رسالة من #النعمان «الأب»
إلى عبدالرقيب عبدالوهاب
هذه الرسالة كتبها رائد التنوير في اليمن الأستاذ أحمد محمد نعمان إلى النقيب البطل عبد الرقيب عبدالوهاب.
إلى الذين منحهم القدر فرصة نادرة..
ليحملوا فيها السلاح بعد أن عاش آباؤهم قروناً لا يحملون سوى المحراث إلى هؤلاء أتوجه بالرجاء طالباً ألا يضيعوا الفرصة التي منحهم القدر إياها وأن يحسبوا لخطواتهم ألف حساب وأن يكونوا على جانب من الحيطة والحذر و الحكمة والبصيرة وعدم التورط في الصراع مع الآخرين...كما أحذرهم ألا يغتروا بالسلاح ولا يحاولوا تحدي إخوانهم وزملائهم السابقين الذين احتكروا السلاح...فإنهم سيثيرون العصبيات القبلية والنعرات الطائفية.. ويعرضون أنفسهم للانتقام من ذوي المصالح والمكاسب.
إنني أكرر الرجاء وألح في الطلب والتشدد في التحذير.. وأناشدهم ألا يستجروا آلام الماضي أو يفكروا بالأخذ بالثار أو يستعيدوا ذكريات القرون والأجيال. إن الذين عاشوا في الماضي كان لهم عذرهم في التعصب واحتكار السلطات والاستغلال والارتزاق بالسلاح.
ولكنا في العصر الحاضر عصر العلم والتحرر والتطور والحضارة لا يقبل منا ما كان يقبل ممن عاشوا في الماضي ولنعذر كما يعذرون أن واجبنا ما دامت الفرصة بين أيدينا أن نعلم أولئك الذين حكمونا بالأساليب الظالمة القاسية علموهم كيف ينهجون السبيل القويم سبيل الرفق والإنصاف لا سبيل العنف والإجحاف. حتى يتأثروا بسلوكنا وأسلوبنا ويعاملوننا نفس المعاملة.
فيما لو فشلنا وأصبحنا تحت رحمتهم من جديد. علينا أن نعلم الآخرين كيف يتعاملون مع كل المواطنين وأن نرسم لهم الطريق الصحيح لتحقيق الوحدة اليمنية الشاملة وتبادل الثقة وحسن الظن. وإزالة الشكوك.. ونبين لهم أن الاختلاف في الرأي أو المذهب وحتى في الدين لن يحول دون التعارف والتعاون والتعايش في سلام واستقرار وعدالة ومساواة.
إن أمامنا شعوباً مختلفة الأديان والمذاهب والآراء واللغات تعيش في وطن واحد. لا يفرق بينهما رأي ولا مذهب ولا دين ولا لغة ونحن بالرغم من وحدة الأرض والدين لا نزال حتى اليوم مفرقين نحارب أنفسنا ونسفك دماءنا ونخرب ديارنا فأية لعنة تحل علينا وأية همجية ووحشية أفظع مما تحياه بلادنا اليوم. اليمنيون لا تحميهم حكومة مقيدة بنظام أو ملتزمة بقانون وإنما تحميهم الصدفة ويحميهم السلاح الذي حصلوا عليه بالصدفة غير أن هذا السلاح لا يحمي الأغلبية المغلوبة وإنما يحمي الأقلية المتسلطة التي تتخذ منه قانوناً ودستوراً ونظاماً للإرهاب. والتسلط والارتزاق.. والويل كل الويل للضعفاء الذين يتخذون من السلاح وسيلة لحكم القانون لحمايته والدفاع عنه ليعيش المواطن في ظل القانون آمناً على نفسه وماله وعيشته.
إن الجيش قد يهزم وإن السلاح قد يتحطم. ولكن القانون يظل حياً منتصراً لا يهزم. والقادة والحكماء والعلماء ضمان حرية الإنسان وحمايته من العدوان.
يامن ذاق آباؤهم الظلم ألواناً إن الشعوب التي لا تمتلك السلاح لا تنتصر بالسلاح وحده. ولكنها تنتصر بالإنسان المدرك الواعي.. كما أنها لا تضمن الاستقرار والسعادة والرخاء إلا في ظل قانون ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين.. ويحدد المسئوليات ويضمن الحريات ويكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات فلا تطغى فئة على فئة ولا طائفة على أخرى ولا يتسلط الأقوياء على الضعفاء.
