الحملة الرومانية على #اليمن
إنه اذا كان بين الاحداث التاريخية،أحداث كبيرة وخطيرة، تظلمها مرجعيتها المدونة والمفقودة ظلما فادحا، فيتحول الحدث ذو الأهمية البالغة منها، إلى حدث مجهول، أو عابر، أو صغير. . فإن(الحملة الرومانية على اليمن) هي هذا الحدث الذي ظلمته مرجعيته، سواء منها مرجعيته (الاسترابونية) أحادية الجانب والمغرضة، أو مرجعيته المتوقعة دون وقوع فهي معدومة حتى اليوم، وذلك في نقوش المسند اليمنية، أو مرجعيته المحدثة، ممثلة فيما أُتيحت قراءته، مما كتبه عنها الدارسون المحدثون والمعاصرون، من أجانب وعرب ويمنيين، حيث يجد القارئ أنهم جميعا ينتقدون مرجعيته الأولى على تفاوت في الجرأة، ثم يتكبلون بأغلالها على السوية في الخضوع، مع أنهم يعلمون قبل غيرهم، أن الحقيقة ليس لها إلا وجه واحد، فإذا قُدم هذا الوجه، مشوها، وزائفا، وغير أمين ولا مؤتمن على صفحات كتاب، فإن صورة الحقيقة الصحيحة والصادقة لابد أن تبدأ بالتجلي للدارس المتأمل حتى من خلال الصورة المزيفة نفسها، ثم من خلال مختلف المصادر الممكنة، وشتى وسائل الاستنباط.
والآن نحاول أن نرسم صورة إن لم تكن هي الصورة الأقرب إلى الصحة، فإنها لا تجافي المنطق، ولا تخلو من الموضوعية ولا الموضوعية تتخلى عنها، ومن خلال هذه الصورة، نحاول أن نتعرف لعلنا نعرف، شيئا من حقيقة ما جرى، في (اليمن)، منذ أن وصلت اخبار الحملة إلى أصحاب الشأن فيه، وحتى اندحارها من أمام (مأرب).
ولعل أول ما يقال في هذا الأمر، ان صلات اليمن بدول العالم القديم كانت قوية، وبالخارج بصفة عامة، وكانت حركة الذهاب والإياب من اليمن وإليه، حركة دؤوبة، ولهذا فإن خبر الاعداد، والتجهيز للغزو، لا يحتاج من الزمن إلا ما يحتاجه المسافر ألآيب من مصرعند صدورقرار الاعداد، حتى يصل الاراضي اليمنية؛ ولاشك أن وصول هذا الخبر، قد دفع أولي الشأن إلى البدء في الاستعداد لمواجهة هذا الغزو.
وتذكر المصادر الرومانية الكلاسيكية، أن الحملة تكتمت على هدفها المباشر الذي تقصده وهو العاصمة (مأرب) نفسها، ولهذا التكتم فلنا ان نتصور حيرة اصحاب الشأن، في تخمين المنفذ الذي سيقتحم الغزاة منه الأراضي اليمنية، والمنافذ المحتملة كثيرة، منها ما هو بحري في الشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي وحتى في الجنوب، ومنها ماهو بري في الشمال، والشمال الغربي، والشمال الشرقي، وهذه الحيرة أدت إلى التردد في اختيار المكان المناسب، أو الأماكن المناسبة لوضع الترتيبات والرتب العسكرية اللازمة فيه، أو فيها، ولعلهم اتخذوا اجراءاتهم في عدد من الاماكن، ولكن نزول الحملة في الميناء النبطي استبعد المنافذ البحرية، وبقيت احتمالات المنافذ البرية، فلما توجه الجيش الروماني نحو (نجران) اتضحت الرؤية وتبين لأصحاب الشأن (والملأ من سبأ) أن هدف الحملة المباشر هو (مأرب) وأنها ستتوجه اليها من الشمال الغربي عبر سهول (الجوف) المتصلة بسهول (مأرب).
