من اثار اليمن.
الشخصية المركزية (صاحبة اللوح)
الهوية: امرأة ذات مكانة مرموقة (ربما سيدة من النبلاء أو كاهنة).
الجلسة: تجلس بوقار على كرسِيّ ذي ظهر مرتفع ومزخرف، مما يعكس الرفعة والمنزلة الاجتماعية العالية.
الملابس والشعر: ترتدي رداءً طويلاً ومزخرفاً، وتسريحة شعر دائرية كثيفة ومصففة بعناية، وهي التسريحة المألوفة في الفن السبئي والقتباني القديم.
وضعية اليدين: تضع يديها على صدرها في وضعية احتشام وتأمل أو خشوع.
2. المقتنيات الشخصية والرموز حول السيدة
تظهر حول الشخصية عدة أدوات تعبر عن حياتها اليومية ومكانتها:
المرآة الدائرية (على اليمين في الأعلى):
مرآة يد معدنية (برونزية أو فضية)، وهي رمز جمالي وأنثوي شهير في الآثار اليمنية القديمة، وتدل على الأناقة والرفاهية.
المشط والأدوات الجمالية (على اليمين واليسار):
توجد أشكال طولية تمثل أمشاطاً أو علباً للمكياج والكحل، وهي مقتنيات جنائزية كان يُعتقد أنها ترافق الميت في العالم الآخر.
الإناء / القارورة (على اليسار):
إناء صغير لخزن العطور أو الزيوت المقدسة والبخور.
3. النقش المسندي (في الأعلى)
الكتابة: خط المسند اليمني القديم.
المحتوى عادةً: النقوش في أعلى شواهد القبور اليمنية تذكر عادةً اسم المتوفاة، واسم أبيها أو عشيرتها/قبيلتها، وأحياناً دعاء للآلهة القديمة لحمايتها.
4. الإطار والزخارف الهندسيّة
الأعمدة النخيلية (على الجانبين):
الجانبان محاطان بأعمدة مائلة تشبه سَعَف النخل أو سنابل القمح، وهي رمز للخصب، الحياة، والخلود.
أقراص الشمس / الوريدات (في الأسفل):
يوجد قرصان دائريان مزخرفان كأزهار أو أشعة شمس في الزوايا السفلى، وهما من الرموز الدينية والشمسية الشائعة في جنوب الجزيرة العربية القديمة.
#اليمن
الشخصية المركزية (صاحبة اللوح)
الهوية: امرأة ذات مكانة مرموقة (ربما سيدة من النبلاء أو كاهنة).
الجلسة: تجلس بوقار على كرسِيّ ذي ظهر مرتفع ومزخرف، مما يعكس الرفعة والمنزلة الاجتماعية العالية.
الملابس والشعر: ترتدي رداءً طويلاً ومزخرفاً، وتسريحة شعر دائرية كثيفة ومصففة بعناية، وهي التسريحة المألوفة في الفن السبئي والقتباني القديم.
وضعية اليدين: تضع يديها على صدرها في وضعية احتشام وتأمل أو خشوع.
2. المقتنيات الشخصية والرموز حول السيدة
تظهر حول الشخصية عدة أدوات تعبر عن حياتها اليومية ومكانتها:
المرآة الدائرية (على اليمين في الأعلى):
مرآة يد معدنية (برونزية أو فضية)، وهي رمز جمالي وأنثوي شهير في الآثار اليمنية القديمة، وتدل على الأناقة والرفاهية.
المشط والأدوات الجمالية (على اليمين واليسار):
توجد أشكال طولية تمثل أمشاطاً أو علباً للمكياج والكحل، وهي مقتنيات جنائزية كان يُعتقد أنها ترافق الميت في العالم الآخر.
الإناء / القارورة (على اليسار):
إناء صغير لخزن العطور أو الزيوت المقدسة والبخور.
3. النقش المسندي (في الأعلى)
الكتابة: خط المسند اليمني القديم.
المحتوى عادةً: النقوش في أعلى شواهد القبور اليمنية تذكر عادةً اسم المتوفاة، واسم أبيها أو عشيرتها/قبيلتها، وأحياناً دعاء للآلهة القديمة لحمايتها.
