Forwarded from لسته
اهلا شباب بنات نعتذر راح نحذف القناة ❤️ وهاذي جديده ☹️
ادخلووو 👇🏻
https://t.me/joinchat/AAAAAEQ3ZBiGYbFMtnLS2A
ملاحظه هذا مو اعلان 👍🏻
ادمنـيةة اقطعو النشر خلي يشوفوهه الاعضاء 💛🌸
ادخلووو 👇🏻
https://t.me/joinchat/AAAAAEQ3ZBiGYbFMtnLS2A
ملاحظه هذا مو اعلان 👍🏻
ادمنـيةة اقطعو النشر خلي يشوفوهه الاعضاء 💛🌸
#ثورة_سبتمر_المجيدة
مذكرات الشيخ عبدالله الأحمر: من الحرب الي السلام ورئاسة اول مجلس وطني (6 ـ 10)
الجمعة 16 نوفمبر-تشرين الثاني 2007
الشيخ عبدالله الاحمر احد فصول تاريخ اليمن الحديث. فليس بالامكان تقليب صفحات هذا التاريخ دون التوقف عند شخصه، واسرته، وقبيلته، في عهد الإمامة كما في الجمهورية. انه فاعلية سياسية وا جتماعية كبيرة في العهدين.
شيخ مشايخ قبائل حاشد، رئيس مجلس النواب ورئيس حزب التجمع اليمني للاصلاح المعارض، عبدالله بن حسين الاحمر، بلغ الرابعة والسبعين. ورغم تقدم السن، والمرض، فان الشيخ الذي تبندق في الخامسة عشرة، يرفض نزع السلاح ، ويخوض معركة جديدة، لكن هذه المرة مع التاريخ، من خلال مذكراته هذه التي خص القدس العربي بحقوق نشرها.
وهذه المذكرات سيرة رجل، بقدر ما هي سيرة بلد، تعكس شاشتها مرحلة انتقال اليمن من طور خالص الانتماء الي القرون الوسطي، الي طور هجين تتصارع فيه الأزمنة التقليدية والحديثة. وهي بذاتها علامة تحول او تغير: فمذكرات أسلافه كانت روايات شفاهية في الدواوين، بينما تميز عنهم بنقلها الي عصر التدوين .
انها ذكريات غنية بالتاريخ لرجل ينتمي الي أحد أثري البلدان العربية تاريخاً.
حصار السبعين يوماً
منذ قيام الحركة في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) إلي 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 67م ، وأنا شخصياً في عمل متواصل، فقد حملت علي عاتقي العبء الثقيل وهو الترتيبات العسكرية للحفاظ علي صنعاء وعلي الطرق المؤدية إليها ، وكنت قد رافقت آخر قائد مصري راحل عن اليمن وهو القائد عبد القادر حسن إلي ميناء الحديدة، ثم عدت من الحديدة وباشرت العمل من باب الناقة إلي صنعاء بوضع الترتيبات لحماية الطريق وأخذت التعهدات من المشائخ واعتماد معاشات بنظرهم للعسكر من أصحابهم حتي ضمنت هذه الطريق في البداية واطمئننت أني قد نجحت فيها، وإذا بها تختل من بني مطر حيث تنقطع الطريق من سوق بوعان إلي الصباحة، أما من سوق بوعان إلي الحيمة وإلي حراز وإلي الحديدة فقد ظلت الطريق مفتوحة إلي نهاية الحصار.
كان الخلل من بني مطر، وكذلك الحال بالنسبة لطريق تعز فقد أخذنا الضمانات من أجل حمايتها ورتبنا المواقع حتي بدأت الحرب وإذا بالمناطق تتساقط موقعاً تلو آخر كما تتساقط الأوراق، وخذلونا حتي من كنا نثق بهم من قبائل سنحان وبلاد الروس، حيث قطعوا الطريق وحدثت أهم معركة في شعسان وجبل حروة الذي كان أصحابنا ـ حاشد ـ متمركزين فيه، وهو أخطر جبل في جهة خولان بالنسبة لسنحان ونقيل يسلح بالنسبة لبلاد الروس.
دافعنا عن هذه المناطق وقاتل رجالنا فيها باستماتة وسقط فيها شخصيات كبيرة وبارزة.
كما أن السوريين كانوا يشاركون بالطائرات وقاتلوا معنا بأنفسهم وأيضا طيارون روس مع أن السفارة الروسية أغلقت بصنعاء، والمصريون انسحبوا لأنهم رأوا أن صنعاء سوف تسقط، ولم يتبق إلا السفارتان السورية والصينية وهما اللتان ثبتتا معنا داخل صنعاء، بينما انتقل الآخرون إلي تعز، أو غادروا اليمن.
أحداث أغسطس 1968
لم يمض أسبوع تقريباً منذ عودتنا من الحديدة مع الشيخ هادي عيطان والمشائخ الذين انضموا للجمهورية، حتي انفجر الموقف في الداخل بين عبدالرقيب عبد الوهاب رئيس الأركان ومحمد صالح فرحان قائد سلاح المشاة وحمود ناجي قائد المظلات وعلي مثني جبران قائد المدفعية من جهة والفريق حسن العمري القائد العام ومن معه من الجهة الثانية.
وبدأت الشرارة الأولي للمواجهة عندما قام الفريق العمري باعتقال علي مثني جبران قائد المدفعية، وخرجت أنا والقاضي عبدالسلام صبرة إلي المطار الجنوبي الذي أصبح ميدان السبعين حيث كانت ترابط فيه قوات المدفعية لأنني كنت مرابطًا هناك، وكان لا يزال من أصحابنا من حاشد مجموعة قليلة في المطار لطمأنتهم ولنقول لهم إن علي مثني سوف يخرج، وقبل أن أصل إليهم لاأدري من نبهني وقال لي: لا تذهب أنت بل سوف نذهب نحن مع القاضي عبدالسلام صبرة إليهم وأنت انتظر هنا في أسفل المطار، وصلوا إليهم وهم في حالة غضب وتوتر شديدين فلم يخرجوا معهم بنتيجة، بعدها حاول مجاهد ومجموعة من المسؤولين (حسين الدفعي، حسن مكي، ومحسن العيني) وساروا لعبد الرقيب في العرضي وحصل بينهم ما حصل من الخلاف، ولم يخرج مجاهد إلا هرباً من مكتب عبد الرقيب بعد أن قفز من شباك المكتب والآخرون اعتقلوهم. ورجع مجاهد إلي عندي وما وصل إلا وهم يضربون بالمدافع من العرضي وأول ما ضربوا بيتي الذي في الأبهر وبعده بيت عمي سنان أبو لحوم وغيرها من البيوت،كما خربوا بيت القاضي عبد الله اليدومي المجاور لنا ولا يزال إلي الآن .
حزمنا أمورنا بسرعة وجمعنا حاشد المتواجدين في صنعاء وبجانبنا العقيد علي أبو لحوم وأصحابه وشاركوا معنا مشاركة فعالة وجهزناهم ورتبناهم لحماية قصر السلاح والإذاعة وسور صنعاء. وأحمد شايف القديمي ومجموعة استلموا السور والبيوت المجاورة للدائر (السور) في بستان شارب وباب
اليمن وغيره إلي السائلة. وبعدها البيوت، بيت زبارة وفندق المخاء، ولم تكن هناك عمارات كثيرة وأ
مذكرات الشيخ عبدالله الأحمر: من الحرب الي السلام ورئاسة اول مجلس وطني (6 ـ 10)
الجمعة 16 نوفمبر-تشرين الثاني 2007
الشيخ عبدالله الاحمر احد فصول تاريخ اليمن الحديث. فليس بالامكان تقليب صفحات هذا التاريخ دون التوقف عند شخصه، واسرته، وقبيلته، في عهد الإمامة كما في الجمهورية. انه فاعلية سياسية وا جتماعية كبيرة في العهدين.
شيخ مشايخ قبائل حاشد، رئيس مجلس النواب ورئيس حزب التجمع اليمني للاصلاح المعارض، عبدالله بن حسين الاحمر، بلغ الرابعة والسبعين. ورغم تقدم السن، والمرض، فان الشيخ الذي تبندق في الخامسة عشرة، يرفض نزع السلاح ، ويخوض معركة جديدة، لكن هذه المرة مع التاريخ، من خلال مذكراته هذه التي خص القدس العربي بحقوق نشرها.
وهذه المذكرات سيرة رجل، بقدر ما هي سيرة بلد، تعكس شاشتها مرحلة انتقال اليمن من طور خالص الانتماء الي القرون الوسطي، الي طور هجين تتصارع فيه الأزمنة التقليدية والحديثة. وهي بذاتها علامة تحول او تغير: فمذكرات أسلافه كانت روايات شفاهية في الدواوين، بينما تميز عنهم بنقلها الي عصر التدوين .
انها ذكريات غنية بالتاريخ لرجل ينتمي الي أحد أثري البلدان العربية تاريخاً.
حصار السبعين يوماً
منذ قيام الحركة في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) إلي 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 67م ، وأنا شخصياً في عمل متواصل، فقد حملت علي عاتقي العبء الثقيل وهو الترتيبات العسكرية للحفاظ علي صنعاء وعلي الطرق المؤدية إليها ، وكنت قد رافقت آخر قائد مصري راحل عن اليمن وهو القائد عبد القادر حسن إلي ميناء الحديدة، ثم عدت من الحديدة وباشرت العمل من باب الناقة إلي صنعاء بوضع الترتيبات لحماية الطريق وأخذت التعهدات من المشائخ واعتماد معاشات بنظرهم للعسكر من أصحابهم حتي ضمنت هذه الطريق في البداية واطمئننت أني قد نجحت فيها، وإذا بها تختل من بني مطر حيث تنقطع الطريق من سوق بوعان إلي الصباحة، أما من سوق بوعان إلي الحيمة وإلي حراز وإلي الحديدة فقد ظلت الطريق مفتوحة إلي نهاية الحصار.
كان الخلل من بني مطر، وكذلك الحال بالنسبة لطريق تعز فقد أخذنا الضمانات من أجل حمايتها ورتبنا المواقع حتي بدأت الحرب وإذا بالمناطق تتساقط موقعاً تلو آخر كما تتساقط الأوراق، وخذلونا حتي من كنا نثق بهم من قبائل سنحان وبلاد الروس، حيث قطعوا الطريق وحدثت أهم معركة في شعسان وجبل حروة الذي كان أصحابنا ـ حاشد ـ متمركزين فيه، وهو أخطر جبل في جهة خولان بالنسبة لسنحان ونقيل يسلح بالنسبة لبلاد الروس.
دافعنا عن هذه المناطق وقاتل رجالنا فيها باستماتة وسقط فيها شخصيات كبيرة وبارزة.
كما أن السوريين كانوا يشاركون بالطائرات وقاتلوا معنا بأنفسهم وأيضا طيارون روس مع أن السفارة الروسية أغلقت بصنعاء، والمصريون انسحبوا لأنهم رأوا أن صنعاء سوف تسقط، ولم يتبق إلا السفارتان السورية والصينية وهما اللتان ثبتتا معنا داخل صنعاء، بينما انتقل الآخرون إلي تعز، أو غادروا اليمن.
أحداث أغسطس 1968
لم يمض أسبوع تقريباً منذ عودتنا من الحديدة مع الشيخ هادي عيطان والمشائخ الذين انضموا للجمهورية، حتي انفجر الموقف في الداخل بين عبدالرقيب عبد الوهاب رئيس الأركان ومحمد صالح فرحان قائد سلاح المشاة وحمود ناجي قائد المظلات وعلي مثني جبران قائد المدفعية من جهة والفريق حسن العمري القائد العام ومن معه من الجهة الثانية.
وبدأت الشرارة الأولي للمواجهة عندما قام الفريق العمري باعتقال علي مثني جبران قائد المدفعية، وخرجت أنا والقاضي عبدالسلام صبرة إلي المطار الجنوبي الذي أصبح ميدان السبعين حيث كانت ترابط فيه قوات المدفعية لأنني كنت مرابطًا هناك، وكان لا يزال من أصحابنا من حاشد مجموعة قليلة في المطار لطمأنتهم ولنقول لهم إن علي مثني سوف يخرج، وقبل أن أصل إليهم لاأدري من نبهني وقال لي: لا تذهب أنت بل سوف نذهب نحن مع القاضي عبدالسلام صبرة إليهم وأنت انتظر هنا في أسفل المطار، وصلوا إليهم وهم في حالة غضب وتوتر شديدين فلم يخرجوا معهم بنتيجة، بعدها حاول مجاهد ومجموعة من المسؤولين (حسين الدفعي، حسن مكي، ومحسن العيني) وساروا لعبد الرقيب في العرضي وحصل بينهم ما حصل من الخلاف، ولم يخرج مجاهد إلا هرباً من مكتب عبد الرقيب بعد أن قفز من شباك المكتب والآخرون اعتقلوهم. ورجع مجاهد إلي عندي وما وصل إلا وهم يضربون بالمدافع من العرضي وأول ما ضربوا بيتي الذي في الأبهر وبعده بيت عمي سنان أبو لحوم وغيرها من البيوت،كما خربوا بيت القاضي عبد الله اليدومي المجاور لنا ولا يزال إلي الآن .
حزمنا أمورنا بسرعة وجمعنا حاشد المتواجدين في صنعاء وبجانبنا العقيد علي أبو لحوم وأصحابه وشاركوا معنا مشاركة فعالة وجهزناهم ورتبناهم لحماية قصر السلاح والإذاعة وسور صنعاء. وأحمد شايف القديمي ومجموعة استلموا السور والبيوت المجاورة للدائر (السور) في بستان شارب وباب
اليمن وغيره إلي السائلة. وبعدها البيوت، بيت زبارة وفندق المخاء، ولم تكن هناك عمارات كثيرة وأ
رسلنا مجموعة للإذاعة ودارت معركة حامية الوطيس استمرت ثلاثة أيام تقريباً، وإذا بالفريق العمري عندما سمع المدافع يتصل بي هاتفيٌا يطلب وقف الحرب قلت له: لقد قلت لك من قبل تدارك الأمور لا تفجر الموقف معهم.
وكان مما زاد من غضبهم ودفعهم للمواجهة ما وصلهم من العمري عندما كان البعض يقولون له إنهم سوف يفجرون الموقف فكان يرد عليهم مستهزئاً بعبد الرقيب وجماعته قائلاً: لن يفعلوا شيئاً إنهم أضعف وأعجز من أن يعملوا شيئاً وكان يطلق عليهم عبارات بذيئة. قلنا له: أما الآن ليس هناك وقف للحرب يا فندم كان ينبغي عليك أن تتدارك الأمور قبل أما الآن فإن الموقف علينا.
