اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
مرايا الذات بين
"
#الأخدام " و #الأسياد
جذور الفصام المجتمعي في سلب الحقوق
د. نهى الكازمي

المُهمّشون مُصطلح طارئ على القارئ اليمني، وهذا المصطلح على الرغم من تعدد مدلولاته ومعانيه الأخرى، فهو في اليمن يُعنى به (الأخدام)، وهناك دلالات محليّة أُخرى تحوم حول هذا المصطلح، منها: (حيك، حويك، حجور). 
وبعيدًا عن التعريف الاصطلاحي لمصطلح المهمشين الذي تقدمه منظمات المجتمع المدني في اليمن، دون وعي أو إحاطة بتعدد دلالات هذا المصطلح، فإن فئة (الأخدام) تقع أدنى سُلّم التراتبية الطبقية في اليمن مع اليهود؛ وفق التقسيم الطبقي للمجتمع اليمني قديمًا. 
المرتبة الأولى
المرتبة الثانية
المرتبة الثالثة
المرتبة الرابعة
المرتبة الخامسة
- مشايخ القبائل
- السادة
- القضاة
- الفقهاء
- فئة الأعيان
ورجال القبائل
- الفئات الحرفية والمهنية
- فئة اليهود
- فئة الأخدام
ولأنهم كذلك، فهم عادة ما يعيشون معًا في العُشش (مجمعات الصفيح)، في منطقة منعزلة داخل المدينة، ويشتغلون في المهن التي جرى تحقيرها، كالعمل في الصرف الصحي والحمامات، ورفع القمامة، ونتيجة لعزلتهم هذه أُتخمت المُخيلة الجمعيّة بصورة ذهنيَّة مُهينة عن حياة هذه الفئة في المجتمع اليمني، خصوصًا أنهم من ذوي البشرة السوداء، فاجتمعت مقومات الازدراء المرتبط بالانتقاص القبَلي، والتمييز العنصري، وهي ثقافة استزرعت بعناية من قبل المنظومة السُّلاليَّة والقبَلية في بعض توجهاتها، والتي تُبيح لنفسها حق انتقاص الآخر والنيل من مكانته وحقوقه المساوية لهم.
على الصعيد نفسه، نجد أن حضور المهمشين في المناسبات المختلفة أساسيّ؛ فهم من يمثلون ويعبرون عن التراث الشعبي اليمني، الذي يخجل من يرون أنفسهم أشرافًا من تمثيله، فهي مهنة (الأخدام)؛ أن يرقصوا، أن يُطبلوا، أن يغنوا...، هذه الفنون يضطلع بها المهمشون وحدهم، ولكنها في الوقت نفسه أرث يمني خالص.


ولو حاولنا أن نبحث في ذاكرة الثقافية الشعبيَّة، عن أمثال عكست تصور محدد عن فئة المهمشين، لوجدنا أن الأمثال الشعبيَّة تُعزز الصورة الذهنيّة السلبيّة تجاههم، بل إنها تلتمس للآخر العذر لاحتقارهم، ومثال ذلك: "لا يغرك حسن الأخدام والنجاسة بالعظام"، "من عامل الخادم بكّر نادم"، "اغسل بعد الكلب واکسر بعد الخادم"! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد وصل الأمر ببشاعته إلى اختلاق قصص خيالية حول حياة هذه الفئة، فقيل عنهم: "يأكلون أمواتهم ولا يدفنونهم، إذا سلّمت عليهم سيأكل يدك الدود...". 
وعلى الرغم من احتقار المجتمع لهم، يبقى متمسكًا بهم؛ لأنهم يقومون بدور مهم في الحفاظ على نظافة المدن والشوارع والأحياء والمؤسسات، وهذا الفِصام المجتمعي له جذوره التاريخيّة، فشاعر المعلقات عنترة بن شداد عبّر عن معاناته، قائلًا:
  يُنادونَني في السِّلمِ يا ابنَ زَبيبَةٍ
                               وَعِندَ صِدامِ الخَيلِ يا ابنَ الأَطايِبِ
عبّرت رواية علي المقري (طعم أسود رائحة سوداء)، عن صوت الآخر المقهور الذي يشعر بالغبن من مجتمعه "نحن لسنا عبيدًا، العبيد أفضل منا بكثير، فهم أعلى منا بدرجة. فوق العبيد هناك اليهود، وفوق اليهود أبناء الخمس، الدواشنة من المدّاحين والمزيّنين الحلّاقين والحجّامين والحمّامين والخدّام في الحمامات والدبّاغين والمقهويين والمقوّتين، فوقهم القبائل، فوق القبائل المشايخ والقضاة ثم السادة".
إن الحفر في الذاكرة عن دلالات تحقير الآخر، والتي دأب المجتمع على ضمان استمرارها، يقودنا إلى التساؤل عن آليات اشتغال العقل ومدى تبنيه للقيم الدينية التي وجّهنا الإسلام لها، ومنها قوله تعالى في سورة الروم، آية (22): 
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْۚإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾.
وقوله (ﷺ) في خُطْبَته وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى...". 

المُهمشون وحفظ الفن الشعبي
في بطولة كأس العالم في قطر، تعرض مُلاطف حميدي إلى حملة تنمّر من قبل أُسرة الحميدي في صنعاء، بدعوة أن ملاطفًا لا ينتمي لقبيلتهم ولا يُشرفهم أن يحمل قارع طبول اسمهم، في الوقت الذي كان فيه مُلاطف يُمثّل اليمن في بطولة كأس العالم وكان محطّ أعجاب الجميع، كانت بعض العقليات اليمنيَّة أسيرة لوهم القبيلي، وترى في الانتماء القبلي شرفًا يجب ألّا يناله كل الناس على حد سواء.