#نوفمبر_المجيد
#شبوة والاستعمار البريطاني في ذاكرة الشعر الشعبي(4)
( بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني المجيد)
-------
#علي_صالح_الخلاقي:
وما يجدر الإشارة إليه أن القبائل التي دخلت القوات البريطانية مناطقهم دون اعتراض أو مقاومة تذكر، قد نالتها سهام الشعراء الذين عبروا عن عدم رضاهم إزاء تلك المواقف السلبية. فعند دخول بريطانيا منطقة العوالق وخليفة انتقد الشاعر أحمد بن محمد بن سعد الباراسي قبائل معن وهم الفرع الأكبر في العوالق العليا لسماحهم لبريطانيا باحتلال بلدهم، يقول( ):
غُبني غَبَيْن أحمد على المعني وناموسه
وَرَى المعني يبيع العز والناموس
يبيعونه على سيجر وماكنتوش بالبيسه
زمان القبيله لا اتقالب المخموس( )
بغينا لِحْضُر البرعه لِدُق طاره وقمبوسه
مَعَدْ حَدْ با يوافي برعة القمبوس
ورغم أن بعض الشعراء تناولوا في زواملهم دخول بريطانيا إلى مناطقتهم دون مقاومة فقد كانوا لا يقرون بتعاطفهم مع الاستعمار البريطاني وكل منهم يلقي اللوم على الآخر ويظهر شكوكه فيه، كما في بعض الأشعار. ومن ذلك على سبيل المثال زامل للشاعر سالم بن منصور المرزقي يقول مخاطباً سالم الفطحاني:
يا سالم العاقل بَصَرْته في عدن
سواد بن مصمع وهو قال صورين
والعيلماني دي مع سالم عبد
دي شل عهد الله على دي ينكرين
فرد عليه الشاعر سالم صالح الفطحاني يقول:
يا المرزقي يا دي كلامك ترجمي
يا دي رضيتوا بالمواتر يعبرين
مَصْوَرْ على عهده ولا شي غيره
واعْطَيْت بَكْلِيْ يوم هِنْ يتعَصْوَرين
ويقصد بـ"المواتر" السيارات العسكرية التي سمحوا بمرورها، ويؤكد أنه عمل ما بوسع (بَكْلَه) حينما كانت الطائرات الحربية تحوم (يتعصورين). ويعقب الشاعر أمْذيب بن صالح بن فريد مخيراً إياه بين اتباع المستعمر أو المقاومة:
حيَّا الله الليله مَلاها كُلَّهَا
ما يبرق البارق ويرعد كل حين
إنْ كان با تسجد على دِيْن الكَفَرْ
وإنْ كان با تسلم فنحنُ مسلمين
ويرد الشاعر محسن علي الفطحاني مذكراً أمذيب بأنهم كانوا يأتون في مخارجهم القبيلة مرتين في العام، أما الآن فأمامهم بريطانيا (أبوشنب) يقول:
يا أمذيب بن صالح زمان القبوله
كُنتوا تجونا في السَّنه من مَخْرَجين
واليوم كَدَّينا عليكم بُو شنب
درَّج حجر والموخرات تدرجين
وهذا الشاعر علي محسن السليماني، أحد مشايخ العوالق وكانت له صولات وجولات في مقاومة بريطانيا ببندقيته نوع (بلجيك)، انتقد تردد الشيخ الصريمة في المقاومة ضد الانجليز حينما توجه إليه بهذا الزامل:
قال السليماني على محسن
حارب بريطاني ببلجيكه
يوم الصريمه ما رفع رأسه
ظنه يبا دفعه من أمريكه
ويقول الشاعر باسردة مرحبا بالواحدي الذي مر في حورة ورضوم قبل وصوله إليهم ويصف بريطانيا بالشوحطة التي تبتلع الأقوياء ورمز لهم بالجُبَّر، وهي ثيران الحرثة القوية، يقول:
بالخير رحّب يوم جاك الواحدي
قد مر في حوره وميَّح في رضوم
ماليوم جاتك شوحطه ما تنزقر
ما تقطع الجُبَّر تعبرَّها صموم
فرد عليه الشاعر علي بن ناصر عوض بن قمر يقول:
أنا حلالي في بلاد الحميري
ماشي قيامه فوق راسي با تقوم
حتى ولا حد قال شي والاَّ حسب