وهنا اتضحت لذوي الرأي، حقيقة لم يكونوا بحاجة الى الالتفات اليها من قبل، وهي أن عاصمتهم العريقة مدينة سهلية مفتوحة، وليس لها من التحصينات الطبيعية كالجبال والمضايق والوديان، ما يساعد على حمياتها والدفاع عنها، إذ أن أيّ جيش قوي كالجيش الروماني، إن هو وصل إلى (الجوف)، يستطيع التقدم نحوها في أرض مبسوطة ممهدة، لا تساعد المحاربين الذين تعودوا على الحروب الجبلية في الدفاع المضمون عنها.
والذي يبدو، وتدل عليه الوقائع والقرائن، هو: أن (الملأ) من أهل الرأي والحكمة، رأوا، أولا: أن ينتقل الملك -عمدان يهقبض- الى العاصمة الثانية -(ظفار)- ذات التحصين الطبيعي الفعال ، لأن احتمال سقوط العاصمة الأولى وأسر الملك أو قتله، سيحدث فراغا في الشرعية، وتضاربا في الآراء، مما يكون سببا في احباط المقاومة وإضعاف الهمم. ثانيا: أن يتولى (الأقيال) الدفاع عن العاصمة.
هذا والمراجع الرومانية الكلاسيكية، والنقوش المسندية، ومراجع التراث العربي اليمنية، فيها كلها ما يدل على أنه تم اختيار القيل (إلي شرح ذي ريمان السخيمي) المعروف في المصادر الرومانية التي لم تذكر علماً يمنياً غيره باسم (ilssarus of rhamma
nite = إلي شرح ذو ريمان) والمعروف جيدا في
النقوش بعد أن أصبح ملكا فيما بعد، باسم (إلي شرح يُحْضِب ملك سبأ وذي ريدان) -وهو الأول-، والمعروف جيدا أيضا في كتب التراث اليمني، وفي مقدمتها مؤلفات الهمداني ونشوان بن سعيد بالاسم نفسه-إلي شرح يُحْضِب-كأول ملك يذكر فيها باسمه الملكي الصحيح، وفي ذكرهِ هاله تنويه به، وإشادة بسيرته وأعماله وهذا امر له دلالاته الهامة. . نعم: أختير (إلي شرح) فأسندت-أو أسند الملك- اليه قيادة الخميس والأقيال، وقيادة المقاومة والنهوض لمواجهة الحملة الرومانية، ورغم ما يظهر من انه لم يكن أكبر الاقيال سنا، إلا أنه اختير لأسباب أهمها اخلاصه لنظام (الحكم الائتلافي)، ثم لأن قيالته هي واسطة العقد في (تحالف سمعاء) الذي يضم أهم القيالات في الهضبة الواسعة بين (صنعاء) و(مأرب).
وغادر الملك
إنه اذا كان بين الاحداث التاريخية،أحداث كبيرة وخطيرة، تظلمها مرجعيتها المدونة والمفقودة ظلما فادحا، فيتحول الحدث ذو الأهمية البالغة منها، إلى حدث مجهول، أو عابر، أو صغير. . فإن(الحملة الرومانية على اليمن) هي هذا الحدث الذي ظلمته مرجعيته، سواء منها مرجعيته (الاسترابونية) أحادية الجانب والمغرضة، أو مرجعيته المتوقعة دون وقوع فهي معدومة حتى اليوم، وذلك في نقوش المسند اليمنية، أو مرجعيته المحدثة، ممثلة فيما أُتيحت قراءته، مما كتبه عنها الدارسون المحدثون والمعاصرون، من أجانب وعرب ويمنيين، حيث يجد القارئ أنهم جميعا ينتقدون مرجعيته الأولى على تفاوت في الجرأة، ثم يتكبلون بأغلالها على السوية في الخضوع، مع أنهم يعلمون قبل غيرهم، أن الحقيقة ليس لها إلا وجه واحد، فإذا قُدم هذا الوجه، مشوها، وزائفا، وغير أمين ولا مؤتمن على صفحات كتاب، فإن صورة الحقيقة الصحيحة والصادقة لابد أن تبدأ بالتجلي للدارس المتأمل حتى من خلال الصورة المزيفة نفسها، ثم من خلال مختلف المصادر الممكنة، وشتى وسائل الاستنباط.