وأثناء الثلاثة الأيام الأولي للحرب تقدم الملكيون المحيطون بصنعاء بقيادة قاسم منصر قبل قصة انضمامه للجمهوريين وهجموا علي جبل نقم من شرق العاصمة فاستنجد بنا الجنود الذين كانوا في جبل نقم من أصحاب عبدالرقيب فتواصلنا بالتلفون مع عبد الرقيب وطلبة الكلية الحربية والتقينا واتفقنا علي وقف الحرب بيننا وإرسال مجموعة للدفاع عن نقم،وهم علي حميد جليدان ومجموعة من حاشد وعبد الرقيب ومجموعة من الصاعقة والمظلات صدوا هجوم الملكيين علي جبل نقم واستمروا في معركتهم مع الملكيين حتي هزموهم وأبعدوهم من جبل نقم عند طلوع الشمس، وبعدها رجع كل إلي موقعه وعادت الحرب بيننا من جديد، وقد قتل في هذه المعركة المؤسفة خلال الثلاثة الأيام أكثر من الذين قتلوا في حصار السبعين بأضعاف مضاعفة، ففي أحد المساجد في صنعاء القديمة قتل اثنان وسبعون رجلاً بدانات الهاون وهم يؤدون صلاة الظهر عندما قصفوا المسجد.
كانت هذه المواجهة بين الجمهوريين واليساريين الذين كانوا يستهدفون اليمن بأكملها وحاولوا قلب نظام الحكم والاستيلاء علي صنعاء لينسقوا مع الجبهة القومية الحاكمة في عدن حيث كان قد مرت سنة علي استقلال الجنوب واستيلاء الجبهة علي الحكم وهناك اتصالات وتنسيق سابق بينهم !! وهذا ما حصل في آب (أغسطس) بإيجاز، حيث كانت الحرب بين القوي اليسارية والجمهوريين وانتصر فيها الصف الجمهوري.
هروب الإمام البدر
بعد أن خسر الملكيون آخر مواقعهم في بعض مناطق سنحان وبلاد الروس عادوا مرة أخري بقيادة الإمام البدر نفسه بعد أن تلقي دعماً وتمويلاً من المملكة علي أساس يحتل مدينة حجة وإذا استعادوا حجة فبإمكانهم أن يستعيدوا المناطق التي خرجوا منها.
خرج البدر ليستقر في المحابشة وتوافد عليه الناس من هنا وهناك وكان الأخ عبد الوهاب الشهاري رحمه الله الذي عمل معي من أول الثورة هو همزة الوصل بيننا وبين تلك المناطق لأن المحابشة منطقته وكان يعلم أيضاً أن البدر من عناصر بيت حميد الدين السلميين وكلنا نفهم هذا. قام بزيارة البدر إلي مقر إقامته فوق المحابشة وقال له: أنا مرسل من الشيخ عبدالله إليك يقول لك أنه يعلم أنك رجل عظيم ورجل سلم فإذا لديك الرغبة بالخروج من اليمن أو أي شيء ترغب فيه فسوف يضمنه لك. فقال البدر: أريد رسالة من القاضي عبد الرحمن الإرياني والتزامًا وعهدًا من الشيخ عبدالله أنهم لا يخدعوني وأريد طائرة تقلني من عبس أقرب منطقة إلي خارج اليمن لكن بصورة سريعة فالناس يدفعوني دفعاً نحو حجة والمناطق المجاورة لها وأنا مضطر للاستجابة لمطالبهم.
جاء عبد الوهاب إلينا وأخذ منا الرسالة والالتزام والعهد وعاد للبدر لكنه لم يصل هناك إلا وقد تحرك البدر نحو حجة فقال له البدر: لقد تأخرت قليلاً ولم أستطع أن أقنع الناس فدفعوني للزحف علي حجة. وقد بعث إلينا برسالة للتثبيط يؤكد فيها رغبته في الصلاح وجمع الشمل.
طوق البدر ومن معه علي حجة وكان المحافظون عليها ـ من أول الثورة ـ هم رجال حاشد سواءً قبل الحصار أو بعده حتي في أيام المصريين كان يوجد في حجة أثناء حصار الملكيين لها جيش من حاشد بقيادة حمود عاطف وعلي صلاح ومعه سرية أو سريتان من لواء الوحدة والمحافظ محمد عبدالله الكحلاني وهو قائد محنك وشجاع، اجتمع هؤلاء القادة الثلاثة ورتبوا أوضاعهم واستعدوا للصمود والدفاع عن المدينة وتوزعوا وتولي كل واحد منهم مسؤولية الدفاع عن جهة من جهات المدينة وحفر كل واحد منهم قبره في مترسه، فلما ضاق الخناق واشتد عليهم جهزنا العميد مجاهد مع قوم من حاشد لفك الحصار علي المدينة، وأنا خرجت بقوم طريق ثلاء وشبام وكوكبان لمناوشة الأمير علي بن إبراهيم الذي كان في الطويلة حتي لا يقطعوا الطريق علي مجاهد ويحولوا بينه وبين الوصول إلي حجة، وفعلاً ظنوا أنني متقدم في اتجاههم فتوقفوا استعداداً للمواجهة معي ومجاهد تحرك حتي وصل منطقة كحلان ليواصل توجهه إلي حجة وكان أمامه حصن جرع وهو حصن مهم بالنسبة للطريق وكان فيه السيد محمد عبدالله أبو منصر قائد قوات الملكية والذي وصله الخبر أن مجاهد وصل بقوم علي كحلان متوجهاً إلي حجة فاتصل به بالجهاز الذي كان يستخدمه الجنود أين ستتجه؟ قال مجاهد: حجة
قال: ومن أين ستمر؟
قال مجاهد: من أي مكان المهم
أنا متجه إلي حجة.
قال: بعيد عليك حجة تجاهك رجال.
قال: ونحن رجال.
واستمر الكلام بينهم لين
وكان مما زاد من غضبهم ودفعهم للمواجهة ما وصلهم من العمري عندما كان البعض يقولون له إنهم سوف يفجرون الموقف فكان يرد عليهم مستهزئاً بعبد الرقيب وجماعته قائلاً: لن يفعلوا شيئاً إنهم أضعف وأعجز من أن يعملوا شيئاً وكان يطلق عليهم عبارات بذيئة. قلنا له: أما الآن ليس هناك وقف للحرب يا فندم كان ينبغي عليك أن تتدارك الأمور قبل أما الآن فإن الموقف علينا.
وأثناء الثلاثة الأيام الأولي للحرب تقدم الملكيون المحيطون بصنعاء بقيادة قاسم منصر قبل قصة انضمامه للجمهوريين وهجموا علي جبل نقم من شرق العاصمة فاستنجد بنا الجنود الذين كانوا في جبل نقم من أصحاب عبدالرقيب فتواصلنا بالتلفون مع عبد الرقيب وطلبة الكلية الحربية والتقينا واتفقنا علي وقف الحرب بيننا وإرسال مجموعة للدفاع عن نقم،وهم علي حميد جليدان ومجموعة من حاشد وعبد الرقيب ومجموعة من الصاعقة والمظلات صدوا هجوم الملكيين علي جبل نقم واستمروا في معركتهم مع الملكيين حتي هزموهم وأبعدوهم من جبل نقم عند طلوع الشمس، وبعدها رجع كل إلي موقعه وعادت الحرب بيننا من جديد، وقد قتل في هذه المعركة المؤسفة خلال الثلاثة الأيام أكثر من الذين قتلوا في حصار السبعين بأضعاف مضاعفة، ففي أحد المساجد في صنعاء القديمة قتل اثنان وسبعون رجلاً بدانات الهاون وهم يؤدون صلاة الظهر عندما قصفوا المسجد.
كانت هذه المواجهة بين الجمهوريين واليساريين الذين كانوا يستهدفون اليمن بأكملها وحاولوا قلب نظام الحكم والاستيلاء علي صنعاء لينسقوا مع الجبهة القومية الحاكمة في عدن حيث كان قد مرت سنة علي استقلال الجنوب واستيلاء الجبهة علي الحكم وهناك اتصالات وتنسيق سابق بينهم !! وهذا ما حصل في آب (أغسطس) بإيجاز، حيث كانت الحرب بين القوي اليسارية والجمهوريين وانتصر فيها الصف الجمهوري.
هروب الإمام البدر
بعد أن خسر الملكيون آخر مواقعهم في بعض مناطق سنحان وبلاد الروس عادوا مرة أخري بقيادة الإمام البدر نفسه بعد أن تلقي دعماً وتمويلاً من المملكة علي أساس يحتل مدينة حجة وإذا استعادوا حجة فبإمكانهم أن يستعيدوا المناطق التي خرجوا منها.
خرج البدر ليستقر في المحابشة وتوافد عليه الناس من هنا وهناك وكان الأخ عبد الوهاب الشهاري رحمه الله الذي عمل معي من أول الثورة هو همزة الوصل بيننا وبين تلك المناطق لأن المحابشة منطقته وكان يعلم أيضاً أن البدر من عناصر بيت حميد الدين السلميين وكلنا نفهم هذا. قام بزيارة البدر إلي مقر إقامته فوق المحابشة وقال له: أنا مرسل من الشيخ عبدالله إليك يقول لك أنه يعلم أنك رجل عظيم ورجل سلم فإذا لديك الرغبة بالخروج من اليمن أو أي شيء ترغب فيه فسوف يضمنه لك. فقال البدر: أريد رسالة من القاضي عبد الرحمن الإرياني والتزامًا وعهدًا من الشيخ عبدالله أنهم لا يخدعوني وأريد طائرة تقلني من عبس أقرب منطقة إلي خارج اليمن لكن بصورة سريعة فالناس يدفعوني دفعاً نحو حجة والمناطق المجاورة لها وأنا مضطر للاستجابة لمطالبهم.
جاء عبد الوهاب إلينا وأخذ منا الرسالة والالتزام والعهد وعاد للبدر لكنه لم يصل هناك إلا وقد تحرك البدر نحو حجة فقال له البدر: لقد تأخرت قليلاً ولم أستطع أن أقنع الناس فدفعوني للزحف علي حجة. وقد بعث إلينا برسالة للتثبيط يؤكد فيها رغبته في الصلاح وجمع الشمل.
طوق البدر ومن معه علي حجة وكان المحافظون عليها ـ من أول الثورة ـ هم رجال حاشد سواءً قبل الحصار أو بعده حتي في أيام المصريين كان يوجد في حجة أثناء حصار الملكيين لها جيش من حاشد بقيادة حمود عاطف وعلي صلاح ومعه سرية أو سريتان من لواء الوحدة والمحافظ محمد عبدالله الكحلاني وهو قائد محنك وشجاع، اجتمع هؤلاء القادة الثلاثة ورتبوا أوضاعهم واستعدوا للصمود والدفاع عن المدينة وتوزعوا وتولي كل واحد منهم مسؤولية الدفاع عن جهة من جهات المدينة وحفر كل واحد منهم قبره في مترسه، فلما ضاق الخناق واشتد عليهم جهزنا العميد مجاهد مع قوم من حاشد لفك الحصار علي المدينة، وأنا خرجت بقوم طريق ثلاء وشبام وكوكبان لمناوشة الأمير علي بن إبراهيم الذي كان في الطويلة حتي لا يقطعوا الطريق علي مجاهد ويحولوا بينه وبين الوصول إلي حجة، وفعلاً ظنوا أنني متقدم في اتجاههم فتوقفوا استعداداً للمواجهة معي ومجاهد تحرك حتي وصل منطقة كحلان ليواصل توجهه إلي حجة وكان أمامه حصن جرع وهو حصن مهم بالنسبة للطريق وكان فيه السيد محمد عبدالله أبو منصر قائد قوات الملكية والذي وصله الخبر أن مجاهد وصل بقوم علي كحلان متوجهاً إلي حجة فاتصل به بالجهاز الذي كان يستخدمه الجنود أين ستتجه؟ قال مجاهد: حجة
قال: ومن أين ستمر؟
قال مجاهد: من أي مكان المهم
أنا متجه إلي حجة.
قال: بعيد عليك حجة تجاهك رجال.
قال: ونحن رجال.
واستمر الكلام بينهم لين
خ ووضحنا لهم كل شيء.
وعند انتهاء المدة المحددة أبلغونا بوصول المجموعة الذين سيتم استيعابهم في أجهزة الدولة وعلي رأسهم السيد أحمد محمد الشامي ـ عن طريق جيزان وان الطائرة سوف تنقلهم من جيزان إلي عبس وعلينا أن نكون في استقبالهم في عبس وهذا الذي تم.
ذهبت أنا والشيخ سنان والمشائخ وبعض الضباط والمسؤولين، واستقبلنا القادمين من المملكة في عبس واتجهنا إلي الحُديدة ومن الحُديدة إلي صنعاء في 22 ايار (مايو) 1970. وفي نفس الليلة صدرت القرارات الجمهورية بتعيينهم.
واستتبت الأمور بعد المصالحة، وتحسنت العلاقة مع المملكة ولم يتشددوا علينا بعدها في أمر من الأمور، فقد اقتنعوا بان الملكيين لم يعودوا قادرين علي أي شيء وأن عودتهم أصبحت من المستحيل، كما اقتنعوا بأن المصريين الذين كانوا يقولون إنهم ما دعموا الملكيين وحاربوا الجمهورية إلا بسببهم قد ساروا وانتهي الوجود المصري في اليمن.
أما أمراء بيت حميد الدين الذين كانوا في الأطراف فقد سحبتهم المملكة واعتبرتهم لاجئين سياسيين، ولم يتبق إلا واحد من أولاد الحسين في الجوف ظل فترة ورفض أن يخرج وهم يطلبونه من السعودية وظل أهل الجوف يحمونه وقد استمر خمسة أو ستة أشهر بعد المصالحة ولمَّا يئس خرج براً. وقد وصلتني رسالة من القاضي عبد الله الحجري الذي كان سفيراً لبلادنا في الكويت يشرح لنا فيها كيف أن الإخوان في المملكة حريصون علي إنهاء المشكلة وأن الأمير سلطان بن عبدالعزيز قد اجتمع بأسرة حميد الدين وحذرهم من التدخل في شؤون اليمن بعد المصالحة.
بعد استكمال الترتيبات الجديدة تم تشكيل وفد برئاسة الفريق العمري وضم محسن العيني وأنا واحمد الشامي وعددًا كبيرًا من المشائخ والعلماء والوزراء وتوجهنا إلي جدة، وصلنا والبدر يسكن في بيت جوار دار الضيافة الذي أنزلونا فيه وقد سافر البدر في اليوم الثاني وغادر المملكة إلي لندن التي عاش فيها حتي توفاه الله والآخرون كفلتهم المملكة بعوائلهم ومن يرتبط بهم حتي اليوم.