لا جدّنا صلَّى ولا احنا با نصوم
ويقصد بقوله لا جدنا صلى ولا احنا با نصوم أنهم أبا عن جد لا يخضعون لأحد بالقوة بما في ذلك بريطانيا. وحين امتدت سياسة بريطانيا إلى العوالق العليا، عبر الشعر الشعبي عن موقف العوالق الرافض للاحتلال البريطاني ، فهذا الشيخ امذيب بن صالح يقول:
حيا بقاف اللام يا مولى السلام
وانا سقى لي كور منفوخ الضباب
ما كلّم الاّ كُلْ من صلَّى وصام
حَيْشا علَيِّه ما ادخُله دِيْن الكلاب
وقال الشاعر ناصر أحمد بن لزنم( ):
قال القبيلي بادع ابتال السَّلَب
وين العوالق دي يسنُّون الحِرَاب
لي منعكم زرّوا ميوح العولقه
لا تتبعونه كل من خالف وعاب
وفي منتصف الخمسينات وبعد دخول بريطانيا إلى الصعيد – العوالق قام مجموعة من الطواسل والمرازيق بضرب مواقع عسكرية. فقال أمذيب بن صالح بن فريد الزامل التالي يؤلب فيه القبائل ضد من قاموا بضرب الصعيد. فقال محرضاً:
قال الفريدي بن رويس العولقي
كيف الخبر يا القبوله يا هل علي
الحد واحد والمخوه واحده
واليوم جانا المرزقي والطوسلي
وقد رد عليه الشاعر أحمد محمد بن سعد الباراسي الذي شارك في ذلك اللقاء مؤكداً أن أهل فريد بن ناصر هم من جاء ببريطانيا ومعسكراتها وأن الحكومة ملزمة بالرد والدفاع عن نفسها، معتبراً القضية سياسية وليست قبلية وكان لرد الباراسي تاثير قوي ضد اتخاذ قرار قبلي، يقول:
يا اليسلمي لا هُوْ زمان القبوله
شَعْنَا لِجِرّ الماء ولا شي له دلي
وان هي حكومه جابها مولى عدن
خلَّه يمر الحبل لمَّا يمتلي
وأثناء دخول بريطانيا إلى مناطق العوالق وخليفة، عبر الشاعر صالح با هارون عن عدم رضاه لقبول الإدارة الاستعمارية (المحكمة)، يقول:
الله يحيي كل من حيا بنا
ياهل البنادق ذي تثنّون الفعال
#شبوة والاستعمار البريطاني في ذاكرة الشعر الشعبي(4)
( بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني المجيد)
-------
#علي_صالح_الخلاقي:
وما يجدر الإشارة إليه أن القبائل التي دخلت القوات البريطانية مناطقهم دون اعتراض أو مقاومة تذكر، قد نالتها سهام الشعراء الذين عبروا عن عدم رضاهم إزاء تلك المواقف السلبية. فعند دخول بريطانيا منطقة العوالق وخليفة انتقد الشاعر أحمد بن محمد بن سعد الباراسي قبائل معن وهم الفرع الأكبر في العوالق العليا لسماحهم لبريطانيا باحتلال بلدهم، يقول( ):
غُبني غَبَيْن أحمد على المعني وناموسه
وَرَى المعني يبيع العز والناموس
يبيعونه على سيجر وماكنتوش بالبيسه
زمان القبيله لا اتقالب المخموس( )
بغينا لِحْضُر البرعه لِدُق طاره وقمبوسه
مَعَدْ حَدْ با يوافي برعة القمبوس
ورغم أن بعض الشعراء تناولوا في زواملهم دخول بريطانيا إلى مناطقتهم دون مقاومة فقد كانوا لا يقرون بتعاطفهم مع الاستعمار البريطاني وكل منهم يلقي اللوم على الآخر ويظهر شكوكه فيه، كما في بعض الأشعار. ومن ذلك على سبيل المثال زامل للشاعر سالم بن منصور المرزقي يقول مخاطباً سالم الفطحاني:
يا سالم العاقل بَصَرْته في عدن
سواد بن مصمع وهو قال صورين
والعيلماني دي مع سالم عبد
دي شل عهد الله على دي ينكرين
فرد عليه الشاعر سالم صالح الفطحاني يقول:
يا المرزقي يا دي كلامك ترجمي