والآن نحاول أن نرسم صورة إن لم تكن هي الصورة الأقرب إلى الصحة، فإنها لا تجافي المنطق، ولا تخلو من الموضوعية ولا الموضوعية تتخلى عنها، ومن خلال هذه الصورة، نحاول أن نتعرف لعلنا نعرف، شيئا من حقيقة ما جرى، في (اليمن)، منذ أن وصلت اخبار الحملة إلى أصحاب الشأن فيه، وحتى اندحارها من أمام (مأرب).
ولعل أول ما يقال في هذا الأمر، ان صلات اليمن بدول العالم القديم كانت قوية، وبالخارج بصفة عامة، وكانت حركة الذهاب والإياب من اليمن وإليه، حركة دؤوبة، ولهذا فإن خبر الاعداد، والتجهيز للغزو، لا يحتاج من الزمن إلا ما يحتاجه المسافر ألآيب من مصرعند صدورقرار الاعداد، حتى يصل الاراضي اليمنية؛ ولاشك أن وصول هذا الخبر، قد دفع أولي الشأن إلى البدء في الاستعداد لمواجهة هذا الغزو.
وتذكر المصادر الرومانية الكلاسيكية، أن الحملة تكتمت على هدفها المباشر الذي تقصده وهو العاصمة (مأرب) نفسها، ولهذا التكتم فلنا ان نتصور حيرة اصحاب الشأن، في تخمين المنفذ الذي سيقتحم الغزاة منه الأراضي اليمنية، والمنافذ المحتملة كثيرة، منها ما هو بحري في الشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي وحتى في الجنوب، ومنها ماهو بري في الشمال، والشمال الغربي، والشمال الشرقي، وهذه الحيرة أدت إلى التردد في اختيار المكان المناسب، أو الأماكن المناسبة لوضع الترتيبات والرتب العسكرية اللازمة فيه، أو فيها، ولعلهم اتخذوا اجراءاتهم في عدد من الاماكن، ولكن نزول الحملة في الميناء النبطي استبعد المنافذ البحرية، وبقيت احتمالات المنافذ البرية، فلما توجه الجيش الروماني نحو (نجران) اتضحت الرؤية وتبين لأصحاب الشأن (والملأ من سبأ) أن هدف الحملة المباشر هو (مأرب) وأنها ستتوجه اليها من الشمال الغربي عبر سهول (الجوف) المتصلة بسهول (مأرب).
وهنا اتضحت لذوي الرأي، حقيقة لم يكونوا بحاجة الى الالتفات اليها من قبل، وهي أن عاصمتهم العريقة مدينة سهلية مفتوحة، وليس لها من التحصينات الطبيعية كالجبال والمضايق والوديان، ما يساعد على حمياتها والدفاع عنها، إذ أن أيّ جيش قوي كالجيش الروماني، إن هو وصل إلى (الجوف)، يستطيع التقدم نحوها في أرض مبسوطة ممهدة، لا تساعد المحاربين الذين تعودوا على الحروب الجبلية في الدفاع المضمون عنها.
والذي يبدو، وتدل عليه الوقائع والقرائن، هو: أن (الملأ) من أهل الرأي والحكمة، رأوا، أولا: أن ينتقل الملك -عمدان يهقبض- الى العاصمة الثانية -(ظفار)- ذات التحصين الطبيعي الفعال ، لأن احتمال سقوط العاصمة الأولى وأسر الملك أو قتله، سيحدث فراغا في الشرعية، وتضاربا في الآراء، مما يكون سببا في احباط المقاومة وإضعاف الهمم. ثانيا: أن يتولى (الأقيال) الدفاع عن العاصمة.
