في يوم الأغنية اليمنية، أحببت أن أعيد نشر تقريري بـ: الصبر طيب؛ في يوم الأغنية اليمنية، كيف تشرح أغاني كرامة مرسال واقع اليمنيين وأساهم! كنوع من رد الجميل لأحد أعظم من أنجبت الأغنية اليمنية.
#أمجد_شعبين
--------------
للوطن والحب والحنين، للإنسان والهوية، لكل ما يشبه اليمني ويعبر عنه؛ غنى كرامة مرسال بصوته الشجي الذي يستحيل شجنًا في القلوب وطربًا للمسامع، طوال حياته مع الفن وحتى رحيله، رحيله الذي ما يزال وجعًا في الذاكرة الفنية اليمنية، إذ جاء بطريقة مرة ومؤلمة، سبقها الكثير من التهميش، وكأن القدر أراد لليمنيين أن يرحل صوتهم الشجي وأحد أعظم أصواتهم الغنائية بنفس الطريقة التي يذوون بها. وهل عليه إلا أن يكون مثلهم، يعيش كما يعيشون ويرحل بالطريقة التي ذوت أرواحهم بها، وإن كان صوتهم الخالد!
كرامة الذي تم التنكر له في آخر أيامه لم يتنكر للبلاد التي ولد فيها وتنفس هواءها، ولم يرضَ بالخروج عنها إلى أماكن أخرى، فعلى الرغم من التجارب الناجحة لكثير من أبناء جيله في المهجر، ومما كان سيحصل عليه الرجل من امتيازات مادية وفنية فضّل البقاء في المكلا، مرتبطًا بها وبهوائها ولونها الفني. فكرة جسدها ببساطته وطريقته في العيش، ولم يعجز عن التعبير عنها حين شدا بكلمات الكبير حسين أبو بكر المحضار، وألحان الممتع علي سعيد علي: “باخلص لها إخلاص عاشق في هواها مؤتمن
ماباصبر فيها على باطل ولا بعبد وثن
باحل بها من حيث ماحليت
وان عاهدتني بالعهود أوفيت”.
لا يتحدث ابن المكلا بكلمات المحضار هنا عن نفسه فحسب، إنما هو يعير اليمنيين أجمع صوته الآسر ليعبروا عما بداخلهم لهذه البلاد؛ وإن قست، وإن جفت، وإن جارت عليهم. وهي حالة تشاركها الملايين من أبناء هذا الوطن المذبوح من أقصاه إلى أقصاه. فإن سؤل أحدهم يومًا بـ “محبوبتك من؟”، كان جوابه “اليمن”. اليمن فحسب.
ويغرد مرسال في رائعته الشهيرة قائلًا:
“حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن
حبي لها أمي سقتني إياه في وسـط اللبن
إن عشت فيها لأجلها عانيت
وان غبت عنها أنا لها حنيت
والحاصل ان الحب شي ماله ثمن
من قال محبوبتك من قلت اليمن"
عن الأرض والوطن لم تكن هذه الأغنية الوحيدة لكرامة مرسال؛ ما كان لها أن تكون كذلك بالنسبة لفنان اختزل حب البلاد كلها في روحه وديدنه النقي فأخرجه للعالم بنفس النقاء، لا فرق إن خرجت له باللهجة الحضرمية أو بالعربية الفصحى، ففي الأولى قال: “بعد المكلا شاق”، وفي الثانية: “دعيني أعانق فيك الأمل”، وما بينهما حبٌ عظيم وصادق، لا قدرة للكلمات على التعبير عنه مهما أدهشتك.
حب يتجلّى أمامك بطرق عديدة، لعل أقلها درجة تلك الدموع التي تلحظها في عيون اليمنيين عند سماع نشيدهم الوطني، وكأن “رددي أيتها الدنيا نشيدي” إيذانًا بسكب الدموع كتعبير عن الحب، وهل أصدق تعبيرًا من الدمع!
