اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
قادري أحمد #حيدر

​القاضي #محمد علي #الأكوع #الحوالي.. المؤرخ التقليدي الموضوعي.

منصة امتداد
٦يونيو،٢٠٢٦م

​محمد علي الأكوع عاشق التاريخ، الذي يضع اليمن في قلب عقله وهو يقرأ ويكتب.. هو من جيل المؤرخين اليمنيين القلائل الذين يجمعون بين الكتابة التقليدية والحديثة في الرؤية لنفسه وللواقع وللتاريخ.. لا يعتقد أن كتابته نهائية للتاريخ، وفي التاريخ، وهذا يكفي للقول بأن ما كتبه، وما حققه، هو إضافة نوعية للمكتبة اليمنية والعربية.

​كتابة التاريخ هي بالأمس واليوم إشكالية معقدة من زوايا عديدة، لأنني أعتقد أن الموقف من كتابة التاريخ هو في الأساس موقف من الحياة الحاضرة، وتعكس صورة كيف نحن نقرأ ونفكر في المستقبل؛ هل بروح المستقبل وإدراك التعدد والتنوع في القراءة والكتابة وفي الحياة، أم بعقلية الاستبداد بالأمر بسلطة الأمر الواقع والشخصنة للواقع والتاريخ لتتوافق مع حالة الذات الكاتبة؟

​ومن هنا، فإن الحقيقة التاريخية تقتضي منا كعرب اليوم إعادة النظر في معظم الكتابة الفكرية والسياسية للتاريخ العربي الإسلامي، والحديث والمعاصر؛ لأن معظمه كتب بفكر الغلبة وعقلية القوة والتغلب.

​السمة الجوهرية للأستاذ محمد بن علي الأكوع تكمن في مفارقته -إلى حد ما- لمنطق فكر الغلبة وروحية القوة في كتابة التاريخ، وذلك مظهرٌ في سجل كتاباته ومؤلفاته الخاصة الحافلة بروح التوازن والتاريخية في قراءة أشياء وحقائق التاريخ، حتى مع المسائل التي لا يتفق معها، حيث يحاول أن يوردها كما هي، دون تدخل أيديولوجي أو تعصب ثقافي في عرضه للوقائع وحقائق التاريخ. إن انهماكه في روح التاريخ وتماهيه في سطور صفحات أحداثه وحقائقه الواقعية والأسطورية قد خلقت في روحه ووعيه شخصية الحكيم، وذاتية المؤرخ الموضوعي بهذه الدرجة أو تلك؛ أي شخصية المؤرخ "المستقل" غير المتعصب، الذي يمكنه أن يرى الأوجه المختلفة للتاريخ، إلا في تحقيقه لكتاب (كشف أسرار الباطنية) للفقيه أبي عبد الله محمد بن مالك بن أبي القبائل الحمادي المعافري، الذي أظهر فيه قدراً كبيراً من التعصب المذهبي في انحيازه الأيديولوجي/ السياسي ضد الإسماعيلية/ الباطنية، فتبدت فيه صورة المؤرخ الموضوعي باهتة، وكأنه يفكر بعقل السلطة التاريخية، وليس بروحية المفكر التاريخي، وهو عموماً موقف الكثير من كُتّاب السنة، والزيدية الهادوية، وبعض تيارات الصوفية، وحتى بعض الجماعات الشيعية، في موقفهم من الإسماعيلية.

​نعلم من قراءتنا للتاريخ أن "المسكوت عنه" في التاريخ -وهو كثير- هو إهمال الوقائع والحقائق التي لا تتفق مع وجهة نظر السلطة السائدة؛ وبهذا المعنى فإن معظم ما وصلنا وما كُتب في دفتر التاريخ الحديث والمعاصر، إنما يدخل ضمن منطق كتابة المحو لحقائق الشعوب في التاريخ، للابتداء بكتابة تاريخ السلطان.

​والمؤرخ الجليل محمد بن علي الأكوع، في غالبية كتاباته وتحقيقاته، لم يخلط بين علاقته بالحاكم أو قربه منه وبين كتابته للتاريخ، ولا علاقة في إهدائه بعض كتبه للحاكم بمنطق قراءته للتاريخ. فالتاريخ أعمُّ وأجلى صفاته هو تأكيده لحقائق حياة الناس، وتعبير عن دور وحركة الشعب في التاريخ.

​ويورد العلامة محمد بن علي الأكوع في كتابه (حياة عالم وأمير) المخصص لإسماعيل باسلامة ص47 ما يلي: "وكان صاحب المواهب جباراً عنيداً، جاهلاً غبياً، كان يجبر العلماء أن يقرؤوا عليه مُؤلفه الغث المليء بالأخطاء والترهات، وهكذا كانت تنتزع الإمامة في اليمن بعد أن استقر نصابها في أيديهم -يقصد الأكوع هنا: أولاد القاسم بن محمد- وفي اقتتال بالغ الخطورة غير آبهين إلى تمزيق البلاد، ومحقها وسحقها ونتنها بالمجاعة والفناء والأمراض الفتاكة وخراب الديار، والجهل الشنيع، والتشيع المريع". وفي هذا الكتاب الذي خصصه لإسماعيل باسلامة، تجد فيه محاولة لإعادة قراءة التاريخ اليمني في مراحله المختلفة وفي صفحاته المجهولة؛ إنه شكل من كتابة "السيرة" الذي تشغله فكرة التاريخ في تجلياته الذاتية والموضوعية والأسطورية. إن روح الباحث والعالم بالتاريخ تكتشفها وأنت تقرأ للأستاذ الجليل رحمه الله، على أنك يمكن أن تجد ذلك واضحاً كل الوضوح في تحقيقاته العظيمة، وفي اختياراته التحقيقية التي يضفي تحقيقه عليها بُعداً تاريخياً صافياً، ويزيد من مكانة الكتاب العلمية والتحقيقية: "قرة العيون" و(الإكليل) في أجزائه الأول والثاني والعاشر، وكذلك كتاب "صفة جزيرة العرب"؛ كلها شاهدة على حضوره الفاعل في التاريخ وفي التحقيق التاريخي، والذي حفر اسمه مُشرقاً في سماء الكتابة التاريخية وفي الوعي التاريخي اليمني والعربي والإسلامي.

​إنه بحق همداني اليمن المعاصر، أو كما قال عنه حمد الجاسر في مقدمة صفة جزيرة العرب: وارث علم الهمداني ومحيي آثاره ومؤرخ القطر اليماني في هذا العصر.