هذا والمراجع الرومانية الكلاسيكية، والنقوش المسندية، ومراجع التراث العربي اليمنية، فيها كلها ما يدل على أنه تم اختيار القيل (إلي شرح ذي ريمان السخيمي) المعروف في المصادر الرومانية التي لم تذكر علماً يمنياً غيره باسم (ilssarus of rhamma
nite = إلي شرح ذو ريمان) والمعروف جيدا في
النقوش بعد أن أصبح ملكا فيما بعد، باسم (إلي شرح يُحْضِب ملك سبأ وذي ريدان) -وهو الأول-، والمعروف جيدا أيضا في كتب التراث اليمني، وفي مقدمتها مؤلفات الهمداني ونشوان بن سعيد بالاسم نفسه-إلي شرح يُحْضِب-كأول ملك يذكر فيها باسمه الملكي الصحيح، وفي ذكرهِ هاله تنويه به، وإشادة بسيرته وأعماله وهذا امر له دلالاته الهامة. . نعم: أختير (إلي شرح) فأسندت-أو أسند الملك- اليه قيادة الخميس والأقيال، وقيادة المقاومة والنهوض لمواجهة الحملة الرومانية، ورغم ما يظهر من انه لم يكن أكبر الاقيال سنا، إلا أنه اختير لأسباب أهمها اخلاصه لنظام (الحكم الائتلافي)، ثم لأن قيالته هي واسطة العقد في (تحالف سمعاء) الذي يضم أهم القيالات في الهضبة الواسعة بين (صنعاء) و(مأرب).
وغادر الملك
مفيدة لهذا او ذاك من الدارسين، وهي كما يلي:-
اولاً: نلاحظ أن العاصمة الأولى (مأرب)، بعد اندحار الحملة، مرت بفترة فراغ قد تبلغ عشرين عاماً تزيد قليلاً او تنقص، وهي فترة يكتنفها الغموض، ويحيط بها الإبهام؛ وتوقف فيها التدوين المسندي في معبد (اوام) بالذات؛ ونعتقد أن خلافا نشب أولا بين عدد من (الأقيال) الذين تولوا الدفاع عن العاصمة الأولى العتيدة من جانب، وبين الملك الشرعي (عمدان بين يُهَقْبِض) الممثل لاستمرار شرعية الحكم (الائتلافي التناوبي) الذي كان قائما قبل الغزو، كما نعتقد أن انقساماً وخلافاً نشب ثانياً بين الاقيال انفسهم
اولاً: نلاحظ أن العاصمة الأولى (مأرب)، بعد اندحار الحملة، مرت بفترة فراغ قد تبلغ عشرين عاماً تزيد قليلاً او تنقص، وهي فترة يكتنفها الغموض، ويحيط بها الإبهام؛ وتوقف فيها التدوين المسندي في معبد (اوام) بالذات؛ ونعتقد أن خلافا نشب أولا بين عدد من (الأقيال) الذين تولوا الدفاع عن العاصمة الأولى العتيدة من جانب، وبين الملك الشرعي (عمدان بين يُهَقْبِض) الممثل لاستمرار شرعية الحكم (الائتلافي التناوبي) الذي كان قائما قبل الغزو، كما نعتقد أن انقساماً وخلافاً نشب ثانياً بين الاقيال انفسهم
-عمدان- (مأرب)؛ أما الأقيال فإن النقوش تذكر من أسمائهم إلى جانب (إلي شرح الريماني السخيمي)، اسم كبير أقيال (بني جرت) الذي بويع فيما بعد ملكا باسم (كربئيل بيّن)، وقيل (بني جرت) الثاني الذي يذكر في النقوش بصيغة (نشأ كرب بن جرت وأخيه ثوبان) ، وتذكر قيل حملان حاشد(سِمُهُ يفع بن تبع) ولا بد ان النقوش -مما لم يصلنا-ذكرت غيرهم ك(بني أقيان) أصحاب قيالة (شبام-شبام كوكبان-) و(بني همدان) أصحاب (ناعط) وعلى رأسهم (ناصر يهأمن بن همدان) الذي تذكره النقوش، كمناصر ل(نشأ كرب الجرتي) حينما أصبح ملكاً - «سي(C)-» لأن المذكورين جميعاً داخلون في (تحالف سمعاء) الحميري الكهلاني، الذي اسندت اليه -وإلى خميس سبأ و ذي ريدان- مهمة الدفاع عن العاصمة (مأرب).
