور خاطئ. وجرت محاولات قديما استمرت لعصرنا الراهن لإعادة سرد الرواية، على أن الكثير من تلك الجهود جانبها الصواب إذ اقتصر اعتمادها على أدلة تقليدية، على أهميتها، وما استفادت من طرائق بحث جديدة أو استعانت بنتائج الكشوف الآثارية، والدراسات المعاصرة.

وقد قسم العبيدلي كتابه إلى ستة فصول، تناول في الفصل الأول استنادا للمصادر والمراجع والدراسات المعاصرة، والتي اشتملت على المصادر غير العربية، والعربية، والآثار والنقوش، والجغرافيا، ودراسات الرحالة. ثم انتقل في الفصل الثاني لقوم (ثمود)، ورحلاتهم إلى الشمال، متعمقا في جغرافيتهم، ونمط سكنهم، وتاريخهم، إلى جانب الأمور الايكولوجية المتعلقة بمكانهم.

أما الفصل الثالث، فخصه العبيدلي لمنطقة (المهرة)، المكان والقبيلة، لينحو بعد ذلك نحو  الإبل في الجزيرة العربية ، بدءًا من مرحلة تدجينها، وصولاً لموقع خلق الناقة، كما يستنتج. وفي الفصل الخامس، يتناول  النبي صالح والناقة والعصاة والعقاب ، حيث يدرس في هذا الفصل زمنية القصة، ورجال النبي، والعقوبات، والناجين. وينتهي في الفصل السادس، بمقاربة نقدية بين  ثمود والأنباط .

الحيوان المقدس

وقد لاحظ العبيدلي أثناء إقامته بين قبائل (المهرة) و(ظفار) في سبعينيات القرن الماضى وجود (إبل) مقدسة تجوب الصحاري الواسعة والقاسية، موفرة الحليب للضال والمنقط، وكان ذلك مدعاة للبحث عن تفاصيل جديدة في قصة النبي صالح والناقة التي أراد لها النبي التقديس للبقاء والدوام، واختارت لها (ثمود) العقر والقتل. ففي تلك المناطق تشيع أقوال تفيد بأن سكان (المهرة الكبرى)، الممتدة بين (حضرموت) و(عمان)، هم من تبقى قوم (عاد الثانية)، وبين أوساطهم جرت قصة النبي صالح.

لفت ذلك القول انتباه العبيدلي، الذي برزت له مجموعة من المسائل المتعلقة بطبيعة الحياة والبقاء في تلك المناطق، كالحاجة الشديدة لوجود مصدر للحياة لسد حاجة العابر لتلك الفيافي والقفار، حيث لا ماء ولا نبات لمسافات مديدة. إلى جانب أن خير وسيلة لإيجاد ما يبقي على الحياة هو في إيجاد إبل سيارة توفر الحليب، وهو عنصر غذائي يسد العطش والجوع. بالإضافة إلى أنه لا بد، لكي تستمر هذه الإبل في العيش، من أن تتخذ رمزية دينية، وهكذا كانت الأبل محرمة، يحق للمحتاج الانتفاع بلبنها دون لحمها، فإن أخل بهذا الشرط، عوقب، أو تعرض للفضية. لهذا يبين العبيدلي أن معرفة الإبل المحرم ذبحها، يعد بمثابة العثور على أصل مستمر إلى يومنا هذا لناقة صالح المقدسة، والتي أدى قتلها لمعاقبة ثمود. عموما الكتاب قيم ويحتاج إلى دراسة متعمقة والتبحر في فصوله، والمعروف أن أحمد العبيدلي هو باحث أكاديمي، ومدرس، حاصل على الدكتوراه من جامعة كمبردج البريطانية في الدراسات الشرقية وبواكير التاريخ الإسلامي للجزيرة العربية متخصصاً بتاريخ عُمان، له عدة مؤلفات ودراسات وترجمات باللغة العربية والإنجليزية، تنقل بمواقع بحثية متعددة بين لبنان وبريطانيا والبحرين. وهو عضو بمؤسسات وجمعيات مهنية تعنى بالدراسات التاريخية
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
هكذا هي جزيرة العرب قلاع وآثار وأحافير أقفر منها المكان، وأخنى عليها الزمان.. يحكي لك التاريخ عن كل فرسخ من أراضيها، ويروي حديث أمم سادت ثم بادت، وحضارات تحكي أصول العرب وأجذام النسب العربي بماضيه التليد، وتاريخه المجيد؛ فبين القصور والقبور والبحار والقفار ثمة أمم خلت، وتاريخ يرويه الأجداد للأحفاد عن ثمود وعاد وطسم وجديس وعبيل ووبار وجرهم والعماليق، وكيف قامت الحضارات وتعاقبت الممالك والإمارات لترسم على صفحة التاريخ أسماء "إرم" و "وبار" و"عيلام" و"نبيط" و"عمليق" الذين انتشروا من أرض الجزيرة العربية إلى بقاع الدنيا، ووصف بعضهم بأنهم العرب البائدة، إلاّ أن قبيلة "العماليق" العائدة إلى جدها الأكبر "عمليق" تبقى علامة استفهام في حلها وترحالها ونسبها وأحوالها، والذي يجمع عليه الباحثون أن هؤلاء "العماليق" انقرضوا وزالوا مع زوال أمم عاصرتهم وجاورتهم لتتوزع فلولهم بين أمم عربية اتفق المؤرخون على تسميتها بالعرب الباقية من عدنان وقحطان.