4. الإطار والزخارف الهندسيّة
الأعمدة النخيلية (على الجانبين):
الجانبان محاطان بأعمدة مائلة تشبه سَعَف النخل أو سنابل القمح، وهي رمز للخصب، الحياة، والخلود.
أقراص الشمس / الوريدات (في الأسفل):
يوجد قرصان دائريان مزخرفان كأزهار أو أشعة شمس في الزوايا السفلى، وهما من الرموز الدينية والشمسية الشائعة في جنوب الجزيرة العربية القديمة.
#اليمن
بوابات مدن حضرموت... مداخلُ إلى ذاكرة التاريخ
لحضرموت بواباتٌ عرفت بها مدنها، كانت مداخلَ للقادمين، ومخارجَ للعابرين، وشواهدَ صامتةً على اتساع العمران وتحوّل المدن عبر الزمن. ومن خلالها كانت تبدأ الحكاية؛ فخلف كل سدةٍ مدينةٌ لها ملامحها، وأسواقها، وبيوتها، وذاكرتها التي صنعتها أجيال متعاقبة .
وهذه البوابات حسب الترتيب التالي لمدن حضرموت:
- سدة مدينة تريم
- سدة مدينة شبام
- سدة مدينة سيئون
- سدة العيدروس في الشحر
- سدة الخور في الشحر
- السدة الأولى للمكلا – الكسادية
- سدة مدينة المكلا
- سدة مدينة غيل باوزير
لم تكن هذه السدات منافذَ للدخول والخروج فحسب، بل كانت علاماتٍ تحدد تخوم المدن، وتروي شيئًا من تاريخها العمراني والاجتماعي، وتقف شاهدةً على زمن كانت فيه المدينة تُعرف من أبوابها، ويبدأ القادم في اكتشافها منذ اللحظة التي يعبر فيها سِدّتها .
حضرموت... تاريخٌ وحضارة، وبواباتٌ تحفظ ذاكرة المدن
محمد عمر
لحضرموت بواباتٌ عرفت بها مدنها، كانت مداخلَ للقادمين، ومخارجَ للعابرين، وشواهدَ صامتةً على اتساع العمران وتحوّل المدن عبر الزمن. ومن خلالها كانت تبدأ الحكاية؛ فخلف كل سدةٍ مدينةٌ لها ملامحها، وأسواقها، وبيوتها، وذاكرتها التي صنعتها أجيال متعاقبة .
وهذه البوابات حسب الترتيب التالي لمدن حضرموت:
- سدة مدينة تريم
- سدة مدينة شبام
- سدة مدينة سيئون
- سدة العيدروس في الشحر
- سدة الخور في الشحر
- السدة الأولى للمكلا – الكسادية
- سدة مدينة المكلا
- سدة مدينة غيل باوزير
لم تكن هذه السدات منافذَ للدخول والخروج فحسب، بل كانت علاماتٍ تحدد تخوم المدن، وتروي شيئًا من تاريخها العمراني والاجتماعي، وتقف شاهدةً على زمن كانت فيه المدينة تُعرف من أبوابها، ويبدأ القادم في اكتشافها منذ اللحظة التي يعبر فيها سِدّتها .
حضرموت... تاريخٌ وحضارة، وبواباتٌ تحفظ ذاكرة المدن
محمد عمر
حياة محمد قبل البعثة: التاريخ والبشارة والأسطورة – عبد الله جنّوف
يتناول كتاب «حياة محمد قبل البعثة: التاريخ والبشارة والأسطورة» للباحث التونسي عبد الله جنّوف مرحلة شديدة الحساسية من السيرة النبوية، هي مرحلة الحياة السابقة على البعثة، محاولاً إخضاع الروايات التي تشكلت حولها لقراءة تاريخية نقدية تتجاوز مجرد إعادة سرد الموروث. وقد صدر الكتاب عن دار الطليعة سنة 2012، ويقع في 167 صفحة.