التقينا في جدة بالملك فيصل وكبار المسؤولين في المملكة، وكانت السعودية قد أعلنت اعترافها بالجمهورية في نفس اليوم الذي وصلنا فيه جدة واتفقنا علي كل شيء. كان ذلك في 27/7/1970. وقال لنا الملك فيصل: نحن قد ساهمنا في تخلف اليمن وخرابه، أما الآن فنحن علي استعداد أن نساهم في عمران اليمن حتي لو تقاسمنا الرغيف نصفين لكننا لم نستغل هذا الاتجاه، لان القاضي عبد الرحمن الارياني رحمه الله ما استطاع أن يهضم السعوديين أو يبتلعهم وبسبب هذا العناد الذي كان عنده حرمنا أشياء كثيرة لمصلحة البلاد. بينما محسن العيني الذي لم يكن منفتحا مع السعوديين إلي حد بعيد كان عنده القابلية والاستعداد
وعند انتهاء المدة المحددة أبلغونا بوصول المجموعة الذين سيتم استيعابهم في أجهزة الدولة وعلي رأسهم السيد أحمد محمد الشامي ـ عن طريق جيزان وان الطائرة سوف تنقلهم من جيزان إلي عبس وعلينا أن نكون في استقبالهم في عبس وهذا الذي تم.
ذهبت أنا والشيخ سنان والمشائخ وبعض الضباط والمسؤولين، واستقبلنا القادمين من المملكة في عبس واتجهنا إلي الحُديدة ومن الحُديدة إلي صنعاء في 22 ايار (مايو) 1970. وفي نفس الليلة صدرت القرارات الجمهورية بتعيينهم.
واستتبت الأمور بعد المصالحة، وتحسنت العلاقة مع المملكة ولم يتشددوا علينا بعدها في أمر من الأمور، فقد اقتنعوا بان الملكيين لم يعودوا قادرين علي أي شيء وأن عودتهم أصبحت من المستحيل، كما اقتنعوا بأن المصريين الذين كانوا يقولون إنهم ما دعموا الملكيين وحاربوا الجمهورية إلا بسببهم قد ساروا وانتهي الوجود المصري في اليمن.
أما أمراء بيت حميد الدين الذين كانوا في الأطراف فقد سحبتهم المملكة واعتبرتهم لاجئين سياسيين، ولم يتبق إلا واحد من أولاد الحسين في الجوف ظل فترة ورفض أن يخرج وهم يطلبونه من السعودية وظل أهل الجوف يحمونه وقد استمر خمسة أو ستة أشهر بعد المصالحة ولمَّا يئس خرج براً. وقد وصلتني رسالة من القاضي عبد الله الحجري الذي كان سفيراً لبلادنا في الكويت يشرح لنا فيها كيف أن الإخوان في المملكة حريصون علي إنهاء المشكلة وأن الأمير سلطان بن عبدالعزيز قد اجتمع بأسرة حميد الدين وحذرهم من التدخل في شؤون اليمن بعد المصالحة.
بعد استكمال الترتيبات الجديدة تم تشكيل وفد برئاسة الفريق العمري وضم محسن العيني وأنا واحمد الشامي وعددًا كبيرًا من المشائخ والعلماء والوزراء وتوجهنا إلي جدة، وصلنا والبدر يسكن في بيت جوار دار الضيافة الذي أنزلونا فيه وقد سافر البدر في اليوم الثاني وغادر المملكة إلي لندن التي عاش فيها حتي توفاه الله والآخرون كفلتهم المملكة بعوائلهم ومن يرتبط بهم حتي اليوم.
التقينا في جدة بالملك فيصل وكبار المسؤولين في المملكة، وكانت السعودية قد أعلنت اعترافها بالجمهورية في نفس اليوم الذي وصلنا فيه جدة واتفقنا علي كل شيء. كان ذلك في 27/7/1970. وقال لنا الملك فيصل: نحن قد ساهمنا في تخلف اليمن وخرابه، أما الآن فنحن علي استعداد أن نساهم في عمران اليمن حتي لو تقاسمنا الرغيف نصفين لكننا لم نستغل هذا الاتجاه، لان القاضي عبد الرحمن الارياني رحمه الله ما استطاع أن يهضم السعوديين أو يبتلعهم وبسبب هذا العناد الذي كان عنده حرمنا أشياء كثيرة لمصلحة البلاد. بينما محسن العيني الذي لم يكن منفتحا مع السعوديين إلي حد بعيد كان عنده القابلية والاستعداد
تهي بالتهديد والسباب، حيث قال السيد محمد عبدالله أبو منصر لمجاهد: إذا وصلت حجة من فوقنا فأنا كذا وكذا؟! ورد عليه مجاهد بكلام أشد منه. وفي الليل جهز مجاهد القوم وهجموا علي الحصن وطردوا أصحابه واحتلوا تلك الجبال وتسهَّلت لهم الأمور ونزلوا حجة وفكوا الحصار عنا وعاد البدر إلي المحابشة لفترة ثم خرج من المحابشة إلي المملكة العربية السعودية وقد بعث إلينا محافظ حجة محمد عبدالله الكحلاني برسالة حول خروجهم.
البرلمان والدستور الدائم
كان تشكيل مجلس وطني أو مجلس شوري أو نيابي هو هاجس الرعيل الأول من الوطنيين من قبل الثورة، وعندما قامت الثورة كان من أهم المطالب التي كان يطرحها ويطمح لها الشعب ورجال الدولة هو تشكيل المجلس الوطني.
وقد تكون مجلس شوري في السنوات الأولي للجمهورية، وكان مقره بيتاً مع ساحته من بيوت أسرة بيت حميد الدين في شارع 26 سبتمبر، وبنيت القاعة في نفس المكان الحالي للمجلس وكان ذلك عام 1964 تقريبا، واشرف علي بناء القاعة الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي ترأس ذلك المجلس ويعد ذلك المجلس نواة للمجلس الوطني فيما بعد.
وقبله كان قد تم تشكيل مجلس الشيوخ، وهو أقل منه شأناً واقل صلاحية وأكثر عددا وكان نواة أيضاً للمجلس الذي كنا نطمح إليه ومجلس الشيوخ لم يعمر طويلاً. ولم يتخذ أي مهام وهكذا فتكوين المجلس الوطني لم يأت من فراغ و إنما كان امتدادًا لما كان قبله، فعندما خرجنا منتصرين من حصار صنعاء سنة 1968م، وأعلنت بعض القبائل التي كانت مناوئة للنظام الجمهوري ولاءها ولم يبق إلا مناطق قليلة في الشمال والشمال الغربي والشرقي وبعض مناطق الجوف، رأي القاضي عبد الرحمن الإرياني والقيادة السياسية ورجالات الدولة أنه أصبح من الضروري تشكيل مجلس وطنـي لتكتمل بنية الدولة ومؤسساتها فتم تشكيل المجلس الوطني من (45) شخصاً بالتعيين، وقد روعيت فيه حرية التمثيل للمناطق، والقوي والفئات الاجتماعية في اليمن فدخل في هذا المجلس عدد من العلماء والتجار والشباب والسياسيين والمثقفين والأغلبية من المشائخ البارزين والموالين للجمهورية من معظم مناطق اليمن، حتي المناطق التي لم تكن قد أصبحت خاضعة للدولة، تم تمثيلها بالمشائخ الذين كانوا موجودين في صنعاء وكانوا مؤيدين للثورة ومدافعين عنها منذ قيامها.
وأستطيع أن أقول إن أعضاء المجلس كانوا نخبة اليمن ومنذ أن تشكل المجلس كان من أفضل وأدق ما يكون، واجتمع المجلس لأول مرة في آذار (مارس) 1969 وحضر الجلسة الافتتاحية القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري وهو رائد الديمقراطية وكبار رجال الدولة وكان المجلس يضم بعض ضباط القوات المسلحة والأمن. وفي الجلسة الافتتاحية ترأس الجلسة الأولي أكبر الأعضاء سناً وهو السيد العلامة العظيم عبد القادر بن عبدالله، وكان أكبر الموجودين سناً وفضلاً وعلماً لإدارة الجلسة كما هي العادة، وفتح باب الترشيح لرئاسة المجلس وقد ترشحت لرئاسة المجلس وترشح غيري، ولم أعد أتذكر كم كان عدد المرشحين، وقرأ رئيس الجلسة أسماء المرشحين وتم التصويت، حيث صوتوا بالإجماع علي انتخابي رئيساً للمجلس وبعدها تم انتخاب النواب ـ أعتقد كان الأستاذ محمد الخادم الوجيه وربما شخص آخر ـ وأمين عام للمجلس ـ محمد سعيد قباطي ووضعنا لنا لائحة داخلية لنظام عمل المجلس، وقد بعث إلينا الأستاذ أحمد محمد نعمان رسالة تهنئة بالمناسبة يشرح فيها سعادته بذلك وأن تكوين المجلس هو استجابة لمطالب الأحرار ورجالات اليمن.
وقبل تعيين المجلس الوطني كان هناك دستور مؤقت وهو دستور مؤتمر خمر كان معمولاً به وتكوين المجلس و إجراءاته تمت طبقاً للدستور والقوانين التي كانت سائدة.
وقد قام المجلس الوطني بمسؤولية كبيرة ودور عظيم، لأن الشعور بالمسؤولية كان موجوداً في ذلك الوقت عند جميع رجال الدولة، وحتي عند الموظف العادي وأفراد الشعب، كانت هناك نزاهة وصدق وكانت أي مؤسسة أو شخص يكلف بمسؤولية معينة كان يؤديها بأمانة وصدق وبحماس وإيجابية ونزاهة، وكان للقاضي الإرياني رحمه الله والقيادة دور في ذلك حيث كان حريصاً علي المجلس وقراراته، وأهم منجزات المجلس هو إعداد الدستور الدائم الذي استمدت مواده من الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة وهو مفخرة للمجلس الوطني ومفخرة لليمن، وقد أعدته شخصيات يمنية من العلماء والقانونيين وتلقينا الرسائل والملاحظات الكثيرة منهم علي ذلك، حتي المفكر والأديب أحمد محمد الشامي بعث إلينا برسالة حول الدستور وما ينبغي أن يكون عليه واستعنا بالقاضي عبد الرزاق السنهوري لإبداء بعض الملاحظات الفنية فقط وقد أبدي السنهوري إعجاباً كبيراً بالجهد الذي بذله اليمنيون لإعداد ذلك الدستور.
كما قام المجلس بسن قوانين كثيرة ـ بعضها كانت تأتي المجلس كمشاريع من الحكومة والأخري كان أعضاء المجلس يتولون صياغتها و إعدادها، وقد ظلت هذه القوانين هي المعمول بها لفترة طويلة.
كما كان من أعمال ا
لمجلس أيضاً الرقابة علي أعمال الحكومة، فبالرغم من أن المجلس كان معيناً إلا أنه كان يؤدي دو
البرلمان والدستور الدائم
كان تشكيل مجلس وطني أو مجلس شوري أو نيابي هو هاجس الرعيل الأول من الوطنيين من قبل الثورة، وعندما قامت الثورة كان من أهم المطالب التي كان يطرحها ويطمح لها الشعب ورجال الدولة هو تشكيل المجلس الوطني.
وقد تكون مجلس شوري في السنوات الأولي للجمهورية، وكان مقره بيتاً مع ساحته من بيوت أسرة بيت حميد الدين في شارع 26 سبتمبر، وبنيت القاعة في نفس المكان الحالي للمجلس وكان ذلك عام 1964 تقريبا، واشرف علي بناء القاعة الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي ترأس ذلك المجلس ويعد ذلك المجلس نواة للمجلس الوطني فيما بعد.
وقبله كان قد تم تشكيل مجلس الشيوخ، وهو أقل منه شأناً واقل صلاحية وأكثر عددا وكان نواة أيضاً للمجلس الذي كنا نطمح إليه ومجلس الشيوخ لم يعمر طويلاً. ولم يتخذ أي مهام وهكذا فتكوين المجلس الوطني لم يأت من فراغ و إنما كان امتدادًا لما كان قبله، فعندما خرجنا منتصرين من حصار صنعاء سنة 1968م، وأعلنت بعض القبائل التي كانت مناوئة للنظام الجمهوري ولاءها ولم يبق إلا مناطق قليلة في الشمال والشمال الغربي والشرقي وبعض مناطق الجوف، رأي القاضي عبد الرحمن الإرياني والقيادة السياسية ورجالات الدولة أنه أصبح من الضروري تشكيل مجلس وطنـي لتكتمل بنية الدولة ومؤسساتها فتم تشكيل المجلس الوطني من (45) شخصاً بالتعيين، وقد روعيت فيه حرية التمثيل للمناطق، والقوي والفئات الاجتماعية في اليمن فدخل في هذا المجلس عدد من العلماء والتجار والشباب والسياسيين والمثقفين والأغلبية من المشائخ البارزين والموالين للجمهورية من معظم مناطق اليمن، حتي المناطق التي لم تكن قد أصبحت خاضعة للدولة، تم تمثيلها بالمشائخ الذين كانوا موجودين في صنعاء وكانوا مؤيدين للثورة ومدافعين عنها منذ قيامها.
وأستطيع أن أقول إن أعضاء المجلس كانوا نخبة اليمن ومنذ أن تشكل المجلس كان من أفضل وأدق ما يكون، واجتمع المجلس لأول مرة في آذار (مارس) 1969 وحضر الجلسة الافتتاحية القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري وهو رائد الديمقراطية وكبار رجال الدولة وكان المجلس يضم بعض ضباط القوات المسلحة والأمن. وفي الجلسة الافتتاحية ترأس الجلسة الأولي أكبر الأعضاء سناً وهو السيد العلامة العظيم عبد القادر بن عبدالله، وكان أكبر الموجودين سناً وفضلاً وعلماً لإدارة الجلسة كما هي العادة، وفتح باب الترشيح لرئاسة المجلس وقد ترشحت لرئاسة المجلس وترشح غيري، ولم أعد أتذكر كم كان عدد المرشحين، وقرأ رئيس الجلسة أسماء المرشحين وتم التصويت، حيث صوتوا بالإجماع علي انتخابي رئيساً للمجلس وبعدها تم انتخاب النواب ـ أعتقد كان الأستاذ محمد الخادم الوجيه وربما شخص آخر ـ وأمين عام للمجلس ـ محمد سعيد قباطي ووضعنا لنا لائحة داخلية لنظام عمل المجلس، وقد بعث إلينا الأستاذ أحمد محمد نعمان رسالة تهنئة بالمناسبة يشرح فيها سعادته بذلك وأن تكوين المجلس هو استجابة لمطالب الأحرار ورجالات اليمن.