يا دي رضيتوا بالمواتر يعبرين
مَصْوَرْ على عهده ولا شي غيره
واعْطَيْت بَكْلِيْ يوم هِنْ يتعَصْوَرين
ويقصد بـ"المواتر" السيارات العسكرية التي سمحوا بمرورها، ويؤكد أنه عمل ما بوسع (بَكْلَه) حينما كانت الطائرات الحربية تحوم (يتعصورين). ويعقب الشاعر أمْذيب بن صالح بن فريد مخيراً إياه بين اتباع المستعمر أو المقاومة:
حيَّا الله الليله مَلاها كُلَّهَا
ما يبرق البارق ويرعد كل حين
إنْ كان با تسجد على دِيْن الكَفَرْ
وإنْ كان با تسلم فنحنُ مسلمين
ويرد الشاعر محسن علي الفطحاني مذكراً أمذيب بأنهم كانوا يأتون في مخارجهم القبيلة مرتين في العام، أما الآن فأمامهم بريطانيا (أبوشنب) يقول:
يا أمذيب بن صالح زمان القبوله
كُنتوا تجونا في السَّنه من مَخْرَجين
واليوم كَدَّينا عليكم بُو شنب
درَّج حجر والموخرات تدرجين
وهذا الشاعر علي محسن السليماني، أحد مشايخ العوالق وكانت له صولات وجولات في مقاومة بريطانيا ببندقيته نوع (بلجيك)، انتقد تردد الشيخ الصريمة في المقاومة ضد الانجليز حينما توجه إليه بهذا الزامل:
قال السليماني على محسن
حارب بريطاني ببلجيكه
يوم الصريمه ما رفع رأسه
ظنه يبا دفعه من أمريكه
ويقول الشاعر باسردة مرحبا بالواحدي الذي مر في حورة ورضوم قبل وصوله إليهم ويصف بريطانيا بالشوحطة التي تبتلع الأقوياء ورمز لهم بالجُبَّر، وهي ثيران الحرثة القوية، يقول:
بالخير رحّب يوم جاك الواحدي
قد مر في حوره وميَّح في رضوم
ماليوم جاتك شوحطه ما تنزقر
ما تقطع الجُبَّر تعبرَّها صموم
فرد عليه الشاعر علي بن ناصر عوض بن قمر يقول:
أنا حلالي في بلاد الحميري
ماشي قيامه فوق راسي با تقوم
حتى ولا حد قال شي والاَّ حسب
لا جدّنا صلَّى ولا احنا با نصوم
ويقصد بقوله لا جدنا صلى ولا احنا با نصوم أنهم أبا عن جد لا يخضعون لأحد بالقوة بما في ذلك بريطانيا. وحين امتدت سياسة بريطانيا إلى العوالق العليا، عبر الشعر الشعبي عن موقف العوالق الرافض للاحتلال البريطاني ، فهذا الشيخ امذيب بن صالح يقول:
حيا بقاف اللام يا مولى السلام
وانا سقى لي كور منفوخ الضباب
ما كلّم الاّ كُلْ من صلَّى وصام
حَيْشا علَيِّه ما ادخُله دِيْن الكلاب
وقال الشاعر ناصر أحمد بن لزنم( ):
قال القبيلي بادع ابتال السَّلَب
وين العوالق دي يسنُّون الحِرَاب
لي منعكم زرّوا ميوح العولقه
لا تتبعونه كل من خالف وعاب
وفي منتصف الخمسينات وبعد دخول بريطانيا إلى الصعيد – العوالق قام مجموعة من الطواسل والمرازيق بضرب مواقع عسكرية. فقال أمذيب بن صالح بن فريد الزامل التالي يؤلب فيه القبائل ضد من قاموا بضرب الصعيد. فقال محرضاً:
قال الفريدي بن رويس العولقي
كيف الخبر يا القبوله يا هل علي
الحد واحد والمخوه واحده
واليوم جانا المرزقي والطوسلي
وقد رد عليه الشاعر أحمد محمد بن سعد الباراسي الذي شارك في ذلك اللقاء مؤكداً أن أهل فريد بن ناصر هم من جاء ببريطانيا ومعسكراتها وأن الحكومة ملزمة بالرد والدفاع عن نفسها، معتبراً القضية سياسية وليست قبلية وكان لرد الباراسي تاثير قوي ضد اتخاذ قرار قبلي، يقول:
يا اليسلمي لا هُوْ زمان القبوله
