• العلم والفقه في حياة المهاجرين #اليافعيين في المهجر #الهندي
• "مفتي #الشوافع"
#محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل #باعباد
لم تكن الهجرة اليافعية إلى الهند وشرق آسيا مجرد انتقالٍ بحثًا عن الرزق وتحسين الأحوال المعيشية، بل كانت تجربة إنسانية وحضارية واسعة تركت آثارًا عميقة في حياة الأسر والأفراد، وأسهمت في تشكيل أجيال من اليافعيين الذين جمعوا بين النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعسكري، وبين الاهتمام بالعلم والتعليم والثقافة والدين.
وكما عُرف عن المهاجرين الحضارم اهتمامهم بالعلم والتفقه في الدين، فإن بين المهاجرين من أبناء يافع نماذج تؤكد أن طلب العلم كان حاضرًا بقوة في حياة بعض الأسر اليافعية، ولا سيما الأسر التي ارتبط تاريخها بالفقه والشريعة والقضاء، مثل آل العبادي والقضاة وغيرهم من الأسر التي كانت لها صلات بالعلماء وطلاب العلم، أو كان في أبنائها من تلقى العلوم الشرعية وتصدر للتدريس والإفتاء.
ويبدو من المراسلات المتبادلة بين يافع وأبنائها في المهجر أن التعليم كان يُنظر إليه باعتباره طريقًا للارتقاء، واكتساب المكانة، والمحافظة على إرث الأسرة ومكانتها
فهذه رسالة قاضي #خلاقة قاسم عبدالصفي، المحررة في 25 شوال 1315هـ، والموجهة إلى ابنه محمد في #الهند.
عبّر فيها الأب عن بالغ فرحه وسروره عندما علم من رسالة ابنه أنه «يقرأ العلم»، فقال له:
«أما من عندك فأنت ذكرت أنك بتقرأ العلم، وفرحنا واسترينا أنا وأهل خلاقة الجميع يوم #زقرت (أمسكت) مهرة أجدادك، نقول الله يقيمك ويهديك إلى ما يرضيه ويجنبك ما يعصيه».
وتكشف هذه العبارة، على بساطتها، عن دلالات اجتماعية وثقافية مهمة؛ فالأب لم يتعامل مع خبر ابنه في طلب العلم باعتباره شأنًا شخصيًا يخص الابن وحده، وإنما عدّه مصدر فخر وفرح لأهله وذويه في يافع وخبرًا يفرح به أهل خلاقة جميعًا. وهذا يعكس المكانة التي كان يحظى بها العلم والمتعلم في المجتمع، ويبين أن نجاح الابن في طريق العلم كان يُعد مكسبًا معنويًا للأسرة والقرية معًا.
واللافت في الرسالة أيضًا قول قاسم عبدالصفي لابنه: «يوم زقرت مهرة أجدادك»، وهي عبارة ذات دلالة عميقة، إذ تربط طلب العلم بالميراث المعنوي للأسلاف، وكأن الأب يرى في تعلّم ابنه امتدادًا لمكانة الأجداد. ولذلك جاء دعاؤه له بأن يوفقه الله ويهديه إلى ما يرضيه ويجنبه ما يعصيه؛ فالعلم في نظره لا تكتمل قيمته إلا إذا اقترن بالصلاح وحسن السيرة.
كما أن هناك من أبناء يافع ممن لم يكتفوا بتلقي العلم، وإنما بلغوا مراتب متقدمة فيه، فأصبحوا معلمين، وحصل بعضهم على مرتبة الإفتاء. وتكشف إحدى المراسلات التي بين أيدينا جانبًا مهمًا من هذا الاهتمام. ففي رسالة محررة في 9 رمضان سنة 1332هـ، بعث بها عبدالله بن محمد ومحمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد من حيدر آباد بالهند إلى يافع، يزفان فيها خبرًا مفرحًا عن تفوق أحد أفراد الأسرة في العلم وبلوغه منزلة علمية رفيعة، يذكران أنها لم تكن معروفة لأحد من أسلافهم المتقدمين.