إن الذين لا يفكرون إلا بالسلاح ليستمدوا منه سلطانهم وليواجهوا به مخالفيهم ويقاتلوا به إخوانهم ومواطنيهم ولا يتبادلون إلا طلقات الرصاص بدلاً من تبادل الرأي.
إن هؤلاء ليسوا سوى عصابات كل همها إشباع غرائزها.. لا تؤمن بالعقل ولا بالمنطق ولا بالقانون ولا بالإنسان والبلد الذي يتحول أبناؤه إلى عصابات يصبح غابة وحوش ضارية يفترس بعضها بعضاً.
يا أبناء المعذبين والمستضعفين في الأرض
أنتم قبل غيركم مسئولون عن تحقيق حكم سليم يقوم على الانتخاب الحر وعلى رغبة الجماهير ورضاها وهذا ما تطالب به كل الشعوب والأمم وتقدم التضحيات في سبيله وتحارب من أجله..
أنتم قبل غيركم المطالبون بتحقيق هذا المطلب الذي طولب به أيام الإمام يحيى وخلفاؤه من بعده لتحموا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم.
إن ثوار 26 سبتمبر 1962م ما عدا قلة قليلة لم يحققوا سوى المكاسب والمغانم والمناصب والرتب لأنفسهم ولخاصتهم وللمحسوبين عليهم.
أما الشعب فلم يحققوا له سوى الخراب والدمار والتمزق فكانوا أكثر شراً وسوء من الحكام السابقين بل لقد ضاعفوا الشرور والأخطاء حين أدخلوا البلاد تحت النفوذ الأجنبي وجعلوها ميدان صراع دولي ومسرحاً للأحقاد والحروب العربية فكونوا أنتم التصحيح لهذا يا ثوار 5 نوفمبر سنة 1967م.
وحسب البلاد ما أصابها من ويلات وسفك دماء خلال هذه الأشهر القليلة على أيديكم حتى عرضتم العاصمة صنعاء للخراب.
إن الأقطار المتقدمة التي كنا نستلهم منها الرشد ونتطلع إليها لنسير على هداها ونقتدي بها والتي تأثرنا بدعايتها وقلدناها تقليداً أعمى واتجهنا إليها بكل أماننا وآمالنا هذه الأقطار بعد أن غرقت في
إلى عبدالرقيب عبدالوهاب
هذه الرسالة كتبها رائد التنوير في اليمن الأستاذ أحمد محمد نعمان إلى النقيب البطل عبد الرقيب عبدالوهاب.
إلى الذين منحهم القدر فرصة نادرة..
ليحملوا فيها السلاح بعد أن عاش آباؤهم قروناً لا يحملون سوى المحراث إلى هؤلاء أتوجه بالرجاء طالباً ألا يضيعوا الفرصة التي منحهم القدر إياها وأن يحسبوا لخطواتهم ألف حساب وأن يكونوا على جانب من الحيطة والحذر و الحكمة والبصيرة وعدم التورط في الصراع مع الآخرين...كما أحذرهم ألا يغتروا بالسلاح ولا يحاولوا تحدي إخوانهم وزملائهم السابقين الذين احتكروا السلاح...فإنهم سيثيرون العصبيات القبلية والنعرات الطائفية.. ويعرضون أنفسهم للانتقام من ذوي المصالح والمكاسب.
إنني أكرر الرجاء وألح في الطلب والتشدد في التحذير.. وأناشدهم ألا يستجروا آلام الماضي أو يفكروا بالأخذ بالثار أو يستعيدوا ذكريات القرون والأجيال. إن الذين عاشوا في الماضي كان لهم عذرهم في التعصب واحتكار السلطات والاستغلال والارتزاق بالسلاح.
ولكنا في العصر الحاضر عصر العلم والتحرر والتطور والحضارة لا يقبل منا ما كان يقبل ممن عاشوا في الماضي ولنعذر كما يعذرون أن واجبنا ما دامت الفرصة بين أيدينا أن نعلم أولئك الذين حكمونا بالأساليب الظالمة القاسية علموهم كيف ينهجون السبيل القويم سبيل الرفق والإنصاف لا سبيل العنف والإجحاف. حتى يتأثروا بسلوكنا وأسلوبنا ويعاملوننا نفس المعاملة.
