#خليل_النحوي
مفجر الشرارة الأولى للثورة في اليمن في وجه الإمامة والاستعمار؛ المناضل أحمد فتيني جنيد الزرنوقي، مؤسس دولة تهامة الذي حكمها لمدة ثلاثين سنة. فجر أول ثورة ضد الاستعمار البريطاني للجزر اليمنية، ثم أعلن قيام دولته، مما جعل قوى الإمامة تنهال عليه بكل إجرامها وغدرها. لقد كان الإعلان عن الدولة وإرسال البرقيات إلى عصبة الأمم عام 1919م سبباً في زيادة حنق الإماميين وتضاعفه، حتى هجموا على مدينة بيت الفقيه غدراً بعد صلح عُقِد بين الشيخ أحمد ورأس الشر في صنعاء الإمام يحيى. ومن المفارقة العجيبة أن زوال هذه الدولة كان في 26 سبتمبر 1926م، لتأتي الثورة المجيدة على الإمامة وتقوم في التاريخ نفسه: 26 سبتمبر 1962م.
مفجر الشرارة الأولى للثورة في اليمن في وجه الإمامة والاستعمار؛ المناضل أحمد فتيني جنيد الزرنوقي، مؤسس دولة تهامة الذي حكمها لمدة ثلاثين سنة. فجر أول ثورة ضد الاستعمار البريطاني للجزر اليمنية، ثم أعلن قيام دولته، مما جعل قوى الإمامة تنهال عليه بكل إجرامها وغدرها. لقد كان الإعلان عن الدولة وإرسال البرقيات إلى عصبة الأمم عام 1919م سبباً في زيادة حنق الإماميين وتضاعفه، حتى هجموا على مدينة بيت الفقيه غدراً بعد صلح عُقِد بين الشيخ أحمد ورأس الشر في صنعاء الإمام يحيى. ومن المفارقة العجيبة أن زوال هذه الدولة كان في 26 سبتمبر 1926م، لتأتي الثورة المجيدة على الإمامة وتقوم في التاريخ نفسه: 26 سبتمبر 1962م.
#بلال_الطيب
كان المُناضل ناشر عبد الرحمن سعيد العريقي وأخوه شاهر من أكبرِ الداعمينَ لحركةِ الأحرار، وخسرَ في سبيلِ ذلك جُلَّ أمواله، ونجا من الموتِ بأعجوبة، وتعرَّضَ للسجن في حجة فور عودته من أرض المهجر لزيارة أسرته ديسمبر 1944م، وتم الإفراج عنه بعد مُرور سنتين وبضعة أشهر أبريل 1947م، وبعد أنْ تَرك ولده رهينة، ونشرت عنه صحيفة (صوت اليمن) مَقالًا ترحيبيًا في عددها الـ 34، الصادر يوم 17 يوليو 1947م.
عمل ولي العهد وأمير تعز حينها، السيف أحمد يحيى حميد على تدمير منزله؛ وقد بعث له المناضل ناشـر بِرسالة نارية صاخبة، نشـرتها صحيفة (صوت اليمن) في العدد السابق ذكره، مُضحيًا بولده الأكبر الذي تركه رهينة عند ذلك الأمير الطاغية، وبدأ رسالته بقوله: «ليس غريبًا منك أنك أمرت بهدم داري، بعد أنْ هدمت شعبًا بأسـره، ودمرت أمة بأسـرها». وختمها بقوله: «وأنا أناشدك الله أنْ لا تتراجع عن الهدم، وأنْ تستقصي الخراب حتى آخر صخرة من الدار، حتى تعرفك العجائز والأطفال في القرى النائية، أنك أخطر رجل في القرن العشـرين» .