وقبل تعيين المجلس الوطني كان هناك دستور مؤقت وهو دستور مؤتمر خمر كان معمولاً به وتكوين المجلس و إجراءاته تمت طبقاً للدستور والقوانين التي كانت سائدة.
وقد قام المجلس الوطني بمسؤولية كبيرة ودور عظيم، لأن الشعور بالمسؤولية كان موجوداً في ذلك الوقت عند جميع رجال الدولة، وحتي عند الموظف العادي وأفراد الشعب، كانت هناك نزاهة وصدق وكانت أي مؤسسة أو شخص يكلف بمسؤولية معينة كان يؤديها بأمانة وصدق وبحماس وإيجابية ونزاهة، وكان للقاضي الإرياني رحمه الله والقيادة دور في ذلك حيث كان حريصاً علي المجلس وقراراته، وأهم منجزات المجلس هو إعداد الدستور الدائم الذي استمدت مواده من الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة وهو مفخرة للمجلس الوطني ومفخرة لليمن، وقد أعدته شخصيات يمنية من العلماء والقانونيين وتلقينا الرسائل والملاحظات الكثيرة منهم علي ذلك، حتي المفكر والأديب أحمد محمد الشامي بعث إلينا برسالة حول الدستور وما ينبغي أن يكون عليه واستعنا بالقاضي عبد الرزاق السنهوري لإبداء بعض الملاحظات الفنية فقط وقد أبدي السنهوري إعجاباً كبيراً بالجهد الذي بذله اليمنيون لإعداد ذلك الدستور.
كما قام المجلس بسن قوانين كثيرة ـ بعضها كانت تأتي المجلس كمشاريع من الحكومة والأخري كان أعضاء المجلس يتولون صياغتها و إعدادها، وقد ظلت هذه القوانين هي المعمول بها لفترة طويلة.
كما كان من أعمال ا
لمجلس أيضاً الرقابة علي أعمال الحكومة، فبالرغم من أن المجلس كان معيناً إلا أنه كان يؤدي دو
ره كمجلس منتخب وكانت الحكومة متجاوبة وخاضعة للرقابة بشكل كامل وأفضل مما بعد بكثير جداً جداً، لقد كان هناك شعور بالتكامل بين أجهزة الدولة المختلفة بدءًا بالمجلس الجمهوري ومجلس الوزراء والمجلس الوطني حتي المؤسسة العسكرية كان الجميع شركاء في كل المهام وكان همّ الجميع هو حماية الثورة ودعمها وترسيخ الأمن والاستقرار في البلاد.
وفعلاً كان هناك أمن واستقرار في المناطق الخاضعة للدولة لم يوجد له نظير. كانت أحكام الشريعة الإسلامية تنفذ في كل الجرائم، قطع يد السارق وجلد السكران والزاني كان يتم علناً في الميادين وتذاع هذه الأحكام، أما أحكام القصاص الشرعي فقد كانت تنفذ دون تأخير، وكان يلقي القبض علي القاتل في أسرع وقت ممكن ويسجن ويطبق عليه الحكم الشرعي، وكان يقبض علي المرتكب للجرائم الأخري في الوقت الذي كانت المجالات مفتوحة للهروب وكان المواطنون يؤدون زكاة أموالهم بكل صدق وأمانة من تلقاء أنفسهم، لكن لأن الشعور بالمسؤولية لدي العسكري والضابط والشيخ والمواطن فقد كان يلقي القبض علي المجرمين فوراً، وبرغم أن السرقة كانت قليلة جداً لكن نفذت أحكام الحدود في عدد كبير في تلك السنوات. ولم توجد أحداث التقطعات لا في المناطق الجمهورية ولا الملكية.
أدي المجلس دوره بحماس وإيجابية، وعندما تم إضافة عدد كبير من الشخصيات الملكية بعد المصالحة الوطنية عمت الفرحة والسرور والغبطة أعضاء المجلس واستقبلوهم بصدور مفتوحة ومشاعر فياضة، و بهم اكتملت لحمة الشعب وترسخت وحدته، ووجودهم كان يعتبر تكملة لترسيخ وجود الدولة وبسط نفوذها، وكان الأشخاص الذين دخلوا للمجلس من مشائخ القبائل التي كانت غير خاضعة للجمهورية علي مستوي عالٍ من المسؤولية لا يقلون عن الموجودين في المجلس منذ بداية تشكيلة.
المصالحة واعتراف السعودية بالجمهورية
بعد خروج المصريين من اليمن وفشل الملكيين في إسقاط صنعاء وهزائمهم المتوالية في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها وآخرها حجة وصعدة، يئس السعوديون من إمكانية عودة الملكية، فتفاهموا مع مجموعة من المعارضين ـ وهم شخصيات جمهورية وبعض الملكيين ـ علي مشروع حل للخروج من الأزمة يتم التفاهم بشأنه مع حكومة صنعاء، وجاء بهذا المشروع الأستاذ محمد أحمد نعمان (الابن) إلي صنعاء في الأشهر الأخيرة من سنة 69م. وعلي أساس أن تكون أول خطوة للخروج من الأزمة أن يلتقي وفد ملكي وآخر جمهوري في أثينا، وعرض النعمان (الابن) هذا المشروع علي القيادة السياسية وعلي رأسهم القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي قال للأستاذ محمد أحمد نعمان وكنت معه: اذهبوا واجتمعوا مع الضباط والشباب واعرضوا عليهم المشروع.
و اجتمعنا في نادي الضباط القديم الذي بجانب دار السعادة ـ التوجيه المعنوي حالياً ـ وعندما عرض الأستاذ محمد نعمان المشروع غضب بعض الضباط وهجم حسين الدفعي وزيد دماج علي الأستاذ محمد أحمد النعمان ومعه عبدالكريم الكتف وعلي العاضي، فعملت علي فك الاشتباك وإخراج الأستاذ من الاجتماع وإنقاذ النعمان من هؤلاء، وعاد النعمان خائباً وسافر إلي بيروت التي كان قد استقر فيها عدد من الملكيين والجمهوريين المعارضين ومنهم والده الأستاذ أحمد محمد نعمان. بعدها بحوالي شهرين تقريباً تلقيت دعوة رسمية لزيارة العراق بعد ثورة البعث فيها، فتوجهت علي رأس وفد كبير من أعضاء المجلس الوطني ولم تكن الرحلات الجوية آنذاك مباشرة إلي بغداد حيث توجهت إلي القاهرة ومن القاهرة إلي بيروت التي مكثنا فيها حوالي ثلاثة أيام إذ كان موعد الوصول إلي بغداد لا يزال متأخرا بعض الوقت وفي بيروت التف حولي الإخوة الملكيون والجمهوريون الذين كانوا متواجدين هناك وعلي رأسهم الأستاذ أحمد محمد نعمان ومن الملكيين أحمد محمد الشامي ويحيي المضواحي وأحمد الباشا والإخوان من بيت الوزير.
قالوا لي: أنت الذي تستطيع أن تتبني مشروع الحل فلا أحد سوف يزايد عليك ولا يستطيع أحد أن يهددك والمسؤولون في المملكة مهيأون للقبول بالحل وجمعوني بالعقيد علي الشاعر الذي كان ملحقاً عسكرياً للمملكة في بيروت. اجتمعنا به واتصل بالأمير سلطان وكلمه بالموضوع، فوافق الأمير سلطان علي أي حل تقترحه هذه المجموعة لأنه كان متفاهمًا معهم، وهؤلاء قد أصبحوا لا ملكيين ولا جمهوريين ـ فلا الملكي متشدد ولا الجمهوري متشدد فهو موافق علي كل الحلول.
سافرت العراق ثم رجعت عن طريق بيروت ولم أعد إليهم إلا وقد وصلتهم التعليمات من الأمير سلطان بالموافقة علي لقاء يتم بعد شهر ونصف بين وفد من الجمهوريين ووفد من الملكيين في حرض أو جيزان أو أي مدينه حدودية يمنية أو سعودية علي أن تتوقف الحرب التي لم تعد آنذاك إلا في حجة وصعدة فقط وإنهم سوف يصدرون تعليماتهم للملكيين بوقف الحرب وعدم الهجوم أو احتلال أي منطقة أو شبر واحد علي أن نلتزم نحن بمثل ذلك، وقد التزمت أنا بهذا والتزموا به وحددنا موعداً بعد شهر ونصف للقاء وفد من الملكيين وال
جمهوريين للاتفاق علي المصالحة.
وغادرت بيروت أحمل هذا الحل، ودخلت القاهرة ومعي أعضاء الو
وفعلاً كان هناك أمن واستقرار في المناطق الخاضعة للدولة لم يوجد له نظير. كانت أحكام الشريعة الإسلامية تنفذ في كل الجرائم، قطع يد السارق وجلد السكران والزاني كان يتم علناً في الميادين وتذاع هذه الأحكام، أما أحكام القصاص الشرعي فقد كانت تنفذ دون تأخير، وكان يلقي القبض علي القاتل في أسرع وقت ممكن ويسجن ويطبق عليه الحكم الشرعي، وكان يقبض علي المرتكب للجرائم الأخري في الوقت الذي كانت المجالات مفتوحة للهروب وكان المواطنون يؤدون زكاة أموالهم بكل صدق وأمانة من تلقاء أنفسهم، لكن لأن الشعور بالمسؤولية لدي العسكري والضابط والشيخ والمواطن فقد كان يلقي القبض علي المجرمين فوراً، وبرغم أن السرقة كانت قليلة جداً لكن نفذت أحكام الحدود في عدد كبير في تلك السنوات. ولم توجد أحداث التقطعات لا في المناطق الجمهورية ولا الملكية.
أدي المجلس دوره بحماس وإيجابية، وعندما تم إضافة عدد كبير من الشخصيات الملكية بعد المصالحة الوطنية عمت الفرحة والسرور والغبطة أعضاء المجلس واستقبلوهم بصدور مفتوحة ومشاعر فياضة، و بهم اكتملت لحمة الشعب وترسخت وحدته، ووجودهم كان يعتبر تكملة لترسيخ وجود الدولة وبسط نفوذها، وكان الأشخاص الذين دخلوا للمجلس من مشائخ القبائل التي كانت غير خاضعة للجمهورية علي مستوي عالٍ من المسؤولية لا يقلون عن الموجودين في المجلس منذ بداية تشكيلة.
المصالحة واعتراف السعودية بالجمهورية
بعد خروج المصريين من اليمن وفشل الملكيين في إسقاط صنعاء وهزائمهم المتوالية في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها وآخرها حجة وصعدة، يئس السعوديون من إمكانية عودة الملكية، فتفاهموا مع مجموعة من المعارضين ـ وهم شخصيات جمهورية وبعض الملكيين ـ علي مشروع حل للخروج من الأزمة يتم التفاهم بشأنه مع حكومة صنعاء، وجاء بهذا المشروع الأستاذ محمد أحمد نعمان (الابن) إلي صنعاء في الأشهر الأخيرة من سنة 69م. وعلي أساس أن تكون أول خطوة للخروج من الأزمة أن يلتقي وفد ملكي وآخر جمهوري في أثينا، وعرض النعمان (الابن) هذا المشروع علي القيادة السياسية وعلي رأسهم القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي قال للأستاذ محمد أحمد نعمان وكنت معه: اذهبوا واجتمعوا مع الضباط والشباب واعرضوا عليهم المشروع.
و اجتمعنا في نادي الضباط القديم الذي بجانب دار السعادة ـ التوجيه المعنوي حالياً ـ وعندما عرض الأستاذ محمد نعمان المشروع غضب بعض الضباط وهجم حسين الدفعي وزيد دماج علي الأستاذ محمد أحمد النعمان ومعه عبدالكريم الكتف وعلي العاضي، فعملت علي فك الاشتباك وإخراج الأستاذ من الاجتماع وإنقاذ النعمان من هؤلاء، وعاد النعمان خائباً وسافر إلي بيروت التي كان قد استقر فيها عدد من الملكيين والجمهوريين المعارضين ومنهم والده الأستاذ أحمد محمد نعمان. بعدها بحوالي شهرين تقريباً تلقيت دعوة رسمية لزيارة العراق بعد ثورة البعث فيها، فتوجهت علي رأس وفد كبير من أعضاء المجلس الوطني ولم تكن الرحلات الجوية آنذاك مباشرة إلي بغداد حيث توجهت إلي القاهرة ومن القاهرة إلي بيروت التي مكثنا فيها حوالي ثلاثة أيام إذ كان موعد الوصول إلي بغداد لا يزال متأخرا بعض الوقت وفي بيروت التف حولي الإخوة الملكيون والجمهوريون الذين كانوا متواجدين هناك وعلي رأسهم الأستاذ أحمد محمد نعمان ومن الملكيين أحمد محمد الشامي ويحيي المضواحي وأحمد الباشا والإخوان من بيت الوزير.
قالوا لي: أنت الذي تستطيع أن تتبني مشروع الحل فلا أحد سوف يزايد عليك ولا يستطيع أحد أن يهددك والمسؤولون في المملكة مهيأون للقبول بالحل وجمعوني بالعقيد علي الشاعر الذي كان ملحقاً عسكرياً للمملكة في بيروت. اجتمعنا به واتصل بالأمير سلطان وكلمه بالموضوع، فوافق الأمير سلطان علي أي حل تقترحه هذه المجموعة لأنه كان متفاهمًا معهم، وهؤلاء قد أصبحوا لا ملكيين ولا جمهوريين ـ فلا الملكي متشدد ولا الجمهوري متشدد فهو موافق علي كل الحلول.
سافرت العراق ثم رجعت عن طريق بيروت ولم أعد إليهم إلا وقد وصلتهم التعليمات من الأمير سلطان بالموافقة علي لقاء يتم بعد شهر ونصف بين وفد من الجمهوريين ووفد من الملكيين في حرض أو جيزان أو أي مدينه حدودية يمنية أو سعودية علي أن تتوقف الحرب التي لم تعد آنذاك إلا في حجة وصعدة فقط وإنهم سوف يصدرون تعليماتهم للملكيين بوقف الحرب وعدم الهجوم أو احتلال أي منطقة أو شبر واحد علي أن نلتزم نحن بمثل ذلك، وقد التزمت أنا بهذا والتزموا به وحددنا موعداً بعد شهر ونصف للقاء وفد من الملكيين وال
جمهوريين للاتفاق علي المصالحة.
