#بنو_عِمران .. المكانةُ والمأساة!
✍🏻 كتب بشار بن عبد القادر:
«...أستسمحُ القارئ الكريم؛ فإن نفسي لم تطاوعني أن أمُرُّ على ذكر بلد (مصنعة سَيْر) ولا أعرِّج على حديثها المَشُوق، وأن أسكب عندها بعضًا مِن عَبرات الأسى؛ فهذا البلد المُبارك غُرِست فيه بذور العلم والمعرفة، وسحَّت عليه سُحُب التوفيق والهداية، فطابَ حتى خَرَج نباتُه بإذن ربِّه، وأصبح من خيرة بلاد اليمن؛ فقصده الناس من السُّهول واليَفَاع ينهلون من معينِه ويرتوون من موارده، وبقي على حاله، حتى دارت عليه دوائر الزَّمان، فحلَّت بساحتِه النَّوائب الخُطُوب، فانمحت معالمُه، وأقفرت أرضُه، وأفلت نجومه الزَّاهرة، وأصبح أثرًا بعد عَيْن .. وقبل أن ألِج في الحديث عن هذه المأساة، أضع بين يديك - أيها النَّبيل - شهادات من شيخ المؤرِّخين البهاء الجَنَدي (ت: ٧٣٢) عن هذا البلد وساكنيه..
فقد قال رحمه الله تعالى: «فرأيتُ أن أعظم البلاد إفادة للطلبة، وأعظم أهلها صبرًا عليهم في الزَّمان المتأخر هي مصنعة سَيْر» - ثم ذكر أن بني عِمْران اشتروها من أهل صهبان، وابتدؤوا بناءها من سنة (٥٥٧)، ثم قال -: «فلم تزل من ابتدؤوا بعمارتها موئلًا لطلبة العلم، ولا نجد في الجبال غالبًا من المدرِّسين والمفتين والفقهاء والمحققين إلا من كان غالب تفقهه بها إن لم يكن من جملته، أو تفقه على من تفقه بها ... وأمَّا المدرِّسون المستدعَون إلى المصنعة لأجل التدريس فجمعٌ لا يكادُ يُحصى».
ثم يتأوَّه على ضياع كثيرٍ من أخبارهم، فيقول: «وكانت لهم مكارم يكثر تعدادها، لو أنها قُرنت بوَرْخٍ لكانوا عجبًا». قلتُ: وقد ترجم لعدد من علمائهم وأعيانهم، وهي حقيقةٌ بجمعها، ولو لم يكن لهم إلا الإمام يحيى بن أبي الخير العِمْراني (ت: ٥٥٨) وكتابه «البيان» لكفاهم فخرًا وشرفًا، وهو واسطة عِقدهم رحمه الله..
وقد نعتهم الجندي بقوله «انتشر عنهم العلم انتشارًا كليًّا؛ بحيث لم يكن في المتأخرين لهم بذلك نظير»!
أمَّا عن مأساةِ هذا البلد، فهو حديثٌ ذو شجون، ولكنِّي سأذكر منه ما يدلُّ على باقيه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعُنُق!
فالبداية بالوزير بهاء الدِّين محمد بن أسعد العِمراني (ت: ٦٩٥) الذي حصلت بينه وبين السلطان المظفر يوسف بن عمر الرسولي صحبة ومحبة، آلت إلى أن ولاه قضاء الأقضية في عموم البلاد اليمنية، ثم قلَّده الوزارة فيها، وكان من خيرة رجالات اليمن ومن سَرَاتهم وأعيانهم، فلمَّا أقام السلطان المظفر ولده الأشرف على كرسي المملكة سنة (٦٩٤) أشار القاضي البهاء على المظفر أن يكون أخاه حسام الدين حسان بن أسعد وزيرًا للأشرف، وبقي البهاء على قضاء الأقضية، ولكن الأشرف - بعد تولِّيه - اخترمته المنية سنة (٦٩٦)، وقام خلفًا له السلطان الملك المؤيد، فعزل القاضي حسان، واستوزر عَلِيَّ بن محمد اليحيوي المعروف بالصَّاحب (ت: ٧١٢)؛ لصحبةٍ كانت بينه وبين أخيه الفقيه أبي بكر بن محمد بن عمر اليَحْيَوِي (ت: ٧٠٩)، فلما كان رمضان من سنة (٦٩٦) اختلف بنو عمران مع ابن الوزير اليَحْيَوي على الختم والخطابة في جامع الجَنَد، وكان ذلك عادةً لهم، فأرسل السُّلطان بموافقة اليَحْيَوي، فخرج بنو عمران عن (الجَنَد) إلى بلدهم (مصنعة سَيْر)، وظلُّوا فيها حتى كانت سنة (٦٩٧) طلبهم المؤيَّد إلى تَعِز، فأجابوه، وأمر بإخراج نسائهم وأطفالهم من (مصنعة سَيْر) من حيث لا يشعرون، ثم تتابعت عليهم المِحَن، فضُرب القاضي حَسَّان وغيره بتعز ضربًا شديدًا، حتى شفعت فيهم زوجة السلطان المظفر - وكانت صالحة - وأمرت لهم بالدواء، وأُسْكِنوا (سهفنة)، وبقوا فيها مع أحزانٍ وضيمٍ من بعضِ بني اليَحْيَوِي، ثم أُوغِر صدرُ السُّلطان عليهم بوشايةٍ كبيرة، فأمر بهم أن يودعوا في سجن أرضيٍّ ضيقٍ في عَدَن، بناه والي عدن بأمر المؤيَّد، وعني ببنائه؛ ظنًّا أنه سَيسجن به بعض الجبابرة والعتاة! فظلوا فيه في حالةٍ فظيعة، حتى توفي بعضهم على هذا الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ولقد عظم مصاب اليمن بفقد هذه العشيرةِ الكريمة، قال الجَنَدي رحمه الله تعالى «سمعتُ جماعةً من أعيان الفقهاء يقولون: لم يُصب أحدٌ من أهل اليمن كما أُصيب طلبة العلم بأهل سَيْر». ولكنَّ الله حَكَمٌ عَدْل، وقد جرت سنته في خلقه أن من أعان ظالمًا أغراه به، فبعد وفاة القاضي اليحيوي سنة (٧١٢) تولَّى القضاء ابن أخيه محمد بن أبي بكر اليحيوي سنة (٧١٥)، وفي السنة التي تليها (٧١٦) بلغ السلطان أنه راسل بعض خصومه، وحاكَ له المكائد، فعزله، واعتقله في حصن تعز (القاهرة) وفوَّض أمر القضاء إلى غير بني اليحيوي، ولله في خلقه شئون!
قال القاضي إسماعيل الأكوع عن مأساة بني عِمْران: «وقد كان للقضاة بني محمد بن عمر اليَحْيَوِيين مساهمة واضحة في تحريض الملك المؤيَّد على القضاء عليهم، فانتقم الله منهم على يد المؤيَّد نفسه، ومن أعان ظالمًا أغري به».
قلتُ: والحديث عنهم يطول، ذكرتُه في غير هذا الموضع.
[#قطف_الفنن]
✍🏻 كتب بشار بن عبد القادر:
«...أستسمحُ القارئ الكريم؛ فإن نفسي لم تطاوعني أن أمُرُّ على ذكر بلد (مصنعة سَيْر) ولا أعرِّج على حديثها المَشُوق، وأن أسكب عندها بعضًا مِن عَبرات الأسى؛ فهذا البلد المُبارك غُرِست فيه بذور العلم والمعرفة، وسحَّت عليه سُحُب التوفيق والهداية، فطابَ حتى خَرَج نباتُه بإذن ربِّه، وأصبح من خيرة بلاد اليمن؛ فقصده الناس من السُّهول واليَفَاع ينهلون من معينِه ويرتوون من موارده، وبقي على حاله، حتى دارت عليه دوائر الزَّمان، فحلَّت بساحتِه النَّوائب الخُطُوب، فانمحت معالمُه، وأقفرت أرضُه، وأفلت نجومه الزَّاهرة، وأصبح أثرًا بعد عَيْن .. وقبل أن ألِج في الحديث عن هذه المأساة، أضع بين يديك - أيها النَّبيل - شهادات من شيخ المؤرِّخين البهاء الجَنَدي (ت: ٧٣٢) عن هذا البلد وساكنيه..
فقد قال رحمه الله تعالى: «فرأيتُ أن أعظم البلاد إفادة للطلبة، وأعظم أهلها صبرًا عليهم في الزَّمان المتأخر هي مصنعة سَيْر» - ثم ذكر أن بني عِمْران اشتروها من أهل صهبان، وابتدؤوا بناءها من سنة (٥٥٧)، ثم قال -: «فلم تزل من ابتدؤوا بعمارتها موئلًا لطلبة العلم، ولا نجد في الجبال غالبًا من المدرِّسين والمفتين والفقهاء والمحققين إلا من كان غالب تفقهه بها إن لم يكن من جملته، أو تفقه على من تفقه بها ... وأمَّا المدرِّسون المستدعَون إلى المصنعة لأجل التدريس فجمعٌ لا يكادُ يُحصى».