ينطلق جنّوف من ملاحظة منهجية أساسية مفادها أن ما وصل إلينا عن حياة محمد قبل البعثة قليل مقارنة بما توفر من أخبار عن حياته بعد البعثة، وأن كتب السيرة، رغم غناها بالمادة الروائية، لا تقدم دائماً رواية متماسكة؛ إذ تتداخل فيها الأخبار التاريخية مع البشارات والتقاليد السردية والأساطير. ولذلك يجعل المؤلف من مهمته الأساسية تمييز التاريخ عن البشارة وعن الأسطورة، باعتبار أن الخلط بينها يؤدي إلى تحويل الرواية الدينية إلى حقيقة تاريخية غير قابلة للنقد.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي للكتاب: ماذا نستطيع أن نعرف تاريخياً عن محمد قبل البعثة؟ وليس السؤال: ماذا روت لنا كتب السيرة عنه فحسب؟ فالفرق بين السؤالين جوهري؛ لأن المؤرخ لا يكتفي بجمع الأخبار، وإنما يفحص مصادرها، وتاريخ ظهورها، ومدى اتساقها، وطبيعة السياق الذي أنتجت فيه.
ويضع الكتاب بذلك مسافة بين السيرة (Sîra) والتاريخ (Histoire). فالسيرة النبوية، بوصفها ذاكرة دينية، لا تهدف دائماً إلى تقديم الأحداث وفق المعايير الحديثة للكتابة التاريخية، وإنما تعمل أيضاً على بناء صورة ذات دلالة دينية وأخلاقية لشخصية النبي. أما التاريخ النقدي فيسأل عن درجة إمكانية إثبات الحدث، وعن طبيعة المصدر الذي نقل إلينا هذا الحدث.
وتتضح أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بما يسمى البشارات (Annonciations / Prophéties)، أي الروايات التي تجعل ظهور محمد متوقعاً أو معلناً عنه قبل بعثته. فهذه الروايات لا تقدم فقط معلومات عن الماضي، وإنما تؤدي وظيفة لاهوتية؛ إذ تجعل النبوة جزءاً من مسار سابق عليها، وتمنح ظهورها معنى الامتداد والاستمرار داخل التاريخ الديني.
ولهذا يفحص جنّوف أدبيات إثبات النبوة والتبشير بمحمد، محاولاً التمييز بين الخبر الذي يمكن التعامل معه بوصفه مادة تاريخية، وبين البشارة التي تؤدي وظيفة إثباتية داخل الخطاب الديني. ويذهب، بحسب عرض الكتاب، إلى أن البشارات لا تصلح في ذاتها حجة تاريخية لإثبات النبوة، لأن وظيفتها الأساسية تتصل ببناء المعنى الديني لا بإثبات الحدث وفق قواعد البحث التاريخي.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل كان الماضي يتضمن فعلاً تلك العلامات التي نراها فيه اليوم، أم أن الحاضر الديني أعاد قراءة الماضي وأضفى عليه معنى لم يكن ظاهراً فيه منذ البداية؟
إنها مشكلة إعادة بناء الماضي (Reconstruction du passé)؛ فالإنسان لا يتعامل مع الماضي دائماً بوصفه سلسلة من الوقائع المحايدة، وإنما يعيد ترتيب أحداثه في ضوء ما حدث لاحقاً. وبعد أن أصبحت النبوة حقيقة مؤسسة في الوعي الإسلامي، أصبح من الممكن أن يُعاد النظر في طفولة محمد وشبابه وبيئته السابقة للبعثة باعتبارها مرحلة كانت تتجه منذ البداية نحو النبوة.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الأسطورة (Mythe) في الكتاب. فجنّوف لا يستخدم الأسطورة بمعنى الكذب البسيط، وإنما يشير إلى الأخبار التي يرى أنها أُضيفت إلى الوقائع التاريخية أو أعيد تشكيلها بهدف إضفاء طابع تقديسي عليها. وبذلك يصبح الأسطوري جزءاً من عملية بناء صورة استثنائية للشخصية النبوية قبل ظهورها التاريخي بوصفها شخصية مؤسسة.
