عبدالله #باذيب و #النقاب !
الحرية التي تبدأ بالعلم لا يمكن أن تنتهي بالتقاليد
عبدالله #الحنكي
أول الأمر لا بدّ لي هنا من الإشارة بأمانة إلى أنه ما من علاقة لباذيب بهذه المسألة المعطوفة عليه هنا، ولم تكن من صميم اهتماماته، ولا تكاد تذكر في تراثه النضالي والفكري، فالرجل كان منهمكًا بقضايا التحرر الوطني وموجبات مقاومة الاستعمار، ونشر الوعي والمعرفة بها في أوساط الشعب، وبقضايا الفكر والتحرر الفكري ومكافحة الظلم والفقر والعبودية بكل أشكالها. وتعرض نتيجة ذلك للقمع والتنكيل والسجن من قبل سلطات مستعمرة عدن، ثم للمحاكمة التي خرجت المظاهرات الشعبية احتجاجًا عليها بقوة. ولم تكن تلك المحاكمة إلا انتقامًا منه على المقالة الشهيرة التي كتبها عام 1955، بعنوان "المسيح الجديد الذي يتكلم الإنجليزية"، ردًّا على مواعظ القس البريطاني الذي استقدمته السلطات محاضرًا وداعية يدعو الناس للخضوع والولاء التام لسلطات المستعمرين وأعوانهم بذريعة التعايش بين الناس، وهي التي قال في جزء منها:
"فاذا رأيت مثلًا صحيفة تروج لسياسة غير عربية وترسيخ النفوذ الأجنبي في بلادك، فلا تقل إنها خائنة، وإنها تعمل لحساب أعداء الوطن، وإلا اتهموك بالمهاترة!
وإذا كنت اتحاديًّا وأردت أن تهاجم شخصًا يمثل الانفصالية أشنع تمثيل، فإياك أن تمسه بكلمة سوء. فإن أيسر ما سيتهمونك به هو أنك مهاتر، وتسب الناس! وأخشى أن يقولوا لك بعد حين:
إذا دخل اللص بيتك فلا تمسك بتلابيبه، ولا تستدعِ البوليس للقبض عليه، وإلا غدوت إنسانًا مهاترًا ينضح قلبه بالحقد والصديد!".
وفي جزء آخر من المقال، يقول:
"هي اللغة الإنجليزية تخرج من كل بلاد خرج منها الإنجليز".
وفي السودان أصبحت اللغةُ العربية اللغةَ الرسمية.
وفي الهند جدّدت فترة الانتقال لعودة البلاد إلى لغتها الأصلية.
وفي كل مكان، حدث ويحدث ذلك!
كان هناك ادعاء بأن إصدار صحف بالإنجليزية يساعد على تعريف الحكام بأمانينا وآمالنا بواسطة (ترجمتها) وتوصيلها إليهم بلغتهم لإغرائهم بالاطلاع عليها واستثارة اهتمامهم بها. ذلك الادعاء العجيب لا يستند إلى منطق مكين.
بل على عكس ذلك، يجب أن نستعمل لغتنا العربية في كل مجال من مجالات الحياة، وفي كل حقل من حقول الثقافة والنشر.
وهكذا نعيد للغتنا العربية اعتبارها، ونمكّن لها في الأرض، ونفرضها على الحكام فرضًا.
وخلال ذلك، تصل أصواتنا إلى مسامع الحكام قوية هادرة فصيحة مترجمة.
وعودة إلى موضوعنا الأصلي
نعم، لم تكن مسألة النقاب في صدارة اهتمامات هذا المفكر القدير، وإنما أقحمتها عليه مضطرًا، إذ كانت قد عرضت له يومًا في سياق عمله التربوي وزيرًا للتربية والتعليم. وما كنت لأشير إليها مطلقًا لولا أن دفعني إليها تصريحات بعض التقدميين الجدد مؤخرًا، عن رفضهم قراءة أي رواية لكاتبة منقبة، ولو حازت نوبل للآداب!