سبق للمناضل ناشر أنْ تقدَّمَ بمجموعةٍ من المطالبِ إلى وليِّ العهدِ أحمد، ومنه إلى الإمامِ يحيى حميد الدين 1937م، باسمهِ وباسمِ الجاليةِ اليمنيَّةِ في مستعمرةِ شرقِ أفريقيا (كينيا). وقد نصَّ البندُ الأولُ من بنودِ تلك المجموعةِ الأربعين على رفعِ الظلمِ عن الرعايا، فيما دعتْ باقي المطالبِ إلى توظيفِ ذوي الكفاءة، ومُحاربةِ الرشوة، وتفعيلِ الرقابةِ الإداريَّة، ونشرِ التعليم، وفتحِ مَدارسَ على الأسلوبِ الحديث، ومدارسَ صناعيَّةٍ وزراعيَّة، وإرسالِ البعثاتِ الطلابيَّةِ إلى أوروبا، وإنشاءِ مكاتبٍ صحيَّة، وتشييدِ مستشفياتٍ في عمومِ المدنِ اليمنيَّة، وتوفيرِ المياه، وفتحِ مكاتبَ بريديَّة، وتعزيزِ حضورِ العملةِ الوطنيَّة، وغيرها. وقد كانت وفاته قبل قيام الثورة ببضعة أشهر، عن عمر ناهز الـ 57 عامًا.
وعنه وعن أخيه قال الدكتور عبد العزيز المقالح: «وإذا كان ناشرٌ ـ رحمه الله ـ قد أغمضَ عينيه قبل إشراقةِ شمسِ الثورة، فإنَّ شاهرًا قد عاشَ الإشراقةَ العظيمة، وعادَ إلى وطنهِ سعيدًا مُنتصرًا، ليعملَ موظفًا بالدرجةِ السادسةِ في إحدى الدوائرِ الرسميَّةِ المنسيَّة».
وأضاف المقالح أنَّه ـ أي شاهر ـ عندما علمَ أنَّ بعضَ الشبابِ يُعدُّون دراسةً عن الحركةِ الوطنيَّة، بعثَ إليهم برسالةٍ حزينةٍ تقولُ بعضُ سطورِها: «ومن العدالةِ أن يُسجِّلَ التاريخُ لمن عملَ من الأحرار، كلٌّ بقدرِ عملهِ، دونَ أيِّ تحيُّز، ومن دواعي الأسفِ أنَّه لا يوجدَ من اليمنيينَ الإنصاف... وأيُّ أمَّةٍ مُصابةٌ بهذا الداء لا تتقدَّمُ ولا تنجح، وإنني مُستعدٌّ لأُصوِّرَ لكم جميعَ ما لديَّ من رسائلِ زعماءِ الأحرار، فيما يتعلَّقُ بالقضيَّةِ اليمنيَّة، على أساسِ الدفعِ نقدًا أجورَ التصوير؛ لأنني فقيرٌ، وقد أنفقتُ كلَّ ما كان لديَّ من الأموالِ بشأنِ مؤازرةِ القضيَّةِ ماديًّا ومعنويًّا، وإنني أعتزُّ بذلك؛ لأنني أدَّيتُ ما على عنقي من واجبٍ للوطن».
- النص والصورتان من كتاب (جازم الحروي.. صانع تحول)، الطبعة الثانية، ص 97، 196، 202.
كان المُناضل ناشر عبد الرحمن سعيد العريقي وأخوه شاهر من أكبرِ الداعمينَ لحركةِ الأحرار، وخسرَ في سبيلِ ذلك جُلَّ أمواله، ونجا من الموتِ بأعجوبة، وتعرَّضَ للسجن في حجة فور عودته من أرض المهجر لزيارة أسرته ديسمبر 1944م، وتم الإفراج عنه بعد مُرور سنتين وبضعة أشهر أبريل 1947م، وبعد أنْ تَرك ولده رهينة، ونشرت عنه صحيفة (صوت اليمن) مَقالًا ترحيبيًا في عددها الـ 34، الصادر يوم 17 يوليو 1947م.
عمل ولي العهد وأمير تعز حينها، السيف أحمد يحيى حميد على تدمير منزله؛ وقد بعث له المناضل ناشـر بِرسالة نارية صاخبة، نشـرتها صحيفة (صوت اليمن) في العدد السابق ذكره، مُضحيًا بولده الأكبر الذي تركه رهينة عند ذلك الأمير الطاغية، وبدأ رسالته بقوله: «ليس غريبًا منك أنك أمرت بهدم داري، بعد أنْ هدمت شعبًا بأسـره، ودمرت أمة بأسـرها». وختمها بقوله: «وأنا أناشدك الله أنْ لا تتراجع عن الهدم، وأنْ تستقصي الخراب حتى آخر صخرة من الدار، حتى تعرفك العجائز والأطفال في القرى النائية، أنك أخطر رجل في القرن العشـرين» .