وهذه النقطة تفتح باباً واسعاً أمام فلسفة التاريخ: كيف يتحول الإنسان التاريخي إلى شخصية مقدسة؟ وكيف تعيد الجماعة كتابة طفولته وشبابه بما يتلاءم مع مكانته اللاحقة؟
فالحدث التاريخي لا يبقى دائماً على صورته الأولى؛ إنه يدخل في الذاكرة، ثم تنتقي الذاكرة منه ما يتلاءم مع هوية الجماعة وأسئلتها. ومن ثم يمكن أن تتشكل حول الشخصيات المؤسسة طبقات متراكمة من الروايات، بعضها تاريخي، وبعضها تأويلي، وبعضها رمزي، وبعضها أسطوري.
ويتوقف الكتاب كذلك عند صورة محمد في البيئة المكية السابقة على الإسلام، محاولاً مساءلة بعض الروايات المتعلقة بنشأته وشبابه وممارساته الدينية والاجتماعية. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بشخص محمد وحده، وإنما بالسياق الديني والثقافي الذي نشأ فيه: كيف كانت مكة؟ وما التيارات الدينية التي كانت موجودة فيها؟ وكيف كان حضور الوثنية والتوحيد والحنفية والتقاليد اليهودية والمسيحية في المجال الثقافي العربي؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها من أن ظهور الإسلام لم يحدث في فراغ تاريخي. فكل خطاب ديني يدخل، بطريقة أو بأخرى، في علاقة مع اللغة والمفاهيم والرموز والمعتقدات الموجودة في البيئة التي يظهر فيها. ومن ثم فإن فهم العالم السابق على الإسلام يمثل شرطاً أساسياً لفهم الطريقة التي تشكل بها الخطاب الإسلامي في بداياته.
يتناول كتاب «حياة محمد قبل البعثة: التاريخ والبشارة والأسطورة» للباحث التونسي عبد الله جنّوف مرحلة شديدة الحساسية من السيرة النبوية، هي مرحلة الحياة السابقة على البعثة، محاولاً إخضاع الروايات التي تشكلت حولها لقراءة تاريخية نقدية تتجاوز مجرد إعادة سرد الموروث. وقد صدر الكتاب عن دار الطليعة سنة 2012، ويقع في 167 صفحة.
ينطلق جنّوف من ملاحظة منهجية أساسية مفادها أن ما وصل إلينا عن حياة محمد قبل البعثة قليل مقارنة بما توفر من أخبار عن حياته بعد البعثة، وأن كتب السيرة، رغم غناها بالمادة الروائية، لا تقدم دائماً رواية متماسكة؛ إذ تتداخل فيها الأخبار التاريخية مع البشارات والتقاليد السردية والأساطير. ولذلك يجعل المؤلف من مهمته الأساسية تمييز التاريخ عن البشارة وعن الأسطورة، باعتبار أن الخلط بينها يؤدي إلى تحويل الرواية الدينية إلى حقيقة تاريخية غير قابلة للنقد.
ومن هنا يصبح السؤال المركزي للكتاب: ماذا نستطيع أن نعرف تاريخياً عن محمد قبل البعثة؟ وليس السؤال: ماذا روت لنا كتب السيرة عنه فحسب؟ فالفرق بين السؤالين جوهري؛ لأن المؤرخ لا يكتفي بجمع الأخبار، وإنما يفحص مصادرها، وتاريخ ظهورها، ومدى اتساقها، وطبيعة السياق الذي أنتجت فيه.
ويضع الكتاب بذلك مسافة بين السيرة (Sîra) والتاريخ (Histoire). فالسيرة النبوية، بوصفها ذاكرة دينية، لا تهدف دائماً إلى تقديم الأحداث وفق المعايير الحديثة للكتابة التاريخية، وإنما تعمل أيضاً على بناء صورة ذات دلالة دينية وأخلاقية لشخصية النبي. أما التاريخ النقدي فيسأل عن درجة إمكانية إثبات الحدث، وعن طبيعة المصدر الذي نقل إلينا هذا الحدث.