شَعْنَا لِجِرّ الماء ولا شي له دلي
وان هي حكومه جابها مولى عدن
خلَّه يمر الحبل لمَّا يمتلي
وأثناء دخول بريطانيا إلى مناطق العوالق وخليفة، عبر الشاعر صالح با هارون عن عدم رضاه لقبول الإدارة الاستعمارية (المحكمة)، يقول:
الله يحيي كل من حيا بنا
ياهل البنادق ذي تثنّون الفعال
#نوفمبر_المجيد
#شبوة والاستعمار البريطاني في ذاكرة الشعر الشعبي(5)
( بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني المجيد)
-------
#علي_صالح_الخلاقي:
صدى الانتفاضات والمقاومة الشعبية في الشعر الشعبي:
-----------
عززت السلطات الاستعمارية وجودها في المحميات بأن عممت نظام "الاستشارة" بدلاً من نظام "الحماية" في السلطنات والمشيخات وازداد تدخلها في شئون المناطق. وبالمقابل توسع نطاق الرفض الشعبي للوجود الاستعماري حتى تحول إلى انتفاضات مسلحة أقضت مضاجع المستعمر ومثلت أرضيّة خصبة للشعراء الشعبيين استقوا منها موضوعاتهم وعبروا عن مواقفهم، بل وأسهموا في بث روح الحماس وشحذ همم المواطنين وإشعال جذوة النضال والمقاومة الشعبية في مختلف مناطق شبوة ضد الاستعمار، ويمكننا من خلال أشعارهم تتبّع جميع مراحل النضال والمقاومة حيث أرخوا لمقاومة ربيز وبيحان ومصعبين والعوالق وغيرها وخلَّدوا مآثر أبطالها.
فبعد أن تمكنت بريطانيا من بسط نفوذها واستبدلت النظام القبلي بنظام الحماية الاستعمارية ساد التململ وعدم الرضا من نظام الحماية، وشعر زعماء العشائر أن سلطة الحكم قد انتزعت منهم وتضاءل في نظرهم ما كانوا يحصلون عليه من عطايا مادية ضئيلة من المستعمر، هي من خيرات بلدهم، مقارنة بما أُخذ منهم وهو جوهر موروثهم وحريتهم، وكان ذلك من عوامل ظهور المقاومة الشعبية، وهذا ما عبر عنه الشاعر أحمد بن علي بن منصر الحارثي في زامل يقول:
سلام مني للحضارة كلها
سادة ودولة والقبائل ذي بشَق
زام القبائل كان يشرح خاطري
واليوم خلوا الزام لوَّل يندحق
وزام القبائل المقصود به النظام القبلي الموروث الذي كانت تسير بموجبه البلاد قبل فرض نظام الحماية الاستعماري، والشاعر هنا يتوجع ويتحسر على ذهاب ذلك الزام أو النظام.
مقاومة بيحان
تعتبر من المقاومة الشعبية المبكرة ضد الوجود الاستعماري مطلع ثلاثينات القرن العشرين، وارتفعت وتيرتها بعد وصول الضابط السياسي البريطاني هملتون عام 1935م وسعي الانجليز لبناء مدرج للطائرات في بيحان (مجراد)، واتبع البريطانيون أن سياسة "فرق تسد" وشراء الذمم من خلال تقديم الأموال والسلاح التي تصب في مصلحة مد النفوذ البريطاني، ثم اغتيال معارضيهم من كبار زعماء بيحان العشائريين، أمثال: أحمد سيف وعلوي أحمد المصعبي وعبدالقادر أحمد سيف، ثم لجأت بريطانيا إلى استخدام القوة العسكرية والطائرات الحربية. فعندما قاد البجاحي المقاومة الشعبية لرفض المشروع البريطاني الإجباري الذي يلزم الفلاحين بزراعة أرضهم قطناً تحقيقاً لرغبة المستعمر، وجهت القوات البريطانية حملة عسكرية ضد مطرح حدجة في بيحان الموسطة واستمرت المعركة ثلاثة أيام، ورغم الخسائر التي تكبدها البجاحي لعدم تكافؤ القوة إلا أنه نجح في الغاء مشروع زراعة القطن الإجباري.
