اليمن_تاريخ_وثقافة
14.8K subscribers
152K photos
361 videos
2.29K files
25.5K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
ثلاثة أيّام في اليمن مع الجنود المصريين

كتب #نجيب_محفوظ
هذه القصّة - التحقيق خلال زيارته لليمن في عداد وفدٍ من الكتّاب المصريّين لتفقّد ومؤازرة القوّات المصريّة التي كانتْ تقاتل القوّات الملكيّة المدعومة من العربيّة السعوديّة لحماية الجمهوريّة اليمنيّة التي قامت في ٢٦ أيلول / سبتمبر ١٩٦٢. نشرتْ في مجموعة قصصيّة بعنوان «تحت المظلّة» (١٩٦٩). الإشارة في القصّة أنّها كتبتْ بين تشرين الأوّل / أكتوبر وكانون الأوّل /ديسمبر ١٩٦٧، مع أنّ الأرجح أنّ الزيارة كانت قبل ذلك.

قصّة «ثلاثة أيّام في اليمن»

 
1
الأديب
ها هي السّيارة تنطلق والقاهرة تبتعد. تطايرت الهموم وخفقت القلوب في طريق السّويس. وقال في صوتٍ حنون:
- لن نفترق زهاء أسبوعين، كم تمضي أيّام طويلة دون أن يرى أحدنا الآخر...
أحدقت بنا لا نهائيّة الصّحراء من الجانبين فأهدت إلينا هواءً منعشاً رغم حرارة يوليو. وصلنا إلى ميناء الأدبيّة مع المساء. تعلّقت أعيننا بالسّفينة الرّاسية عند الشّاطئ حيناً ثمّ أخذنا سبيلنا بين صفوفٍ من الجند وأكوامٍ من المؤن والذّخيرة. مضى بنا المرشد إلى مركز التّشهيلات. تمّ التّعارف بيننا وبين الضّابط ثمّ جلسنا ننتظر. إنّه ليس بضابطٍ كلا، إنّه دوّامة مكهربة. يحرّك الجنود والموظّفين بأصابعه العشر وبحاجبيه وأنفه وشفتيه ويتكلّم من خلال عشرة تليفونات. وكلّما مرّ بنا بصرُه تفحّصنا باسماً وهزّ رأسه هزّة تدعو للتّساؤل والفضول. آلو... ليتقدّم حملة صناديق الذّخيرة، يا عمّحسنين، أنت مسؤول عن توصيل البطاطس. هات السّاركى، اسمعني يا يسري السّطح الأمامي من الدّور الأوّل للسريّة الثالثة، عليوة راجعت شهادات التّطعيم؟ مرحبا بضيوفنا الأدباء مرحبا... سمعت عبد الوهاب وهو يغنّي قصيدتك يا أستاذ، انتهيتم من التّيفود؟؟... والكوليرا؟... آلو... انتهى التّطعيم؟، أمّا مقالاتك أنت يا أستاذ فهي السّحر الحلال، آلو... أرسل شخصاً لتطعيم الأدباء...
- تمّ تطعيمنا ضدّ الكوليرا والجدري!
- والتّيفود؟
- أكّدوا في البلدية ألّا ضرورة لذلك.
- التّيفود مهم جدّاً... دعوني أتصرّف فأنا منذ الساعة مسؤول عن الحركة الأدبيّة في مصر.
- ولكنّكم تعطون الحقن بطريقة عسكريّة... أعني...
- يا رب السماوات!... أيخاف من الحقن أصحاب «البيداء تعرفني» و«علوّ في الحياة وفي الممات»؟!
استسلمنا. اجتزنا فترةً عصيبةً لم تخلُ من التّأوّهات. ولما انتهى التّطعيم قال:
- انتهينا من الكوليرا والجدري والتّيفود...
ثمّ وهو يتصفّح وجوهنا بطريقةِ غامضة:
- أمّا بقيّة الحمّيات هناك فلم يكشف الطبّ سرّها بعد...
تبادلنا نظرات ارتياب وتوجّس على حين انصرف عنّا في غير مبالاة. وجرى التّهامس بيننا في إشفاق:
- أحقّ ما يقول؟
- يبدو الأمر جدّاً.
- إذن ما معنى هذه الرّحلة؟
- لننفعل بالأحداث.

- أليس من الأسلم أن ننفعل في القاهرة؟
- وهؤلاء الجنود أليسوا بشراً مثلنا؟
- ولكنّهم جنود!
- لعلّه يمازحنا...
وإذا به يلتفت نحونا هاتفاً:
- ستنفعلون أوّلاً وقبل كلّ شيء بالحمّيات المجهولة!
وضحكنا طويلاً ضحكنا وكأنّنا نتسوّل تكذيب الظّنون. ضحكات هي الأصوات المسموعة للقلق المتطاحن في أعماقنا. ولكنّه استقبل هدنة راحة في زحمة العمل فرمقنا بنظرةٍ جادّة حقيقيّة لأوّل مرّة. جادة وودودة. ثم قال بنبرةٍ أخويّة:
- أهلا بكم فرصة طيّبة وسعيدة، وهنيئاً لكم زيارة بلد شقيق ثائر، ستجدون له مذاقاً خاصّاً وجمالاً ذا سحرٍ غير منكور، فاذهبوا بسلام آمنين...
شددنا على يده بامتنان وذهبنا وراء حقائبنا المحمولة إلى السفينة. ودعانا القبطان إلى العشاء. وطيلة الوقت ترامى إلينا غناء الجنود من سطح السّفينة الأمامي، ودار حديثٌ عن ميعاد الإبحار والجوّ، وأعلننا الرّجل الكريم الظّريف بأنّنا سنكون ضيوفه طوال الرّحلة.
وفي أثناء ذلك اختفى من الصّحاف الدّجاج والشّواء والملوخيّة والبطاطس والسّلطة الخضراء والمش والبطيخ. ودعانا إلى قضاء السّهرة في جناحه المطلّ على البحر ثمّ مضى إلى عمله. أطفأنا المصباح واهبين اللّيل أنفسنا. أنعشنا شراب البرتقال ونسمةً معبّقة بجوّ الميناء. وما زالت أغنية تتردّد متهادية إلينا من معسكر الجنود فوق مقدّم السفينة.
- ترى فيم يفكّرون حول بنادقهم؟
- الحرب... إنّها الحرب...
- أقْدم حرفةٍ في الوجود.
- لكنّها تنشب هذه المرّة في سبيل التحرير والحرّية.
- إنّها الحرب، وهي ككل حدث خطير تدفعنا إلى مواجهة لغز الوجود، وجهاً لوجه...
- وتذوّقنا حيناً النسمة الملاطفة. استسلمنا بكلّ قوانا للحظةٍ طيّبة خالية من الكدر، ثم تفرّق الحديث واختلف كأنّما يدور بين أجيال. وأوشك أن يستقلّكل اثنين بفكرة ما.