إذن، ذكرني هذا التصريح العجيب بذلك العارض الذي مر مرورًا عابرًا في تفاصيل الأداء المسؤول لعبدالله باذيب يوم كان وزيرًا للتربية والتعليم. يومذاك جاءته فتاة تشكو إليه إدارة كلية التربية التي رفضت قبول طلبها التسجيل بسبب ارتدائها النقاب، هنا أوضحت الفتاة أن هذا كان شرط والدها لموافقته على دراستها، وبأنها لا تستطيع تجاوز شرط والدها في الوقت الذي ترغب فيه بالدراسة الجامعية.
تأمل الأستاذ باذيب مليًّا في جوانب الشكوى، وأدرك من إجاباتها عن أسئلته أن ذلك لم يكن شرطًا من والدها قدر ما كان حلًّا مناسبًا منه، أراد الأب أن يتجاوز به رفض الأسرة لمبدأ دراستها الجامعية. وعلى الفور أوصى بقبولها وقال لإدارة الكلية: ما دام والدها قد كسر أهم قيود التقاليد المتعلقة بحرمان الفتيات من حق الدراسة، فلا تكونوا أقل كرمًا من أبيها.
المؤكد أن عبدالله باذيب ليس مع فرض النقاب كما قد يتبادر للبعض، لكنه كان يؤمن أن الحرية التي تبدأ بالعلم لا يمكن أن تنتهي بالتقاليد.
فعسى الإخوة أصحاب ذلك التصريح أن يستوعبوا مغزى ذلك المثل التاريخي من سيرة المفكر الراحل عبدالله باذيب، ليعلموا أن النقاب، أيًّا كانت مرموزات عيوبه الاجتماعية التي لا نختلف عليها، فإنه لا يسعه أن يحول دون الإبداع متى حضرت الموهبة في عقل منفتح متنور.
•••
عبدالله #الحنكي
سفير سابق
#خيوط
الحرية التي تبدأ بالعلم لا يمكن أن تنتهي بالتقاليد
عبدالله #الحنكي
أول الأمر لا بدّ لي هنا من الإشارة بأمانة إلى أنه ما من علاقة لباذيب بهذه المسألة المعطوفة عليه هنا، ولم تكن من صميم اهتماماته، ولا تكاد تذكر في تراثه النضالي والفكري، فالرجل كان منهمكًا بقضايا التحرر الوطني وموجبات مقاومة الاستعمار، ونشر الوعي والمعرفة بها في أوساط الشعب، وبقضايا الفكر والتحرر الفكري ومكافحة الظلم والفقر والعبودية بكل أشكالها. وتعرض نتيجة ذلك للقمع والتنكيل والسجن من قبل سلطات مستعمرة عدن، ثم للمحاكمة التي خرجت المظاهرات الشعبية احتجاجًا عليها بقوة. ولم تكن تلك المحاكمة إلا انتقامًا منه على المقالة الشهيرة التي كتبها عام 1955، بعنوان "المسيح الجديد الذي يتكلم الإنجليزية"، ردًّا على مواعظ القس البريطاني الذي استقدمته السلطات محاضرًا وداعية يدعو الناس للخضوع والولاء التام لسلطات المستعمرين وأعوانهم بذريعة التعايش بين الناس، وهي التي قال في جزء منها:
"فاذا رأيت مثلًا صحيفة تروج لسياسة غير عربية وترسيخ النفوذ الأجنبي في بلادك، فلا تقل إنها خائنة، وإنها تعمل لحساب أعداء الوطن، وإلا اتهموك بالمهاترة!
وإذا كنت اتحاديًّا وأردت أن تهاجم شخصًا يمثل الانفصالية أشنع تمثيل، فإياك أن تمسه بكلمة سوء. فإن أيسر ما سيتهمونك به هو أنك مهاتر، وتسب الناس! وأخشى أن يقولوا لك بعد حين:
إذا دخل اللص بيتك فلا تمسك بتلابيبه، ولا تستدعِ البوليس للقبض عليه، وإلا غدوت إنسانًا مهاترًا ينضح قلبه بالحقد والصديد!".
وفي جزء آخر من المقال، يقول:
"هي اللغة الإنجليزية تخرج من كل بلاد خرج منها الإنجليز".
وفي السودان أصبحت اللغةُ العربية اللغةَ الرسمية.
وفي الهند جدّدت فترة الانتقال لعودة البلاد إلى لغتها الأصلية.
وفي كل مكان، حدث ويحدث ذلك!