ذرية العماليق

يجمع المؤرخون أن العماليق من ذرية "عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح" -عليه السلام-، وأنهم من أقدم سكان الجزيرة العربية، وهم من يسمون "الجبابرة"؛ إذ قد وصفوا بالطول الفارع، وضخامة الأجسام حتى حيكت حولهم الخوارق والخرافات والعجائب والمعجزات، وحكيت عنهم الأساطير والأخبار، ونُظمت فيهم القصائد والأشعار، بل لقد ساحوا في أرض الجزيرة العربية وتجاوزوها إلى الشام والعراق ومصر، وأقاموا الحضارات والمباني والعمارات، وشقوا السواقي والقنوات، وحكموا البلاد والعباد حتى دانت لهم الأمصار في الأراضي والجزر والبحار؛ فأقام الكنعانيون والآموريون حضارة شهدها البابليون بحدائقهم المعلقة التي وصفت بأنها من عجائب الزمان وشواهد المكان، وقد ذكر "ابن جرير الطبري" أنهم أول من تكلم العربية، وفي هذا خلاف كبير بين الأساطين من المؤرخين والعلماء؛ إذ يقال إن أول من تحدث العربية هو نبي الله إسماعيل عليه الصلاة والسلام.

تاريخ وحضارة

كما يورد الطبري في كتابه الشهير "تاريخ الرسل والملوك" أن قبيلة جاسم التي سكنت يثرب كانت من قبائل العماليق، وقد زخرت كتب المؤرخين الأوائل -الذين تناولوا التاريخ القديم- بأخبار العماليق وحضاراتهم ( 2500ق م) أي قبل (4500) عام من زمننا هذا-، مبرزين ما كانت عليه هذه الحضارة من آثار، وما شهدته من حراك تجاري ونشاط سياسي ونهضة عمرانية فريدة إبان "الحامورابي"، والحدائق المعلقة في بابل، لا سيما وقد عاصروا خروج بني إسرائيل من مصر، وكان اليهود يعدوهم من أشد الخصوم وألد الأعداء، بل قد ذكر "المسعودي" أن الفراعنة من العماليق الذين نزحوا إلى مصر وإلى جد العماليق "إرم" تنسب "ذات العماد" التي ذكرها العزيز الحكيم في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه (إرم ذات العماد* التي لم يخلق مثلها في البلاد)، واختلف في موقعها فقيل بالأحقاف جنوب الجزيرة العربية، وقيل في دمشق على أن القول الراجح أنها في بلاد الأحقاف في حضرموت، حيث كان انتشار العماليق من جنوب الجزيرة العربية.


