اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
الجامع الكبير بمدينة #زبيد

تجمع المصادر التاريخية على أن زبيد لبّت الدعوة الإسلامية في أواخر العام السابع وبداية العام الثامن الهجري، بقيادة أبي موسى الأشعري ومن معه. وسُمِّيت المدينة باسم الوادي الذي حمل اسم قبيلة زبيد القاطنة في سهل تهامة. وقد اختطها محمد بن عبد الله بن زياد سنة (204هـ)، واتخذها عاصمةً له.

أُحيطت المدينة بسورٍ مبنيٍّ من الآجر تدعمه مجموعة من الأبراج، وفُتحت فيه عدة أبواب. ومن المعلوم أن أول ما يُحدَّد عند إنشاء أي مدينة إسلامية هو المسجد الجامع، ثم تتوزع حوله بقية المنشآت والأحياء. وكان الجامع عند تأسيسه بسيط البناء، حتى جدده الحسين بن سلامة سنة (393هـ)، ثم أعاد عمارته المبارك بن منقذ سنة (574هـ). كما أضاف السلطان طغتكين بن أيوب الجناحين الشرقي والغربي والمؤخرة، وشيّد له منارة ووضع فيه المنبر.

وحظي الجامع باهتمام السلاطين الرسوليين، ثم السلطان عامر بن عبد الوهاب الذي جدده وسقفه وزيّنه بالزخارف والنقوش الكتابية، واستمرت العناية به من قبل الولاة والحكام حتى يومنا هذا.

ويتألف الجامع من صحن مكشوف تتوسطه الساحة، تحيط به أربعة أروقة، أعمقها رواق القبلة، ويشغل مساحة تُقدَّر بنحو (4500م²). وله محرابان يتوسطهما منبر خشبي، كما غُطي بيت الصلاة بسقف خشبي تزينه زخارف ملونة قوامها عناصر نباتية متناظرة مستوحاة من ثمرة البطيخ، نُفذت بأسلوب قريب من الطبيعة. ويعلو الجامع سبع قباب، وفتح في جدرانه ثلاثة عشر باباً وأربعون نافذة لإدخال الضوء، كما أُلحق به في الجهة الشرقية مخزنان ومقاصير لطلاب العلم، وأقيمت منارته في مؤخرة المسجد.

ويتمتع الجامع الكبير بمدينة زبيد بمكانة روحية وعلمية عظيمة، إذ كان خلال عصور الازدهار مركزاً من مراكز الفكر الإسلامي، تُدرَّس في حلقاته العلمية مختلف العلوم، كالفقه والنحو والجبر والهندسة وغيرها، فكان منارةً للعلم والمعرفة، ومشعلاً من مشاعل الفكر الإنساني التي انطلقت من أروقة هذا الجامع المبارك.

#محافظة_الحديدة
#مدينة_زبيد
#الجامع_الكبير
#فن_العمارة_الاسلامية
#جوامع_اليمن
#مساجد_اليمن
#جامع_أثري
#مسجد_أثري
#الهيئة_العامة_للآثار_والمتاحف
حكايات #حضرموت

