اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
" #النقاشة " #التوقيص #الوقيص
استخراج الحجارة وتشذيبها
(من فنون العمارة الحجرية في #يافع)

#علي_صالح_الخلاقي

النِّقَاشة: هي نحت أو استخراج الحجارة وتشذيبها وتجهيزها للبناء بطريقة فنية بحيث تنعكس في لوحة الجدران بغاية من الدقة والإتقان. وفي الفصيح، نقَش الحجرَ ونحوَه: نحته، والنقَّاش: مَن حرفَتُه النَّحت والحفر، قال تعالى {وَتَنْحَتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا}.
والنِّقاشة هي الطريقة التي يتبعها اليافعيون في استخراج الحجارة اللازمة للبناء بمختلف مقاساتها وأحجامها من "المِنْقَاش"، وهو المحجر الذي تُقطع منه الحجارة، ويُفضَّل أن يكون في مواقع قريبة من قراهم وتجمعاتهم السكنية، ومثل هذه المحاجر كثيرة في يافع التي تتميز بكثرة سلاسلها الجبلية التي تستخرج منها الأحجار ذات الأشكال والألوان المختلفة فمنها الرمادي الداكن المائل إلى الأزرق ومن أهم أصناف الحجارة: الحجر الجيري والرخام والمرو..الخ.
وقد مَهَر اليافعيون منذ أقدم العصور في نحت الأحجار والصخور الجبلية بأنواعها، ولانت قساوتها أمام هممهم وعزمهم وتفننوا في تهذيبها وتشكيلها. يقوم النقاش باستخراج الحجارة ذات الأشكال والأحجام المختلفة حسب الحاجة إليها عند البناء فمنها: حجارة الوجه(الظهارة)، والبطانة، والركن، والصَّلا، والأعمدة الحجرية المستطيلة (السَّحَابيل- كما في الصورة). ثم يقوم بعد ذلك بتسوية وتهيئة واجــــهـــــات الـــحـــجــــــــارة،
وتُسمى هذه العملية "تمثيل الحجر" وهو ما يُعرف في لهجة مناطق أخرى "توقيص الحجارة". يقال: مَثَّل الحجر، أي أتقن تهذيبها وتسويتها والتخلص من زوائدها لتتجانس مع بعضها، خاصة "الظهارة" التي تكون في واجهة المنزل .
وقد تغنى الشعراء بذلك، كما في قول الشاعر طاهر عثمان السليماني:
وبن عثمان طاهر قال ببدع

وطرَّحَتْ المباني والحجاره

وبيدي مطرقه لوشي تصرَّع
ومثَّلت الحجر ذي هي ظهاره

ويقول الشاعر قاسم عوض المحبوش القعيطي:
عاد للحيد نَقِّاشَه وباني يجانس
والمعاني مَبَاني والمباني على الساس