انتشار واسع لجثث العماليق في الجزيرة العربية والشام ومصر والعراق

كما أُلحق بعض العماليق ب"عيص بن إسحاق بن إبراهيم" -عليهما السلام- إلاّ أن نزول "العماليق" و"جرهم" على أمنا هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام بمكة المكرمة بعد تدفق ماء زمزم مروي بالتواتر من العلماء والمؤرخين.

ووصف العماليق بأنهم قبائل بدوية غير مستقرة، وعرفوا بالجلافة وخشونة الطبع، كما وصف أحد زعمائهم من الآمورين بأنه رفيق للسلاح يأكل اللحم نياً، ولا يثني ركبه "أي لا يهزم"، كما لم يمتلك بيتاً طوال حياته، ورغم أن هذا الوصف أطلق عليهم من قبل السكان المستقرين الذين تثبت الأبحاث التاريخية نقيض وصفهم؛ إذ يتحدث التاريخ عن حضارة واسعة أثرت على ما بعدها من الحضارات وما جاورها من الممالك والإمارات.

قوم ثمود!

وقد اعتاد الناس في كل زمان أن يصفوا الأقوام السابقة بكبر الأجسام وضخامة الأحجام، إلا أن الآثار والمآثر التاريخية وقبلها القرآن الكريم لم تطلق هذا الوصف على عمومه، بل قُيد لأقوام بعينها؛ إذ لم يعرف أن قوم ثمود -على سبيل المثال- عُرفوا بالضخامة والجسامة، ومع هذا يصفهم الناس منذ الأزمان السابقة بأنهم قوم كبار الجسم والعظم، غير أن قبورهم وأبواب منازلهم التي نحتوها من الجبال - قبل أن يحل بهم غضب الله عز وجل- مازالت دليل حي وشاهد يحكي حجم أجسامهم التي لا تختلف عن أجسام أبناء زماننا هذا.

طسم وجديس

كان ل"عمليق" -جد العماليق- إخوة يحفظ التاريخ منهم "طسم" و"جديس"، وهما القبيلتان اللتان سكنتا "جو"، وجو قديماً تطلق على أجزاء من نجد سميت فيما بعد باليمامة، وهي الآن مدينتنا "الرياض والخرج"، وقد سكنتها قبيلة "جديس"، أما "طسم" فاستقرت في بلاد هجر والبحرين، إلاّ أن الصراع الذي دب بين أبناء العمومة من "طسم وجديس" كان سبباً في فنائهما وتفرقهما شذر مذر، ولم يبق معها إلاّ الحديث عن زرقاء اليمامة التي ضرب بها المث
ال في حدة البصر، وذاك حينما حذرت بنو زوجها قبيلة "جديس" من قومها "طسم"، وأنها رأت ذات يوم الأشجار تسير ومن ورائها الرجال فكذبوها وغفلوا عن أخذ أهبة الحرب فقالت:

إن أرى شجراً من خلفها بشر

فكيف تجمع الأشجار والبشر؟

ثوروا بأجمعكم في وجه أولهم

فإن ذلك منكم فالعموا ظفر

وما لبث أن وصلت طلائع "طسم" الذين استنجدوا بالملك الحميري "حسان بن تبع" يقودهم أخو زرقاء اليمامة "رباح بن مرة" الذي حذّر القوم من حدة بصر أخته "يمامة"، وهذا اسمها -ولقبت بزرقاء؛ لزرقة لونها، وقيل لزرقة عينيها- فعمد القوم إلى قلع الأشجار وجعلها أمامهم فهلكت جديس في حرب ضروس وفرّ زعيمها "الأسود بن غفار" في البراري والقفار إلى أن لجأ إلى قبيلة طيء فأجاروه من الملك ومن أعدائه.