سبق للمناضل ناشر أنْ تقدَّمَ بمجموعةٍ من المطالبِ إلى وليِّ العهدِ أحمد، ومنه إلى الإمامِ يحيى حميد الدين 1937م، باسمهِ وباسمِ الجاليةِ اليمنيَّةِ في مستعمرةِ شرقِ أفريقيا (كينيا). وقد نصَّ البندُ الأولُ من بنودِ تلك المجموعةِ الأربعين على رفعِ الظلمِ عن الرعايا، فيما دعتْ باقي المطالبِ إلى توظيفِ ذوي الكفاءة، ومُحاربةِ الرشوة، وتفعيلِ الرقابةِ الإداريَّة، ونشرِ التعليم، وفتحِ مَدارسَ على الأسلوبِ الحديث، ومدارسَ صناعيَّةٍ وزراعيَّة، وإرسالِ البعثاتِ الطلابيَّةِ إلى أوروبا، وإنشاءِ مكاتبٍ صحيَّة، وتشييدِ مستشفياتٍ في عمومِ المدنِ اليمنيَّة، وتوفيرِ المياه، وفتحِ مكاتبَ بريديَّة، وتعزيزِ حضورِ العملةِ الوطنيَّة، وغيرها. وقد كانت وفاته قبل قيام الثورة ببضعة أشهر، عن عمر ناهز الـ 57 عامًا.
وعنه وعن أخيه قال الدكتور عبد العزيز المقالح: «وإذا كان ناشرٌ ـ رحمه الله ـ قد أغمضَ عينيه قبل إشراقةِ شمسِ الثورة، فإنَّ شاهرًا قد عاشَ الإشراقةَ العظيمة، وعادَ إلى وطنهِ سعيدًا مُنتصرًا، ليعملَ موظفًا بالدرجةِ السادسةِ في إحدى الدوائرِ الرسميَّةِ المنسيَّة».
وأضاف المقالح أنَّه ـ أي شاهر ـ عندما علمَ أنَّ بعضَ الشبابِ يُعدُّون دراسةً عن الحركةِ الوطنيَّة، بعثَ إليهم برسالةٍ حزينةٍ تقولُ بعضُ سطورِها: «ومن العدالةِ أن يُسجِّلَ التاريخُ لمن عملَ من الأحرار، كلٌّ بقدرِ عملهِ، دونَ أيِّ تحيُّز، ومن دواعي الأسفِ أنَّه لا يوجدَ من اليمنيينَ الإنصاف... وأيُّ أمَّةٍ مُصابةٌ بهذا الداء لا تتقدَّمُ ولا تنجح، وإنني مُستعدٌّ لأُصوِّرَ لكم جميعَ ما لديَّ من رسائلِ زعماءِ الأحرار، فيما يتعلَّقُ بالقضيَّةِ اليمنيَّة، على أساسِ الدفعِ نقدًا أجورَ التصوير؛ لأنني فقيرٌ، وقد أنفقتُ كلَّ ما كان لديَّ من الأموالِ بشأنِ مؤازرةِ القضيَّةِ ماديًّا ومعنويًّا، وإنني أعتزُّ بذلك؛ لأنني أدَّيتُ ما على عنقي من واجبٍ للوطن».
- النص والصورتان من كتاب (جازم الحروي.. صانع تحول)، الطبعة الثانية، ص 97، 196، 202.
صور من الأرشيف.
مجموعة من الصور التاريخية التي توثّق عدد من المشاهد العمرانية والحياة العامة خلال فترة السلطنة القعيطية، تُظهر القصر السلطاني أو قصر المعين؛ سُمّي بهذا الاسم تيمّنًا بمعين، نجل السلطان عمر بن عوض القعيطي، الذي أنشأ القصر ليكون مقرًا للحكم في المكلا.
A collection of historical photos documenting various urban scenes and aspects of public life during the Al-Qaiti Sultanate, featuring the Sultan’s Palace, also known as Al-Ma’in Palace; it was named after Ma’in, the son of Sultan Omar bin Awad Al-Qaiti, who built the palace to serve as the seat of government in Mukalla.
-
#من_التاريخ
#work4heritage
مجموعة من الصور التاريخية التي توثّق عدد من المشاهد العمرانية والحياة العامة خلال فترة السلطنة القعيطية، تُظهر القصر السلطاني أو قصر المعين؛ سُمّي بهذا الاسم تيمّنًا بمعين، نجل السلطان عمر بن عوض القعيطي، الذي أنشأ القصر ليكون مقرًا للحكم في المكلا.