يقول صاحب الحنجرة العظيمة في الأغنية التي كتبها حسين باسنبل، ولحنها كرامة نفسه، وأصبحت فيما بعد واحدة من أهم الأغاني الوطنية في البلد:
“دَعِيني أُعانِقُ فِيكِ الأمَلْ
وأشدُو بِأُغنيةِ الإنتصارْ
وأُرسِلُ فرحةَ عُمري قُبَلْ
لِتَلثَمَ في وَجنَتَيكِ النَّهارْ
وأُهديكِ قَلباً يُحِبُ الجَمَالْ
ويفدِيكِ من عادِياتِ الزَّمَنْ
فأنتِ الجوابُ وأنتِ السّؤالْ
وانتِ مُنى القلبَ (ياءٌ) و (مَنْ)"
استمر عندليب المكلا فيما يبرع به طوال رحلته مع الفن؛ التحدث بلسان كل من على هذه الرقعة وتكثيف مشاعرهم وأحاسيسهم في أغانٍ بديعة، ليمكنهم فيما بعد من تذكرها مع كل مرة يستمعون فيها إليه، وإن أكل الدهر على تلك الذكريات وشرب. ومن هذا ما قاله في أغنية “متيم بالهوى” التي كتبها راشد بن أحمد الجابري، ولحنها كرامة مرسال بطريقة لا تقل دهشة عن صوته، ليغنيها بعده فنانون كُثر، كراشد الماجد وأنغام، يحاولون الشدو مثله:
“متيّم بالهوى يروي
حكاية حب مخفيّـة مع من عاش وياهم
ولولا الأمر ما يحوي
ما قلت الذي بيّـه ولكن بعد فرقاهم
لقيت القلب يهواهم
خطائي والخطى ما هو خطاهم
مكتوب الشقى ليّه
معاهم صادق النيّة"
وكرامة مرسال مثّل بصوته المبحوح شيئًا من خصوصية البلاد وأهلها، عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الديني ولحظاتهم التي تعلق في الذاكرة عمرًا كاملًا، ولعل الأعياد جزءًا لا يتجزأ من هذه الذكريات، بالليالي التي تسبقها، ببهجة صباحاتها وبكل ما يفعله اليمني فيها؛ حوّلها لاحقًا إلى أغنية من كلمات غالب باعكابه، ولحنها هو بنفسه، حينها لم تخلوا من حديث الحب كما هي عادة الإنسان الذي يتمنى أن يعيش لحظاته الخاصة محاطًا بأحبته، حيث تقول الأغنية:
“أقبل العيد حبيبي وشدى الطير وكبر
وتهادى الروض من فرحتنا الكبرى وأزهر
أي شيء في غداة العيد أهديه وأفخر
فتعالي لي بثوب العيد ذلك الحلو المشجر
واحضني القلب المعنى فيك يا حلمي المعطر
أي شيء في غداة العيد أهديه وأفخر
أي شيء غير حبي لك يزداد ويكبر
أنتي أغلى في عيوني من منى الدنيا وأكثر".
#أمجد_شعبين
--------------
للوطن والحب والحنين، للإنسان والهوية، لكل ما يشبه اليمني ويعبر عنه؛ غنى كرامة مرسال بصوته الشجي الذي يستحيل شجنًا في القلوب وطربًا للمسامع، طوال حياته مع الفن وحتى رحيله، رحيله الذي ما يزال وجعًا في الذاكرة الفنية اليمنية، إذ جاء بطريقة مرة ومؤلمة، سبقها الكثير من التهميش، وكأن القدر أراد لليمنيين أن يرحل صوتهم الشجي وأحد أعظم أصواتهم الغنائية بنفس الطريقة التي يذوون بها. وهل عليه إلا أن يكون مثلهم، يعيش كما يعيشون ويرحل بالطريقة التي ذوت أرواحهم بها، وإن كان صوتهم الخالد!
كرامة الذي تم التنكر له في آخر أيامه لم يتنكر للبلاد التي ولد فيها وتنفس هواءها، ولم يرضَ بالخروج عنها إلى أماكن أخرى، فعلى الرغم من التجارب الناجحة لكثير من أبناء جيله في المهجر، ومما كان سيحصل عليه الرجل من امتيازات مادية وفنية فضّل البقاء في المكلا، مرتبطًا بها وبهوائها ولونها الفني. فكرة جسدها ببساطته وطريقته في العيش، ولم يعجز عن التعبير عنها حين شدا بكلمات الكبير حسين أبو بكر المحضار، وألحان الممتع علي سعيد علي: “باخلص لها إخلاص عاشق في هواها مؤتمن
ماباصبر فيها على باطل ولا بعبد وثن
باحل بها من حيث ماحليت
وان عاهدتني بالعهود أوفيت”.
لا يتحدث ابن المكلا بكلمات المحضار هنا عن نفسه فحسب، إنما هو يعير اليمنيين أجمع صوته الآسر ليعبروا عما بداخلهم لهذه البلاد؛ وإن قست، وإن جفت، وإن جارت عليهم. وهي حالة تشاركها الملايين من أبناء هذا الوطن المذبوح من أقصاه إلى أقصاه. فإن سؤل أحدهم يومًا بـ “محبوبتك من؟”، كان جوابه “اليمن”. اليمن فحسب.
