اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
ولم تكن أغنية "البالة" سوى مثلٍ وسط العديد من الأغاني. ولعل أغنية محمد عبده زيدي "الجوع كافر"، تنقل صورة واقعية بليغة، في وجهين؛ أحدهما نقد لواقع، وآخر رثاء له؛ "الجوع كافر لا يخاف الله/ لو كان رب العرش ينجي/ لو كانت أرضك خير يا بن الناس/ كان الجوع ما يقتل أخيك". 
هل كانت رثاء ساخرًا يكفر بالأرض؟ ليس ذلك ما تعنيه، بقدر أنها مُثقلة بمرارة النقد، بوصم هذا الإنسان الذي شوّه أرضه بكفر الجوع.
 
وللجوع قصص وحكايات وجداريات نسجها اليمنيون من عبراتهم، فكانت تنويعًا على مأساة يختلط فيها الواقع المُعاصر بقصص الماضي، وفي علاقة شائكة، مصدرها تلك الكوميديا السوداء، فيكون الجوع حافزًا لمن عمل أداةً للمُستبد، سلبًا وتجويعًا وهتكًا.

وفي التراث الشعري والثقافي اليمني، لا تنقطع مشاهد الجوع. فهذا الإمام محمد بن علي الشوكاني يُعبر عن قسوة الجوع المروعة بإحدى قصائده: "جف الزرع والضرع قد شكا/ وضاقت الأرزاق واشتد البلا". وكم اشتد البلاء على اليمنيين، لكن بفعل الإنسان. وحتى في إحدى أغاني الحرب، تطفو ظاهرة الجوع "صامدون رغم الجوع/ صامدون رغم الظلم". 
ويتجلى مشهد الجوع في إحدى قصائد البردّوني بوصفه هراوة الاستبداد التي بغت بحق اليمنيين على مر الأزمان، يقول: "العابثون بقوت شعب حين مزقه النظام/ قبضوا بشرعنة المناصب في دهاليز الظلام/ والفقر يفترش البطون الجائعات بلا صيام/ والحاكمون تلبسوا ثوب المذلة كالنعام". 
إنه الجوع القابض على اليمنيين في ثوب إمام أو رئيس أو أمير حرب. وقبل البردوني بأكثر من قرن، يصيغ الشاعر أحمد القارة، الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي، قصيدة حُمينية عنوانها "ضاعت الصعبة على الخلفاء"، ولفظ "الصعبة" في الدارج اليمني هو أُنثى الحمار. 
وتعبر بتهكم وسخرية لاذعة ضد ممارسات التجويع، ففيها يقول: "والخلايق كلهم رغبوا/ وبني قيس احتبوا جدبوا/ والضريبة كل يوم ضربوا/ كم دسوت لا إله إلا الله". وهكذا تنقسم أشطارها، ويتصاعد التهكم في وصفه للإمام: "والإمام محسن إمام عظيم/ بالخلافة والشروط عليم/ وهو في حصن الغراس مقيم/ منتظر لا إله إلا الله". ووصف الإمام بالمُحسن القصد منه النقيض؛ لأنه ينتظر كل تلك المظالم، باسم الضريبة التي تُختلق بشكل يومي. 
وللجوع قصص وحكايات وجداريات نسجها اليمنيون من عبراتهم، فكانت تنويعًا على مأساة يختلط فيها الواقع المُعاصر بقصص الماضي، وفي علاقة شائكة، مصدرها تلك الكوميديا السوداء، فيكون الجوع حافزًا لمن عمل أداةً للمُستبد، سلبًا وتجويعًا وهتكًا. 
صوّر أيضًا، الفنان اليمني هاشم علي، علامات الجوع في بعض رسوماته على الحبر الأسود، على سبيل المثال: صورة الراعي وجسده شبه العاري يبدو جلدًا على عظم، وفي مشهد يحني فيه ظهره، كما لو أنه يعكس الأحمال المُثقلة على كاهله؛ أعباء الحياة. وفي سيرة الجوع اليمنية، نرى كافرًا يستحل أرضها بلا رحمة، وتتعدد استخداماته باختلاف العصور. 
•••
#جمال_حسن