A collection of historical photos documenting various urban scenes and aspects of public life during the Al-Qaiti Sultanate, featuring the Sultan’s Palace, also known as Al-Ma’in Palace; it was named after Ma’in, the son of Sultan Omar bin Awad Al-Qaiti, who built the palace to serve as the seat of government in Mukalla.
-
#من_التاريخ
#work4heritage
#وزير الثقافة السابق
#خالد_الرويشان
26 سبتمبر .. هل تقبل اعتذارنا؟!
أيامنا كثيرة ,لكن هذا اليوم يظل درّة الأيام حتى بعد 64 عاما. قد يختلف كثيرون حول ما تحقق وما لم يتحقق من أهداف ثورة 26 سبتمبر, لكن , ما لا يمكن إنكاره أن هذه الثورة كانت بوابة التغيير الكبرى صوب العصر ومتطلباته, والزمان الجديد ومتغيراته,.. إنها على وجه التأكيد البوابة التي عبرت من تحتها بعد ذلك كل قوافل الأحلام والآمال في التغيير والتحديث والتثوير والتنوير.
وفي الواقع, أنها لم تكن مجرّد بوابة. إنها أقرب إلى بركان, ما تزال كرات نارِهِ مندلعةً ثائرةً في فضاء السكون, وعلى السفوح الغافية منذ آلاف السنين!
ما تزال كرات النار والنور تضيء ليل هذه البلاد من فوّهة الأحلام الكبرى.. تلك الفوّهة التي اندلعت في ذلك الصباح الفتيّ البهيّ من يوم 26 سبتمبر 1962.
ثمّة حكايةٌ كنت شاهدا عليها أواخر ثمانينات القرن العشرين.. ربما لخّصت هذه الحكايةُ ضوءَ كرةِ نارٍ واحدة من الكرات المتدحرجة الهائلة التي تناثرت في فضاء اليمن الساكن الراكد من فوّهة النور والنار تلك!
في مؤسسة من مؤسسات الدولة, كان رجل أُمّيٌّ بسيط يقوم على نظافة المكاتب".." وكان اختياره لذلك العمل في ذلك الوقت قائما على فئة اجتماعية ينتمي إليها منذ مئات السنين!.. وضمن ثقافة اجتماعية إمامية متخلّفة!.. وكان الرجل على بساطته شديد الذكاء, مخلصا في أدائه, أمينا على كل تفاصيل عمله.
كان "العم حمود" وهذا هو اسمه, دائم الحديث عن ابنته كوكب,.. والتي كانت على أبواب اختبارات الثانوية العامّة. وفي صباح لا يُنسى, رأيت العم حمود يتقافز بين المكاتب متهللا بفرحٍ غامر,.. لقد تفوّقت ابنته كوكب فكانت الأولى في الثانوية العامة, وعلى مستوى الجمهورية!
بعدها بسنوات, أصبحت كوكب أستاذةً في الجامعة, ولن أنسى إطلالتها زائرةً لي في مكتبي في هيئة الكتاب, وكان أبوها إلى جانبها مثل ملكٍ متوّج بشعورٍ لا يمكن وصفه! وكانت الزيارة لغرض طباعة كتابين لكوكب!
هذه خلاصةٌ من خلاصات سبتمبر الكبرى!
ما كان لحمود أن يسمي ابنته كوكبا!
وما كان لكوكب أن تنسرب في مدار الضوء الشاهق دون شمس أيلول الباهرة القاهرة!
نعم, ما كان لحمود أن يسمي ابنته كوكبا! ما بالك أن تصبح كوكب أستاذةً في الجامعة وربما وزيرةً أو سفيرة!
نحن ننسى لأنه أُريد لنا أن ننسى!
حتى الأسماء كانت طبقية مقيتة! في عرفٍ اجتماعي شديد القسوة , محكمٍ بأقفال يصعب كسرُها, وأسوارٍ شائكةٍ يستحيل اجتيازها!
64 عاما!
هل تُحسبُ كلّها على سبتمبر؟!
أظن أن الجزء الأكبر من هذه السنوات كان مختطفا مخطوفا! واليمنيون يجيدون ذلك .. وحتى اليوم! ثورة مختطفة ويجري خنقها!