وجاء في الرسالة:
«والولد محمد يا أخ لا نحن ولا أهلنا المتقدمين من آل باعباد من زمان الجد أحمد خلف ما حد وصل مرتبته بالعلم أبدًا، نقول الله يزيده ويبارك فيه، الله الله بالدعاء.... ومن طرف الولد محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد مفتي الشوافع والذي يقرأون عنده مقدر خمسين نفر، ادعوا له الله الله».
وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة؛ لأنها لا تكتفي بالإشارة إلى نجاح فرد في طلب العلم، وإنما تقدم لنا صورة عن المكانة التي كان يحتلها العلم في الوعي الأسري والاجتماعي للمهاجرين. فالمرسلان يصفان بلوغ محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد مرتبة «مفتي الشوافع» بأنه إنجاز غير مسبوق في أسرة آل باعباد منذ الجد أحمد خلف، ويطلبان من أهله في يافع الدعاء له، بما يعكس الاعتزاز الأسري بهذا التفوق العلمي.
والأهم من ذلك أن الرسالة تشير إلى أنه أصبح يقوم بتدريس نحو خمسين شخصًا، وهو رقم يدل على أنه لم يكن مجرد طالب علم، بل انتقل إلى مرحلة التدريس والإفادة والتأثير في الآخرين. وهذا يكشف عن وجود حلقات تعليمية وبيئات علمية في المهجر ارتبط بها بعض أبناء الأسر اليافعية، وأن الهجرة لم تكن قطيعة مع البيئة العلمية والدينية في الوطن، بل أتاحت لبعض المهاجرين فرصًا لمواصلة التحصيل العلمي والارتقاء في مراتبه.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة الأسر اليافعية التي ارتبط أبناؤها بالفقه والشريعة والقضاء بصورة خاصة؛ إذ يمكن لمراسلاتها ووثائقها العائلية أن تكشف لنا عن مسارات علمية لم تحظَ بالتوثيق الكافي في المصادر المنشورة. فربما كان أحد الأبناء يتلقى العلم على يد شيخ في الهند، ثم ينتقل إلى التدريس، أو يتولى الإفتاء، أو يعود إلى يافع حاملًا معه ما اكتسبه من علوم ومعارف، وربما ظل آخرون في المهجر وأسهموا في الحياة الدينية والتعليمية هناك.
• "مفتي #الشوافع"
#محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل #باعباد
لم تكن الهجرة اليافعية إلى الهند وشرق آسيا مجرد انتقالٍ بحثًا عن الرزق وتحسين الأحوال المعيشية، بل كانت تجربة إنسانية وحضارية واسعة تركت آثارًا عميقة في حياة الأسر والأفراد، وأسهمت في تشكيل أجيال من اليافعيين الذين جمعوا بين النشاط الاقتصادي والاجتماعي والعسكري، وبين الاهتمام بالعلم والتعليم والثقافة والدين.
وكما عُرف عن المهاجرين الحضارم اهتمامهم بالعلم والتفقه في الدين، فإن بين المهاجرين من أبناء يافع نماذج تؤكد أن طلب العلم كان حاضرًا بقوة في حياة بعض الأسر اليافعية، ولا سيما الأسر التي ارتبط تاريخها بالفقه والشريعة والقضاء، مثل آل العبادي والقضاة وغيرهم من الأسر التي كانت لها صلات بالعلماء وطلاب العلم، أو كان في أبنائها من تلقى العلوم الشرعية وتصدر للتدريس والإفتاء.
ويبدو من المراسلات المتبادلة بين يافع وأبنائها في المهجر أن التعليم كان يُنظر إليه باعتباره طريقًا للارتقاء، واكتساب المكانة، والمحافظة على إرث الأسرة ومكانتها
فهذه رسالة قاضي #خلاقة قاسم عبدالصفي، المحررة في 25 شوال 1315هـ، والموجهة إلى ابنه محمد في #الهند.
عبّر فيها الأب عن بالغ فرحه وسروره عندما علم من رسالة ابنه أنه «يقرأ العلم»، فقال له:
«أما من عندك فأنت ذكرت أنك بتقرأ العلم، وفرحنا واسترينا أنا وأهل خلاقة الجميع يوم #زقرت (أمسكت) مهرة أجدادك، نقول الله يقيمك ويهديك إلى ما يرضيه ويجنبك ما يعصيه».