وفي سنة 1935م رفض الشيخ علوي أحمد المصعبي تنصيب حاكم بيحان الهبيلي تحت الحماية البريطانية وعدم الامتثال لأوامر والي عدن الإنجليزي ورفضه طرد الشيخ أحمد ناصر القردعي الذي كان حينها خارج عن طاعة الإمام يحيى، ولم يرضخ للتهديدات البريطانية، وتم بالفعل قصف (عيلان) في وسط بيحان من قبل سلاح الجو البريطاني.روقد تردد صدى تلك الانتفاضة المباركة في ذاكرة الشعر الشعبي( )، حيث خلد الشعراء البطولات والتضحيات الجسيمة المبذولة في التصدي لقوات الاحتلال ونفوذه في بيحان. وقد أشاد الشاعر عبدالله الكدادي( ) بالموقف الصلب للشيخ علوي أحمد المصعبي الذي قُتل فيما بعد على يد الضابط السياسي الإنجليزي المستر ديفي، يقول باكدادة:
وجَا بيحان طاهش كل خَبْتَا
وشيخ المصعبين أهل المَرَاتين
وكم قد طالبوا دولة هَمَلْتَا
وبعد الشيخ علوي له حياتين
ولا فاع النمر قال البَلا ابْتَا
ترُوح الأرض في سته وستين
وبعد ما نفذت حكومة الاحتلال البريطانية تهديدها وقصفت حي عيلان والأحياء المجاورة بواسطة له بالطيران سجّل الشاعر سعيد علي سليمان صور الحادثة الإجرامية وعبر عن ضعف الحيلة لعدم تكافؤ القوة لمواجهة الطائرات (أبو سكروب)، ومما قاله:
وبعد جابوا لنا طيَّار بُو سَكْرُوب
ذي لا شَمَر تِصْوِر آذانك سكاريبه
سَانا الصميمه ولا بيداتنا تَسْبُوب
ظَلاَّ يزَقِّل علينا من مشاهيبه
ودُور عيلان في وسط البلد منصوب
سبعين حبَّه رَمَتْ فِيْهِ ولا شي به
تستاهلون السلامه يا نمر مَنْسُوب
يا الذيب ذي للدِّخُل تِقْرُب معاصيبه
وبغرض اخضاع بيحان لنفوذها عملت السلطات البريطانية- كما أسلفنا- على التخلص من المعارضين من الزعامات القبلية الهامة ليخلو لها الجو، ومنهم أحمد سيف الذي قُتل غدراً في مؤامرة دبرها المستر هملتون ونفذها شخص يدعى سنان، يقول الكدادي في رثائه:
قال اخُو جعبل الباب النَّسم راح ضَنْجُوج
والنّقي عاب والمتعيب أصبح تَرَنجَه
مِنْ قفا الصالحي ذي داخل البيت مَفْدُوج
ابن سيف الذي صيته مَلا كل فجَّه
#شبوة والاستعمار البريطاني في ذاكرة الشعر الشعبي(5)
( بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني المجيد)
-------
#علي_صالح_الخلاقي:
صدى الانتفاضات والمقاومة الشعبية في الشعر الشعبي:
-----------
عززت السلطات الاستعمارية وجودها في المحميات بأن عممت نظام "الاستشارة" بدلاً من نظام "الحماية" في السلطنات والمشيخات وازداد تدخلها في شئون المناطق. وبالمقابل توسع نطاق الرفض الشعبي للوجود الاستعماري حتى تحول إلى انتفاضات مسلحة أقضت مضاجع المستعمر ومثلت أرضيّة خصبة للشعراء الشعبيين استقوا منها موضوعاتهم وعبروا عن مواقفهم، بل وأسهموا في بث روح الحماس وشحذ همم المواطنين وإشعال جذوة النضال والمقاومة الشعبية في مختلف مناطق شبوة ضد الاستعمار، ويمكننا من خلال أشعارهم تتبّع جميع مراحل النضال والمقاومة حيث أرخوا لمقاومة ربيز وبيحان ومصعبين والعوالق وغيرها وخلَّدوا مآثر أبطالها.
فبعد أن تمكنت بريطانيا من بسط نفوذها واستبدلت النظام القبلي بنظام الحماية الاستعمارية ساد التململ وعدم الرضا من نظام الحماية، وشعر زعماء العشائر أن سلطة الحكم قد انتزعت منهم وتضاءل في نظرهم ما كانوا يحصلون عليه من عطايا مادية ضئيلة من المستعمر، هي من خيرات بلدهم، مقارنة بما أُخذ منهم وهو جوهر موروثهم وحريتهم، وكان ذلك من عوامل ظهور المقاومة الشعبية، وهذا ما عبر عنه الشاعر أحمد بن علي بن منصر الحارثي في زامل يقول:
سلام مني للحضارة كلها
سادة ودولة والقبائل ذي بشَق
زام القبائل كان يشرح خاطري
واليوم خلوا الزام لوَّل يندحق
وزام القبائل المقصود به النظام القبلي الموروث الذي كانت تسير بموجبه البلاد قبل فرض نظام الحماية الاستعماري، والشاعر هنا يتوجع ويتحسر على ذهاب ذلك الزام أو النظام.