وتتضح أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بما يسمى البشارات (Annonciations / Prophéties)، أي الروايات التي تجعل ظهور محمد متوقعاً أو معلناً عنه قبل بعثته. فهذه الروايات لا تقدم فقط معلومات عن الماضي، وإنما تؤدي وظيفة لاهوتية؛ إذ تجعل النبوة جزءاً من مسار سابق عليها، وتمنح ظهورها معنى الامتداد والاستمرار داخل التاريخ الديني.
ولهذا يفحص جنّوف أدبيات إثبات النبوة والتبشير بمحمد، محاولاً التمييز بين الخبر الذي يمكن التعامل معه بوصفه مادة تاريخية، وبين البشارة التي تؤدي وظيفة إثباتية داخل الخطاب الديني. ويذهب، بحسب عرض الكتاب، إلى أن البشارات لا تصلح في ذاتها حجة تاريخية لإثبات النبوة، لأن وظيفتها الأساسية تتصل ببناء المعنى الديني لا بإثبات الحدث وفق قواعد البحث التاريخي.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل كان الماضي يتضمن فعلاً تلك العلامات التي نراها فيه اليوم، أم أن الحاضر الديني أعاد قراءة الماضي وأضفى عليه معنى لم يكن ظاهراً فيه منذ البداية؟
إنها مشكلة إعادة بناء الماضي (Reconstruction du passé)؛ فالإنسان لا يتعامل مع الماضي دائماً بوصفه سلسلة من الوقائع المحايدة، وإنما يعيد ترتيب أحداثه في ضوء ما حدث لاحقاً. وبعد أن أصبحت النبوة حقيقة مؤسسة في الوعي الإسلامي، أصبح من الممكن أن يُعاد النظر في طفولة محمد وشبابه وبيئته السابقة للبعثة باعتبارها مرحلة كانت تتجه منذ البداية نحو النبوة.
ومن هنا تأتي أهمية مفهوم الأسطورة (Mythe) في الكتاب. فجنّوف لا يستخدم الأسطورة بمعنى الكذب البسيط، وإنما يشير إلى الأخبار التي يرى أنها أُضيفت إلى الوقائع التاريخية أو أعيد تشكيلها بهدف إضفاء طابع تقديسي عليها. وبذلك يصبح الأسطوري جزءاً من عملية بناء صورة استثنائية للشخصية النبوية قبل ظهورها التاريخي بوصفها شخصية مؤسسة.
وهذه النقطة تفتح باباً واسعاً أمام فلسفة التاريخ: كيف يتحول الإنسان التاريخي إلى شخصية مقدسة؟ وكيف تعيد الجماعة كتابة طفولته وشبابه بما يتلاءم مع مكانته اللاحقة؟
فالحدث التاريخي لا يبقى دائماً على صورته الأولى؛ إنه يدخل في الذاكرة، ثم تنتقي الذاكرة منه ما يتلاءم مع هوية الجماعة وأسئلتها. ومن ثم يمكن أن تتشكل حول الشخصيات المؤسسة طبقات متراكمة من الروايات، بعضها تاريخي، وبعضها تأويلي، وبعضها رمزي، وبعضها أسطوري.
ويتوقف الكتاب كذلك عند صورة محمد في البيئة المكية السابقة على الإسلام، محاولاً مساءلة بعض الروايات المتعلقة بنشأته وشبابه وممارساته الدينية والاجتماعية. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بشخص محمد وحده، وإنما بالسياق الديني والثقافي الذي نشأ فيه: كيف كانت مكة؟ وما التيارات الدينية التي كانت موجودة فيها؟ وكيف كان حضور الوثنية والتوحيد والحنفية والتقاليد اليهودية والمسيحية في المجال الثقافي العربي؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهميتها من أن ظهور الإسلام لم يحدث في فراغ تاريخي. فكل خطاب ديني يدخل، بطريقة أو بأخرى، في علاقة مع اللغة والمفاهيم والرموز والمعتقدات الموجودة في البيئة التي يظهر فيها. ومن ثم فإن فهم العالم السابق على الإسلام يمثل شرطاً أساسياً لفهم الطريقة التي تشكل بها الخطاب الإسلامي في بداياته.