وغادرت بيروت أحمل هذا الحل، ودخلت القاهرة ومعي أعضاء الو
فد في أواخر شهر كانون الاول (ديسمبر) 1969م قبل عيد الأضحي بيومين أو ثلاثة نقضيها في القاهرة ونعود إلي اليمن بعد العيد لكننا لم نصل القاهرة إلا والبرقيات من القاضي الإرياني عبر سفارتنا في القاهرة ـ تجاهنا ـ عجّل بالوصول فغادرت القاهرة يوم 9 ذي الحجة، بطائرة مصرية ـ ولم أصل إلي مطار صنعاء إلا والقاضي عبد السلام صبرة نائب رئيس الوزراء ينتظرني عند سلم الطائرة، وقابلني بوجه مكفهر جداً، سألته: مالك ؟ هل هناك شيء؟ قال: صعدة سقطت.
لقد سافرت العراق والفريق العمري سافر مصر لزيارة عائلته في القاهرة وقضاء إجازة العيد معهم ونحن مطمئنون فالوضع كان مستتباً في صعدة بعد أن استلم الجيش المواقع التي كانت بقيادة مجاهد والجيش الشعبي من حاشد ولا أدري كيف فكر بعض الضباط وسحبوا القوات المسلحة بالرغم من أنه لم يكن هناك حرب سوي مناوشات بسيطة تعود عليها الجيش يومياً، لقد غادروا مواقعهم وتركوا حتـي بعض الدبابات التـي لـم يحـافظ عليهـا إلا الحـاج محمد صـوفان الذي كـان المسؤول المالـي للجيش في تلك المناطق، وكذلك ناصر طواف، والمجموعة القليلة التي كانت معه من حاشد.
وبعد انسحاب الجيش بيومين لم يكن الملكيون يتوقعون أي رد فعل أو هجوم فأنا بالعراق والعمري في مصر وقد سجل ذلك محمد الذهباني في قصيدته الشعبية المشهورة:
سقطت صعدة علي العمداء
بعدما سالت دماء الشهداء
والشيوخ والجيش والعقداء
بالألوف لا إله إلا الله
وقد شرح فيها الأمر إلي أن قال:
الفريق ســار يـزور مرتــه وابن الأحمر العــراق دعتـــه
سقطــت صعدة لا إلـه إلا اللـه
اتجهت مع القاضي عبد السلام صبرة فوراًً لمقابلة القاضي عبد الرحمن الإرياني وجاء الفريق العمري، وشرحت لهم ما تم في بيروت وأننا قد اتفقنا علي وقف الحرب وان لا يحتلوا أي منطقة أو حتي شبر واحد ونحن كذلك فقالوا الآن صعدة سقطت ! قلت وأين الجيش؟ قالوا: الجيش في بلاد سفيان وقد خرج من صنعاء من الضباط و المشائخ من يوقفهم هناك في الحرف والجبل الأسود والمدّرج.
قالت لهم: عليكم أن تحاولوا تنظيم الجيش وبقاءه في الحرف والمواقع التي هو فيها فنحن قد اتفقنا علي إيقاف الحرب ومحاولة استعادة صعدة معناها أن نخسر ما اتفقنا عليه وقد لا نستطيع استرجاعها بسهولة. قال القاضي الإرياني: لن نحاول استرجاعها أبداً واخرج ثبت القوم في أماكنهم.
بتُّ تلك الليلة في صنعاء وصليت العيد وخرجت مباشرة إلي خمر وصلت خمر. فهدأت الناس، ونزلت الحرف لتثبيت المواقع وطمأنتهم أنه ليس هناك عودة للحرب وعليهم أن يثبتوا في أماكنهم وتبين أنه عند سقوط صعدة لم تكن التعليمات قد وصلت للملكيين من السعودية، علي أساس أن وقف الحرب لا يتم إلا بعد أن أرجع اليمن حسب ما اتفقنا عليه، وبعد رجوعي إلي اليمن جاءتهم التعليمات ولم يعد هناك أي هجوم علي أي منطقة سواء من جانبنا أو جانبهم في صعدة أو غيرها.
وبينما نحن نفكر بوضع مشروع المصالحة والمدينة التي سنلتقي فيها إذا بالأقدار تتهيأ من أرحم الراحمين وذلك بإعلان منظمة المؤتمر الإسلامي بعقد مؤتمر لوزراء خارجية الدول الإسلامية في جدة في 26/3/1970، قلنا جاءت منك يا الله، اللقاء إذن هناك. توجه وفد رسمي برئاسة رئيس مجلس الـوزراء ووزير الخارجية محسن العينـي وأنا رئيس المجلس الوطنـي عضو في الوفد، فمن أجل اليمن ليست هناك حساسيات وقد بعث إلينا القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري رسالة يكلفنا فيها بالمشاركة في الوفد، ووصلنا إلي جدة ونحن دولة غير معترف بها وليس معنا سفارة في المملكة فلا تزال سفارة الملكية في جدة هي المعتمدة. وما وصلنا إلي المطار إلا وهم في استقبالنا مثل غيرنا من الوفود وأعلامنا فوق السيارة التي ستقلنا إلي قصر الضيافة الذي نزلت فيه جميع الوفود، ووصلنا قصر الضيافة وعلم الجمهورية العربية اليمنية مرفوع هناك، مثل غيره من الدول الإسلامية، وعندما أنهي المؤتمر جلساته، التقينا بالأمير سلطان ووزير الخارجية ومسؤولين آخرين. أما الملك فأظن أننا لم نقابله، واتفقنا علي الاعتراف بالجمهورية ولم تعد هناك مقاطعة، وعلي أن نعمل لهم ما يحفظ ماء الوجه وهو قبول عدد من العناصر البارزة من الجانب الملكي في أجهزة ومؤسسات الدولة الجمهورية بدءا من المجلس الجمهوري وما دونه من المؤسسات في الدولة. وتم تحديد الأعضاء المطلوب قبولهم في مؤسسات الدولة مثل: أحمد محمد الشامي عضواً في المجلس الجمهوري ومجموعة وزراء في الحكومة ومجموعه أعضاء من المشائخ في المجلس الوطني واثنين أو ثلاثة محافظين ومثلهم سفراء، اتفقنا علي هذا وحددنا الموعد ثلاثة أو أربعة أشهر، وعملنا بيننا وبينهم شفرة للتواصل و أعطانا الأمير سلطان جهازاً لاسلكياً للتواصل استلمه محسن العيني.
وعدنا لليمن بهذه النتيجة الطيبة التي تمت تحت قبة المؤتمر الإسلامي والتي أخرجت البلد مما كانت فيه من المأساة، وتكفل الأستاذ محسن العيني بالتوضيح
للشباب المتحمسين وإقناعهم والفريق العمري تكفل بإقناع الضباط وأنا بإقناع العلماء والمشائ
لقد سافرت العراق والفريق العمري سافر مصر لزيارة عائلته في القاهرة وقضاء إجازة العيد معهم ونحن مطمئنون فالوضع كان مستتباً في صعدة بعد أن استلم الجيش المواقع التي كانت بقيادة مجاهد والجيش الشعبي من حاشد ولا أدري كيف فكر بعض الضباط وسحبوا القوات المسلحة بالرغم من أنه لم يكن هناك حرب سوي مناوشات بسيطة تعود عليها الجيش يومياً، لقد غادروا مواقعهم وتركوا حتـي بعض الدبابات التـي لـم يحـافظ عليهـا إلا الحـاج محمد صـوفان الذي كـان المسؤول المالـي للجيش في تلك المناطق، وكذلك ناصر طواف، والمجموعة القليلة التي كانت معه من حاشد.
وبعد انسحاب الجيش بيومين لم يكن الملكيون يتوقعون أي رد فعل أو هجوم فأنا بالعراق والعمري في مصر وقد سجل ذلك محمد الذهباني في قصيدته الشعبية المشهورة:
سقطت صعدة علي العمداء
بعدما سالت دماء الشهداء
والشيوخ والجيش والعقداء
بالألوف لا إله إلا الله
وقد شرح فيها الأمر إلي أن قال:
الفريق ســار يـزور مرتــه وابن الأحمر العــراق دعتـــه
سقطــت صعدة لا إلـه إلا اللـه
اتجهت مع القاضي عبد السلام صبرة فوراًً لمقابلة القاضي عبد الرحمن الإرياني وجاء الفريق العمري، وشرحت لهم ما تم في بيروت وأننا قد اتفقنا علي وقف الحرب وان لا يحتلوا أي منطقة أو حتي شبر واحد ونحن كذلك فقالوا الآن صعدة سقطت ! قلت وأين الجيش؟ قالوا: الجيش في بلاد سفيان وقد خرج من صنعاء من الضباط و المشائخ من يوقفهم هناك في الحرف والجبل الأسود والمدّرج.
قالت لهم: عليكم أن تحاولوا تنظيم الجيش وبقاءه في الحرف والمواقع التي هو فيها فنحن قد اتفقنا علي إيقاف الحرب ومحاولة استعادة صعدة معناها أن نخسر ما اتفقنا عليه وقد لا نستطيع استرجاعها بسهولة. قال القاضي الإرياني: لن نحاول استرجاعها أبداً واخرج ثبت القوم في أماكنهم.
بتُّ تلك الليلة في صنعاء وصليت العيد وخرجت مباشرة إلي خمر وصلت خمر. فهدأت الناس، ونزلت الحرف لتثبيت المواقع وطمأنتهم أنه ليس هناك عودة للحرب وعليهم أن يثبتوا في أماكنهم وتبين أنه عند سقوط صعدة لم تكن التعليمات قد وصلت للملكيين من السعودية، علي أساس أن وقف الحرب لا يتم إلا بعد أن أرجع اليمن حسب ما اتفقنا عليه، وبعد رجوعي إلي اليمن جاءتهم التعليمات ولم يعد هناك أي هجوم علي أي منطقة سواء من جانبنا أو جانبهم في صعدة أو غيرها.
وبينما نحن نفكر بوضع مشروع المصالحة والمدينة التي سنلتقي فيها إذا بالأقدار تتهيأ من أرحم الراحمين وذلك بإعلان منظمة المؤتمر الإسلامي بعقد مؤتمر لوزراء خارجية الدول الإسلامية في جدة في 26/3/1970، قلنا جاءت منك يا الله، اللقاء إذن هناك. توجه وفد رسمي برئاسة رئيس مجلس الـوزراء ووزير الخارجية محسن العينـي وأنا رئيس المجلس الوطنـي عضو في الوفد، فمن أجل اليمن ليست هناك حساسيات وقد بعث إلينا القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري رسالة يكلفنا فيها بالمشاركة في الوفد، ووصلنا إلي جدة ونحن دولة غير معترف بها وليس معنا سفارة في المملكة فلا تزال سفارة الملكية في جدة هي المعتمدة. وما وصلنا إلي المطار إلا وهم في استقبالنا مثل غيرنا من الوفود وأعلامنا فوق السيارة التي ستقلنا إلي قصر الضيافة الذي نزلت فيه جميع الوفود، ووصلنا قصر الضيافة وعلم الجمهورية العربية اليمنية مرفوع هناك، مثل غيره من الدول الإسلامية، وعندما أنهي المؤتمر جلساته، التقينا بالأمير سلطان ووزير الخارجية ومسؤولين آخرين. أما الملك فأظن أننا لم نقابله، واتفقنا علي الاعتراف بالجمهورية ولم تعد هناك مقاطعة، وعلي أن نعمل لهم ما يحفظ ماء الوجه وهو قبول عدد من العناصر البارزة من الجانب الملكي في أجهزة ومؤسسات الدولة الجمهورية بدءا من المجلس الجمهوري وما دونه من المؤسسات في الدولة. وتم تحديد الأعضاء المطلوب قبولهم في مؤسسات الدولة مثل: أحمد محمد الشامي عضواً في المجلس الجمهوري ومجموعة وزراء في الحكومة ومجموعه أعضاء من المشائخ في المجلس الوطني واثنين أو ثلاثة محافظين ومثلهم سفراء، اتفقنا علي هذا وحددنا الموعد ثلاثة أو أربعة أشهر، وعملنا بيننا وبينهم شفرة للتواصل و أعطانا الأمير سلطان جهازاً لاسلكياً للتواصل استلمه محسن العيني.
وعدنا لليمن بهذه النتيجة الطيبة التي تمت تحت قبة المؤتمر الإسلامي والتي أخرجت البلد مما كانت فيه من المأساة، وتكفل الأستاذ محسن العيني بالتوضيح
للشباب المتحمسين وإقناعهم والفريق العمري تكفل بإقناع الضباط وأنا بإقناع العلماء والمشائ
#النعمان غاندي اليمن
١٣ سنه في #السعودية
يعد الأستاذ أحمد بن محمد النعمان رائدا وقائدا بارزا في الحركة الوطنية اليمنية، ومناضلا صلبا جسورا طيلة حياته السياسية، التي ابتدأت عام 1935م ولم تنته إلا حينما خانه الرمق الأخير في منفاه الاختياري جنيف عام 1996م.
قارع النعمان الطغيان والاستبداد في العهد الإمامي، وانتقد غياب الديمقراطية والحرية في ظل الثورة، وما وهن له عزم أو تضعضع له كاهل.
هو الصانع الأول لحركة الأحرار اليمنيين، وأبو الدستور، والليبرالي المعتق الذي أسس تقاليد معارضة سياسية تدعو إلى مواطنة تربط الحقوق بالواجبات، كما تدعو إلى الحوار والتسامح ونبذ العنف، حتى عرف بـ«غاندي اليمن». وكان الشارع اليمني - ولا يزال - إذا سمع كلمة «الأستاذ» عرف أن المعني بها أحمد النعمان، الأستاذ في ثقافته ونبله ونضاله ومشوار السياسي الطويل، الذي شهده وزيرا لأكثر من وزارة، ورئيسا لأكثر من حكومة، ورئيسا لأول مجلس شورى، وعضوا في المجلس الجمهوري.
هذا المناضل الكبير عاش فترات طويلة من حياته ما بين السجون والمنافي، وفي سنوات التيه والشتات بكى بؤس وطنه وشعبه، مستلهما العون لهما كواجب وضرورة لوضعهما في المكانة التاريخية التي يستحقانها. وقد كانت السعودية، وبالتحديد مدينة جدة، واحدة من محطات ترحاله الطويل، إذ قضى فيها ثلاثة عشر عاما، منحها من وقاره وحكمته، ومنحته استراحة المحاربين القدماء بعد سنوات من الإنهاك والتعب.