مقاومة بيحان
تعتبر من المقاومة الشعبية المبكرة ضد الوجود الاستعماري مطلع ثلاثينات القرن العشرين، وارتفعت وتيرتها بعد وصول الضابط السياسي البريطاني هملتون عام 1935م وسعي الانجليز لبناء مدرج للطائرات في بيحان (مجراد)، واتبع البريطانيون أن سياسة "فرق تسد" وشراء الذمم من خلال تقديم الأموال والسلاح التي تصب في مصلحة مد النفوذ البريطاني، ثم اغتيال معارضيهم من كبار زعماء بيحان العشائريين، أمثال: أحمد سيف وعلوي أحمد المصعبي وعبدالقادر أحمد سيف، ثم لجأت بريطانيا إلى استخدام القوة العسكرية والطائرات الحربية. فعندما قاد البجاحي المقاومة الشعبية لرفض المشروع البريطاني الإجباري الذي يلزم الفلاحين بزراعة أرضهم قطناً تحقيقاً لرغبة المستعمر، وجهت القوات البريطانية حملة عسكرية ضد مطرح حدجة في بيحان الموسطة واستمرت المعركة ثلاثة أيام، ورغم الخسائر التي تكبدها البجاحي لعدم تكافؤ القوة إلا أنه نجح في الغاء مشروع زراعة القطن الإجباري.
وفي سنة 1935م رفض الشيخ علوي أحمد المصعبي تنصيب حاكم بيحان الهبيلي تحت الحماية البريطانية وعدم الامتثال لأوامر والي عدن الإنجليزي ورفضه طرد الشيخ أحمد ناصر القردعي الذي كان حينها خارج عن طاعة الإمام يحيى، ولم يرضخ للتهديدات البريطانية، وتم بالفعل قصف (عيلان) في وسط بيحان من قبل سلاح الجو البريطاني.روقد تردد صدى تلك الانتفاضة المباركة في ذاكرة الشعر الشعبي( )، حيث خلد الشعراء البطولات والتضحيات الجسيمة المبذولة في التصدي لقوات الاحتلال ونفوذه في بيحان. وقد أشاد الشاعر عبدالله الكدادي( ) بالموقف الصلب للشيخ علوي أحمد المصعبي الذي قُتل فيما بعد على يد الضابط السياسي الإنجليزي المستر ديفي، يقول باكدادة:
وجَا بيحان طاهش كل خَبْتَا
وشيخ المصعبين أهل المَرَاتين
وكم قد طالبوا دولة هَمَلْتَا
وبعد الشيخ علوي له حياتين
ولا فاع النمر قال البَلا ابْتَا
ترُوح الأرض في سته وستين
وبعد ما نفذت حكومة الاحتلال البريطانية تهديدها وقصفت حي عيلان والأحياء المجاورة بواسطة له بالطيران سجّل الشاعر سعيد علي سليمان صور الحادثة الإجرامية وعبر عن ضعف الحيلة لعدم تكافؤ القوة لمواجهة الطائرات (أبو سكروب)، ومما قاله:
وبعد جابوا لنا طيَّار بُو سَكْرُوب
ذي لا شَمَر تِصْوِر آذانك سكاريبه
سَانا الصميمه ولا بيداتنا تَسْبُوب
ظَلاَّ يزَقِّل علينا من مشاهيبه
ودُور عيلان في وسط البلد منصوب
سبعين حبَّه رَمَتْ فِيْهِ ولا شي به
تستاهلون السلامه يا نمر مَنْسُوب
يا الذيب ذي للدِّخُل تِقْرُب معاصيبه
وبغرض اخضاع بيحان لنفوذها عملت السلطات البريطانية- كما أسلفنا- على التخلص من المعارضين من الزعامات القبلية الهامة ليخلو لها الجو، ومنهم أحمد سيف الذي قُتل غدراً في مؤامرة دبرها المستر هملتون ونفذها شخص يدعى سنان، يقول الكدادي في رثائه:
قال اخُو جعبل الباب النَّسم راح ضَنْجُوج
والنّقي عاب والمتعيب أصبح تَرَنجَه
مِنْ قفا الصالحي ذي داخل البيت مَفْدُوج
ابن سيف الذي صيته مَلا كل فجَّه