وبعد أن وصلت (الحملة) إلى (نجران) حيث خاضت هناك أولى معاركها الحقيقية، ولكنها كانت معركة محدودة، ضد مقاومة محلية بادر إليها والي (نجران).
وبعد اتضاح رؤية المسار الذي ستتقدم فيه (الحملة) نحو (مأرب)، كان قرار (الأقيال) هو أن يواجهوا الجيش الروماني في (الجوف)، فجهزوا القوة اللازمة، من الخميس -الجيش- ومن رجال (القيالات) المقاتلين، ولا شك أن القائمين على إعداد هذه القوة وقادتها، قاموا بعملهم وهم على علم بقوة الجيش الروماني، وقدراته القتالية، فعملوا جهدهم على أن تكون قوة قادرة على مواجهته.
وانطلقت هذه القوة المجهزة، من (مأرب)، فتلاقت قوة الدفاع القادمة من الجنوب - بالتحديد الجنوب الشرقي- بالقوة الغازية القادمة من الشمال او الشمال الغربي، على ضفاف وادي (الخارد) - كما ذكر استرابون- ب(غيلِه) الكبير دائم الجريان، وهناك دارت رحى الحرب، فكانت بكل تأكيد معركة شرسة حامية الوطيس، قاتل فيها الجيش الروماني قتال جيش محترف مدرب كبير القدرات، وقتال المستميت لأن الانهزام والحرب دائرة تعني الإبادة عبر مسافة تبلغ اكثر من الف وخمسمئة، من الكيلومترات وذلك من أرض المعركة، إلى اوائل أراضي الأمان في مملكة الأنباط شمال الحجاز؛ وقاتل فيها اليمنيون قتال قومٍ هم ((أولو قوة وأولو بأس شديد)) وقتال قوم أحرار لم تطأ بلادهم قدم غاز كائنا من كان، وقتال المستبسل المستميت في الدفاع عن بلاده وشرفه؛ وأول دليل على ضراوة المعركة وشدة اوارها، هو تلك المبالغة غير المنطقية بل السخيفة، والتي اطلقها (استرابون) عن نتيجتها وخسائرها في الجانبين، والتي لا ننظر اليها إلا بمثابة قنبلة دخانية تصرف الأنظار عن أمر فيه ما فيه، وتحاول بدخانها أن تحجب الأكمة، لأن وراء الأكمة ما وراءها.
صحيح أن الجيش الروماني لم ينهزم مولياً الأدبار، ولكنه لم ينتصر، فالمحاربون اليمنيون بعد أن ألحقوا به ضعفا إلى ضعف، ووهنا على وهن، واحتكوا به، وأمنوا قوة تفوقٍ لا طاقة لهم بها. . . أعادوا الانتشار في بلادهم ونحو عاصمتهم، وأكبر دليل على تضعضع احوال الجيش الروماني، وخور قواه بعد هذه المعركة ان المحاربين اليمنيين، ألحقوا به الهزيمة التي سماها (استرابون) فشلاً، وأجبروه على الفرار الذي سماه (استرابون) انسحاباً، وذلك بعد أيام قليلة عند أبواب (مأرب).
