اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
أبو الأحرار #الزبيري..
النموذج الأكمل

#عبدالله_شروح

من بين السُّنن الحاكمة للاجتماع البشريّ، تأتي سُنّة التدافع على رأسها. هذا التدافع أساسي في نشأة وتطوّر المجتمعات على امتداد تاريخنا البشري. إنّه الصيغة البشرية لتجسيد وامتثال الضديّة الخلّاقة الّتي تسري في الوجود كلّه وفي الموجودات كلّها: النور والظلام، الخير والشر، الحياة والموت، البناء والهدم، الحقيقة والزيف، الحرية والعبودية، ....

ومن بين كلّ شعوب الأرض يقع شعبنا اليمنيّ ضمن أكثرها عراقةً وأبعدها قِدَماً، فكان بذلك من أكثر الشعوب خوضاً للصراعات وتعرّضاً للأخطار الكبار. وحين تكون الصراعات بهذا الحجم فإنها لا تعود تحوي أماكن وسطى ضبابية. تغدو واضحةً بلا لبس: فهناك طرف ظالم مستبدّ، يقابله ويقاومه طرف مظلوم يسعى لتحقيق الحرية، ولا شيء آخر.

ودوماً، مثلما يأتي على رأس جيش الاستبداد ملك أرعن مهووس بحلم السيطرة، يكون على رأس الجيش المقاوم مناضل/ مناضلون أفذاذ، ينبثقون من صميم الشعب متشبعين بقيمة الحرية ومصممين على تحقيقها. وحين يكون الحديث عن هذا الصراع الحتميّ مختصّاً بشعبنا اليمنيّ، يبرز الشهيد محمد محمود الزبيري باعتباره النموذج الأكمل في نضاله ضدّ الإمامة، الخطر الوجوديّ الأكبر.

ما الذي جعل للزبيري هذه القيمة؟! إنّها في الواقع كثير من المزايا. فهو لم يمض في معركته ضدّ الكهنوت، المعركة التي استهلكت مراحل حياته كلها، كردّة فعلٍ لضرر حاق به شخصياً، وإنّما انطلاقاً من تحرّقه لما يعانيه هذا الشعب، شعبه، من ظلم مُستبدٍّ لا يكاد ينافسه في فساده وظلاميّته أيّ مستبدٍّ آخر. اختطّ لنفسه هذا الدرب النضاليّ، المفروش بالكمائن والنصال، عن وعيٍ صافٍ بأنّه جزء من الجسد الكبير الّذي هو عموم الشعب. فأيّما ظلم كانت الإمامة توقعه على جسد أيّ يمنيّ، وما أكثره، كان قلب الزبيري ينخلع له كأنّما وقع على شخصه هو، على كيانه هو.

هذا الإحساس الرهيف، إحساس الروح الشاعرة الّذي امتاز به بطلنا، والّذي جعله يستبشع، بالفطرة، كلّ مظاهر الاضطهاد الّتي يعانيها شعبه، سرعان ما دفعه، وقد أثمر حسّاً هائلاً بالمسؤولية، لتأسيس كيانٍ مقاومٍ وترؤسه. فكانت جمعيّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، الجمعية الّتي ألّفها إثر عودته من القاهرة، بعد إكماله الدراسة هناك في كلية دار العلوم.

من هنا ابتدأ الامتحان الصعب لبطلنا الخالد. فنظراً لنشاطه المقاوم العنيد، النشاط الّذي كان في تلك المرحلة مقصوراً على بعض الفعاليات الثقافية والاجتماعية، ونظراً لعادة الطغيان في خوفه الشديد من كلّ بادرة تحرر، فسرعان ما زُجَّ بمناضلنا في السجن، ليضطر إثرها للمغادرة إلى عدن، التي كان الاحتلال البريطاني جاثماً على صدرها.

كانت مغادرة بطولية. لم تكن هرباً من الإيذاء وتنصلاً من المسؤوليّة وإيثاراً للسلامة، بل بحثاً عن ممكنات نضالٍ أوسع تأثيراً وأكبر فاعلية. مضى إلى عدن مزمجراً بقصيدته الخالدة:

خرجنا من السجن شُمّ الأنوف كما تخرج الأُسد من غابها
نمُرُّ على شفرات السيوف ونأتي المنيّة من بابها
ونأبى الحياة إذا دُنِّسَت بعسف الطّغاة وإرهابها
ونعلم أن القضا واقع وأن الأمور بأسبابها
ستعلم أمّتنا أننا ركبنا الخطوب حناناً بها
فإن نحن فزنا فيا طالما تذلّ الصّعاب لطلّلابها
وإن نلقى حتفاً فيا حبّذا المنايا تجيء لخُطّابها
فيا ملكاً لجّ في بطشه وداس البلاد وأخنى بها
ستلقى مغبّة ما قد صنعت وتجني المخالب من غابها

وهناك في عدن أسس مع بعض رفاقه أوّل عملٍ صحفيٍّ، وكانت ثمرة ذلك العمل الدؤوب والذكي والجاد أن أُطيح بالمستبد يحي حميد الدين.

بيد أن تلك الثمرة شِيء لها أن تكون ناقصة، فسرعان ما التفّت الإمامة كأفعى على الجسد الغضّ للثورة، ليصعد من نسل الاستبداد طاغية لا يختلف عن أبيه. ولولا أن الزبيري حينها كان في السعودية ضمن الوفد الّذي ذهب لتدعيم الثورة، لكان لقي المصير ذاته لزملائه: الإعدام، سيّما وأنّه كان الصوت الأبرز في تلك المسيرة النضالية الخالدة الّتي أثمرت ثورة الـ48.

وعانى الزبيري حينها أقسى ما قد يعانيه الثائر الحر: التشرد في المنافي، تلسعه الوحدة ويطحنه الحنين. غير أن روحه لم تُهزم وعزمه لم يلن. وهناك في باكستان تخنقه العبرة حناناً على شعبه فيهمي شعراً:

ما كنت أحسب أني سوف أبكيهِ وأن شعري إلى الدنيا سينعيهِ
وكنت أحرص لو أن أموت له،وحدي، فداءً ويبقى كلّ أهليهِ.

في هذه الأبيات تتلامع بطولة الزبيري، فدائيّته، وانسكاب ذاته الكليّ في الوجع العام وامتزاجها به، في صورةٍ يعزّ أن يجد لها المرء نظيراً في تأريخ كلّ العظام الّذين ولدتهم شعوبهم فكانوا بمستوى حاجاتها وآمالها. لم ينظر لشعبه من عل, كما قد يفعل المثقف الأجوف, ولم ينظر لهذا الشعب ولو مرة نظرة حانقة. لقد ظل يتعامل مع اختلالات شعبه تعامل الطبيب الرحيم مع مريض تتناوشه العلل.