إلى مدينة جدة
ولأنه من الصعب الإحاطة بمحطات سيرة النعمان وأدواره في التاريخ السياسي لليمن المعاصر في صفحات معدودات، فإن هذا التحقيق يتناول حياته في السعودية وعلاقاته معها، قيادة ومثقفين، فكيف ومتى قرر النعمان أن يتخذ من السعودية محطة من محطات التيه والشتات؟
كان النعمان قد اتخذ من بيروت منفى اختياريا له بعد أن استقال من رئاسة الحكومة التي شكلها عام 1971م، وقد عاش في بيروت هانئ البال، مستمتعا بهواء الحرية الذي كان يستنشقه فيها، ومنهمكا في حواراته الطويلة مع مثقفيها ومفكريها. غير أنه فجع ذات يوم من أيام 1974م ورزء باستشهاد أكبر أنجاله ومعقد آماله وشريك نضاله السياسي، ابنه محمد، الذي كان وزيرا للخارجية ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد قرر أن يتخذ من بيروت مقرا مؤقتا بجوار والده، ليستريح قليلا قبل معاودته عمله السياسي والنضالي، غير أن رصاصات الغدر والخيانة طالته ونالت منه الروح فاغتالتها، فتحامل الأب على نفسه وعاد إلى صنعاء لمواراة ابنه الثرى، وبعد أيام عاد إلى بيروت ليأخذ أحفاده وينتقل بهم إلى مكان آخر، بعد أن أضحت بيروت غابة يسرح فيها ويمرح المجرمون على اختلاف مللهم ونحلهم. ولمعرفة مدى تسامي وتسامح هذا المجاهد الكبير، أشير إلى ما تم بينه وبين الرئيس سليمان فرنجية، حينما وصل إلى بيروت والتقاه الرئيس معزيا في وفاة ابنه، فقال النعمان للرئيس فرنجية: «العزاء، يا فخامة الرئيس، يجب أن يقدم إلى لبنان، حكومة وشعبا، لأنني إذا كنت قد فقدت ولدي، فإن لبنان قد فقد أمنه واستقراره، وما جئت لكي أستعيد ولدي، بل جئت راجيا منكم استعادة أمن لبنان!».
في مطار جدة، حطت الطائرة بالأستاذ أحمد النعمان وأحفاده المكلومين، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته وفي علاقاته مع السعودية، ورغم أنه أمضى عقدا وأكثر في مدينة جدة وشكل خلالها علاقات فريدة ومتميزة مع عدد من أعيانها ووجهائها ومثقفيها، فإن علاقته مع المثقفين السعوديين تعود إلى عقود، أقدم وأرسخ، وبالتحديد في عام 1937م حينما حل في القاهرة طالبا في جامعها الأزهر الشريف، لتبدأ فصول علاقة طويلة جدا ووثيقة مع الشيخ عبد الله القصيمي، الذي كان قد طرد من الأزهر حينما حل النعمان في رحابه! ذلك أن القصيمي حينما التحق في الأزهر طالبا في عام 1927م، كان الأزهر وقتها يواجه هجوما من عدد من المثقفين المصريين، وقد انضم القصيمي إليهم، حينما اتخذ موقفا في الخلاف الذي نشب حول الوهابية، ذلك أن العالم الأزهري الشيخ يوسف الدجوي كتب عدة مقالات يدافع فيها عن شعائر تكريم الأولياء، ضمنها حججه تجاه الآراء الوهابية، منها مقالته الشهيرة «التوسل وجهالة الوهابيين»، فأصدر القصيمي أول كتاب له وهو «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية» نقض فيه حجج الشيخ الدجوي من خلال استعراض مقولات علماء الحنابلة كابن قدامة والشوكاني وغيرهما. فكان لهذا الكتاب رد فعل عنيف لدى علماء الأزهر، الذين قرروا فصل القصيمي منه.
مع عبد الله القصيمي
إن هذه المعركة التي خاضها القصيمي مع علماء الأزهر أكسبته شعبية واسعة، وأصبح محط أنظار الطلبة العرب الذين يفدون إلى مصر للدراسة، خاصة الطلبة اليمنيين، فما إن حط الطالب اليمني أحمد النعمان في الأزهر الشريف طالبا حتى تعرف إلى القصيمي عن طريق المجاهد الفلسطيني أبي الحسن، محمد علي الطاهر، ومجموعة من الطلبة اليمنيين، من أمثال: محمد علي الجفري، ومحمد محمود الزبيري، والشيخ محمد سالم الديحاني، وعبد الله بن علي الزبيري، الذين سبقوا النعمان إلى ال
١٣ سنه في #السعودية
يعد الأستاذ أحمد بن محمد النعمان رائدا وقائدا بارزا في الحركة الوطنية اليمنية، ومناضلا صلبا جسورا طيلة حياته السياسية، التي ابتدأت عام 1935م ولم تنته إلا حينما خانه الرمق الأخير في منفاه الاختياري جنيف عام 1996م.
قارع النعمان الطغيان والاستبداد في العهد الإمامي، وانتقد غياب الديمقراطية والحرية في ظل الثورة، وما وهن له عزم أو تضعضع له كاهل.
هو الصانع الأول لحركة الأحرار اليمنيين، وأبو الدستور، والليبرالي المعتق الذي أسس تقاليد معارضة سياسية تدعو إلى مواطنة تربط الحقوق بالواجبات، كما تدعو إلى الحوار والتسامح ونبذ العنف، حتى عرف بـ«غاندي اليمن». وكان الشارع اليمني - ولا يزال - إذا سمع كلمة «الأستاذ» عرف أن المعني بها أحمد النعمان، الأستاذ في ثقافته ونبله ونضاله ومشوار السياسي الطويل، الذي شهده وزيرا لأكثر من وزارة، ورئيسا لأكثر من حكومة، ورئيسا لأول مجلس شورى، وعضوا في المجلس الجمهوري.
هذا المناضل الكبير عاش فترات طويلة من حياته ما بين السجون والمنافي، وفي سنوات التيه والشتات بكى بؤس وطنه وشعبه، مستلهما العون لهما كواجب وضرورة لوضعهما في المكانة التاريخية التي يستحقانها. وقد كانت السعودية، وبالتحديد مدينة جدة، واحدة من محطات ترحاله الطويل، إذ قضى فيها ثلاثة عشر عاما، منحها من وقاره وحكمته، ومنحته استراحة المحاربين القدماء بعد سنوات من الإنهاك والتعب.
إلى مدينة جدة
ولأنه من الصعب الإحاطة بمحطات سيرة النعمان وأدواره في التاريخ السياسي لليمن المعاصر في صفحات معدودات، فإن هذا التحقيق يتناول حياته في السعودية وعلاقاته معها، قيادة ومثقفين، فكيف ومتى قرر النعمان أن يتخذ من السعودية محطة من محطات التيه والشتات؟
كان النعمان قد اتخذ من بيروت منفى اختياريا له بعد أن استقال من رئاسة الحكومة التي شكلها عام 1971م، وقد عاش في بيروت هانئ البال، مستمتعا بهواء الحرية الذي كان يستنشقه فيها، ومنهمكا في حواراته الطويلة مع مثقفيها ومفكريها. غير أنه فجع ذات يوم من أيام 1974م ورزء باستشهاد أكبر أنجاله ومعقد آماله وشريك نضاله السياسي، ابنه محمد، الذي كان وزيرا للخارجية ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، وقد قرر أن يتخذ من بيروت مقرا مؤقتا بجوار والده، ليستريح قليلا قبل معاودته عمله السياسي والنضالي، غير أن رصاصات الغدر والخيانة طالته ونالت منه الروح فاغتالتها، فتحامل الأب على نفسه وعاد إلى صنعاء لمواراة ابنه الثرى، وبعد أيام عاد إلى بيروت ليأخذ أحفاده وينتقل بهم إلى مكان آخر، بعد أن أضحت بيروت غابة يسرح فيها ويمرح المجرمون على اختلاف مللهم ونحلهم. ولمعرفة مدى تسامي وتسامح هذا المجاهد الكبير، أشير إلى ما تم بينه وبين الرئيس سليمان فرنجية، حينما وصل إلى بيروت والتقاه الرئيس معزيا في وفاة ابنه، فقال النعمان للرئيس فرنجية: «العزاء، يا فخامة الرئيس، يجب أن يقدم إلى لبنان، حكومة وشعبا، لأنني إذا كنت قد فقدت ولدي، فإن لبنان قد فقد أمنه واستقراره، وما جئت لكي أستعيد ولدي، بل جئت راجيا منكم استعادة أمن لبنان!».
في مطار جدة، حطت الطائرة بالأستاذ أحمد النعمان وأحفاده المكلومين، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته وفي علاقاته مع السعودية، ورغم أنه أمضى عقدا وأكثر في مدينة جدة وشكل خلالها علاقات فريدة ومتميزة مع عدد من أعيانها ووجهائها ومثقفيها، فإن علاقته مع المثقفين السعوديين تعود إلى عقود، أقدم وأرسخ، وبالتحديد في عام 1937م حينما حل في القاهرة طالبا في جامعها الأزهر الشريف، لتبدأ فصول علاقة طويلة جدا ووثيقة مع الشيخ عبد الله القصيمي، الذي كان قد طرد من الأزهر حينما حل النعمان في رحابه! ذلك أن القصيمي حينما التحق في الأزهر طالبا في عام 1927م، كان الأزهر وقتها يواجه هجوما من عدد من المثقفين المصريين، وقد انضم القصيمي إليهم، حينما اتخذ موقفا في الخلاف الذي نشب حول الوهابية، ذلك أن العالم الأزهري الشيخ يوسف الدجوي كتب عدة مقالات يدافع فيها عن شعائر تكريم الأولياء، ضمنها حججه تجاه الآراء الوهابية، منها مقالته الشهيرة «التوسل وجهالة الوهابيين»، فأصدر القصيمي أول كتاب له وهو «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية» نقض فيه حجج الشيخ الدجوي من خلال استعراض مقولات علماء الحنابلة كابن قدامة والشوكاني وغيرهما. فكان لهذا الكتاب رد فعل عنيف لدى علماء الأزهر، الذين قرروا فصل القصيمي منه.
مع عبد الله القصيمي
إن هذه المعركة التي خاضها القصيمي مع علماء الأزهر أكسبته شعبية واسعة، وأصبح محط أنظار الطلبة العرب الذين يفدون إلى مصر للدراسة، خاصة الطلبة اليمنيين، فما إن حط الطالب اليمني أحمد النعمان في الأزهر الشريف طالبا حتى تعرف إلى القصيمي عن طريق المجاهد الفلسطيني أبي الحسن، محمد علي الطاهر، ومجموعة من الطلبة اليمنيين، من أمثال: محمد علي الجفري، ومحمد محمود الزبيري، والشيخ محمد سالم الديحاني، وعبد الله بن علي الزبيري، الذين سبقوا النعمان إلى ال
قاهرة، فكان عبد الله القصيمي أول سعودي يتعرف إليه النعمان ليكون بمثابة الانطلاقة له في عالم المثقفين السعوديين.
استمرت العلاقة بين القصيمي والنعمان منذ انطلاقتها في حوارات ونقاشات القاهرة عام 1937م، وإلى أن توفي القصيمي عام 1996م والنعمان يذرف عليه دموع الرحيل المر من منفاه جنيف.
جاءت معرفة النعمان بالقصيمي في نهايات المرحلة الوهابية التي توشح بها وتوجها بإصداراته التي نافح ودافع من خلالها عن الوهابية، خاصة كتابه «الثورة الوهابية» (1936م) ثم «الصراع بين الإسلام والوثنية».
يقول السفير مصطفى النعمان: «تعرف والدي على القصيمي في المرحلة الانتقالية التي عاشها القصيمي ما بين مرحلتيه المتطرفتين! وكان الوالد أيضا يعيش مرحلة تحول فكري في حياته، فلم يذهب إلى الأزهر إلا لأنه قد خرج من طور التطرف الذي عاشه وكان يمارسه مع طلابه في المدرسة التي أنشأها في الحجرية عام 1935م، وكان تحول والدي قد جاء بعد أن قرأ وبتمعن كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبي، وكتاب (هدي النبي)، لذلك خرج من مصر إلى مكة المكرمة حاجا، ومنها غادرها إلى الأزهر الشريف طالبا، ولم يعد إلى اليمن إلا عام 1940م بعد أن تطورت أفكاره وتغيرت كثير من قناعاته».
في عام 1955م، أجبرت الظروف السياسية في اليمن الأستاذ أحمد النعمان على الهروب منه إلى مصر، إثر فشل محاولة الانقلاب التي قام بها سيف الإسلام عبد الله على أخيه الإمام أحمد، فبقي النعمان في القاهرة إلى أن حملت إليه ريح الصبا، في صباح قاهري، خبرا أنعش فؤاده فتنفس معه الصعداء، جاءت الأخبار تحمل إلى النعمان أن مجموعة من أبنائه الضباط ثاروا على الإمام أحمد فأعلنوها ثورة يمنية على حكم استمر قرونا، لم تنفع معه الحكم والأمثال وأبيات الشعر التي كان يرددها الإمام أحمد، فكانت «ثورة سبتمبر 62».
سبعة أعوام أمضاها النعمان في القاهرة، وكان عند وصوله إليها قد أخرج منها صديقه عبد الله القصيمي ونفي إلى بيروت في صيف 1954م بطلب وإلحاح من الإمام أحمد، الذي ضغط على صلاح سالم بضرورة إبعاد عبد الله القصيمي من القاهرة بعدما توافرت لليمن معلومات عن مدى تأثر الطلاب اليمنيين بأفكاره، وهم الطلاب الذين كانوا يجاورونه السكن في ضاحية حلوان، وهم الذين سيفجرون الثورة بعد أعوام من ترحيل شيخهم ونفيه! بيد أن القصيمي سرعان ما عاد إلى القاهرة مطلع عام 1956م ليلتقي صديقه النعمان. ومنذ ذلك التاريخ وحتى بزوغ ثورة سبتمبر 62، ظل الصديقان يتحاوران ويتجادلان، وكان النعمان أحد أبرز حضور ندوة القصيمي الأسبوعية، التي كان يعقدها مساء كل جمعة ويحضرها عدد من المثقفين المصريين واليمنيين وبعض السعوديين، خاصة في السبعينات والثمانينات، الذين تعرف إليهم النعمان عبر تلك الجلسة، ومنهم الشيخ حمد الجاسر والشيخ حمد الحقيل.
بعد عودة النعمان إلى صنعاء عشية الثورة السبتمبرية عام 1962م، تسنم منصب وزير الحكم المحلي، غير أنه لم يدم في منصبه طويلا، إذ سرعان ما نفي إلى القاهرة، لمعارضته سياسة الحرب والانتقام التي سارت عليها قيادة الثورة، وفي القاهرة عاد إلى مجادله ومشاكسة صديقه القصيمي، لكنه عين عام 1964 رئيسا لأول مجلس للشورى، ثم رئيسا لمجلس الوزراء، ولم يطل به المقام فاستقال احتجاجا على إصرار القيادة على سياسة الحرب وخرق الدستور، وأيضا بسبب ضغوط عبد الناصر، الذي كان يرى أن هناك عددا من الوزراء من ذوي الانتماء البعثي كمحسن العيني يجب إخراجهم من الحكومة!