وتكشف هذه العبارة، على بساطتها، عن دلالات اجتماعية وثقافية مهمة؛ فالأب لم يتعامل مع خبر ابنه في طلب العلم باعتباره شأنًا شخصيًا يخص الابن وحده، وإنما عدّه مصدر فخر وفرح لأهله وذويه في يافع وخبرًا يفرح به أهل خلاقة جميعًا. وهذا يعكس المكانة التي كان يحظى بها العلم والمتعلم في المجتمع، ويبين أن نجاح الابن في طريق العلم كان يُعد مكسبًا معنويًا للأسرة والقرية معًا.
واللافت في الرسالة أيضًا قول قاسم عبدالصفي لابنه: «يوم زقرت مهرة أجدادك»، وهي عبارة ذات دلالة عميقة، إذ تربط طلب العلم بالميراث المعنوي للأسلاف، وكأن الأب يرى في تعلّم ابنه امتدادًا لمكانة الأجداد. ولذلك جاء دعاؤه له بأن يوفقه الله ويهديه إلى ما يرضيه ويجنبه ما يعصيه؛ فالعلم في نظره لا تكتمل قيمته إلا إذا اقترن بالصلاح وحسن السيرة.
كما أن هناك من أبناء يافع ممن لم يكتفوا بتلقي العلم، وإنما بلغوا مراتب متقدمة فيه، فأصبحوا معلمين، وحصل بعضهم على مرتبة الإفتاء. وتكشف إحدى المراسلات التي بين أيدينا جانبًا مهمًا من هذا الاهتمام. ففي رسالة محررة في 9 رمضان سنة 1332هـ، بعث بها عبدالله بن محمد ومحمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد من حيدر آباد بالهند إلى يافع، يزفان فيها خبرًا مفرحًا عن تفوق أحد أفراد الأسرة في العلم وبلوغه منزلة علمية رفيعة، يذكران أنها لم تكن معروفة لأحد من أسلافهم المتقدمين.
وجاء في الرسالة:
«والولد محمد يا أخ لا نحن ولا أهلنا المتقدمين من آل باعباد من زمان الجد أحمد خلف ما حد وصل مرتبته بالعلم أبدًا، نقول الله يزيده ويبارك فيه، الله الله بالدعاء.... ومن طرف الولد محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد مفتي الشوافع والذي يقرأون عنده مقدر خمسين نفر، ادعوا له الله الله».
وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة؛ لأنها لا تكتفي بالإشارة إلى نجاح فرد في طلب العلم، وإنما تقدم لنا صورة عن المكانة التي كان يحتلها العلم في الوعي الأسري والاجتماعي للمهاجرين. فالمرسلان يصفان بلوغ محمد بن ناصر بن محمد أحمد خلف آل باعباد مرتبة «مفتي الشوافع» بأنه إنجاز غير مسبوق في أسرة آل باعباد منذ الجد أحمد خلف، ويطلبان من أهله في يافع الدعاء له، بما يعكس الاعتزاز الأسري بهذا التفوق العلمي.
والأهم من ذلك أن الرسالة تشير إلى أنه أصبح يقوم بتدريس نحو خمسين شخصًا، وهو رقم يدل على أنه لم يكن مجرد طالب علم، بل انتقل إلى مرحلة التدريس والإفادة والتأثير في الآخرين. وهذا يكشف عن وجود حلقات تعليمية وبيئات علمية في المهجر ارتبط بها بعض أبناء الأسر اليافعية، وأن الهجرة لم تكن قطيعة مع البيئة العلمية والدينية في الوطن، بل أتاحت لبعض المهاجرين فرصًا لمواصلة التحصيل العلمي والارتقاء في مراتبه.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة الأسر اليافعية التي ارتبط أبناؤها بالفقه والشريعة والقضاء بصورة خاصة؛ إذ يمكن لمراسلاتها ووثائقها العائلية أن تكشف لنا عن مسارات علمية لم تحظَ بالتوثيق الكافي في المصادر المنشورة. فربما كان أحد الأبناء يتلقى العلم على يد شيخ في الهند، ثم ينتقل إلى التدريس، أو يتولى الإفتاء، أو يعود إلى يافع حاملًا معه ما اكتسبه من علوم ومعارف، وربما ظل آخرون في المهجر وأسهموا في الحياة الدينية والتعليمية هناك.