فيما لو فشلنا وأصبحنا تحت رحمتهم من جديد. علينا أن نعلم الآخرين كيف يتعاملون مع كل المواطنين وأن نرسم لهم الطريق الصحيح لتحقيق الوحدة اليمنية الشاملة وتبادل الثقة وحسن الظن. وإزالة الشكوك.. ونبين لهم أن الاختلاف في الرأي أو المذهب وحتى في الدين لن يحول دون التعارف والتعاون والتعايش في سلام واستقرار وعدالة ومساواة.
إن أمامنا شعوباً مختلفة الأديان والمذاهب والآراء واللغات تعيش في وطن واحد. لا يفرق بينهما رأي ولا مذهب ولا دين ولا لغة ونحن بالرغم من وحدة الأرض والدين لا نزال حتى اليوم مفرقين نحارب أنفسنا ونسفك دماءنا ونخرب ديارنا فأية لعنة تحل علينا وأية همجية ووحشية أفظع مما تحياه بلادنا اليوم. اليمنيون لا تحميهم حكومة مقيدة بنظام أو ملتزمة بقانون وإنما تحميهم الصدفة ويحميهم السلاح الذي حصلوا عليه بالصدفة غير أن هذا السلاح لا يحمي الأغلبية المغلوبة وإنما يحمي الأقلية المتسلطة التي تتخذ منه قانوناً ودستوراً ونظاماً للإرهاب. والتسلط والارتزاق.. والويل كل الويل للضعفاء الذين يتخذون من السلاح وسيلة لحكم القانون لحمايته والدفاع عنه ليعيش المواطن في ظل القانون آمناً على نفسه وماله وعيشته.
إن الجيش قد يهزم وإن السلاح قد يتحطم. ولكن القانون يظل حياً منتصراً لا يهزم. والقادة والحكماء والعلماء ضمان حرية الإنسان وحمايته من العدوان.
يامن ذاق آباؤهم الظلم ألواناً إن الشعوب التي لا تمتلك السلاح لا تنتصر بالسلاح وحده. ولكنها تنتصر بالإنسان المدرك الواعي.. كما أنها لا تضمن الاستقرار والسعادة والرخاء إلا في ظل قانون ينظم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين.. ويحدد المسئوليات ويضمن الحريات ويكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات فلا تطغى فئة على فئة ولا طائفة على أخرى ولا يتسلط الأقوياء على الضعفاء.
إن الذين لا يفكرون إلا بالسلاح ليستمدوا منه سلطانهم وليواجهوا به مخالفيهم ويقاتلوا به إخوانهم ومواطنيهم ولا يتبادلون إلا طلقات الرصاص بدلاً من تبادل الرأي.
إن هؤلاء ليسوا سوى عصابات كل همها إشباع غرائزها.. لا تؤمن بالعقل ولا بالمنطق ولا بالقانون ولا بالإنسان والبلد الذي يتحول أبناؤه إلى عصابات يصبح غابة وحوش ضارية يفترس بعضها بعضاً.
يا أبناء المعذبين والمستضعفين في الأرض
أنتم قبل غيركم مسئولون عن تحقيق حكم سليم يقوم على الانتخاب الحر وعلى رغبة الجماهير ورضاها وهذا ما تطالب به كل الشعوب والأمم وتقدم التضحيات في سبيله وتحارب من أجله..
أنتم قبل غيركم المطالبون بتحقيق هذا المطلب الذي طولب به أيام الإمام يحيى وخلفاؤه من بعده لتحموا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم.
إن ثوار 26 سبتمبر 1962م ما عدا قلة قليلة لم يحققوا سوى المكاسب والمغانم والمناصب والرتب لأنفسهم ولخاصتهم وللمحسوبين عليهم.
أما الشعب فلم يحققوا له سوى الخراب والدمار والتمزق فكانوا أكثر شراً وسوء من الحكام السابقين بل لقد ضاعفوا الشرور والأخطاء حين أدخلوا البلاد تحت النفوذ الأجنبي وجعلوها ميدان صراع دولي ومسرحاً للأحقاد والحروب العربية فكونوا أنتم التصحيح لهذا يا ثوار 5 نوفمبر سنة 1967م.
وحسب البلاد ما أصابها من ويلات وسفك دماء خلال هذه الأشهر القليلة على أيديكم حتى عرضتم العاصمة صنعاء للخراب.