ويغرد مرسال في رائعته الشهيرة قائلًا:
“حبي لها رغم الظروف القاسية رغم المحن
حبي لها أمي سقتني إياه في وسـط اللبن
إن عشت فيها لأجلها عانيت
وان غبت عنها أنا لها حنيت
والحاصل ان الحب شي ماله ثمن
من قال محبوبتك من قلت اليمن"
عن الأرض والوطن لم تكن هذه الأغنية الوحيدة لكرامة مرسال؛ ما كان لها أن تكون كذلك بالنسبة لفنان اختزل حب البلاد كلها في روحه وديدنه النقي فأخرجه للعالم بنفس النقاء، لا فرق إن خرجت له باللهجة الحضرمية أو بالعربية الفصحى، ففي الأولى قال: “بعد المكلا شاق”، وفي الثانية: “دعيني أعانق فيك الأمل”، وما بينهما حبٌ عظيم وصادق، لا قدرة للكلمات على التعبير عنه مهما أدهشتك.
حب يتجلّى أمامك بطرق عديدة، لعل أقلها درجة تلك الدموع التي تلحظها في عيون اليمنيين عند سماع نشيدهم الوطني، وكأن “رددي أيتها الدنيا نشيدي” إيذانًا بسكب الدموع كتعبير عن الحب، وهل أصدق تعبيرًا من الدمع!
يقول صاحب الحنجرة العظيمة في الأغنية التي كتبها حسين باسنبل، ولحنها كرامة نفسه، وأصبحت فيما بعد واحدة من أهم الأغاني الوطنية في البلد:
“دَعِيني أُعانِقُ فِيكِ الأمَلْ
وأشدُو بِأُغنيةِ الإنتصارْ
وأُرسِلُ فرحةَ عُمري قُبَلْ
لِتَلثَمَ في وَجنَتَيكِ النَّهارْ
وأُهديكِ قَلباً يُحِبُ الجَمَالْ
ويفدِيكِ من عادِياتِ الزَّمَنْ
فأنتِ الجوابُ وأنتِ السّؤالْ
وانتِ مُنى القلبَ (ياءٌ) و (مَنْ)"
استمر عندليب المكلا فيما يبرع به طوال رحلته مع الفن؛ التحدث بلسان كل من على هذه الرقعة وتكثيف مشاعرهم وأحاسيسهم في أغانٍ بديعة، ليمكنهم فيما بعد من تذكرها مع كل مرة يستمعون فيها إليه، وإن أكل الدهر على تلك الذكريات وشرب. ومن هذا ما قاله في أغنية “متيم بالهوى” التي كتبها راشد بن أحمد الجابري، ولحنها كرامة مرسال بطريقة لا تقل دهشة عن صوته، ليغنيها بعده فنانون كُثر، كراشد الماجد وأنغام، يحاولون الشدو مثله:
“متيّم بالهوى يروي
حكاية حب مخفيّـة مع من عاش وياهم
ولولا الأمر ما يحوي
ما قلت الذي بيّـه ولكن بعد فرقاهم
لقيت القلب يهواهم
خطائي والخطى ما هو خطاهم
مكتوب الشقى ليّه
معاهم صادق النيّة"
وكرامة مرسال مثّل بصوته المبحوح شيئًا من خصوصية البلاد وأهلها، عاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الديني ولحظاتهم التي تعلق في الذاكرة عمرًا كاملًا، ولعل الأعياد جزءًا لا يتجزأ من هذه الذكريات، بالليالي التي تسبقها، ببهجة صباحاتها وبكل ما يفعله اليمني فيها؛ حوّلها لاحقًا إلى أغنية من كلمات غالب باعكابه، ولحنها هو بنفسه، حينها لم تخلوا من حديث الحب كما هي عادة الإنسان الذي يتمنى أن يعيش لحظاته الخاصة محاطًا بأحبته، حيث تقول الأغنية:
“أقبل العيد حبيبي وشدى الطير وكبر
وتهادى الروض من فرحتنا الكبرى وأزهر
أي شيء في غداة العيد أهديه وأفخر
فتعالي لي بثوب العيد ذلك الحلو المشجر
واحضني القلب المعنى فيك يا حلمي المعطر
أي شيء في غداة العيد أهديه وأفخر
أي شيء غير حبي لك يزداد ويكبر
أنتي أغلى في عيوني من منى الدنيا وأكثر".