كان هناك ادعاء بأن إصدار صحف بالإنجليزية يساعد على تعريف الحكام بأمانينا وآمالنا بواسطة (ترجمتها) وتوصيلها إليهم بلغتهم لإغرائهم بالاطلاع عليها واستثارة اهتمامهم بها. ذلك الادعاء العجيب لا يستند إلى منطق مكين.
بل على عكس ذلك، يجب أن نستعمل لغتنا العربية في كل مجال من مجالات الحياة، وفي كل حقل من حقول الثقافة والنشر.
وهكذا نعيد للغتنا العربية اعتبارها، ونمكّن لها في الأرض، ونفرضها على الحكام فرضًا.
وخلال ذلك، تصل أصواتنا إلى مسامع الحكام قوية هادرة فصيحة مترجمة.
تأمل الأستاذ باذيب مليًّا في جوانب شكوى الفتاة، وأدرك من إجاباتها عن أسئلته أن ذلك لم يكن شرطًا من والدها قدر ما كان حلًّا مناسبًا منه، أراد الأب أن يتجاوز به رفض الأسرة لمبدأ دراستها الجامعية. وعلى الفور أوصى بقبولها وقال لإدارة الكلية: ما دام والدها قد كسر أهم قيود التقاليد المتعلقة بحرمان الفتيات من حق الدراسة، فلا تكونوا أقل كرمًا من أبيها.
وعودة إلى موضوعنا الأصلي
نعم، لم تكن مسألة النقاب في صدارة اهتمامات هذا المفكر القدير، وإنما أقحمتها عليه مضطرًا، إذ كانت قد عرضت له يومًا في سياق عمله التربوي وزيرًا للتربية والتعليم. وما كنت لأشير إليها مطلقًا لولا أن دفعني إليها تصريحات بعض التقدميين الجدد مؤخرًا، عن رفضهم قراءة أي رواية لكاتبة منقبة، ولو حازت نوبل للآداب!
إذن، ذكرني هذا التصريح العجيب بذلك العارض الذي مر مرورًا عابرًا في تفاصيل الأداء المسؤول لعبدالله باذيب يوم كان وزيرًا للتربية والتعليم. يومذاك جاءته فتاة تشكو إليه إدارة كلية التربية التي رفضت قبول طلبها التسجيل بسبب ارتدائها النقاب، هنا أوضحت الفتاة أن هذا كان شرط والدها لموافقته على دراستها، وبأنها لا تستطيع تجاوز شرط والدها في الوقت الذي ترغب فيه بالدراسة الجامعية.
تأمل الأستاذ باذيب مليًّا في جوانب الشكوى، وأدرك من إجاباتها عن أسئلته أن ذلك لم يكن شرطًا من والدها قدر ما كان حلًّا مناسبًا منه، أراد الأب أن يتجاوز به رفض الأسرة لمبدأ دراستها الجامعية. وعلى الفور أوصى بقبولها وقال لإدارة الكلية: ما دام والدها قد كسر أهم قيود التقاليد المتعلقة بحرمان الفتيات من حق الدراسة، فلا تكونوا أقل كرمًا من أبيها.
المؤكد أن عبدالله باذيب ليس مع فرض النقاب كما قد يتبادر للبعض، لكنه كان يؤمن أن الحرية التي تبدأ بالعلم لا يمكن أن تنتهي بالتقاليد.
فعسى الإخوة أصحاب ذلك التصريح أن يستوعبوا مغزى ذلك المثل التاريخي من سيرة المفكر الراحل عبدالله باذيب، ليعلموا أن النقاب، أيًّا كانت مرموزات عيوبه الاجتماعية التي لا نختلف عليها، فإنه لا يسعه أن يحول دون الإبداع متى حضرت الموهبة في عقل منفتح متنور.
•••
عبدالله #الحنكي
سفير سابق
#خيوط
الوطنية العميقة في أجمل تجلياتها.. دليل السُراة
كريم #الحنكي
دليل السراة في الفن والأدب اليمني هو الكتاب الأول للأستاذ مصطفى راجح. وفيه يتجلى الكاتب الصحفي المثقفُ أديباً واسع الرؤية منطلق العبارة المتوهجة بما تقدحها به الذات من الثراء المعرفي وعمق الفكر وثاقب النظر. وهو تجل يتضح للمتابع من قرائه، بقدر ما يقدم حتى للحميم من أصدقائه جانباً لافتاً منه مغايراً إلى حد ما، ومتوافقاً في الوقت ذاته، لذلك الذي يعرفه.