ثم يتأوَّه على ضياع كثيرٍ من أخبارهم، فيقول: «وكانت لهم مكارم يكثر تعدادها، لو أنها قُرنت بوَرْخٍ لكانوا عجبًا». قلتُ: وقد ترجم لعدد من علمائهم وأعيانهم، وهي حقيقةٌ بجمعها، ولو لم يكن لهم إلا الإمام يحيى بن أبي الخير العِمْراني (ت: ٥٥٨) وكتابه «البيان» لكفاهم فخرًا وشرفًا، وهو واسطة عِقدهم رحمه الله..
وقد نعتهم الجندي بقوله «انتشر عنهم العلم انتشارًا كليًّا؛ بحيث لم يكن في المتأخرين لهم بذلك نظير»!
أمَّا عن مأساةِ هذا البلد، فهو حديثٌ ذو شجون، ولكنِّي سأذكر منه ما يدلُّ على باقيه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعُنُق!
فالبداية بالوزير بهاء الدِّين محمد بن أسعد العِمراني (ت: ٦٩٥) الذي حصلت بينه وبين السلطان المظفر يوسف بن عمر الرسولي صحبة ومحبة، آلت إلى أن ولاه قضاء الأقضية في عموم البلاد اليمنية، ثم قلَّده الوزارة فيها، وكان من خيرة رجالات اليمن ومن سَرَاتهم وأعيانهم، فلمَّا أقام السلطان المظفر ولده الأشرف على كرسي المملكة سنة (٦٩٤) أشار القاضي البهاء على المظفر أن يكون أخاه حسام الدين حسان بن أسعد وزيرًا للأشرف، وبقي البهاء على قضاء الأقضية، ولكن الأشرف - بعد تولِّيه - اخترمته المنية سنة (٦٩٦)، وقام خلفًا له السلطان الملك المؤيد، فعزل القاضي حسان، واستوزر عَلِيَّ بن محمد اليحيوي المعروف بالصَّاحب (ت: ٧١٢)؛ لصحبةٍ كانت بينه وبين أخيه الفقيه أبي بكر بن محمد بن عمر اليَحْيَوِي (ت: ٧٠٩)، فلما كان رمضان من سنة (٦٩٦) اختلف بنو عمران مع ابن الوزير اليَحْيَوي على الختم والخطابة في جامع الجَنَد، وكان ذلك عادةً لهم، فأرسل السُّلطان بموافقة اليَحْيَوي، فخرج بنو عمران عن (الجَنَد) إلى بلدهم (مصنعة سَيْر)، وظلُّوا فيها حتى كانت سنة (٦٩٧) طلبهم المؤيَّد إلى تَعِز، فأجابوه، وأمر بإخراج نسائهم وأطفالهم من (مصنعة سَيْر) من حيث لا يشعرون، ثم تتابعت عليهم المِحَن، فضُرب القاضي حَسَّان وغيره بتعز ضربًا شديدًا، حتى شفعت فيهم زوجة السلطان المظفر - وكانت صالحة - وأمرت لهم بالدواء، وأُسْكِنوا (سهفنة)، وبقوا فيها مع أحزانٍ وضيمٍ من بعضِ بني اليَحْيَوِي، ثم أُوغِر صدرُ السُّلطان عليهم بوشايةٍ كبيرة، فأمر بهم أن يودعوا في سجن أرضيٍّ ضيقٍ في عَدَن، بناه والي عدن بأمر المؤيَّد، وعني ببنائه؛ ظنًّا أنه سَيسجن به بعض الجبابرة والعتاة! فظلوا فيه في حالةٍ فظيعة، حتى توفي بعضهم على هذا الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ولقد عظم مصاب اليمن بفقد هذه العشيرةِ الكريمة، قال الجَنَدي رحمه الله تعالى «سمعتُ جماعةً من أعيان الفقهاء يقولون: لم يُصب أحدٌ من أهل اليمن كما أُصيب طلبة العلم بأهل سَيْر». ولكنَّ الله حَكَمٌ عَدْل، وقد جرت سنته في خلقه أن من أعان ظالمًا أغراه به، فبعد وفاة القاضي اليحيوي سنة (٧١٢) تولَّى القضاء ابن أخيه محمد بن أبي بكر اليحيوي سنة (٧١٥)، وفي السنة التي تليها (٧١٦) بلغ السلطان أنه راسل بعض خصومه، وحاكَ له المكائد، فعزله، واعتقله في حصن تعز (القاهرة) وفوَّض أمر القضاء إلى غير بني اليحيوي، ولله في خلقه شئون!
قال القاضي إسماعيل الأكوع عن مأساة بني عِمْران: «وقد كان للقضاة بني محمد بن عمر اليَحْيَوِيين مساهمة واضحة في تحريض الملك المؤيَّد على القضاء عليهم، فانتقم الله منهم على يد المؤيَّد نفسه، ومن أعان ظالمًا أغري به».
قلتُ: والحديث عنهم يطول، ذكرتُه في غير هذا الموضع.
[#قطف_الفنن]