وطيلة هاتين السنتين، كان النعمان على تواصل مع القاهرة، فكلما حط فيها زار صديقه القصيمي والتقاه، غير أن ما لم يكن في حسبان النعمان ورفاقه هو ما حدث لهم في عام 1966م حينما زج بهم الرئيس عبد الناصر في السجن الحربي، واحتل النعمان - بحكم أنه الأكبر بينهم - الزنزانة الانفرادية رقم 1. وبقي في السجن أكثر من عام، لم يخرج إلا بعد الهزيمة التي مني بها عبد الناصر، فكانت النكسة فاتحة خير على النعمان ورفاقه، ليعود بعد ذلك إلى يمنه ليقود المعركة من جديد. وكان النعمان في سجنه يطرق باب السجن طالبا الذهاب إلى الحمام، لكن الحارس يمنعه، فقال قولته الشهيرة: «في عهد الإمام كنا نطالب بحرية القول، وفي عهد عبد الناصر نطالب بحرية البول»!
سألت الأستاذ مصطفى النعمان عن موقف القصيمي من سجن والده، وهل مارس دورا للإفراج عنه؟ فقال: «كان القصيمي مستاء جدا من سجن صديقه، لكنه لا يستطيع فعل شيء غير الألم، هناك دول حاولت ولم تستطع فعل شيء، فما بالك بالقصيمي!».
على أن الفترة الذهبية في العلاقة ما بين النعمان والقصيمي كانت بعد عام 1974م واستقرار النعمان في جدة، فكان كثيرا ما يزور القاهرة ويلتقي صديقه، وهي الفترة التي تعرف فيها القصيمي على عدد كبير من أصدقائه السعوديين، سواء في جدة أو الرياض، أو القاهرة في مجلس صديقه القصيمي.
يصف مصطفى النعمان القصيمي بأنه كان حادا ومستفزا بشكل مزعج لمن لا يعرفه، بينما كان والده - وكما هو معروف عنه - شديد السخرية، ممعنا فيها، فكان كثير من المواقف يحدث
استمرت العلاقة بين القصيمي والنعمان منذ انطلاقتها في حوارات ونقاشات القاهرة عام 1937م، وإلى أن توفي القصيمي عام 1996م والنعمان يذرف عليه دموع الرحيل المر من منفاه جنيف.
جاءت معرفة النعمان بالقصيمي في نهايات المرحلة الوهابية التي توشح بها وتوجها بإصداراته التي نافح ودافع من خلالها عن الوهابية، خاصة كتابه «الثورة الوهابية» (1936م) ثم «الصراع بين الإسلام والوثنية».
يقول السفير مصطفى النعمان: «تعرف والدي على القصيمي في المرحلة الانتقالية التي عاشها القصيمي ما بين مرحلتيه المتطرفتين! وكان الوالد أيضا يعيش مرحلة تحول فكري في حياته، فلم يذهب إلى الأزهر إلا لأنه قد خرج من طور التطرف الذي عاشه وكان يمارسه مع طلابه في المدرسة التي أنشأها في الحجرية عام 1935م، وكان تحول والدي قد جاء بعد أن قرأ وبتمعن كتاب (طبائع الاستبداد) للكواكبي، وكتاب (هدي النبي)، لذلك خرج من مصر إلى مكة المكرمة حاجا، ومنها غادرها إلى الأزهر الشريف طالبا، ولم يعد إلى اليمن إلا عام 1940م بعد أن تطورت أفكاره وتغيرت كثير من قناعاته».
في عام 1955م، أجبرت الظروف السياسية في اليمن الأستاذ أحمد النعمان على الهروب منه إلى مصر، إثر فشل محاولة الانقلاب التي قام بها سيف الإسلام عبد الله على أخيه الإمام أحمد، فبقي النعمان في القاهرة إلى أن حملت إليه ريح الصبا، في صباح قاهري، خبرا أنعش فؤاده فتنفس معه الصعداء، جاءت الأخبار تحمل إلى النعمان أن مجموعة من أبنائه الضباط ثاروا على الإمام أحمد فأعلنوها ثورة يمنية على حكم استمر قرونا، لم تنفع معه الحكم والأمثال وأبيات الشعر التي كان يرددها الإمام أحمد، فكانت «ثورة سبتمبر 62».
سبعة أعوام أمضاها النعمان في القاهرة، وكان عند وصوله إليها قد أخرج منها صديقه عبد الله القصيمي ونفي إلى بيروت في صيف 1954م بطلب وإلحاح من الإمام أحمد، الذي ضغط على صلاح سالم بضرورة إبعاد عبد الله القصيمي من القاهرة بعدما توافرت لليمن معلومات عن مدى تأثر الطلاب اليمنيين بأفكاره، وهم الطلاب الذين كانوا يجاورونه السكن في ضاحية حلوان، وهم الذين سيفجرون الثورة بعد أعوام من ترحيل شيخهم ونفيه! بيد أن القصيمي سرعان ما عاد إلى القاهرة مطلع عام 1956م ليلتقي صديقه النعمان. ومنذ ذلك التاريخ وحتى بزوغ ثورة سبتمبر 62، ظل الصديقان يتحاوران ويتجادلان، وكان النعمان أحد أبرز حضور ندوة القصيمي الأسبوعية، التي كان يعقدها مساء كل جمعة ويحضرها عدد من المثقفين المصريين واليمنيين وبعض السعوديين، خاصة في السبعينات والثمانينات، الذين تعرف إليهم النعمان عبر تلك الجلسة، ومنهم الشيخ حمد الجاسر والشيخ حمد الحقيل.
بعد عودة النعمان إلى صنعاء عشية الثورة السبتمبرية عام 1962م، تسنم منصب وزير الحكم المحلي، غير أنه لم يدم في منصبه طويلا، إذ سرعان ما نفي إلى القاهرة، لمعارضته سياسة الحرب والانتقام التي سارت عليها قيادة الثورة، وفي القاهرة عاد إلى مجادله ومشاكسة صديقه القصيمي، لكنه عين عام 1964 رئيسا لأول مجلس للشورى، ثم رئيسا لمجلس الوزراء، ولم يطل به المقام فاستقال احتجاجا على إصرار القيادة على سياسة الحرب وخرق الدستور، وأيضا بسبب ضغوط عبد الناصر، الذي كان يرى أن هناك عددا من الوزراء من ذوي الانتماء البعثي كمحسن العيني يجب إخراجهم من الحكومة!
وطيلة هاتين السنتين، كان النعمان على تواصل مع القاهرة، فكلما حط فيها زار صديقه القصيمي والتقاه، غير أن ما لم يكن في حسبان النعمان ورفاقه هو ما حدث لهم في عام 1966م حينما زج بهم الرئيس عبد الناصر في السجن الحربي، واحتل النعمان - بحكم أنه الأكبر بينهم - الزنزانة الانفرادية رقم 1. وبقي في السجن أكثر من عام، لم يخرج إلا بعد الهزيمة التي مني بها عبد الناصر، فكانت النكسة فاتحة خير على النعمان ورفاقه، ليعود بعد ذلك إلى يمنه ليقود المعركة من جديد. وكان النعمان في سجنه يطرق باب السجن طالبا الذهاب إلى الحمام، لكن الحارس يمنعه، فقال قولته الشهيرة: «في عهد الإمام كنا نطالب بحرية القول، وفي عهد عبد الناصر نطالب بحرية البول»!
سألت الأستاذ مصطفى النعمان عن موقف القصيمي من سجن والده، وهل مارس دورا للإفراج عنه؟ فقال: «كان القصيمي مستاء جدا من سجن صديقه، لكنه لا يستطيع فعل شيء غير الألم، هناك دول حاولت ولم تستطع فعل شيء، فما بالك بالقصيمي!».
على أن الفترة الذهبية في العلاقة ما بين النعمان والقصيمي كانت بعد عام 1974م واستقرار النعمان في جدة، فكان كثيرا ما يزور القاهرة ويلتقي صديقه، وهي الفترة التي تعرف فيها القصيمي على عدد كبير من أصدقائه السعوديين، سواء في جدة أو الرياض، أو القاهرة في مجلس صديقه القصيمي.
يصف مصطفى النعمان القصيمي بأنه كان حادا ومستفزا بشكل مزعج لمن لا يعرفه، بينما كان والده - وكما هو معروف عنه - شديد السخرية، ممعنا فيها، فكان كثير من المواقف يحدث
الأمة العربية، ويبديان أسفهما لما وصلت إليه. وفي الأرشيف الخاص بالشيخ عبد العزيز التويجري ثمة رسائل متبادلة بينهما لم تنشر إلى اليوم.
ولأن الأستاذ النعمان يتمتع بروح مرحة ودعابة ساخرة، جامعا بين وقار الشيوخ ومرح الشباب، فإن ابنه مصطفى يذكر أن عددا من المواقف الطريفة تحدث بينه والشيخ التويجري بشكل دائم، خاصة في سويسرا.
ويثمن مصطفى النعمان للشيخ التويجري مواقفه النبيلة مع والده قبلا، ثم معه ومع إخوته، فقد كان له بمثابة الأب، ويذكر مصطفى أنه سمى أحد أبنائه عبد العزيز تيمنا باسم الشيخ عبد العزيز التويجري، مذكرا بأن من أميز صفات الشيخ أنه لا يتعامل مع الناس كمسؤول رفيع، إنما تنطلق تعاملاته معهم منطلقات إنسانية وثقافية.
الاتصال الدبلوماسي
مثلما كانت للأستاذ أحمد النعمان علاقات مميزة مع عدد من المثقفين السعوديين، كانت له علاقاته واتصالاته الدبلوماسية الرسمية مع الحكومة السعودية. وقد بدأت تلك الاتصالات منذ عام 1955م حينما رأس وفدا يمنيا رفيعا إلى الرياض للاجتماع مع المسؤولين فيها من أجل التعاون لحل مشكلة اليمن بعد حركة سيف الإسلام عبد الله ومحاولته الانقلاب على أخيه الإمام أحمد. وبعد مفاوضاته، عاد إلى صنعاء مرافقا للوفد السعودي، الذي كان برئاسة الأمير فهد بن عبد العزيز، وزير المعارف، وانضم إليهم الوفد المصري برئاسة حسين الشافعي. كما سافر أحمد النعمان أكثر من مرة مع الأمير البدر إلى الرياض والاجتماع مع المسؤولين فيها لإطلاعهم على سوء الأوضاع في اليمن وإصرار الإمام أحمد على استمرارها.
وفي عام 1973، كلفه الملك فيصل بن عبد العزيز إقناع الجنرال فرانكو بإعادة بناء جامع قرطبة وإعادته إلى سابق عهده على نفقة الحكومة السعودية، وبالفعل قابل فرانكو رفقة السفير السعودي ناصر المنقور، وتم الأمر. وكانت له علاقة مميزة مع الملك خالد بن عبد العزيز. ويذكر السفير مصطفى النعمان أن والده قد أرسل رسالة إلى الملك خالد بن عبد العزيز يقترح فيها إنشاء تجمع لدول الخليج والجزيرة العربية بما فيها اليمن، وكانت الرسالة قبل إنشاء مجلس التعاون الخليجي. وفي عام 1991، سعى إلى تحسين العلاقلتقديم واجب العزاء لآل النعمان، كما عبر أصدقاؤه السعوديون، من مثقفين ووجهاء، عن حزنهم الكبير لرحيله. وكان يوم مواراته الثرى يوما مشهودا في تاريخ اليمن، وفي ما تلاه توشحت صحف اليمن بالمقالات والقصائد الرثائية من جيل يمني تكون تحت جناحه. فلئن كان النعمان قد تبوأ مناصب رفيعة، إلا أنه لم يستمد مكانته المرموقة من تلك المناصب، رغم أهميتها، إنما من أدواره التاريخية كرائد ومجاهد وسياسي محنك وأديب وحكيم من حكماء اليمن.
وفي الختام، يرى بعض محبيه أن مأساته الحقيقية تكمن في بقاء الأماني والأحلام دون تحقيق! وتلك هي أيضا مأساة اليمن في تاريخه الحديث
ولأن الأستاذ النعمان يتمتع بروح مرحة ودعابة ساخرة، جامعا بين وقار الشيوخ ومرح الشباب، فإن ابنه مصطفى يذكر أن عددا من المواقف الطريفة تحدث بينه والشيخ التويجري بشكل دائم، خاصة في سويسرا.
ويثمن مصطفى النعمان للشيخ التويجري مواقفه النبيلة مع والده قبلا، ثم معه ومع إخوته، فقد كان له بمثابة الأب، ويذكر مصطفى أنه سمى أحد أبنائه عبد العزيز تيمنا باسم الشيخ عبد العزيز التويجري، مذكرا بأن من أميز صفات الشيخ أنه لا يتعامل مع الناس كمسؤول رفيع، إنما تنطلق تعاملاته معهم منطلقات إنسانية وثقافية.
الاتصال الدبلوماسي
مثلما كانت للأستاذ أحمد النعمان علاقات مميزة مع عدد من المثقفين السعوديين، كانت له علاقاته واتصالاته الدبلوماسية الرسمية مع الحكومة السعودية. وقد بدأت تلك الاتصالات منذ عام 1955م حينما رأس وفدا يمنيا رفيعا إلى الرياض للاجتماع مع المسؤولين فيها من أجل التعاون لحل مشكلة اليمن بعد حركة سيف الإسلام عبد الله ومحاولته الانقلاب على أخيه الإمام أحمد. وبعد مفاوضاته، عاد إلى صنعاء مرافقا للوفد السعودي، الذي كان برئاسة الأمير فهد بن عبد العزيز، وزير المعارف، وانضم إليهم الوفد المصري برئاسة حسين الشافعي. كما سافر أحمد النعمان أكثر من مرة مع الأمير البدر إلى الرياض والاجتماع مع المسؤولين فيها لإطلاعهم على سوء الأوضاع في اليمن وإصرار الإمام أحمد على استمرارها.