ويذكر "المسعودي" أن نسله ما زال في طيء مذكور مشهور عند العرب، كما ذكر "المسعودي" في (مروج الذهب) أن هذه المناطق في زمانه -ويقصد الرياض ويمامة الخرج- تحت حكم "الأخيضر العلوي" من أحفاد "الحسن بن علي"، ويقصد بها حكم "الأخيضيريين" في القرن الرابع الهجري الذي عاصره "المسعودي".


زرقاء اليمامة

كانت العرب تضرب المثل في حدة البصر بامرأتين "زرقاء اليمامة" و"حذام" التي لم يصدق قومها تحذيراتها من اقتراب العدو لهم حتى هجموا عليهم وهزموهم فقالت العرب:

إذا قالت حذام فصدقوها

فإن القول ما قالت حذام

أما زرقاء اليمامة فلم يغفل المؤرخون الحوار الذي دار بينها وبين الملك الحميري "حسان بن تبع" الذي أمر بنزع عينيها ورأى فيها عروق سوداء فسألها عن ذلك؛ فأشارت إلى حجر الأثمد الذي كانت تكتحل به حتى قيل إنها كانت ترى الشعرة البيضاء في اللبن، وترى الجيش على مسيرة ثلاث ليال؛ مما زاد من تخوف الملك الحميري منها فأمر بها فصلبت على باب "جو" فسمى الملك الغازي بلاد جو باسمها "اليمامة"، وقال وهو خارج من البلاد:

وسميت جواً باليمامة بعدما

تركت عيوناً باليمامة هملا

وبقيت التسمية إلى هذا الوقت ووثّق التاريخ اسمها مع "كيلوباترا" و"الزباء" و"سميراميس" كأشهر نساء الزمن الأول.

العرب البائدة

وكان "عاد بن إرم بن سام بن نوح" قد سار بولده إلى الأحقاف وهو يقول:

إني أن عاد الطويل البادي

وسام جدي ابن نوح الهادي

فقد رأيتم يعرب الزيادي

وسوقه الطارف والتلاد

أما "ثمود بن إرم بن سام بن نوح" فسار بولده إلى وادي القرى بين الشام والحجاز، وسكن "عيلام بن سام بن نوح" ومن بعده و"أميم بن لاوي بن إرم" في الأحواز وفارس، وحل "نبيط بين إرم بن سام بن نوح" أرض بابل بالعراق، ونزل "وبار بن أميم" إلى الأرض التي سميت باسمه "وبار"، ونزلت "داسم" بأرض السماوة بالعراق والجولان ببلاد الشام، أما "عبد ضخم بن إرم" فنزل الطائف، ومن هؤلاء كان العرب البائدة "طسم وجديس وجرهم وثمود وعاد"، ومنها الأقوام التي أنزل الله سبحانه عليها غضبه ونقمته جراء كفرهم وعصيانهم، ناهيك عمن تفانوا منهم بالحروب والتحقت فلولهم بعدنان وقحطان لتعاود القبائل العربية -من جديد- انتشارها من رحم العرب الأول الجزيرة العربية
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#حريضة
ومغارة شداد بن #عاد