بيد أن هذه الورقة المعدة على عجالةٍ، لا تقدم هنا إلا تناولاً سريعاً للكتاب فيما يشبه العرض التعريفي بوجهيه السطحي الخارجي من جانب، والداخلي المتعمق إلى حد ما من جانبٍ آخر؛ وذلك وفق ما تتيحه لي قراءتي إياه إبان الاضطلاع بمراجعته اللغوية والطباعية التي شرفت بإسنادها إليَّ من كاتبه العزيز.
يؤلف الدليل المتفرد هذا ثلاثة وأربعين من المقالات المنشورة متفرقةً خلال الأعوام القليلة السابقة، بل الأشهر المنصرمة؛ حيث أن بعضها إنما نشر خلال عامنا هذا الذي شهد صدور الكتاب عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر. على أنها مقالات منتقاة من الكاتب بتدبر وعناية خاصين على النحو الذي يجعل من مجموعها دليلاً وجدانياً متوائماً في مسرى غناء اليمن وأدبه، والثقافة العامة المتصلة به.
يتوزع الكتاب في أربعة أقسام أو فصول، تؤلف كلاً منها إضمامة متسقة من المقالات المختارة. ويحمل أول هذه الفصول عنوان فواتح المطلع محتوياً على ثمانية من المقالات الفاتحة لشهية القارئ على النحو الذي يغويه فيستدرجه للمضي في القراءة؛ وذلك بعموم مضامينها الدائر منها حول الثقافة بمدلولها العام والمتصل منها بفن اليمن وغنائه وأدبه.
بُناة اليمن في الأدب والثقافة هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب بمقالاته الاثني عشر المتناولة عددها من الشخصيات الفارقة من وجه نظر الكاتب خاصة في أدب اليمن وفنه وثقافته المعاصرة عموماً من الراحلين والأحياء الباقين بيننا. ومن عنوان أحد مقالات هذا الفصل يستمد الكتاب وسمه الأبرز.
أما الفصل الثالث الموسوم وِجْـدانُ اليمن: أصواتُه؛ ونغماتُ أرضِه، فيتضمن خمسة عشر مقالاً دائراً حول العدد ذاته من العلامات التاريخية المؤثرة في غناء اليمن وألحانه وموسيقاه منذ مطلع القرن الفائت.
وبعنوان خواتم التقفيل، يُختتم متن الكتاب بفصله الرابع والأخير متضمناً ثماني مقالات متصلة -بقدر من التفاوت قرباً وبعداً- بالموضوع المحوري الذي ينتظم الكتاب عموماً بمختلف فصوله ومقالاته.
وكما قد نرى من سطح الكتاب وتكوينه الخارجي هذا، فهو ينطوي على محاكاة ظاهرية لنسق الموشح اليمني الحميني التام؛ إذ يتكون من المطلع وفواتحه أولاً، والتقفيل وخواتمه أخيراً؛ وبينهما ما يستحضر (التوشيح) الذي تتصاعد فيه موضوعات الكتاب متمثلاً بالفصلين الثاني (بناة اليمن في الأدب والثقافة)، والثالث (وجدان اليمن: أصواته ونغمات أرضه) حيث يبلغ ذلك التصاعد ذروته التصاقاً بالموضوع المحوري المشار إليه والذي نستبينه بالانتقال من ظاهر الكتاب إلى باطنه فنجد أن جوهره ومدار مقالاته عامةً إنما هو الهوية الوجدانية الثقافية والوطنية لليمن حرصاً لا على حفظها من تجريف الراهن فقط؛ بل اعتصاماً بها كذلك من طوفانه ومواجهةً له في الوقت ذاته
يتبيَّن ذلك بوضوح لمن يطالع الكتاب ولو عرضاً من تقديم المؤلف ومن ثنايا العديد من المقالات الواردة في مختلف فصوله كما يتضح من فقرات كثيرة نكتفي بالتمثيل لها فيما يلي مما نجده تكراراً في التقديم؛ حيث يقول:
"في اللحظات القاتمة... يكون الحديث عن إحياء الهوية الثقافية الوطنية لليمن ضرورة وجودية". "تلتقي جميعاً عند نقطة محورية: الهوية الثقافية اليمنية كما تنعكس في الفن والأدب". "لكل من تعنيه الهوية الثقافية اليمنية، ولكل من يجد في الغناء والأدب اليمني نافذةً تطل على وطن لا يزال يسكن فينا مهما بدا بعيدا". و"هذه محاولة لتلمس ما بقي في ذواتنا من قدرة على البقاء متماسكين". و"حين يهدد الخراب كل شيء، تومض الأغاني".