وكانت طُرق استخراج الحجارة عملية شاقة، وهي من أصعب الحرف ويضطلع بها خبير ماهر يسمى (النَقَّاش)، وهو متخصص في فلق ونحت الأحجار وتسويتها وتهذيبها، وإلى جانب قوته البدنية يمتلك الخبرة اللازمة في تطويع الحجر، وأجره مُغرٍ ، إذ لا يفوقه إلا الباني، وكلما كان النقَّاش ماهراً كان أجره أكثر. ويوجد في كل قرية حرفيون متخصصون في هذا العمل الشاق، كما في كل الحرف والمهن الضرورية الأخرى.
أما الأدوات التي يستخدمها النَّقَّاش فتتمثل في الزُبرة وهي كتلة كبيرة من الحديد، والصَّبرة وهي قضيب معدني طويل وسميك، ملء قبضة اليد، يستخدم لـ(تعويد) الكتل الكبيرة من الأحجار أي زحزحتها وقلعها، والمطرقة، والفَرَاصْ (الأزميل) وهو خابور أو قضيب من الحديد مستدير ومدبب من أحد طرفيه ويُنْقر به الحجر عند نحته من الجبل بالضرب عليه بواسطة الزُّبرة. وغالباً ما يكون إلى جانب (النقاش) شخص آخر يعاونه في عمله يُسمى (بَتُول) ومهمته أن يمسك بيده (الفراص) أثناء الطرق عليه بالزبرة من قبل (النقاش) ومساعدته في قلـــــــع الأحجار من منبتها بواسطة الزبرة،ومن مهامه تقليب الحجارة المنحوتة وتجميعها جانباً أو فوق بعضها البعض.
يتحاشى النقَّاش الجبال الصلدة الملتصقة ببعضها لصعوبة استخراج الحجارة منها، ويفضل المحاجر الأسهل في الجبال التي تكون طبقاتها متوازية، إذ يسهل فصلها وقطع كُتل الحجارة بواسطة الزبرة والفراص، ولهذا يبدأ أولاً بكشف الطبقة أو الكتلة المراد قطعها، ثم يعمل تجويفا عميقا، يضع فيه الفَرَاص ويطرق على رأسه بواسطة الزبرة بصورة متكررة حتى تنفصل الكتلة أو يغوص الفَرَاص فيلقم الكتلة بحجارة في داخلها ثم يواصل توسيع الفجوة حتى تنفصل الكتلة الحجرية الكبيرة.
أما إذا كانت الكتل الصخرية شديدة الصلابة فإن النقاش يتتبع مسار خط الفلق فيها، وهي ما تُعرف لديهم بـ(الشَّعرة) وهي خطوط من أصل تكوينها، وليست شروخاً أو شقوقاً بيِّنة، لكنه يهتدي إليها بخبرته ثم يواصل الضرب على نفس مسار خط الشعرة فيفلقها مهما كانت صلابتها، وقد يضطر إلى إشعال النيران في تجاويفها وأخاديدها بوضع قطع القماش الرثة أو الحطب حتى تلين ويسهل فصلها وتقطيعها حسب الأحجام المرغوبة والمطلوبة. كان هذا قبل دخول التقنية الحديثة في مقالع الحجارة خاصة آلة النقر (الكمبريشن) وأصابع الديناميت..الخ، التي يسَّرت قطع الحجارة بصورة أسرع، ومكَّنت من التحكم بسهولة في حجم وشكل الأحجار
وبعد أن تتجمع الكميات الكافية من الحجارة كان يتم نقلها من (المنقاش) إلى عرصة البيت المحددة بطريقة التعاون الجماعي (المَعوَن) على ظهور الحمير أو الجمال وأحياناً على ظهور الناس، خاصة حين يكون مقلع الحجارة قريبا من موقع البناء. وما زال الحال كذلك في بعض المناطق الجبلية الوعرة التي لم تصل إليها طرق السيارات حتى الآن.

من كتابي #فنون_العمارة_الحجرية_في_يافع
فن كتابة الرسائل في ضوء رسالة تاريخية
------------------
#علي_صالح_الخلاقي:

قبل ظهور وسائل التواصل الالكتروني المتنوعة بعقود، ظلت الرسائل الخطية أكثر وسيلة تواصل بين الناس والأهل والأقارب، ممن تفصلهم المسافات البعيدة وكانت الرسائل تصل عادة بصحبة القادمين من منطقة العمل أو الإقامة أو بلد الاغتراب،خاصة في الأرياف التي لم تعرف الخدمة البريدية، مثل يافع، ولذلك كان الناس ينتظرون تلك الرسائل مع القادم إليهم من المهجر بشوق كبير لمعرفة أخبار أقربائهم، أما في زمننا فقد اختفت الرسائل الخطية أو الورقية وأصبحت في حُكم الماضي، إلا فيما ندر، بعد أن حلت محلها وسائل التواصل الحديثة بالصورة والصوت.
وكلما أوغلنا في الزمن، كلما كان للمراسلات شكلها المميز، بالأسلوب والمضمون، وهذا ما التمسته شخصياً، في المراسلات القديمة التي بين يدي من المهجر الهندي أو من حضرموت ويافع، ومما يلفت الانتباه طريقة فن كتابة تلك الرسائل التي تختلف أشكالها ولا تعتمد على تسلسل الأسطر بل تتخذ فقرات الرسالة منحنيات أو التفاف يجب عليك تتبعه وأنت تحرك الرسالة يميناً أو يساراً أو من الأعلى إلى الأسفل.
ومن الرسائل التي لم أجد لها مثيلاً ، رسالة أشبه بلوحة فنية بشكلها البيضاوي، القريب إلى شكل القلب وبطريقة كتابتها وتتبع أسطرها الملتفة دائرياً بصورة لا يجيدها إلا فنان مبدع، حيث تبدأ المقدمة من قلب الرسالة البيضاوية الشكل، ثم تلتف الأسطر بعد ذلك في محيط قلب الرسالة ، فتبدو الرسالة بشكل جميل ومحبب إلى القلب (انظر الصورة).
والرسالة التي بين أيدينا من أرشيف صديقي الشيخ ناصر علي محمد الفقيه بن عزالدين البكري(أبي نصر)، وتعود إلى جده لأبيه محمد بن عبدالحبيب بن حيدر بن عبدالله بن عبدالحبيب بن أحمد بن حيدر بن علي بن أحمد بن علي بن حيدر بن علي عزالدين البكري، وهي بدون تاريخ، وتعود إلى أواخر ثلاثينات القرن الهجري الماضي، وقد أرسلها من بندر المكلا إلى شقيقه علي بن عبدالحبيب.
وحسب إفادة أبي نصر فإن ذُرِّيَّة جده علي عبدالحبيب، الموجهة إليه الرسالة، وكذا ذريّة أخيه محسن عبدالحبيب يسكنون حالياً في قصيعر. أما كاتب الرسالة، أو المُرِسِل، الفقيه محمد بن عبدالحبيب فقد مكث فترة في المكلا ثم درس العلم في تريم، وبعد تخرجه عاد إلى بني بكر وتحمل القضاء.
وعند وجود السيد محمد بن عبدالله الأدريسي ، الملقب بالدباغ في يافع كان قاضياً حينها، وقد أصدر الأدريسي مرسوماً كتابياً مؤرخ 15رجب سنة 1352هـ/ الموافق 3نوفمبر 1933م بيد القاضي محمد بن عبدالحبيب وأخيه القاضي عبدالله وكافة بيت القاضي آل عزين بعد اعطائهم العهد والميثاق على كتاب الله وسنة رسوله بالسمع والطاعة، وأنهم على ما كانوا عليه أحراراً لهم المقام التام ومزيد الاحترام حسبما كان عليه آباؤهم وأجدادهم وبموجب ما بأيديهم من سجلات من سلاطين ودول وخلافة على بني بكر وعموم يافع، كما تنطق بذلك الأوراق التي بأيديهم.
وهناك رسالة أخرى من شيخ مكتب المفلحي موجهة إلى القاضي محمد بن عبدالحبيب في 19رمضان 1352هـ/ الموافق 5يناير 1934م، وظل يزاول القضاء حتى أصيب بالعمى في وقت مبكر قبل الاستقلال ، مما جعله غير قادر على القيام بمهمته كقاضٍ ، فتبوأ القضاء من بعده محسن سعيد ابن سعيدعبدالحبيب، وقد ظل حبيس منزله بسبب فقده للنظر حتى وفاته سنة 1976م، رحمه الله زطيب ثراه.
وعودة إلى الرسالة فبعد الاستهلالة التقليدية يعاتبه على عدم الرد على عدة رسائل (جُملة كُتُب) سابقة، ويقول له متسائلاً:" ما نحن دارين هو ذا حنق منّك أو قِلّ الكُتّاب، ولكن كلّن شرعه عليه، يا علي الله الله كتابك لا يقطعنا ، الله الله يا أخ شُفك كافي على أقل بيت في كل حال، الله الله"..وتكرار (الله الله) في الرسالة في أكثر من جملة هو توكيد لفظي للتذكير بأهمية المراسلة وكذا بالدور المنوط بشقيقه في القيام على شئون وأمور البيت.
وفي الرسالة خبر عن إرسال 100 قرش فرنصة لشقيقه بيد الحبيب أحمد، القادم من المكلا إلى بني بكر، ويطلب من أخيه أن ينقُل من ذلك المبلغ (نَقَ) أي قطعة أرض زراعية، ثم يختتم بالسلام على الاخوان والمعاريف. والمبلغ المرسل كبير بمقياس ذلك الوقت ويؤكد على ارتباط الناس بمسقط رأسهم وتواصلهم مع أهلهم مهما باعدت بينهم الظروف والمسافات. ويختتم بذكر اسم صاحب الرسالة، الذي نعرف أنه مستقر حينها بالمكلا، وهو الفقير إلى الله محمد بن عبدالحبيب عزالدين.
ألم أقل لكم أن فن كتابة الرسائل قد كان سمة مميزة لأسلافنا تتجلى فيها العلاقات الاجتماعية الحميمة والمشاعر الصادقة بين الأهل والأقرباء.