وفي عام 1973، كلفه الملك فيصل بن عبد العزيز إقناع الجنرال فرانكو بإعادة بناء جامع قرطبة وإعادته إلى سابق عهده على نفقة الحكومة السعودية، وبالفعل قابل فرانكو رفقة السفير السعودي ناصر المنقور، وتم الأمر. وكانت له علاقة مميزة مع الملك خالد بن عبد العزيز. ويذكر السفير مصطفى النعمان أن والده قد أرسل رسالة إلى الملك خالد بن عبد العزيز يقترح فيها إنشاء تجمع لدول الخليج والجزيرة العربية بما فيها اليمن، وكانت الرسالة قبل إنشاء مجلس التعاون الخليجي. وفي عام 1991، سعى إلى تحسين العلاقلتقديم واجب العزاء لآل النعمان، كما عبر أصدقاؤه السعوديون، من مثقفين ووجهاء، عن حزنهم الكبير لرحيله. وكان يوم مواراته الثرى يوما مشهودا في تاريخ اليمن، وفي ما تلاه توشحت صحف اليمن بالمقالات والقصائد الرثائية من جيل يمني تكون تحت جناحه. فلئن كان النعمان قد تبوأ مناصب رفيعة، إلا أنه لم يستمد مكانته المرموقة من تلك المناصب، رغم أهميتها، إنما من أدواره التاريخية كرائد ومجاهد وسياسي محنك وأديب وحكيم من حكماء اليمن.
وفي الختام، يرى بعض محبيه أن مأساته الحقيقية تكمن في بقاء الأماني والأحلام دون تحقيق! وتلك هي أيضا مأساة اليمن في تاريخه الحديث
بينهما.
منذ عام 1987، كان النعمان قد استقر في جنيف لدى ابنه عبد الله، وفي يناير (كانون الثاني) 1996 ودع عبد الله القصيمي الحياة، بعد سنوات طويلة من الضجيج والصخب والجدل، وكان النعمان هو الآخر قد بدأت صحته في ذلك العام بالتردي والتدهور، ويصف ابنه مصطفى كيف تلقى والده خبر رحيل صديقه، بقوله: «حينما توفي القصيمي، كان والدي قد دخل في مرض شديد، وكثيرا ما يفقد الوعي، لكنه حتما تلقى خبر وفاة القصيمي، ولم يكن باستطاعته التفاعل معه، كان فيه شيء من الجمود». ويقول الكاتب فؤاد مطر، وهو يصف الأشهر الأخيرة من حياة النعمان: «ومع أن النعمان كان يصد بجسارة حالات الغيبوبة التي تصيبه، إلا أنه بات بعد رحيل الأعز بين أفراد جيله، الشيخ عبد الله القصيمي، يتمنى ألا ينتصر على الغيبوبة المقبلة، بمعنى أن تهزمه بدل أن يهزمها. ولأنه كان من الصعب على الذين حوله إبلاغه بوفاة الشيخ عبد الله فإنهم وضعوا أمامه عدد (الشرق الأوسط) المنشور فيه نبأ الوفاة، فضرب النعمان بيده على جبينه، واستطاعت دمعة يتيمة أن تنساب على خد الأزهري الصامد حزنا على رحيل الأزهري المتمرد. والذين أسعدتهم جلسات الشيخين الأزهريين أواخر الستينات في بيروت والقاهرة سمعوا منهما من كلام الذكريات ما يتمنى المرء لو أنه مطبوع بين دفتي كتاب».
وقد حاول النعمان مرارا مع صديقه القصيمي وتمنى عليه أن يخفف من ضجيجه وأن يلجم حدته واستفزازه، غير أن القصيمي لم يأبه ولم يلق بالا، ومع ذلك كان القصيمي يقدر ويجل النعمان، ويتضح ذلك من خلال رسائل متبادلة بينهما، ورسائل أخرى بعث بها القصيمي إلى صديق مشترك بينهما.
إلى جانب القصيمي، صاحب العلاقة الوثيقة والصداقة الطويلة، تعرف النعمان إلى عدد من المثقفين والأدباء السعوديين، وكان من أبرز أصدقائه في جدة الشاعر محمد حسن فقي، والأديب عبد الله بلخير، ومن الوجهاء كان الوجيه عمر العيسائي أبرز أصدقائه وأقربهم إلى قلبه، وكذلك الأديب عبد المقصود خوجه، ومحمد شمسان وعلي بقشان ومرعي بقشان وعبد الخالق سعيد، ومحمد عبود العمودي.
وكانت له علاقاته مع مثقفين عرب مقيمين بجدة، كالأديب أحمد الشامي وشريف الرفاعي والمفكر أحمد الشيباني، الشهير بـ«ذيبان الشمري». وفي الرياض، كانت له صداقات مع عدد من أدبائها، الذين كان يلتقيهم إذا زار الرياض، كحمد الجاسر وحمد الحقيل، اللذين تعرف إليهما في ندوة القصيمي الأسبوعية في القاهرة، وكذلك الشيخ عبد الله بن خميس، والأستاذ تركي السديري. وارتبط بعلاقة مع الشيخ ناصر المنقور، السفير السعودي لدى إسبانيا ثم بريطانيا، وكانت لقاءاتهما تتم في لندن أو جنيف، وكانت بينهما مراسلات أدبية.
في صحبة التويجري
غير أن أهم أصدقاء النعمان في الرياض، كان الشيخ عبد العزيز التويجري، الذي ستكون له معه فصول قصة طويلة، صدقا ووفاء، وسيكون هو الأقرب إلى نفسه والأكثر نبلا معه، وستمتد العلاقة والصداقة إلى عواصم ومدن أخرى غير الرياض، كالقاهرة وجنيف، وسيكون أبناء النعمان أصدقاء لأبناء الشيخ الأديب.
يذكر مصطفى النعمان أن والده تعرف إلى الشيخ التويجري قريبا من عام 1976م، نتيجة لموقف حصل بينهما، يقول مصطفى: «كان والدي في الرياض ودعي إلى المطار لتوديع الملك خالد بن عبد العزيز، وكان واقفا في آخر الطابور، فجاء الأمير عبد الله بن عبد العزيز حينها وأخذ بيده ووضعه في مقدمة المودعين، ثم تأخرت طائرة الملك، فجاء الأمير عبد الله مرة أخرى ليعرف الوالد بالشيخ عبد العزيز، فأخبره الوالد بأنه يسمع عن التويجري كثيرا، وعلق التويجري قائلا: أنا أعرفه من سنين طويلة. فاستغرب الوالد متى وكيف عرفه؟ فقال التويجري: لقد كنت أقرأ لك وأنا في المجمعة. بعدها، حاول الوالد أن يتصل بالشيخ عبد العزيز مرة أخرى، فصعب عليه الأمر، لكنهم بدأوا بالتراسل قبل أن يلتقوا ثانية، وهو اللقاء الذي استمر إلى أن توفي الوالد، فأصبح حينها الشيخ أقرب الناس إليه عقلا وعاطفة ورعاية».
يذكر مصطفى النعمان أن العلاقة والصداقة لم تكن حصرا بين الأستاذ والشيخ، إنما تمددت لتشمل الأبناء، فلقد كان أبناء الشيخ التويجري قريبين جدا من قلب والده، خاصة عبد المحسن وخالد وعبد السلام، ويتذكر مصطفى أن الأستاذ خالد التويجري كتب في السبعينات الميلادية رسالة إلى الأستاذ النعمان، ما زال يحتفظ بها، يعرف فيها بنفسه ويبدي إعجابه بالنعمان الأب ويعتذر منه أن اقتحم عالم قامة فكرية.
لقد كانت أكثر لقاءات الشيخ والأستاذ في سويسرا، حيث كان هناك لقاء شبه يومي، وفي فترة مرض الأستاذ النعمان، كان الشيخ يأتي إليه ويحمله على الخروج معه إلى منزله. يقول مصطفى: «كان الشيخ التويجري يحس بأنه لا يمكن أن يكون من دون النعمان، وكذلك كان إحساس النعمان تجاه صديقه الكبير».
كانت جلسات الشيخ والأستاذ في غالبها ذات طابع أدبي ثقافي، فقد كان الأستاذ يقرأ على الشيخ ما قد كتبه، من شعر أو رسالة أدبية، وكان الشيخ يقرأ على الأستاذ مسودات كتبه، ليأخذ رأي النعمان فيها. كما كانا يتحدثان كثيرا عن أوضاع
منذ عام 1987، كان النعمان قد استقر في جنيف لدى ابنه عبد الله، وفي يناير (كانون الثاني) 1996 ودع عبد الله القصيمي الحياة، بعد سنوات طويلة من الضجيج والصخب والجدل، وكان النعمان هو الآخر قد بدأت صحته في ذلك العام بالتردي والتدهور، ويصف ابنه مصطفى كيف تلقى والده خبر رحيل صديقه، بقوله: «حينما توفي القصيمي، كان والدي قد دخل في مرض شديد، وكثيرا ما يفقد الوعي، لكنه حتما تلقى خبر وفاة القصيمي، ولم يكن باستطاعته التفاعل معه، كان فيه شيء من الجمود». ويقول الكاتب فؤاد مطر، وهو يصف الأشهر الأخيرة من حياة النعمان: «ومع أن النعمان كان يصد بجسارة حالات الغيبوبة التي تصيبه، إلا أنه بات بعد رحيل الأعز بين أفراد جيله، الشيخ عبد الله القصيمي، يتمنى ألا ينتصر على الغيبوبة المقبلة، بمعنى أن تهزمه بدل أن يهزمها. ولأنه كان من الصعب على الذين حوله إبلاغه بوفاة الشيخ عبد الله فإنهم وضعوا أمامه عدد (الشرق الأوسط) المنشور فيه نبأ الوفاة، فضرب النعمان بيده على جبينه، واستطاعت دمعة يتيمة أن تنساب على خد الأزهري الصامد حزنا على رحيل الأزهري المتمرد. والذين أسعدتهم جلسات الشيخين الأزهريين أواخر الستينات في بيروت والقاهرة سمعوا منهما من كلام الذكريات ما يتمنى المرء لو أنه مطبوع بين دفتي كتاب».
وقد حاول النعمان مرارا مع صديقه القصيمي وتمنى عليه أن يخفف من ضجيجه وأن يلجم حدته واستفزازه، غير أن القصيمي لم يأبه ولم يلق بالا، ومع ذلك كان القصيمي يقدر ويجل النعمان، ويتضح ذلك من خلال رسائل متبادلة بينهما، ورسائل أخرى بعث بها القصيمي إلى صديق مشترك بينهما.
إلى جانب القصيمي، صاحب العلاقة الوثيقة والصداقة الطويلة، تعرف النعمان إلى عدد من المثقفين والأدباء السعوديين، وكان من أبرز أصدقائه في جدة الشاعر محمد حسن فقي، والأديب عبد الله بلخير، ومن الوجهاء كان الوجيه عمر العيسائي أبرز أصدقائه وأقربهم إلى قلبه، وكذلك الأديب عبد المقصود خوجه، ومحمد شمسان وعلي بقشان ومرعي بقشان وعبد الخالق سعيد، ومحمد عبود العمودي.
وكانت له علاقاته مع مثقفين عرب مقيمين بجدة، كالأديب أحمد الشامي وشريف الرفاعي والمفكر أحمد الشيباني، الشهير بـ«ذيبان الشمري». وفي الرياض، كانت له صداقات مع عدد من أدبائها، الذين كان يلتقيهم إذا زار الرياض، كحمد الجاسر وحمد الحقيل، اللذين تعرف إليهما في ندوة القصيمي الأسبوعية في القاهرة، وكذلك الشيخ عبد الله بن خميس، والأستاذ تركي السديري. وارتبط بعلاقة مع الشيخ ناصر المنقور، السفير السعودي لدى إسبانيا ثم بريطانيا، وكانت لقاءاتهما تتم في لندن أو جنيف، وكانت بينهما مراسلات أدبية.
في صحبة التويجري
غير أن أهم أصدقاء النعمان في الرياض، كان الشيخ عبد العزيز التويجري، الذي ستكون له معه فصول قصة طويلة، صدقا ووفاء، وسيكون هو الأقرب إلى نفسه والأكثر نبلا معه، وستمتد العلاقة والصداقة إلى عواصم ومدن أخرى غير الرياض، كالقاهرة وجنيف، وسيكون أبناء النعمان أصدقاء لأبناء الشيخ الأديب.
يذكر مصطفى النعمان أن والده تعرف إلى الشيخ التويجري قريبا من عام 1976م، نتيجة لموقف حصل بينهما، يقول مصطفى: «كان والدي في الرياض ودعي إلى المطار لتوديع الملك خالد بن عبد العزيز، وكان واقفا في آخر الطابور، فجاء الأمير عبد الله بن عبد العزيز حينها وأخذ بيده ووضعه في مقدمة المودعين، ثم تأخرت طائرة الملك، فجاء الأمير عبد الله مرة أخرى ليعرف الوالد بالشيخ عبد العزيز، فأخبره الوالد بأنه يسمع عن التويجري كثيرا، وعلق التويجري قائلا: أنا أعرفه من سنين طويلة. فاستغرب الوالد متى وكيف عرفه؟ فقال التويجري: لقد كنت أقرأ لك وأنا في المجمعة. بعدها، حاول الوالد أن يتصل بالشيخ عبد العزيز مرة أخرى، فصعب عليه الأمر، لكنهم بدأوا بالتراسل قبل أن يلتقوا ثانية، وهو اللقاء الذي استمر إلى أن توفي الوالد، فأصبح حينها الشيخ أقرب الناس إليه عقلا وعاطفة ورعاية».
يذكر مصطفى النعمان أن العلاقة والصداقة لم تكن حصرا بين الأستاذ والشيخ، إنما تمددت لتشمل الأبناء، فلقد كان أبناء الشيخ التويجري قريبين جدا من قلب والده، خاصة عبد المحسن وخالد وعبد السلام، ويتذكر مصطفى أن الأستاذ خالد التويجري كتب في السبعينات الميلادية رسالة إلى الأستاذ النعمان، ما زال يحتفظ بها، يعرف فيها بنفسه ويبدي إعجابه بالنعمان الأب ويعتذر منه أن اقتحم عالم قامة فكرية.
لقد كانت أكثر لقاءات الشيخ والأستاذ في سويسرا، حيث كان هناك لقاء شبه يومي، وفي فترة مرض الأستاذ النعمان، كان الشيخ يأتي إليه ويحمله على الخروج معه إلى منزله. يقول مصطفى: «كان الشيخ التويجري يحس بأنه لا يمكن أن يكون من دون النعمان، وكذلك كان إحساس النعمان تجاه صديقه الكبير».
كانت جلسات الشيخ والأستاذ في غالبها ذات طابع أدبي ثقافي، فقد كان الأستاذ يقرأ على الشيخ ما قد كتبه، من شعر أو رسالة أدبية، وكان الشيخ يقرأ على الأستاذ مسودات كتبه، ليأخذ رأي النعمان فيها. كما كانا يتحدثان كثيرا عن أوضاع