اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#فؤاد_الصايدي

ايهما الدين الحقيقي؟

في أواخر التسعينيات، مرّ بقريتنا الشيخ الصريحي، وهو من سكان منطقة شعور في قعطبة، وكان على رأس مجموعة كبيرة من أصحاب الدعوة، أو ما كان يعرف بجماعة التبليغ.

كان أبرز ما جاء في محاضرته دعوة الناس إلى العودة إلى الإسلام الحقيقي. وكان حديثه عذباً وجاذباً، يخاطب الجاهل والمتعلم على حد سواء، بلغة قريبة من الناس وتشبه في وقعها الشعر الشعبي.

بعد انتهاء المحاضرة وأداء صلاة العشاء، سلمت عليه، وأمسكت بيده، وقلت له إنني أريد الحديث معه حديثاً غير رسمي خارج الحلقة. سألني: ولماذا خارج الحلقة؟ قلت له: لأنني لا أزال أتذكر أن حديثي قبل نحو عام مع الشيخ الزنداني، أثناء إحدى المحاضرات، جعل الجماعة يغادرون بالسيارات مسرعين ويتركونني أعود إلى القرية سيراً على الأقدام، لولا أن حسن محمد الماطري أنقذني.

ثم أضفت: رغم أن الشيخ الزنداني رد على سؤالي وابتسم، إلا أن أتباع العالم أحياناً يكونون أكثر تشدداً منه. وأقصد بالأتباع هنا الذين يتبعونه، لا جمع كلمة “تبيع”.

كنا واقفين، وكان الشيخ الصريحي وأصحابه لا يزالون حاضرين، فقال لي: تحدث ولا تخف، أصحابنا طيبون. وبالفعل، كانوا طيبين.

قلت له: يا شيخ، كلما جاءت جماعة قالت لنا إن ما نحن عليه ليس هو الدين الحقيقي، وإن الدين الحقيقي هو الذي تحمله هي إلينا. فمتى سيتوقف هذا المسلسل؟

قال: كيف؟

قلت له: على سبيل المثال، عندما كنت صغيراً، كان ديننا هو دين سيدي صالح البرق وابنه إسماعيل. كنا نحب طريقتهم، وعلى أيديهم تعلمنا الصلاة والصيام وأركان الإسلام. ثم جاء الإخوان المسلمون إلى منطقة العود بعد خروج الجبهة الوطنية في بداية الثمانينيات، وقالوا لنا إننا كنا على ضلالة. فتراجع دور الأب البرق تدريجياً، بينما استمر ابنه إسماعيل مؤذناً، وجاء أخي عبد الناصر كخطيب جديد. ومشينا خلفه، وأعجبنا دينهم، وقلنا هذا هو الدين الحقيقي. والآن جاءت دعوتكم، وعلينا أن نمضي وراءكم ونلتحق بالدين الحقيقي. تعبنا.

قال لي: اخرج معنا في سبيل الله، وسوف تقتنع.

كنت سعيداً ومستغرباً من تواضعه وسعة صدره، وكيف كان يسمع لي ويصبر عليّ وأنا شاب في مقتبل العمر. عرفت لاحقاً أن هذا العمر تحديداً هو الفئة المستهدفة والمطلوبة لمثل هذه الدعوات.

قلت له: حسناً، سأخرج معكم، ولكن أعطني مثالاً واحداً نفرق به بين الدين الحقيقي وغير الحقيقي.

قال: مثلاً، كنا نذهب إلى الحج، ونؤدي كل المناسك، ونبكي لله، ونستغفره، ثم نعود إلى اليمن. وما إن نصل إلى الحدود حتى نقف جانباً ونشتري شريط الفنان أيوب طارش، ونستمع إليه، وكلما انتهى قلبناه حتى نصل إلى البيت.

قلت له: هذا طبيعي، فكل حاج يكون مشتاقاً لزوجته، ويتخيل لقاءه بها بعد طول غياب.

فضربني على ظهري برفق، وقال: صدقت، والله إننا كنا نعود وكلنا شوق بعد طول غياب.

ثم سألته بسذاجة: وما كانت أغنيتك المفضلة وأنت عائد من الحج؟

قال: “تذكرني دوادح حبنا الغالي ودخداخ النسيم”.

قلت له: والآن، في الإسلام الحقيقي، هل ستقول لي إن الصحيح أن نشتري شريط أحمد السنيدار ( يا طبيبي أنا أمسيت ادور حبيبي ) بدلاً من أيوب طارش؟

ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: الإسلام الصحيح يا فؤاد هو أن الحاج قد تاب إلى الله وتطهر من ذنوبه، وعليه ألا يعود إلى سماع الغناء مجدداً.

كنت حينها طالباً جامعياً، وأساير أصحاب تعز في نقاشاتهم، فقلت له إن الغناء والموسيقى أشياء يميل إليها الإنسان بالفطرة، وليست بالضرورة عصياناً لله أو فساداً أخلاقياً. والدليل أن الطفل الصغير يرقص عند سماعها، وهو أبعد ما يكون عن الفساد الأخلاقي.

ثم أضفت: ألا ترى أن كل جماعة لها طريقتها الخاصة في الدندنة؟ قديماً كان هناك المديح والطار، ثم جاء الإخوان بالأناشيد. وكل هذه الأساليب، في نظري، محاولات لإشباع رغبة فطرية موجودة في الإنسان، ولكن بطريقة يعتقد الدعاة أنها حلال.

سكت قليلاً، ثم قال: هل أنت مستعد أن تحمل البطانية وتخرج معنا ثلاثة أيام دعوة من قرية إلى قرية؟

لم أكن مقتنعاً تماماً، لكنني استحييت من سعة صدره وروحه المرحة، فخرجت معهم أنا وعلي ابن عمي. تشاورنا بيننا وقلنا: إن لم يعجبنا “إسلام الصريحي”، فعلى الأقل سنرى قرى جديدة، وربما نجد لنا خطيبات جميلات. فمتى ستتوفر لنا فرصة ندخل فيها القرى، ونرى الناس، ولا يستطيع أحد أن يسألنا: ماذا تفعلون في قريتنا يا شباب؟ سنقول ببساطة: جئنا لإخراجكم من الظلمات إلى النور.

في ذلك الوقت، كانت النساء في أريافنا لا يزلن كاشفات الوجه والكفين، وكانت الزنة التقليدية ملونة بالأحمر والأصفر، ولم تكن العباية قد انتشرت كما هي اليوم. لم تكن تيارات التشدد قد عمقت جذورها في مجتمعاتنا بالشكل الذي نراه الآن. لكن المشكلة التي واجهتنا أن كل فتاة كانت تعجبنا يتضح أنها متزوجة. وكنا نعرف العازبة من “القُبع”، وهو غطاء محكم للرأس يغطي الشعر والأذنين وجزءاً من الخد، وكان، في نظرنا آنذاك، يقلل من جمال المظهر.