إن تسمية الاشياء بأسمائها، هو واجب علمي وأخلاقي، و إلا كيف نفهم اندحار الجيش الروماني من أمام (مأرب)، بحجة انعدام الماء الباطلة! إن لم نسمه (الهزيمة)؟ وكيف نعقل أن يطوي الجيش الروماني المسافة التي طواها في اكثر من ستة اشهر وهو مقبل، في شهرين وهو مدبر، إن لم نسمه (الفرار)؟؟
إذا كان قد مس الرومان قَرْحٌ للمصير التعس الذي حل بجيشهم ونزعاتهم التوسعية؛ وذلك في الأراضي اليمنية؛ فقد مس اليمنيين من حملتهم هذه قَرْحان، قرح ما الحقته بهم من ضرّ بحكم كونها فعل عدواني عليهم لا يحمل لهم إلا الشَّرَّ: وقرح ما أصاب مسيرتهم التاريخية، التي كانت تسير في دروبها آمنة، نحو مزيد من التطور والتقدم، فجاء هذا العدوان لا ليضع العقبات والعوائق أمامها فحسب، بل وليثير من المشاكل الاجتماعية ما كانت خلفته وراءها، وما كانت في طريقها إلى تجاوزه، مما أدى إلى أن تكون (المرحلة الثانية) من (العصر السبئي الثالث)، مختلفة إلى حد كبير عن مرحلته الأولى.
لقد انكسرت الحملة الرومانية على اليمن، فوق ارض اليمن، وانكسر معها من مطامح الرومان ومطامعهم ما انكسر. واندحرت عن ارض اليمن إلى غير رجعة، وجرّت على ابنائه من الآثار السلبية ما جرت.
وما جنته على مرتكبيها من شر، هو من شأن المؤرخين للإمبراطورية الرومانية، ولن نعود إليه فيما بعد إلا بإيجاز؛ وأما ما جنته على اليمن، فإن نقوش المسند الوافرة والعائدة إلى المرحلة الثانية من العصر الذي نحن بصدده، تجسده خير تجسيد، وتصوره أصدق تصوير، واما تفاصيل ذلك، فهي مهمة من يتصدى لكتابة تاريخ هذا العصر كتابة كاملة وشاملة، طبقاً لما هو منتظر من اي مؤرخ يمني متخصص، في هذا المجال الصعب من مجالات العلوم الإنسانية.
أما في هذا (المدخل)، وقبل إيراد (القائمة) التي نراها لملوك هذا العصر بمرحلتيه، مع التعليق عليها، فنضيف بعض النقاط، التي قد تكون
وبعد أن وصلت (الحملة) إلى (نجران) حيث خاضت هناك أولى معاركها الحقيقية، ولكنها كانت معركة محدودة، ضد مقاومة محلية بادر إليها والي (نجران).
وبعد اتضاح رؤية المسار الذي ستتقدم فيه (الحملة) نحو (مأرب)، كان قرار (الأقيال) هو أن يواجهوا الجيش الروماني في (الجوف)، فجهزوا القوة اللازمة، من الخميس -الجيش- ومن رجال (القيالات) المقاتلين، ولا شك أن القائمين على إعداد هذه القوة وقادتها، قاموا بعملهم وهم على علم بقوة الجيش الروماني، وقدراته القتالية، فعملوا جهدهم على أن تكون قوة قادرة على مواجهته.
وانطلقت هذه القوة المجهزة، من (مأرب)، فتلاقت قوة الدفاع القادمة من الجنوب - بالتحديد الجنوب الشرقي- بالقوة الغازية القادمة من الشمال او الشمال الغربي، على ضفاف وادي (الخارد) - كما ذكر استرابون- ب(غيلِه) الكبير دائم الجريان، وهناك دارت رحى الحرب، فكانت بكل تأكيد معركة شرسة حامية الوطيس، قاتل فيها الجيش الروماني قتال جيش محترف مدرب كبير القدرات، وقتال المستميت لأن الانهزام والحرب دائرة تعني الإبادة عبر مسافة تبلغ اكثر من الف وخمسمئة، من الكيلومترات وذلك من أرض المعركة، إلى اوائل أراضي الأمان في مملكة الأنباط شمال الحجاز؛ وقاتل فيها اليمنيون قتال قومٍ هم ((أولو قوة وأولو بأس شديد)) وقتال قوم أحرار لم تطأ بلادهم قدم غاز كائنا من كان، وقتال المستبسل المستميت في الدفاع عن بلاده وشرفه؛ وأول دليل على ضراوة المعركة وشدة اوارها، هو تلك المبالغة غير المنطقية بل السخيفة، والتي اطلقها (استرابون) عن نتيجتها وخسائرها في الجانبين، والتي لا ننظر اليها إلا بمثابة قنبلة دخانية تصرف الأنظار عن أمر فيه ما فيه، وتحاول بدخانها أن تحجب الأكمة، لأن وراء الأكمة ما وراءها.