وكذلك في بعض مقالات الفصل الأول التي على عموميتها الثقافية تهيئ في فواتح المطلع لتصاعد التوشيح بعدها؛ حيث يقول مقتبساً محمد سعيد جرادة عن العود والرباب:
"إنما كان الباعث للقمندان على تأليف كتيّبه ذاك مناكفة حكام صنعاء الذين كانوا يحرمون الغناء علناً".
وإلى آخر ذلك من فصول هذا الكتاب القيم الصادر عن كاتب ليس ممتلئاً وازناً فحسب؛ بل مسكون بالهم العام على نحو تغيب فيه السياسة بكل ما يتصل بها من مظاهر التهافت والمباشرة؛ بقدر ما تحضر فيه الوطنية العميقة بتجلياتها الأجمل.
فهي هويتنا الجمعية وفق ما تنعكس أساساً في الفن اليمنيِّ بمُختلِفِ تجلياته المتمثِّلة أولاً، وبوجهٍ خاص، في الغناء اليمني وألوانه المتعددة في إطارٍ من الوَحدة الجامعة؛ وثانياً، في الأدب اليمني المتصل أشخاصاً وتجلياتٍ بالموضوع الجوهري لهذا الكتاب الذي -على اختلاف موضوعاته العامة وتنوعها- يضعه مصطفى بين أيدينا بحيث يمثل بالفعل دليلاً
كريم #الحنكي
دليل السراة في الفن والأدب اليمني هو الكتاب الأول للأستاذ مصطفى راجح. وفيه يتجلى الكاتب الصحفي المثقفُ أديباً واسع الرؤية منطلق العبارة المتوهجة بما تقدحها به الذات من الثراء المعرفي وعمق الفكر وثاقب النظر. وهو تجل يتضح للمتابع من قرائه، بقدر ما يقدم حتى للحميم من أصدقائه جانباً لافتاً منه مغايراً إلى حد ما، ومتوافقاً في الوقت ذاته، لذلك الذي يعرفه.
بيد أن هذه الورقة المعدة على عجالةٍ، لا تقدم هنا إلا تناولاً سريعاً للكتاب فيما يشبه العرض التعريفي بوجهيه السطحي الخارجي من جانب، والداخلي المتعمق إلى حد ما من جانبٍ آخر؛ وذلك وفق ما تتيحه لي قراءتي إياه إبان الاضطلاع بمراجعته اللغوية والطباعية التي شرفت بإسنادها إليَّ من كاتبه العزيز.
يؤلف الدليل المتفرد هذا ثلاثة وأربعين من المقالات المنشورة متفرقةً خلال الأعوام القليلة السابقة، بل الأشهر المنصرمة؛ حيث أن بعضها إنما نشر خلال عامنا هذا الذي شهد صدور الكتاب عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر. على أنها مقالات منتقاة من الكاتب بتدبر وعناية خاصين على النحو الذي يجعل من مجموعها دليلاً وجدانياً متوائماً في مسرى غناء اليمن وأدبه، والثقافة العامة المتصلة به.
يتوزع الكتاب في أربعة أقسام أو فصول، تؤلف كلاً منها إضمامة متسقة من المقالات المختارة. ويحمل أول هذه الفصول عنوان فواتح المطلع محتوياً على ثمانية من المقالات الفاتحة لشهية القارئ على النحو الذي يغويه فيستدرجه للمضي في القراءة؛ وذلك بعموم مضامينها الدائر منها حول الثقافة بمدلولها العام والمتصل منها بفن اليمن وغنائه وأدبه.
