#سرار
الجغرافيا التي صنعت التاريخ وأهملها الزمن
أ. د. رزق سعد الله بخيت #الجابري
سرار، تلك البلدة الهادئة، بين قصيعر والريدة الشرقية، وتتصل بالبحر في موقع يجمع بين تنوع التضاريس وثراء الطبيعة. يحدها شمالاً جبل يسمى(القارة السوداء) يُعد من أبرز المظاهر التضاريسية الفريدة في شرق حضرموت، والتي يطلق عليها المشقاص، إذ تتشكل على قمته حفرة كبيرة تتحول إلى بحيرة موسمية عند هطول الأمطار، في مشهد طبيعي نادر يضفي على المكان جمالاً وهيبة.
كما تتميز سرار بوجود سهل خصب تُزرع فيه العديد من المحاصيل الزراعية، ويأتي في مقدمتها الذرة والبرسيم والبطيخ (الحبحب)، ما جعل الزراعة نشاطاً أساسياً في حياة السكان ومصدراً مهماً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى الرغم من أن سرار من ضمن البلدات الحضرمية التي تقع على ساحل بحر العرب إلا أن نشاطها البحري محدود بسبب طبيعة الساحل التي لم يمنحها ميناء يجعلها ذات توجه بحري، ورغم ذلك فإنها لم تكن بلا أهمية، فقد اكتسبت سرار قيمة استراتيجية كبيرة من قربها من قصيعر، هذا الموقع المتميز منح سرار قدرة على الصمود أمام التهديدات الخارجية، لا سيما الأسطول البرتغالي الذي شن هجمات متكررة على سواحل حضرموت. وهكذا، استطاعت سرار أن تحافظ على أمنها واستقرارها، لتظل مثالًا على البلدات الساحلية التي نجت من الأسطول البرتغالي في عصر شهد صراعات متواصلة على السيطرة البحرية.
لقد أسهمت هذه المميزات الجغرافية في استقرار الإنسان في سرار منذ عصور بعيدة، فالموقع البحري، وخصوبة الأرض، ووفرة الموارد الطبيعية، كلها عوامل جذبت السكان ومكّنتهم من بناء مجتمع متماسك.
و أهالي سرار – وهم من قبيلة ثعين – كان لهم دور بارز في صناعة تاريخ البلدة، حيث تركوا بصمات واضحة في مختلف مراحلها.
وتحتضن سرار اليوم متحفاً يزخر بالوثائق والمخطوطات والمقتنيات التي توثق تاريخها العريق، وتعكس عمق إرثها الحضاري والثقافي. غير أن هذا المتحف، على الرغم من غزارة مادته التاريخية وتوثيقه التاريخ الاجتماعي والثقافي وأهميته، لم يحظَ بالاهتمام الكافي من الجهات المعنية، الأمر الذي يستدعي التفاتة جادة للحفاظ على هذا الإرث وصونه للأجيال القادمة.
إن سرار ليست مجرد بلدة صغيرة على ساحل حضرموت، بل هي نموذج لمكان صنعت جغرافيته تاريخه، وحفظت أرضه ذاكرة إنسانه، في انتظار من يعيد اكتشافه ويمنحه ما يستحق من اهتمام وعناية.
*أستاذ جامعي باحث في قضايا السكان والتنمية
مدير مؤسسة حضرموت للدراسات الإنسانية والاستراتيجية
الجغرافيا التي صنعت التاريخ وأهملها الزمن
أ. د. رزق سعد الله بخيت #الجابري
سرار، تلك البلدة الهادئة، بين قصيعر والريدة الشرقية، وتتصل بالبحر في موقع يجمع بين تنوع التضاريس وثراء الطبيعة. يحدها شمالاً جبل يسمى(القارة السوداء) يُعد من أبرز المظاهر التضاريسية الفريدة في شرق حضرموت، والتي يطلق عليها المشقاص، إذ تتشكل على قمته حفرة كبيرة تتحول إلى بحيرة موسمية عند هطول الأمطار، في مشهد طبيعي نادر يضفي على المكان جمالاً وهيبة.
كما تتميز سرار بوجود سهل خصب تُزرع فيه العديد من المحاصيل الزراعية، ويأتي في مقدمتها الذرة والبرسيم والبطيخ (الحبحب)، ما جعل الزراعة نشاطاً أساسياً في حياة السكان ومصدراً مهماً للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى الرغم من أن سرار من ضمن البلدات الحضرمية التي تقع على ساحل بحر العرب إلا أن نشاطها البحري محدود بسبب طبيعة الساحل التي لم يمنحها ميناء يجعلها ذات توجه بحري، ورغم ذلك فإنها لم تكن بلا أهمية، فقد اكتسبت سرار قيمة استراتيجية كبيرة من قربها من قصيعر، هذا الموقع المتميز منح سرار قدرة على الصمود أمام التهديدات الخارجية، لا سيما الأسطول البرتغالي الذي شن هجمات متكررة على سواحل حضرموت. وهكذا، استطاعت سرار أن تحافظ على أمنها واستقرارها، لتظل مثالًا على البلدات الساحلية التي نجت من الأسطول البرتغالي في عصر شهد صراعات متواصلة على السيطرة البحرية.
لقد أسهمت هذه المميزات الجغرافية في استقرار الإنسان في سرار منذ عصور بعيدة، فالموقع البحري، وخصوبة الأرض، ووفرة الموارد الطبيعية، كلها عوامل جذبت السكان ومكّنتهم من بناء مجتمع متماسك.
و أهالي سرار – وهم من قبيلة ثعين – كان لهم دور بارز في صناعة تاريخ البلدة، حيث تركوا بصمات واضحة في مختلف مراحلها.
وتحتضن سرار اليوم متحفاً يزخر بالوثائق والمخطوطات والمقتنيات التي توثق تاريخها العريق، وتعكس عمق إرثها الحضاري والثقافي. غير أن هذا المتحف، على الرغم من غزارة مادته التاريخية وتوثيقه التاريخ الاجتماعي والثقافي وأهميته، لم يحظَ بالاهتمام الكافي من الجهات المعنية، الأمر الذي يستدعي التفاتة جادة للحفاظ على هذا الإرث وصونه للأجيال القادمة.
إن سرار ليست مجرد بلدة صغيرة على ساحل حضرموت، بل هي نموذج لمكان صنعت جغرافيته تاريخه، وحفظت أرضه ذاكرة إنسانه، في انتظار من يعيد اكتشافه ويمنحه ما يستحق من اهتمام وعناية.
*أستاذ جامعي باحث في قضايا السكان والتنمية
مدير مؤسسة حضرموت للدراسات الإنسانية والاستراتيجية