صحيح أن الجيش الروماني لم ينهزم مولياً الأدبار، ولكنه لم ينتصر، فالمحاربون اليمنيون بعد أن ألحقوا به ضعفا إلى ضعف، ووهنا على وهن، واحتكوا به، وأمنوا قوة تفوقٍ لا طاقة لهم بها. . . أعادوا الانتشار في بلادهم ونحو عاصمتهم، وأكبر دليل على تضعضع احوال الجيش الروماني، وخور قواه بعد هذه المعركة ان المحاربين اليمنيين، ألحقوا به الهزيمة التي سماها (استرابون) فشلاً، وأجبروه على الفرار الذي سماه (استرابون) انسحاباً، وذلك بعد أيام قليلة عند أبواب (مأرب).
إن تسمية الاشياء بأسمائها، هو واجب علمي وأخلاقي، و إلا كيف نفهم اندحار الجيش الروماني من أمام (مأرب)، بحجة انعدام الماء الباطلة! إن لم نسمه (الهزيمة)؟ وكيف نعقل أن يطوي الجيش الروماني المسافة التي طواها في اكثر من ستة اشهر وهو مقبل، في شهرين وهو مدبر، إن لم نسمه (الفرار)؟؟
إذا كان قد مس الرومان قَرْحٌ للمصير التعس الذي حل بجيشهم ونزعاتهم التوسعية؛ وذلك في الأراضي اليمنية؛ فقد مس اليمنيين من حملتهم هذه قَرْحان، قرح ما الحقته بهم من ضرّ بحكم كونها فعل عدواني عليهم لا يحمل لهم إلا الشَّرَّ: وقرح ما أصاب مسيرتهم التاريخية، التي كانت تسير في دروبها آمنة، نحو مزيد من التطور والتقدم، فجاء هذا العدوان لا ليضع العقبات والعوائق أمامها فحسب، بل وليثير من المشاكل الاجتماعية ما كانت خلفته وراءها، وما كانت في طريقها إلى تجاوزه، مما أدى إلى أن تكون (المرحلة الثانية) من (العصر السبئي الثالث)، مختلفة إلى حد كبير عن مرحلته الأولى.
لقد انكسرت الحملة الرومانية على اليمن، فوق ارض اليمن، وانكسر معها من مطامح الرومان ومطامعهم ما انكسر. واندحرت عن ارض اليمن إلى غير رجعة، وجرّت على ابنائه من الآثار السلبية ما جرت.
وما جنته على مرتكبيها من شر، هو من شأن المؤرخين للإمبراطورية الرومانية، ولن نعود إليه فيما بعد إلا بإيجاز؛ وأما ما جنته على اليمن، فإن نقوش المسند الوافرة والعائدة إلى المرحلة الثانية من العصر الذي نحن بصدده، تجسده خير تجسيد، وتصوره أصدق تصوير، واما تفاصيل ذلك، فهي مهمة من يتصدى لكتابة تاريخ هذا العصر كتابة كاملة وشاملة، طبقاً لما هو منتظر من اي مؤرخ يمني متخصص، في هذا المجال الصعب من مجالات العلوم الإنسانية.
أما في هذا (المدخل)، وقبل إيراد (القائمة) التي نراها لملوك هذا العصر بمرحلتيه، مع التعليق عليها، فنضيف بعض النقاط، التي قد تكون
منزل الشريفة تقية بنت الامام يحي
صنعاء - بير العزب. بجوار مقر مجلس النواب حاليا
صنعاء - بير العزب. بجوار مقر مجلس النواب حاليا