حريضة ومغارة شداد بن عاد
طبيعة خلابة وجمال بديع وجاذبية تميز وادي حضرموت عن غيره، فهو من أكبر أودية الجزيرة العربية.. تذهلك جباله الشامخة شموخ المكان والزمان ،فهي تحفظ تاريخاً منقوشاً على صخورها أبدعته وتفننت به طلائع فجر التاريخ في تلك الأزمنة الغابرة ولا تزال الكتابات والنقوش منحوتة على الصخور في مداخل المغارات والطرق المؤدية إلى الهضبات وبالقرب من الينابيع الجبلية إلى وقتنا الحاضر، وما يدهشك في هذا هو انك حين تسأل الأهالي عن المعالم الأثرية يبادرونك إلى إجابة عادية "من آثار قوم عاد".
وقد ذكر المؤرخون أنه بعد الطوفان جاء أبناء عاد وهم أول من سكن الأحقاف " وادي حضرموت حالياً" ولم يكن في الأرض أمة أشد بطشاً وأكثر أثاراً وأقوى عقولاً ، وأكثر أحلاماً من قوم عاد. وكان عاد يعبد القمر " الإله سين" الموجود بالقرب من مدينة حريضة، ولا تزال آثاره ومعالمه باقية.
ويقال أن شداد بن عاد بنى مدينة إرم ذات العماد.
وقد جاء ذكر حريضة في كتاب "معجم بلدان حضرموت" للعلامة عبدالرحمن بن عبيد اللاه السقاف. حيث ذكر بئر تتسع في جبل غمدان "شرق حريضة" ووصفها بأنها بئر عميقة ينزل إليها بدرج ،وكل درجة منها بطول قامة إنسان ،وذكر عن وجود بيوت مطمورة تحت الأرض حول معبد القمر "الإله سين" وعن وجود كتابات قديمة على بعض الحجارة يمتد عمرها لأكثر من ألفي عام.
ويقول الباحثان "دانيالنان مولينا" هولندي الجنسية ود. "هو.فون فيسمان" عالم جغرافي ألماني في كتاب حضرموت "إزاحة النقاب عن بعض غموضها" خلال زيارتهما لحضرموت عام 1931م. إنهم استطاعوا الخروج إلى البئر بمرافقة أحد الأهالي لكشف غموضها وذكروا أنمها تسلقا عائدين!! ووصفوها بأنها تبدو كالأنبوب، عمقها 90 قدما "تسعون قدم" يعترض الجزء الأسفل منها ممر. وقد أشاروا في الكتاب إلى أن الأهالي على معرفة بمدن ومقابر قوم عاد وثمود السكان الأصليين للبلاد.
وما يدل على وجود المغارة ما قاله العلامة الفقيه محمد بن علي بن زاكن باحنان (1312- 1383) في "الاتحاف مقدمة تاريخ الأحقاف" مخطوط حيث أطلعنا عليه أحفاد المؤرخ ايماناً منهم بمعرفة المعالم التاريخية وكشف أسرارها. ويروي العلامة باحنان نقلاً عن أحمد بن حسن العطاس "من علماء حضرموت الموسوعيين، متصوف، فقيه، نسابه، مصالح اجتماعي" (1257- 1334) واصفاً حريضة بأنها بلاد بها أسواق ترد إليها القوافل من صنعاء ومأرب عبر طريق ينزل من أعلى سفح جبل من جبالها القبلية. وهي من بلدان عاد القديمة وكانت تسمى قريضة وبها عين ماء تجري ونخيل لا يحصى، إلا أن معن بن زائدة قام بتخريب هذه العين الجارية ولا تزال آثارها باقية إلى وقتنا الحاضر.
وروى أن شداد بن عاد وجد ميتاً على سرير من الذهب في المغارة الواقعة في الجبل الشرقي من حريضة ووجد عند رأسه لوح من الذهب بحسب رواية دعقل الشيباني "من مؤرخي القرن الثاني الهجري" عن رجل من حضرموت من بلد قضاعه يقال له بسطام أنه وقع على حفيرة شداد بن عاد في جبل من جبال حضرموت بعد أن تمكنت من دخولها بنفسه برفقة احد الفتية ، وأنه حمل معه أدوات عظيمة مملوء بالماء والطعام قدر ما استطاع على حمله مع السرج المضيئة واصفاً أنه اتجه نحو الجبل الذي فيه المغارة ووصل إلى باب تلك