إن الأقطار المتقدمة التي كنا نستلهم منها الرشد ونتطلع إليها لنسير على هداها ونقتدي بها والتي تأثرنا بدعايتها وقلدناها تقليداً أعمى واتجهنا إليها بكل أماننا وآمالنا هذه الأقطار بعد أن غرقت في
#وجوه_سبتمبرية
#النعمان
الزعيم الوطني الكبير الأستاذ أحمد محمد نعمان هامة عظيمة في تاريخ اليمن الحديث رحمه الله
ولد في السادس والعشرين من أبريل 1909م وتوفي يوم السابع والعشرين من سبتمبر 1996 لن تفي حقه السطور الآتية حقه ولكنها تؤرخ سطوراً من كتاب حياته الثرية..
منذ الصغر حرص على تلقي العلم في قريته، ثم في زبيد حيث درس العلوم الدينية على أيدي بعض علمائها الأجلاء.. وما أن عاد إلى مسقط رأسه حتى قام بتأسيس (المدرسة الأهلية)، و (نادي الإصلاح) عام 1934م.. وفي دار أسرته العريقة كان المواطنون من أبناء قريته يتوافدون عليه وعلى مكتبته في النادي لقراءة ما كان يصل إليه من الكتب، والصحف، والمجلات التي كانت تصل إليه من عدن بواسطة العمال العائدين من عدن أو المهجر أو التي يزوده بها بعض إخوته الكبار من عمال الإمام في مناطق الحجرية كأخيه الكبير الشيخ علي محمد نعمان.
لم يقتصر التعليم في مدرسته على تلقين روادها من الطلبة القرآن ومبادئ العلوم الدينية فقط، كسائر الكتاتيب والمدارس في شمال اليمن حينها، وإنما كان يشمل تدريسهم العديد من المواد والعلوم الأخرى كالحساب، والجغرافيا، والتاريخ والوطنية.. إذ كان يرى ويؤمن بأن إصلاح الأوضاع، وتطوير المجتمع، وتغيير النظام يبدأ بنشر التعليم حتى ينمو الوعي في أوساط الناس.. فكان بذلك سباقاً إلى إدراك ضرورة مكافحة الجهل وأهمية دور العلم في الارتقاء بوعي الشعوب ومداركها، إذ أن الجهل يحول دون معرفتها بحقوقها المشروعة، وبالتالي لا تدرك واجبها بأن تناضل من أجل انتزاع تلك الحقوق، واسترداد حرياتها المسلوبة..
وتعرضت مدرسته للإغلاق نتيجة تقرير مرفوع من أحد أبناء الإمام يحيى وهو سيف الإسلام القاسم أنذر في التقرير والده بأن ذبحان بمدرستها ستتحول إلى لبنان أخرى!
واحتجز بتعز فترة بسيطة ثم قرر الهجرة لطلب العلم، فكان الرحيل إلى القاهرة آخر سنة 1937م وإثر رحيله إلى القاهرة لمواصلة دراسته في الأزهر الشريف، بادر سنة 1938م إلى إطلاق (الأنة الأولى) في شكل رسالة جريئة وناصحة بعثها إلى ولي العهد حينها - سيف الإسلام الإمام أحمد يحيى حميد الدين – لتخفيف مظالم الحكام والعمال على الرعية
وأثناء مقامه في أرض الكنانة تعرف إلى العديد من المجاهدين العرب الكبار مثل شكيب أرسلان، ومحمد علي الطاهر، ونفر من ساسة ومثقفي مصر البارزين آنذاك، كما جمعته بفضيلة العلامة الجليل الشيخ محمد بن سالم البيحاني... علاقة محبة وصداقة استمرت منذ تزاملهما في الأزهر وحتى وفاة الأخير.
وفي مصر التقى سنة 1940م مع القاضي محمد محمود الزبيري ليصبح الاثنان منذئذ رفيقي درب واحد، ويشكلان معاً رمزاً للوحدة الوطنية.. ثم أسسا مع زمرة من أبناء الجنوب اليمني أول تنظيم وحدوي يمني يجمع أبناء الشمال والجنوب اسمه "كتيبة الشباب اليمني". سنة 1940م.
بعد انتهاء دراسته بالأزهر الشريف وحصوله على شهادة "العالِمية" في أول سنة 1941م عاد "الأستاذ" -كما ظل اليمنيون يدعونه ويطلقون عليه في أحاديثهم عنه، أو مخاطبتهم له- عاد إلى تعز ثم لحقه رفيقه وصديق عمره، وشريكه في رحلة الكفاح الطويلة إلى أرض الوطن.. غير أنهما ما لبثا مدة عامين في تعز بديوان ولي العهد أحمد حتى قررا النزوح سراً منها ولحقهما رهط من صحبهما، وفي مقدمتهم المثقفان الكبيران والشاعران الفذان - الشهيد زيد الموشكي، والأستاذ أحمد محمد الشامي إلى عدن حاضرة الضفة الأخرى من الوطن بعد أن كان قد سبقهم إليها الشيخ مطيع دماج، وثلاثة من المشائخ الساخطين على الحكم الإمامي.
