اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#فواد_السعيدي
البالة.. حكاية أم بكت فبكى معها وطن

البالة
واللّيْلِة البالْ ما للِنَّسْمْه السَّاريهْ

هبَّت مِن الشرق فيها نفحة الكاذيهْ

فيها شذى البُنّ فيها الهمسه الحانيه

رغم أن قصائد الشاعر الفذ مطهر الإرياني حكاياتٌ ذات فصول لم تُغلق، وقصصٌ إنسانية لا تزال تعيش في وجدان اليمنيين، فإن أغنية «البالة» تحتل مكانة استثنائية في الذاكرة الغنائية اليمنية. فهي ليست مجرد نص شعري كتبه الإرياني، أو لحن شعبي أعاد الفنان علي عبدالله السمة تقديمه، بل حكاية إنسانية بدأت بدموع أم، واستقرت في ذاكرة طفل، ثم تحولت بعد سنوات إلى عمل فني جسّد مأساة الاغتراب اليمني، بكل ما تحمله من وجع الفراق ومرارة الغربة وحنين لا ينطفئ إلى الوطن.

تعود جذور الحكاية إلى سنوات طفولة مطهر الإرياني في قريته، حيث كانت تقيم امرأة مسنّة تُدعى قبول بنت العنسي، والدة أحمد ظافر. وكانت تحظى بمكانة خاصة بين أبناء القرية، حتى عُدّت بمنزلة جدة لهم جميعًا.

في إحدى المرات، سألها مطهر عن ابنها، فحدثته عن رحيله إلى الحبشة بحثًا عن مصدر للرزق، بعد أن ضاقت أمامه سبل الحياة في وطنه. ووفقًا للرواية المتداولة، لم يكن معه عند مغادرته سوى قرصين من الفطير؛ زادًا بسيطًا لرجل ألقى به الفقر في طريق الغربة، من دون أن يعرف متى يمكنه العودة.

تأثرت الأم وهي تستعيد تفاصيل رحيل ابنها، فانهمرت دموعها، ولم يتمالك الطفل مطهر نفسه، فبكى لبكائها. بقي ذلك المشهد حاضرًا في ذاكرته، وتحول مع مرور الوقت إلى نواة وجدانية لقصيدة تستعيد معاناة المهاجر اليمني، لا بوصفها تجربة فردية فحسب، بل باعتبارها صورة لحال أجيال كاملة.

فقد عرف اليمنيون الهجرة منذ عقود طويلة، مدفوعين بعوامل متعددة، من بينها الفقر، وشح فرص العمل، والأزمات المعيشية، والاضطرابات التي دفعت كثيرين إلى مغادرة قراهم ومدنهم. حمل هؤلاء معهم حاجتهم إلى الرزق، لكنهم تركوا خلفهم أسرهم وبيوتهم وذكرياتهم، وظلت صلتهم بالوطن قائمة عبر الحنين والانتظار.

في قصيدة «البالة»، يتحدث صوت مهاجر أنهكته سنوات الاغتراب والعمل الشاق. يتنقل بين الموانئ، ويقضي أعوامًا في البحر، ويواجه قسوة العمل وآثار الفحم، غير أن هذه المشقة لا تطغى على إحساسه بالفقد. ويبلغ الحنين ذروته حين يحل العيد وهو بعيد عن بلاده، فتغدو المسافة البحرية حاجزًا بينه وبين أهله وموطنه.

وقد بدا تصوير الإرياني لمعاناة الغربة قريبًا من الواقع إلى درجة جعلت بعض أبناء قريته يعتقدون أنه عاش تجربة الهجرة بنفسه. غير أن قوة النص لا ترتبط بالمعايشة المباشرة وحدها، بل بقدرته على التقاط المشاعر الإنسانية وتحويل حكاية محلية إلى خطاب يتردد صداه لدى كل من عرف الفراق والانتظار.

أما انتقال القصيدة إلى الغناء، فارتبط بلقاء جمع مطهر الإرياني بالفنان علي عبدالله السمة في تعز. كان السمة يعرف لحن «البالة» الشعبي، وهو لحن متداول ارتبط بمطلع «البالة والليل هالبالة». وعندما علم أن لدى الإرياني نصًا شعريًا يمكن أداؤه على الإيقاع نفسه، بدأ العمل على صياغته غنائيًا، مستفيدًا من البنية الشعبية للحن ومن قابليته للتعبير عن الشجن.

بعد ذلك سُجلت الأغنية في إذاعة تعز بمشاركة عدد من الأصوات في الكورس، لتنتقل من نطاق الحكاية المحلية إلى المجال العام. وأسهم الأداء الجماعي في تعزيز طابعها الشعبي، بينما منحها اللحن مساحة واسعة للانتشار والحضور في المناسبات والذاكرة السمعية اليمنية.

تنبع أهمية «البالة» من اجتماع عناصر عدة فيها: حكاية أم فقدت ابنها، وذاكرة طفل احتفظ بمشهد بكائها، وتجربة مهاجر يبحث عن الرزق بعيدًا عن وطنه، ولحن شعبي وجد في الكلمات امتدادًا طبيعيًا له. ولهذا لم تعد الأغنية مرتبطة بشخص واحد، بل أصبحت تعبيرًا عن وجدان جماعي عاش اليمنيون تفاصيله في صور مختلفة.

لقد استطاع مطهر الإرياني أن يحول مشهدًا عابرًا من طفولته إلى نص يتجاوز حدود المكان والزمان. فدموع قبول بنت العنسي لم تبقَ حبيسة لحظة قديمة، بل وجدت طريقها إلى القصيدة، ثم إلى صوت علي عبدالله السمة، ومنه إلى جمهور واسع رأى في الأغنية شيئًا من حكايته الخاصة.

وهكذا غدت «البالة» سجلًا وجدانيًا للغربة اليمنية؛ كتبتها ذاكرة أم، وصاغها شاعر، وأداها فنان، ثم حفظها وطن كامل في ذاكرته.