مختطفة بمعنى أن تلك السنوات ذهبت لمن لا يستحق!
مخطوفة! بمعنى، أنها مخطوفة عن وعيها, وإرادتها, فهي موجودة وغير موجودة! تائهة لا تعرف ماذا تريد! أو إلى أين هي ذاهبة!
خطفها قطاع طرق ألبستهم الجمهورية الحرير، وكتم أنفاسها غبار التاريخ ..أو حاول ويحاول!
نعم.. الثورات تختطف أيضا! لم تسلم من ذلك حتى الثورة الفرنسية حين أعادها نابليون بونابارت مُلكا ظالما, وملكيةً متخلفة بعد سنوات من قيامها! قبل أن تعود إلى أهدافها ونظامها الذي غيّر العالم كله.
ما يزال الفرنسيون يحتفلون بثورتهم بعد مئات من السنين, وكذلك يفعل الأمريكيون,.. شعوبٌ متقدمة تعرف أقدار تضحياتها, ومقدّرات رجالها وأيامها.
ثلثا تلك السنوات شهدت أكبر عملية نهب في تاريخ اليمن.. وما تزال للأسف!
نقول ذلك لا انتقاما من أحد ولكن نقولها للتاريخ, واحتراما لدماء الشهداء, ومحاولةً لتقدير أدوار الرجال, ما لهم وما عليهم.
لكن,.. هل يستطيع أحد أن يتهم الضباط الأحرار أو الرؤساء السلال والإرياني والحمدي بالنهب أو السرقة؟! هؤلاء الذين غادروا الحياة السياسية وهم لا يملكون سوى منازلهم وبلا أيّة أرصدة في أيّ بنك!
هذه هي ثورة سبتمبر.. النزاهة أولا وثانيا!
ماذا يبقى من ثورة سبتمبر إذن؟
يبقى أنها كانت وستظل البوابة التي عَبَرَ منها اليمنيون إلى العصر الحديث, ويبقى أنها الحدث الأهم خلال الف سنةٍ مضت على الأقل, فبعدَهُ تغيّرت اليمن, وتكسّرت الأغلال أو معظمها!
يبقى من ثورة سبتمبر أنها أيقظت كل أحلام التغيير, وآمال المساواة, والديمقراطية, والتقدم, والوحدة,.. والعصر بكل ما فيه!
يبقى أنها أخرجت المارد من القمقم,
وهيهات أن يعود إليه!
#خالد_الرويشان
26 سبتمبر .. هل تقبل اعتذارنا؟!
أيامنا كثيرة ,لكن هذا اليوم يظل درّة الأيام حتى بعد 64 عاما. قد يختلف كثيرون حول ما تحقق وما لم يتحقق من أهداف ثورة 26 سبتمبر, لكن , ما لا يمكن إنكاره أن هذه الثورة كانت بوابة التغيير الكبرى صوب العصر ومتطلباته, والزمان الجديد ومتغيراته,.. إنها على وجه التأكيد البوابة التي عبرت من تحتها بعد ذلك كل قوافل الأحلام والآمال في التغيير والتحديث والتثوير والتنوير.
وفي الواقع, أنها لم تكن مجرّد بوابة. إنها أقرب إلى بركان, ما تزال كرات نارِهِ مندلعةً ثائرةً في فضاء السكون, وعلى السفوح الغافية منذ آلاف السنين!
ما تزال كرات النار والنور تضيء ليل هذه البلاد من فوّهة الأحلام الكبرى.. تلك الفوّهة التي اندلعت في ذلك الصباح الفتيّ البهيّ من يوم 26 سبتمبر 1962.
ثمّة حكايةٌ كنت شاهدا عليها أواخر ثمانينات القرن العشرين.. ربما لخّصت هذه الحكايةُ ضوءَ كرةِ نارٍ واحدة من الكرات المتدحرجة الهائلة التي تناثرت في فضاء اليمن الساكن الراكد من فوّهة النور والنار تلك!
في مؤسسة من مؤسسات الدولة, كان رجل أُمّيٌّ بسيط يقوم على نظافة المكاتب".." وكان اختياره لذلك العمل في ذلك الوقت قائما على فئة اجتماعية ينتمي إليها منذ مئات السنين!.. وضمن ثقافة اجتماعية إمامية متخلّفة!.. وكان الرجل على بساطته شديد الذكاء, مخلصا في أدائه, أمينا على كل تفاصيل عمله.