بُناة اليمن في الأدب والثقافة هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب بمقالاته الاثني عشر المتناولة عددها من الشخصيات الفارقة من وجه نظر الكاتب خاصة في أدب اليمن وفنه وثقافته المعاصرة عموماً من الراحلين والأحياء الباقين بيننا. ومن عنوان أحد مقالات هذا الفصل يستمد الكتاب وسمه الأبرز.
أما الفصل الثالث الموسوم وِجْـدانُ اليمن: أصواتُه؛ ونغماتُ أرضِه، فيتضمن خمسة عشر مقالاً دائراً حول العدد ذاته من العلامات التاريخية المؤثرة في غناء اليمن وألحانه وموسيقاه منذ مطلع القرن الفائت.
وبعنوان خواتم التقفيل، يُختتم متن الكتاب بفصله الرابع والأخير متضمناً ثماني مقالات متصلة -بقدر من التفاوت قرباً وبعداً- بالموضوع المحوري الذي ينتظم الكتاب عموماً بمختلف فصوله ومقالاته.
وكما قد نرى من سطح الكتاب وتكوينه الخارجي هذا، فهو ينطوي على محاكاة ظاهرية لنسق الموشح اليمني الحميني التام؛ إذ يتكون من المطلع وفواتحه أولاً، والتقفيل وخواتمه أخيراً؛ وبينهما ما يستحضر (التوشيح) الذي تتصاعد فيه موضوعات الكتاب متمثلاً بالفصلين الثاني (بناة اليمن في الأدب والثقافة)، والثالث (وجدان اليمن: أصواته ونغمات أرضه) حيث يبلغ ذلك التصاعد ذروته التصاقاً بالموضوع المحوري المشار إليه والذي نستبينه بالانتقال من ظاهر الكتاب إلى باطنه فنجد أن جوهره ومدار مقالاته عامةً إنما هو الهوية الوجدانية الثقافية والوطنية لليمن حرصاً لا على حفظها من تجريف الراهن فقط؛ بل اعتصاماً بها كذلك من طوفانه ومواجهةً له في الوقت ذاته
يتبيَّن ذلك بوضوح لمن يطالع الكتاب ولو عرضاً من تقديم المؤلف ومن ثنايا العديد من المقالات الواردة في مختلف فصوله كما يتضح من فقرات كثيرة نكتفي بالتمثيل لها فيما يلي مما نجده تكراراً في التقديم؛ حيث يقول:
"في اللحظات القاتمة... يكون الحديث عن إحياء الهوية الثقافية الوطنية لليمن ضرورة وجودية". "تلتقي جميعاً عند نقطة محورية: الهوية الثقافية اليمنية كما تنعكس في الفن والأدب". "لكل من تعنيه الهوية الثقافية اليمنية، ولكل من يجد في الغناء والأدب اليمني نافذةً تطل على وطن لا يزال يسكن فينا مهما بدا بعيدا". و"هذه محاولة لتلمس ما بقي في ذواتنا من قدرة على البقاء متماسكين". و"حين يهدد الخراب كل شيء، تومض الأغاني".
وكذلك في بعض مقالات الفصل الأول التي على عموميتها الثقافية تهيئ في فواتح المطلع لتصاعد التوشيح بعدها؛ حيث يقول مقتبساً محمد سعيد جرادة عن العود والرباب:
"إنما كان الباعث للقمندان على تأليف كتيّبه ذاك مناكفة حكام صنعاء الذين كانوا يحرمون الغناء علناً".
وإلى آخر ذلك من فصول هذا الكتاب القيم الصادر عن كاتب ليس ممتلئاً وازناً فحسب؛ بل مسكون بالهم العام على نحو تغيب فيه السياسة بكل ما يتصل بها من مظاهر التهافت والمباشرة؛ بقدر ما تحضر فيه الوطنية العميقة بتجلياتها الأجمل.
فهي هويتنا الجمعية وفق ما تنعكس أساساً في الفن اليمنيِّ بمُختلِفِ تجلياته المتمثِّلة أولاً، وبوجهٍ خاص، في الغناء اليمني وألوانه المتعددة في إطارٍ من الوَحدة الجامعة؛ وثانياً، في الأدب اليمني المتصل أشخاصاً وتجلياتٍ بالموضوع الجوهري لهذا الكتاب الذي -على اختلاف موضوعاته العامة وتنوعها- يضعه مصطفى بين أيدينا بحيث يمثل بالفعل دليلاً