ومنذ أن القوا الرحال في عدن خلال شهري مايو ويونيو 1944م، بدأ الزعيمان الوطنيان الكبيران نعمان والزبيري مع رفاقهما تأسيس حركة الأحرار، بدءاً بـ (حزب الأحرار اليمني) الذي لم تسمح سلطات الاحتلال البريطانية باستمراره، مما دعاهما إلى إنشاء (الجمعية اليمنية الكبرى).. وبنشاطهم في عدن انطلقت مسيرة النضال المنظم ضد الحكم الإمامي في الشمال.
وإثر قيام ثورة فبراير 1948م بزعامة الشهيد السيد عبدالله بن أحمد الوزير، تم تشكيل حكومة برئاسة علي عبدالله الوزير ثم سيف الحق إبراهيم الذي كان قد انضم إلى حركة الأحرار في عدن بقيادة النعمان والزبيري بعد هروبه إلى أسمرا حيث تولى المناضل شائف محمد سعيد وأحمد عبده ناشر ترتيب سفره إلى عدن، واختير الأستاذ وزيراً للزراعة فيها – وتقرر طلوعه على رأس مجموعة من المناضلين التوجه إلى صنعاء.. لكن بينما كان هو ورفاقه المناضل الحاج عبده الدحان والشيخ أمين عبدالواسع نعمان والأستاذ محمد الفسيل وإبراهيم الحضراني وغيرهم قد وصلوا إلى مدينة ذمار، حتى جرى اعتقالهم هناك وتم أسرهم وإرسالهم مكبلين بالأغلال سيراً على الأقدام إلى (سجن نافع) الرهيب في حجة، بعد أن نجح الإمام أحمد في القضاء على الثورة الوليدة.. وبقي الأستاذ قابعاً مع رفاقه الآخرين من الثوار الذين أفلتوا من الإعدام، خلف أسوار ذلك السجن العتيق حتى أطلق سراحه بعد أعوام..
#النعمان
الزعيم الوطني الكبير الأستاذ أحمد محمد نعمان هامة عظيمة في تاريخ اليمن الحديث رحمه الله
ولد في السادس والعشرين من أبريل 1909م وتوفي يوم السابع والعشرين من سبتمبر 1996 لن تفي حقه السطور الآتية حقه ولكنها تؤرخ سطوراً من كتاب حياته الثرية..
منذ الصغر حرص على تلقي العلم في قريته، ثم في زبيد حيث درس العلوم الدينية على أيدي بعض علمائها الأجلاء.. وما أن عاد إلى مسقط رأسه حتى قام بتأسيس (المدرسة الأهلية)، و (نادي الإصلاح) عام 1934م.. وفي دار أسرته العريقة كان المواطنون من أبناء قريته يتوافدون عليه وعلى مكتبته في النادي لقراءة ما كان يصل إليه من الكتب، والصحف، والمجلات التي كانت تصل إليه من عدن بواسطة العمال العائدين من عدن أو المهجر أو التي يزوده بها بعض إخوته الكبار من عمال الإمام في مناطق الحجرية كأخيه الكبير الشيخ علي محمد نعمان.
لم يقتصر التعليم في مدرسته على تلقين روادها من الطلبة القرآن ومبادئ العلوم الدينية فقط، كسائر الكتاتيب والمدارس في شمال اليمن حينها، وإنما كان يشمل تدريسهم العديد من المواد والعلوم الأخرى كالحساب، والجغرافيا، والتاريخ والوطنية.. إذ كان يرى ويؤمن بأن إصلاح الأوضاع، وتطوير المجتمع، وتغيير النظام يبدأ بنشر التعليم حتى ينمو الوعي في أوساط الناس.. فكان بذلك سباقاً إلى إدراك ضرورة مكافحة الجهل وأهمية دور العلم في الارتقاء بوعي الشعوب ومداركها، إذ أن الجهل يحول دون معرفتها بحقوقها المشروعة، وبالتالي لا تدرك واجبها بأن تناضل من أجل انتزاع تلك الحقوق، واسترداد حرياتها المسلوبة..