كان "العم حمود" وهذا هو اسمه, دائم الحديث عن ابنته كوكب,.. والتي كانت على أبواب اختبارات الثانوية العامّة. وفي صباح لا يُنسى, رأيت العم حمود يتقافز بين المكاتب متهللا بفرحٍ غامر,.. لقد تفوّقت ابنته كوكب فكانت الأولى في الثانوية العامة, وعلى مستوى الجمهورية!
بعدها بسنوات, أصبحت كوكب أستاذةً في الجامعة, ولن أنسى إطلالتها زائرةً لي في مكتبي في هيئة الكتاب, وكان أبوها إلى جانبها مثل ملكٍ متوّج بشعورٍ لا يمكن وصفه! وكانت الزيارة لغرض طباعة كتابين لكوكب!
هذه خلاصةٌ من خلاصات سبتمبر الكبرى!
ما كان لحمود أن يسمي ابنته كوكبا!
وما كان لكوكب أن تنسرب في مدار الضوء الشاهق دون شمس أيلول الباهرة القاهرة!
نعم, ما كان لحمود أن يسمي ابنته كوكبا! ما بالك أن تصبح كوكب أستاذةً في الجامعة وربما وزيرةً أو سفيرة!
نحن ننسى لأنه أُريد لنا أن ننسى!
حتى الأسماء كانت طبقية مقيتة! في عرفٍ اجتماعي شديد القسوة , محكمٍ بأقفال يصعب كسرُها, وأسوارٍ شائكةٍ يستحيل اجتيازها!
64 عاما!
هل تُحسبُ كلّها على سبتمبر؟!
أظن أن الجزء الأكبر من هذه السنوات كان مختطفا مخطوفا! واليمنيون يجيدون ذلك .. وحتى اليوم! ثورة مختطفة ويجري خنقها!
مختطفة بمعنى أن تلك السنوات ذهبت لمن لا يستحق!
مخطوفة! بمعنى، أنها مخطوفة عن وعيها, وإرادتها, فهي موجودة وغير موجودة! تائهة لا تعرف ماذا تريد! أو إلى أين هي ذاهبة!
خطفها قطاع طرق ألبستهم الجمهورية الحرير، وكتم أنفاسها غبار التاريخ ..أو حاول ويحاول!
نعم.. الثورات تختطف أيضا! لم تسلم من ذلك حتى الثورة الفرنسية حين أعادها نابليون بونابارت مُلكا ظالما, وملكيةً متخلفة بعد سنوات من قيامها! قبل أن تعود إلى أهدافها ونظامها الذي غيّر العالم كله.
ما يزال الفرنسيون يحتفلون بثورتهم بعد مئات من السنين, وكذلك يفعل الأمريكيون,.. شعوبٌ متقدمة تعرف أقدار تضحياتها, ومقدّرات رجالها وأيامها.
ثلثا تلك السنوات شهدت أكبر عملية نهب في تاريخ اليمن.. وما تزال للأسف!
نقول ذلك لا انتقاما من أحد ولكن نقولها للتاريخ, واحتراما لدماء الشهداء, ومحاولةً لتقدير أدوار الرجال, ما لهم وما عليهم.
لكن,.. هل يستطيع أحد أن يتهم الضباط الأحرار أو الرؤساء السلال والإرياني والحمدي بالنهب أو السرقة؟! هؤلاء الذين غادروا الحياة السياسية وهم لا يملكون سوى منازلهم وبلا أيّة أرصدة في أيّ بنك!
هذه هي ثورة سبتمبر.. النزاهة أولا وثانيا!
ماذا يبقى من ثورة سبتمبر إذن؟
يبقى أنها كانت وستظل البوابة التي عَبَرَ منها اليمنيون إلى العصر الحديث, ويبقى أنها الحدث الأهم خلال الف سنةٍ مضت على الأقل, فبعدَهُ تغيّرت اليمن, وتكسّرت الأغلال أو معظمها!
يبقى من ثورة سبتمبر أنها أيقظت كل أحلام التغيير, وآمال المساواة, والديمقراطية, والتقدم, والوحدة,.. والعصر بكل ما فيه!
يبقى أنها أخرجت المارد من القمقم,
وهيهات أن يعود إليه!