الحفرة ودخل مع مرافقه وقد شاهدها عظيمة عرضها نحو 120 قدم وطولها علوا نحو 150 قدم، وواصل المشي مع مرافقه فيها ونزلوا في طريق أملس مستوٍ حتى وصلوا إلى درج عادية "من آثار قوم عاد" عرض الواحدة 30 قدم في سمك 15 قدم ونزلوا في تلك الدرج وكان يمسك بيد صاحبه حتى ينزل فإذا نزل وقام في الدرجة وثبت تعلق هو بطرف الدرجة الأعلى وتثبت حتى يتناول زميله رجله ويساعده على النزول والثبات. واصفاً أنهما استمرا على هذا الحال حتى وصلا إلى أسلفها. وليذكر أنهما مضوا على مقدار مائة درجة حتى وصلوا إلى مكان عظيم محفور في الجبل طوله 150 قدم وفي صدره سرير من ذهب مرصع بأنواع الجواهر فوقه رجل عظيم الجسم قد أخذ طول ذلك المحل، وعرضه وهو مضطجع كهيئة النائم، وعليه أربعون حلة بقدر طوله وعرضه منسوجة بقضبان الذهب والفضة وكان المحل يضيء من ثقب عرضه (3 قدم) وارتفاعه (5قدم). وإذا على رأس السرير لوح من ذهب فيه كتابة محفور ة في اللوح حفراً. فأقترب من ذلك الرجل ، وعند ملامسة ما عليه من الحلل صارت رميم" ويروي أنهما جمعا مقدار مائتي رطل من الذهب ولم يستطيعوا قلع شيء من الجواهر لشدة ثباتها في السرير فتركاها حين هجم عليهما الليل وعرفوا ذهاب النهار بذهاب الضوء الذي يدخل من الثقب.
ويذكر العلامة باحنان في نفس المخطوطات في فقرة ننقلها بالحرف الواحد. قال دغفل الشيباني: سألت علماء حمير عن شداد وقلت أنه أصيب وقد كان دنا من أرم ذات العماد فكيف وجد تلك الحفرة بأسفل قضاعة من حضرموت. فقالوا أنه لما هلك هود ومن معه من الصيحة على مرحلة من تلك المدينة قام من بعده بملك حضرموت أبنه مزيد ابن شداد فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت مطلياً بالصبر والكافور، فأمر بحفر ت
لك الحفرة فحفرت واستودعه فيها.
وأورد العلامة باحنان قول "الزمخشري" ما رواه الشعبي عن علماء حمير من اليمن أن ابن شداد الأصغر خلفه أبوه شداد على ملك بأرض حضرموت وسبأ فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت فخفرت له حفرة في مغارةٍ فاستودعه فيها على سرير من ذهب وألقى عليه سبعين حلية منسوبة بقضبان الذهب ووضع عند رأسه لوحاً عظيماً من الذهب.
واختتم العلامة باحنان هذه الحكاية وثباته لها لما فيها من ذكر نسب قضاعة ولصحة وجود تلك المغارة بذلك المكان.
وقضاعة يعود إلى حضرموت فهو ملك أسمه قضاعة ابن شبام بن حضرموت ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ابن نبي الله هود عليه السلام.
* مشاهدات فريق "المؤتمر نت" وزيارته لهذه المواقع وتصويرها
شوهدت بعض النماذج من الكتابة المنقوشة على الحجارة وهي من خط المسند ولغتها هي اللغة العربية الجنوبية ،وهي من أقدم الكتابات العربية .كان اليمنيون القدماء ينقشونها بعناية ودقة ومهارة، إلا أنها تعرضت للنهب والتكسير والعبث، وقد رافقنا في زيارة هذه المواقع شخص ذو معرفة بالجبال وأسرارها.
وقد وقفنا على المغارة والبئر ووجدنا ما يستحق الإثارة والاهتمام العلمي على أن تباشر الجهات ذات العلاقة نشاطها البحثي والاستكشافي بالاستعانة بالمتخصصين من هذا المجال لإبراز معالم طلائع فجر التاريخ اليمني المعاصر
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM