ولَم تَقتصِر إسهامات أبناءِ العَواذل على ذلك؛ بل امتدَّت إلى المَجالَين المَالي واللوجِستي، حيثُ بَرَزَت مُبادَراتٌ نَوعيَّةٌ قادَها مُناضِلون أمثالُ أحمَد محمَّد مَدرم، وأحمَد صالِح القطيش، وقاسِم مغرم، وعلي عبدالله أحمَد، الذينَ وظَّفوا مَوارِدَهم الخاصَّة ووَسائِل نَقلِهم لِتأمين تَدَفُّقات السِّلاح والمُقاتِلين، والحِفاظ على خُطوط الاتِّصال بَينَ الجَبهات؛ الأمرُ الذي أظهَرَ حَيويَّة الفِعل الشَّعبِي في مَرحَلةٍ كانَت لا تَزال فيها الدَّولة ومُؤسَّساتها في طَورِ التَّأسيس.
وكانَت قَبلَ ذلك قد أفضَت السِّياسات القَمعيَّة التي انتهَجَتْها سُلطات الاحتِلال البِريطاني إلى خَلقِ مُوجات نُزوحٍ قَسري لأطيافٍ مِن المُكوِّناتِ الاجتِماعيَّةِ في مَنطِقةِ العَواذل باتِّجاهِ مَدينَة البَيضاء المُجاوِرة، تَصدَّرَتْها طَليعَةٌ مِن المُناضِلين، أمثال: عبدرَبه جَحلان، وعُمر سالِم الدَّماني، وقاسِم لَزلم مَرزوقي، ومحمَّد عُمر كردمي، وجَعبَل محمَّد الكردمي، وغَيرِهم، لِتُمثِّل تِلك الكُتلَة البَشريَّة رافِدًا قِتاليًّا انخَرَطَ بِفاعِليَّةٍ في الذَّودِ عن الثَّورةِ السبتمبريَّة غَداةَ انبِلاجِها.
وفي سِياقٍ مُوازٍ، بَرَزَت واقِعَةُ انشِقاقٍ عَسكَريٍّ نَوعيٍّ تَمثَّلَت في انتِقالِ فَصيلٍ كامِلٍ مِن جِهاز الأَمن في مَنطِقة مَروحة (مَركَز أَمن لَودَر) إلى البَيضاء، مُحتَفِظًا بِكامِل جاهِزيَّتِه القِتاليَّة والتَّسليحيَّة. وقد جَرى هذا التَّحوُّل بِقِيادة عَددٍ مِن العَناصِر النَّشِطة، مِن بَينِهم علي محمَّد درويش بَطّاني، وسالِم حَسَن قَفعي، وأحمَد علي فَهد كشميمي، وعلي عبدرَبه العاقل الذيبي، وآخَرون. وقد خَضَعَ هذا التَّدفُّق لِعمَليَّة استيعابٍ مُؤسَّسيَّةٍ مُنظَّمة، أَشرَفَ عليها مُحافِظ اللِّواء حُسَين أحمَد الرَّصاص، بِما أَسهَمَ في إِعادةِ تَوظيفِه ضِمنَ البُنيَة الدَّاعِمة لِلثَّورة.
وفي السِّياقِ ذاتِه، تَمكَّن المُلازِم عيدروس حُسَين الثُّرَيَّا مِن الفِرار مِن مُعَسكَرِه في بَيحان عَبرَ مَنفَذ العَبر (العَبيلاَت)، مُصطَحِبًا مَعَه مُدرَّعَةً عَسكَريَّة، في عَملِيَّةٍ لافِتةٍ تَمَّت بِمَعرفة صَديقِه المُقدَّم محمَّد أحمَد السياري، الذي ما لَبِثَ أنْ لَحِقَ بَعدَ فَترةٍ وجيزةٍ بِه، وشارَك في جَبهاتِ الدِّفاعِ عن الثَّورةِ السبتمبريَّة، حتّى استُشهِدَ في إحدَى مَعارِكِها.
هِبَةٌ وَطنيّة
استحضر المناضل بخيت مليط إرهاصاتِ النفيرِ العام، واصفًا تلك اللحظةَ بـ (الهِبَة الوطنيّة) التي صدحت فيها حناجرُ أبناءِ الجنوب بشعار: نحنُ جُنودك يا سلال. وأكّد خضوعَهم لبرامج تدريبيّةٍ مكثّفةٍ في مدينة تعز بإشراف المُلازم محمّد الخاوي، قبل أنْ يتمَّ الزجُّ بهم في أتونِ مَعارك خولان. ومع استقرارِ الموازين العسكريّة مُؤقّتًا هناك؛ عاد بعضهم إلى صنعاء، وفي مُقدّمتهم الرائد الدُّقم والملازم محمّد علي #الصمّاتي.
مدينة صنعاء، هي الأخرى، تحوّلت في الأسابيع الأولى للثورة إلى نقطةِ تجميعٍ واستقبالٍ مُنظَّمٍ للمُقاتلين القادمين من المناطق الجنوبيّة. وقد أُنشئت فيها معسكراتٌ للحرسِ الوطني خُصِّصت لاستيعاب التدفّقات البشريّة الهائلة، تحت إشرافِ نخبةٍ من القيادات العسكريّة الوازنة، أمثال عبدالله أحمد بركات، وحسين الدَّفعي، وعلي عبدالله السلال. وقد انخرطت تلك المجاميع في عمليّاتٍ هجوميّةٍ ودفاعيّةٍ مُعقّدة، غَطّت رقعةً جغرافيّةً واسعة، محوّلةً تلك التضاريسَ الوعرة إلى ساحاتٍ لإثبات الكفاءة والتضحية.
بني #سحام
كشفت وقائع الميدان أنَّ التوظيفَ التكتيكي لتشكيلات الحرس الوطني اصطدم باختلالاتٍ بِنيويّةٍ في إدارة الانتشار والسيطرة في محور خولان؛ حيث اعتمد العقيد حسن العَمري على نشرِ مفارز صغيرة داخل قُرى بني سحام (خِطاط)، لتكريسِ الحضورِ المَيداني. غير أنَّ مَوجاتَ النزوحِ الواسعة وما أفضت إليه من فراغٍ سُكّاني وعُزلةٍ جُغرافيّة، حوّلت تلك المَفارز إلى نقاطِ انكشافٍ مهيّأةٍ للاستهداف، وقد شنّت القواتُ الإماميّة –تبعًا لذلك– هجومًا ليليًّا مُباغتًا أفضى إلى قتل وأسر عددٍ كبيرٍ من الأفراد، فيما تمكّن الناجون من الانسحابِ إلى جحانة.
لَمْ تَتَوقَّف تَداعيات هذهِ الضَّربة عندَ الخَسارة المُباشِرة؛ بَلِ انسَحَبَت آثارُها إلى البُنيَة المَعنويَّة والعَملِيَّاتيَّة، وسُجِّلَ تَراجُعٌ حادٌّ في الرُّوحِ القِتاليَّة، بالتَّوازي مع تَصاعُد زِمامِ المُبادَرة لَدَى الطَّرَفِ الإمامي، واتِّساع رُقعَة التَّمرُّد في سَنحان وبَني بَهلول، بما وَضَعَ خُطوطَ الإمداد الحَيويَّةَ المُرتبطة بصنعاء تَحتَ نيران التَهديد. وإزاءَ ذلك، تَوَجَّهَ الرَّئيس عبدالله السَّلال إلى مَقر الحَرس الوطني (يناير 1963م)، وأشرفَ على تَشكيل حَملةٍ عَسكريَّةٍ وإرسالها إلى بني سحام، ومن طريق شمالي مُختلف.
وكانَت قَبلَ ذلك قد أفضَت السِّياسات القَمعيَّة التي انتهَجَتْها سُلطات الاحتِلال البِريطاني إلى خَلقِ مُوجات نُزوحٍ قَسري لأطيافٍ مِن المُكوِّناتِ الاجتِماعيَّةِ في مَنطِقةِ العَواذل باتِّجاهِ مَدينَة البَيضاء المُجاوِرة، تَصدَّرَتْها طَليعَةٌ مِن المُناضِلين، أمثال: عبدرَبه جَحلان، وعُمر سالِم الدَّماني، وقاسِم لَزلم مَرزوقي، ومحمَّد عُمر كردمي، وجَعبَل محمَّد الكردمي، وغَيرِهم، لِتُمثِّل تِلك الكُتلَة البَشريَّة رافِدًا قِتاليًّا انخَرَطَ بِفاعِليَّةٍ في الذَّودِ عن الثَّورةِ السبتمبريَّة غَداةَ انبِلاجِها.
وفي سِياقٍ مُوازٍ، بَرَزَت واقِعَةُ انشِقاقٍ عَسكَريٍّ نَوعيٍّ تَمثَّلَت في انتِقالِ فَصيلٍ كامِلٍ مِن جِهاز الأَمن في مَنطِقة مَروحة (مَركَز أَمن لَودَر) إلى البَيضاء، مُحتَفِظًا بِكامِل جاهِزيَّتِه القِتاليَّة والتَّسليحيَّة. وقد جَرى هذا التَّحوُّل بِقِيادة عَددٍ مِن العَناصِر النَّشِطة، مِن بَينِهم علي محمَّد درويش بَطّاني، وسالِم حَسَن قَفعي، وأحمَد علي فَهد كشميمي، وعلي عبدرَبه العاقل الذيبي، وآخَرون. وقد خَضَعَ هذا التَّدفُّق لِعمَليَّة استيعابٍ مُؤسَّسيَّةٍ مُنظَّمة، أَشرَفَ عليها مُحافِظ اللِّواء حُسَين أحمَد الرَّصاص، بِما أَسهَمَ في إِعادةِ تَوظيفِه ضِمنَ البُنيَة الدَّاعِمة لِلثَّورة.
وفي السِّياقِ ذاتِه، تَمكَّن المُلازِم عيدروس حُسَين الثُّرَيَّا مِن الفِرار مِن مُعَسكَرِه في بَيحان عَبرَ مَنفَذ العَبر (العَبيلاَت)، مُصطَحِبًا مَعَه مُدرَّعَةً عَسكَريَّة، في عَملِيَّةٍ لافِتةٍ تَمَّت بِمَعرفة صَديقِه المُقدَّم محمَّد أحمَد السياري، الذي ما لَبِثَ أنْ لَحِقَ بَعدَ فَترةٍ وجيزةٍ بِه، وشارَك في جَبهاتِ الدِّفاعِ عن الثَّورةِ السبتمبريَّة، حتّى استُشهِدَ في إحدَى مَعارِكِها.
هِبَةٌ وَطنيّة
استحضر المناضل بخيت مليط إرهاصاتِ النفيرِ العام، واصفًا تلك اللحظةَ بـ (الهِبَة الوطنيّة) التي صدحت فيها حناجرُ أبناءِ الجنوب بشعار: نحنُ جُنودك يا سلال. وأكّد خضوعَهم لبرامج تدريبيّةٍ مكثّفةٍ في مدينة تعز بإشراف المُلازم محمّد الخاوي، قبل أنْ يتمَّ الزجُّ بهم في أتونِ مَعارك خولان. ومع استقرارِ الموازين العسكريّة مُؤقّتًا هناك؛ عاد بعضهم إلى صنعاء، وفي مُقدّمتهم الرائد الدُّقم والملازم محمّد علي #الصمّاتي.
مدينة صنعاء، هي الأخرى، تحوّلت في الأسابيع الأولى للثورة إلى نقطةِ تجميعٍ واستقبالٍ مُنظَّمٍ للمُقاتلين القادمين من المناطق الجنوبيّة. وقد أُنشئت فيها معسكراتٌ للحرسِ الوطني خُصِّصت لاستيعاب التدفّقات البشريّة الهائلة، تحت إشرافِ نخبةٍ من القيادات العسكريّة الوازنة، أمثال عبدالله أحمد بركات، وحسين الدَّفعي، وعلي عبدالله السلال. وقد انخرطت تلك المجاميع في عمليّاتٍ هجوميّةٍ ودفاعيّةٍ مُعقّدة، غَطّت رقعةً جغرافيّةً واسعة، محوّلةً تلك التضاريسَ الوعرة إلى ساحاتٍ لإثبات الكفاءة والتضحية.
بني #سحام
كشفت وقائع الميدان أنَّ التوظيفَ التكتيكي لتشكيلات الحرس الوطني اصطدم باختلالاتٍ بِنيويّةٍ في إدارة الانتشار والسيطرة في محور خولان؛ حيث اعتمد العقيد حسن العَمري على نشرِ مفارز صغيرة داخل قُرى بني سحام (خِطاط)، لتكريسِ الحضورِ المَيداني. غير أنَّ مَوجاتَ النزوحِ الواسعة وما أفضت إليه من فراغٍ سُكّاني وعُزلةٍ جُغرافيّة، حوّلت تلك المَفارز إلى نقاطِ انكشافٍ مهيّأةٍ للاستهداف، وقد شنّت القواتُ الإماميّة –تبعًا لذلك– هجومًا ليليًّا مُباغتًا أفضى إلى قتل وأسر عددٍ كبيرٍ من الأفراد، فيما تمكّن الناجون من الانسحابِ إلى جحانة.
لَمْ تَتَوقَّف تَداعيات هذهِ الضَّربة عندَ الخَسارة المُباشِرة؛ بَلِ انسَحَبَت آثارُها إلى البُنيَة المَعنويَّة والعَملِيَّاتيَّة، وسُجِّلَ تَراجُعٌ حادٌّ في الرُّوحِ القِتاليَّة، بالتَّوازي مع تَصاعُد زِمامِ المُبادَرة لَدَى الطَّرَفِ الإمامي، واتِّساع رُقعَة التَّمرُّد في سَنحان وبَني بَهلول، بما وَضَعَ خُطوطَ الإمداد الحَيويَّةَ المُرتبطة بصنعاء تَحتَ نيران التَهديد. وإزاءَ ذلك، تَوَجَّهَ الرَّئيس عبدالله السَّلال إلى مَقر الحَرس الوطني (يناير 1963م)، وأشرفَ على تَشكيل حَملةٍ عَسكريَّةٍ وإرسالها إلى بني سحام، ومن طريق شمالي مُختلف.