وتعرضت مدرسته للإغلاق نتيجة تقرير مرفوع من أحد أبناء الإمام يحيى وهو سيف الإسلام القاسم أنذر في التقرير والده بأن ذبحان بمدرستها ستتحول إلى لبنان أخرى!
واحتجز بتعز فترة بسيطة ثم قرر الهجرة لطلب العلم، فكان الرحيل إلى القاهرة آخر سنة 1937م وإثر رحيله إلى القاهرة لمواصلة دراسته في الأزهر الشريف، بادر سنة 1938م إلى إطلاق (الأنة الأولى) في شكل رسالة جريئة وناصحة بعثها إلى ولي العهد حينها - سيف الإسلام الإمام أحمد يحيى حميد الدين – لتخفيف مظالم الحكام والعمال على الرعية
وأثناء مقامه في أرض الكنانة تعرف إلى العديد من المجاهدين العرب الكبار مثل شكيب أرسلان، ومحمد علي الطاهر، ونفر من ساسة ومثقفي مصر البارزين آنذاك، كما جمعته بفضيلة العلامة الجليل الشيخ محمد بن سالم البيحاني... علاقة محبة وصداقة استمرت منذ تزاملهما في الأزهر وحتى وفاة الأخير.
وفي مصر التقى سنة 1940م مع القاضي محمد محمود الزبيري ليصبح الاثنان منذئذ رفيقي درب واحد، ويشكلان معاً رمزاً للوحدة الوطنية.. ثم أسسا مع زمرة من أبناء الجنوب اليمني أول تنظيم وحدوي يمني يجمع أبناء الشمال والجنوب اسمه "كتيبة الشباب اليمني". سنة 1940م.
بعد انتهاء دراسته بالأزهر الشريف وحصوله على شهادة "العالِمية" في أول سنة 1941م عاد "الأستاذ" -كما ظل اليمنيون يدعونه ويطلقون عليه في أحاديثهم عنه، أو مخاطبتهم له- عاد إلى تعز ثم لحقه رفيقه وصديق عمره، وشريكه في رحلة الكفاح الطويلة إلى أرض الوطن.. غير أنهما ما لبثا مدة عامين في تعز بديوان ولي العهد أحمد حتى قررا النزوح سراً منها ولحقهما رهط من صحبهما، وفي مقدمتهم المثقفان الكبيران والشاعران الفذان - الشهيد زيد الموشكي، والأستاذ أحمد محمد الشامي إلى عدن حاضرة الضفة الأخرى من الوطن بعد أن كان قد سبقهم إليها الشيخ مطيع دماج، وثلاثة من المشائخ الساخطين على الحكم الإمامي.
ومنذ أن القوا الرحال في عدن خلال شهري مايو ويونيو 1944م، بدأ الزعيمان الوطنيان الكبيران نعمان والزبيري مع رفاقهما تأسيس حركة الأحرار، بدءاً بـ (حزب الأحرار اليمني) الذي لم تسمح سلطات الاحتلال البريطانية باستمراره، مما دعاهما إلى إنشاء (الجمعية اليمنية الكبرى).. وبنشاطهم في عدن انطلقت مسيرة النضال المنظم ضد الحكم الإمامي في الشمال.
وإثر قيام ثورة فبراير 1948م بزعامة الشهيد السيد عبدالله بن أحمد الوزير، تم تشكيل حكومة برئاسة علي عبدالله الوزير ثم سيف الحق إبراهيم الذي كان قد انضم إلى حركة الأحرار في عدن بقيادة النعمان والزبيري بعد هروبه إلى أسمرا حيث تولى المناضل شائف محمد سعيد وأحمد عبده ناشر ترتيب سفره إلى عدن، واختير الأستاذ وزيراً للزراعة فيها – وتقرر طلوعه على رأس مجموعة من المناضلين التوجه إلى صنعاء.. لكن بينما كان هو ورفاقه المناضل الحاج عبده الدحان والشيخ أمين عبدالواسع نعمان والأستاذ محمد الفسيل وإبراهيم الحضراني وغيرهم قد وصلوا إلى مدينة ذمار، حتى جرى اعتقالهم هناك وتم أسرهم وإرسالهم مكبلين بالأغلال سيراً على الأقدام إلى (سجن نافع) الرهيب في حجة، بعد أن نجح الإمام أحمد في القضاء على الثورة الوليدة.. وبقي الأستاذ قابعاً مع رفاقه الآخرين من الثوار الذين أفلتوا من الإعدام، خلف أسوار ذلك السجن العتيق حتى أطلق سراحه بعد أعوام..