حكاية #مسجد بعير بلا رقبة
د /مسعود عمشوش

في إحدى أمسيات الشتاء الباريسي الطويلة، حين كانت الريح تصفر بين مباني الحي اللاتيني كأنها تبحث عن شيء ضاع منها منذ قرون، كنت أجلس مع بعض زملائي في السكن الجامعي المطل على شارع سان ميشيل، سكن ساغاي. كان الليل قد تجاوز منتصفه، وبدأت فناجين القهوة الفارغة تتزاحم فوق الطاولة أكثر من الكتب.
كان بيننا طالب فرنسي مولع بالحكايات الشعبية. وكان يحدثنا يومها عن كنائس مهجورة في ريف نورماندي، يزعم الفلاحون أن أجراسها تدق وحدها في الليالي الماطرة. وحين انتهى من حديثه، التفت إليّ مبتسماً وقال:
ـ وأنتم في حضرموت؟ لا بد أن لديكم مثل هذه الأساطير.
ضحكت حينها وقلت:
ـ في حضرموت لا تكاد تجد مكاناً إلا وله حكاية. بل إن بعض المساجد عندنا تحمل أسماء أغرب من الحكايات نفسها.
سألني أحدهم:
ـ مثل ماذا؟
فقلت:
ـ عندنا مثلا مسجد اسمه (مسجد بعير بلا رقبة).
ساد الصمت حول الطاولة. وارتسمت على الوجوه تلك النظرة التي أعرفها جيداً؛ النظرة التي تجمع بين الاستغراب وعدم التصديق.
قال الفرنسي:
ـ مسجد... ماذا؟
فأعدت العبارة ببطء:
ـ مسجد بعير بلا رقبة.
ثم أسندت ظهري إلى الكرسي، وتركت للحكاية أن تخرج من ذاكرتي كما تخرج رائحة الطين المبتل من جدران سيئون بعد المطر.
يقع المسجد في الطرف الشرقي من مدينة سيئون، قريباً من مزارع النخيل القديمة. أما اليوم فيعرف باسم (مسجد جابرية)، لكن كبار السن ما زالوا يذكرون اسمه الأول، الاسم الذي تناقلته الألسن جيلاً بعد جيل: مسجد بعير بلا رقبة.
ولم يكن أحد يعرف على وجه اليقين اسم الرجل الذي بناه. فكما يحدث دائماً في الحكايات الشعبية، يختفي اسم الإنسان ويبقى أثره. ويُقال إن ذلك الرجل كان فقيراً، وأن مصيبة عظيمة نزلت به، أو أن أمراً جللاً أحاط به حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت. وفي ليلة من ليالي القلق رفع يديه إلى السماء ونذر نذراً: إن نجاه الله مما هو فيه فسيبني مسجداً يُذكر فيه اسمه.
ومرت الأيام. وانكشفت الغمة. ووجد الرجل نفسه أمام وعد قطعه لله.
لكن الوعد كان أكبر من قدرته. لم يكن يملك أرضاً ولا مالاً ولا تجارة. كل ما كان يملكه بعير واحد يعتمد عليه في معاشه.
وهنا تبدأ الحكاية بالتشعب. فبعض الرواة يقولون إنه باع البعير لينفق ثمنه على بناء المسجد. وبعضهم يؤكد أنه ذبحه وباع لحمه قطعة قطعة.
لكن الجميع يتفقون على شيء واحد: أن المسجد بُني من ثمن ذلك البعير.
أما لماذا سمي بعير بلا رقبة، فذلك مما اختلف فيه الناس حتى صار جزءاً من غموض الحكاية نفسها.
توقفت قليلاً لأشعل سيجارة. وكان زملائي ينصتون بصمت.
أدركت حينها أن الحكاية لم تعد تخص حضرموت وحدها؛ فقد انتقلت إلى تلك الغرفة الباريسية الصغيرة، وأصبحت تعيش بيننا. فواصلت الحديث.
قلت لهم:
لكن بناء المسجد ليس أغرب ما في القصة.
الأغرب ما حدث بعد وفاة الرجل. فحين مات، حمله الناس ليشيعوه إلى مقبرة جوهر، المقبرة الكبرى في سيئون. غير أن الرواية الشعبية تقول إنهم كلما حاولوا تحريك جنازته تعذر عليهم ذلك. كان النعش يثقل فجأة كأنه التصق بالأرض. وحاولوا مرة ثانية وثالثة. لكن الأمر تكرر.
وعندها قال بعض الشيوخ إن الرجل يريد أن يُدفن قرب المسجد الذي بناه. فحفروا له قبراً إلى الجنوب من المسجد ودفنوه هناك. وهنا تبدأ الحكاية بالدخول إلى تلك المنطقة الغامضة التي يعجز المؤرخون عن الاقتراب منها ويعشقها الرواة. إذ يُقال إن بعض الناس حاولوا بعد ذلك أن يدفنوا موتاهم بجوار قبره. لكنهم كانوا يجدون الجثامين في صباح اليوم التالي فوق سطح الأرض، كأن التراب لفظها. ولم يجرؤ أحد بعدها على تكرار المحاولة.
كنت أرى الدهشة ترتسم على وجوه الحاضرين.
أما أنا فقد كنت أرى في ذاكرتي صورة المسجد كما عرفته طفلاً. صغيراً.
هادئاً. محاطاً بالنخيل. كأنه يخبئ سراً قديماً. وقلت لهم:
ولم تنته الحكاية عند هذا الحد. فقد كان أهل المنطقة يروون أنهم رأوا ليلاً ضوءاً صغيراً فوق القبر.
ثم صار بعضهم يؤكد أنه يشاهد امرأة تأتي بعد منتصف الليل. لا أحد يعرف من أين تأتي. ولا إلى أين تذهب. كانت تشعل مسرجة معلقة غوث القبر وتنظف المكان ثم تختفي قبل الفجر.
وكان بعضهم يقسم أنه رآها. بينما كان آخرون يقسمون أنها ليست امرأة من الإنس أصلاً. ومع مرور الوقت خاف الناس من المكان. وهُجر المسجد. وبقي مهجوراً سنوات طويلة. وكنت عندما أذهب لزيارة خالي سالم بن يربوع الذي كانت لديه مزرعة شمال المسجد نتجنب الطريق الذي يمر بالقرب من المسجد ونأتي من الجهة الغربية.
وظل الوضع هكذا حتى قرر خالي سالم، وكان رجلا من أهل الخير، إعادة الحياة للمسجد بالتعاون مع بعض الجيران. فنظف المسجد. ووصل إليه الماء من مكنيته في بئر جابرية النجدية، وأعاد فتح أبوابه للمصلين.